← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فقد أثبت الإمام أحمد الإدراك لمحمود بن لبيد دون السماع، وأورد أحاديثه في مسنده، وهي مرسلة في الحقيقة لكنها مسندة عنده بدليل إيراده لها في المسند، وهذا أيضاً يدل على أن مرسل الصحابي عند الإمام أحمد من قبيل المسند. ومما يدل على ذلك أيضاً أنه أقر احتجاج من احتج بحديث من أحاديث محمود بن لبيد الذي أرسله عن النبي ﷺ ، والاحتجاج فرع التصحيح، فذكر عبد الله بن أحمد (١) قال: قلت لأبي: إن رجلاً قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تُجزه إلا أن يصليهما في بيته، لأن النبي ﷺ قال: "هذه صلوات البيوت". قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن. قال: ما أحسن ما قال، أو ما أحسن ما انتزع. ا. هـ. وقد تقدم أنه نفى عن عبد الرحمن بن غنم السماع من النبي ﷺ مع إثبات الإدراك له، وهو شاهد آخر على التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة عنها. فهذه بعض الأمثلة التي توضح أن الإمام أحمد يفرق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة منها، فقد ينفي الصحبة وإنما يعني بذلك نفي الصحبة المقترنة

стр. 667

بالسماع كما فعل في عبد الله بن يزيد الخطمي. ولم أقف على أن لهذه التفرقة أثراً في حديث من لم يَثبت له السماعُ، فحديثه وإن كان من قبيل مرسل الصحابي فإن الظاهر أن الإمام أحمد يرى أنه من قبيل المسند، ولم أقف على ما يدل على إعلاله لمثل هذا الحديث بالإرسال. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أحاديث صغار الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي ﷺ ولم يبلغوا أن يسمعوا منه مراسيل، وأنها من قبيل مراسيل كبار التابعين، وليست من قبيل مراسيل الصحابة، وذكر أن هذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة (١). وممن كان يفرق بين أصل الصحبة والصحبة المقترنة بالرواية أبو حاتم الرازي، فقد قال في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة، وحكم على الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ بالإرسال، وأنه ما أدخله في المسند إلا لما يحكى عنه من رؤيته للنبي ﷺ (٢). وكذلك قال في عبد الله بن عُكيم (٣): ليس له سماع من النبي ﷺ إنما كُتب إليه وقال: من شاء أدخله في مسنده على المجاز. ا. هـ (٤). وقال في يوسف بن عبد الله ابن سلام: له رؤية ولا صحبة له (٥). فالصحبة المنفية عنده هي المقترنة بثبوت السماع من النبي ﷺ . وقد يرد نفيُ الصُّحبة ولا يكون المقصود بالنفي الصُّحبة بمعنى ثبوت السماع والرواية، ولكن الصحبة الخاصة العرفية مثل ما روى الإمام أحمد عن عاصم الأحول أنه قال: "عبد الله بن سَرجِس قد رأى النبي ﷺ ولم تكن له

стр. 668

صحبة" (١) مع كونه قد روى عنه عدة أحاديث من جملتها قوله: إن النبي ﷺ استغفر له، وأنه أكل معه وكلّمه (٢). وقد تقدم مثل ذلك عن الإمام أحمد أنه نفى الصحبة عن مسلمة بن مخلّد (٣)، وقد روى أحمد من وجه آخر أن مسلمة هذا قدِم على النبي ﷺ وكان عمره عند موت النبي ﷺ أربع عشرة سنة وذكر له أحاديث في المسند، فمن كان في مثل سنّه لا يستبعد سماعُه من النبي ﷺ ، فالصحبة المنفية عنه ليست الصحبة المقترنة بالسماع بل هي صحبة خاصة عرفية، وهو تفسير الحافظ ابن حجر لكلام الإمام أحمد (٤). المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ . مما أعله الإمام أحمد من الحديث بسبب عدم ثبوت صحبة راويه حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (٥) الذي رواه الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئِرْنَ النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن فقال النبي ﷺ : "لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن، ليس أولئك بخياركم" (٦).

стр. 669

قال العلائي (١): ذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن الحديث مرسل، وأن إياس بن عبد الله ليست له صحبة. وعبارة الأثرم كما رواها ابن أبي حاتم (٢) قال: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل: إِياس بن عبد الله هو إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب؟ قال: لا، وليست له صحبة، روى عنه أهل المدينة، وكذلك روى عنه أهل مكة". وقد استدل الحافظ ابن حجر بعدم إخراج الإمام أحمد لحديثه في المسند على عدم ثبوت صحبته (٣)، وهذا يدل على أن الحديث مرسل عند الإمام أحمد فمن أجل ذلك لم يخرجه في المسند.

стр. 670

المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد . تقدم أن من صور الإرسال عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، وكذلك روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، واستقر تسمية كلتا الصورتين بالإرسال الخفي، ووجه تسميتهما بذلك أن الانقطاع فيهما ليس بجلي، لأنه لا ينجلي بمعرفة التاريخ، وإنما يدركه الأئمة الحذاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. وقد تقدم إيراد بعض الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم في معرض الاحتجاج لمسألة اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع لثبوت الاتصال. وفيما يلي أمثلة أخرى لما أعله الإمام أحمد بالإرسال الخفي بكلا صورتيه: ١. قال الخلال: أخبرني عصمة، ثنا حنبل: حدثني أبو عبد الله: نا قراد (١): ثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "استقِيموا لقُريْشٍ ما استقاموا لكم فإن لم يَستقيموا لكم فاحمِلو سُيُوفَكم على عواتِقِكم فأبِيدوا خَضَراءَهُم، فإن لم تفعَلوا فكونوا زرَّاعين أشقياءَ وكُلُوا من كَدِّ أيديكُم". قال مهنّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس بصحيح، سالمُ بن أبي الجعد لم يلقَ ثَوْبانَ (٢). هذا الحديث أخرجه الخلال في السنة (٣) بالإسناد نفسه، وأخرجه الطبراني

стр. 671

في الصغير (١)، وفي الأوسط (٢)، وابن عدي (٣)، والخطيب (٤). وأخرجه أحمد (٥) مختصراً مقتصراً على الجملة الأولى من الحديث، والروياني (٦)، وابن عدي (٧). وإسناد هذا الحديث رجاله ثقات، وقال الإمام أحمد: ليس بصحيح، وعلته عدم لقاء سالم بن أبي الجعد لثوبان مع معاصرته له (٨)، وقد تقدم توضيح ذلك (٩). وهذا أحد صورتي الإرسال الخفي: رواية الراوي عمن لم يلقه مع معاصرته له، فدل على أن ذلك من وجوه الإعلال عند الإمام أحمد (١٠). وذكر الخلال في مسائله (١١) عن حنبل قال: "سمعت أبا عبد الله قال: الأحاديث خلاف هذا، قال النبي ﷺ : "اسمَع وأطِع، ولو لعبد مجدَّع" (١٢)،

стр. 672

وقال: "السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك وأَثَرةٍ عليك" (١)، فالذي يروى عن النبي ﷺ من الأحاديث خلاف حديث ثوبان، وما أدري ما وجهه؟ ". ومن هذا الاعتبار قال في حديث أم هانئ، ولفظه مثل لفظ حديث ثوبان، هو منكر (٢)، أي لمخالفته الأحاديث الصحيحة. ففي هذا الحديث، الإرسال هو سبب النكارة، بمعنى أنه يحتمل أن الواسطة بين سالم بن أبي الجعد وثوبان منكر الحديث، وهو الذي روى هذا الحديث الذي أنكر لفظه، وإلا فالإرسال في ذاته ليس بعلة موجبة للحكم على الحديث بالنكارة. ٢. قال الخلال: أخبرنا الميموني: ثنا ابن حنبل: ثنا أنس بن عِياض: أخبرني عمر بن عبد الله مولى غُفرَة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمّةٍ مَجوساً، وإن مجوس أمتي الذين يقولون: لا قَدَر، فإن مرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهم". قال أبو عبد الله: ما أُرى عمرَ بنَ عبد الله لقِي عبد الله بن عمر (٣). هذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (٤) من هذا الطريق ومن طريقه ابنُه عبد الله (٥)، وابن الجوزي (٦). ورواه ابن أبي عاصم (٧)، وابن عدي (٨) كلاهما من طريق أنس بن عياض به.

стр. 673

ووجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث هو عدم لقاء عمر مولى غُفرَة لعبد الله ابن عمر. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد قد روى هذا الحديث من وجه آخر عن عمر مولى غُفرة عن نافع عن ابن عمر (١). فذكره بواسطة، وهذا كما تقدم من القرائن التي تدل على عدم السماع، لأن الظاهر أنه لو كان عنده عن ابن عمر لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة خصوصاً إذا كان الراوي مكثراً عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة (٢). وعمر بن عبد الله مولى غفرة قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس، ولكن حديثه مراسيل (٣). وضعفه يحيى بن معين وقال: لم يسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ (٤). وقال عيسى بن يونس: قلت لعمر مولى غُفرة: سمعت من ابن عباس؟ فقال: أدركت زمانه. ا. هـ (٥) وهذا يدل على أنه قد عاصر ابن عمر لكنه لم يلقه، فروايته عنه من قبيل المرسل الخفي (٦). ٣. قال أبو داود: قلت لأحمد: محمد بن خالد، عن أنس في تخليل اللحية، أعني عن النبي ﷺ ؟ قال: ما أُرى سمع من أنس شيئاً. قلت: هو الذي يحدث

стр. 674

عنه أبو معاوية؟ قال: يشبه، يحدث عن عطاء (١). حديث أنس رواه البيهقي (٢) من طريق أبي حمزة السكري، عن إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد، عن أنس بن مالك قال: "وضّأت رسول الله ﷺ فخلل لحيته وعنفقته بالأصابع وقال هكذا أمرني ربي ". أبو خالد هو محمد بن خالد الضبي الكوفي (٣)، يقال له: سؤر الأسد. وثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أنس (٤). وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه الذهبي وابن حجر: صدوق (٥). وأعل الإمام أحمد هذا بعدم سماع محمد بن خالد من أنس، وهذا من الإرسال الخفي إن كان أدرك زمن أنس (٦)، ونقل العلائي لعبارة الإمام أحمد تُوهم عدم إدراكه، فإنه نقل عن أحمد أنه قال: من أين أدرك محمد بن خالد أنساً أو رآه (٧)، وهي مخالفة لما رواه أبو داود عنه.

стр. 675

٤. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: عبدُ الله بن سعيد بن أبي هندٍ، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "من جُعل قاضياً فقد ذُبِح بغير سكّين". قال أحمد: ما أُرى سمعه من سعيد، هذا حديث عثمان الأخنَسي. حدثنا به محمد ابن عمر المقدّمي، عن صفوانَ، عن عبد الله بن سعيد، عن محمد بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وإنما هو عثمان بن محمد الأخنَسي، وهِم فيه صفوان. وكان عند أبي عبد الله عن صفوان، عن عبد الله بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة؛ وهو حدثنا به (١). رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري أخرجها الإمام أحمد في المسند (٢)، من طريق صفوان بن عيسى، وهي التي أشار إليها أبو داود في آخر السؤال، وكذلك أخرجها السُّهمي (٣) عن خارجة بن مصعب، عن عبد الله ابن سعيد به. وأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأن عبد الله بن سعيد بن أبي هند لم يسمع الحديث من سعيد، وعلّل ذلك بأمرين: الأمر الأول: وجود الواسطة بينه وبين سعيد المقبري، وذلك فيما رواه محمد بن عمر المقدّمي (٤)، ومحمد بن أبي بكر المقدمي (٥)، وأحمد بن إبراهيم الدورقي (٦)، كلهم عن صفوان بن عيسى، عن عثمان بن محمد الأخنسي (٧)، عن

стр. 676

سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فروايته للحديث بواسطة الأخنسي قرينة على عدم سماعه من المقبري. وسماع عبد الله بن سعيد من المقبري ممكن، فإن كلاً منهما مديني، وقد روى عبد الله عن أقران المقبري مثل نافع مولى ابن عمر، وأبيه سعيد بن أبي هند (١)، وكانت وفاته سنة ست أو سبع وأربعين ومئة (٢)، ووفاة سعيد المقبري سنة ثلاث وعشرين ومائة (٣)، فلقاؤه به ممكن جداً وكذلك السماع، ولم أر من ذكر عبد الله بن سعيد بالتدليس، ولو ذُكر به لكان هذا من التدليس إن ثبت أنه سمع منه في الجملة، أو كان معروفاً بكثرة الرواية عنه، والظاهر أن كلا الأمرين منتفيان هنا في رواية عبد الله بن سعيد عن المقبري، حتى إن المزي لم يذكر عبد الله بن سعيد فيمن روى عن المقبري، وإن كان ذكر المقبري في شيوخ عبد الله بن سعيد في ترجمته (٤). الأمر الثاني: أن هذا الحديث معروف بعثمان بن محمد الأخنسي، رواه عنه ابن أبي ذئب (٥)، وعبد العزيز الدراوردي (٦)، وكذلك عبد الله بن جعفر

стр. 677

المخرمي (١) لكن قرن هذا الأخير الأعرج بسعيد المقبري في الإسناد. ٥. قال أبو داود: قلت لأحمد: رجلٌ يقال له: صَبيح روى عن عبد العزيز ابن عبد الصَّمد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وفاة النبي ﵇؟ فأنكره أحمد أن يكون عبد العزيز سمع من هشام شيئاً (٢). حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة في وفاة النبي ﷺ رواه مسلم وحده (٣) من بين أصحاب الكتب الستة (٤) من طريق عباد بن عباد المهلّبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحدٌ من أهله نفث عليه بالمُعوِّذات، فلما مرض مرضَه الذي مات فيه جعلتُ أنفُثُ عليه وأمسحُهُ بيد نفسه لأنها كانت أعظمَ بركةً من يدي]. ولم أقف على رواية عبد العزيز بن عبد الصمد (٥) عن هشام التي أنكرها الإمام أحمد. والذي روى هذه الرواية عن عبد العزيز هو صَبيح بن عبد الله الفرغاني، ذكره الخطيب في التلخيص (٦)، وذكر أنه روى عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّيّ. وقال عنه أبو حاتم: صدوق (٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨)، وقال الخطيب: صاحب المناكير.

стр. 678

وإنكار الإمام أحمد للحديث مبني على عدم سماع عبد العزيز بن عبد الصمد من هشام شيئاً، وقد أدرك من هو في طبقته مثل داود بن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، وحُصين بن عبد الرحمن السُّلمي، وكلهم وإن كانوا من أهل العراق إلا أن هشاماً في آخر عمره انتقل إلى العراق ومات ببغداد، فإدراكه له ممكن، لكنّ ذلك لم يثبت عند الإمام أحمد إلا من طريق صَبيح فلم يقبله، وأعلّ الحديث بالإرسال، وهو من النوع الخفي لأنه رواية الراوي عمن عاصره لكنه لم يسمع منه.

стр. 679

المطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد . تقدم أن الراوي إذا روى عن شيخه، ثم جاءت رواية أخرى عنه بواسطة بينهما فإن ذلك من الأدلة للحكم على الرواية الأولى بالإرسال، لأنه لو كان سمعه منه لما رواه عنه بواسطة بينهما. لكن لا بد أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ "عن" ونحوها مما ليس نصاً صريحاً في إفادة الاتصال، فأما متى كان بلفظ التحديث، أو الإخبار، أو السماع أو غير ذلك مما يقتضي الاتصال، ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة واسطة بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد، ويكون الحكم للأول، ويحكم على الزيادة بالوهم، لكن بشرط أن يكون راوي السند الناقص أتقن ممن زاد (١). فالحكم على الإسناد بأنه من المزيد في متصل الأسانيد إذاً ينبنى على: وقوع التصريح بالسماع بين الراوي وشيخه في الإسناد الناقص. كون رواة الإسناد الناقص أكثر عدداً أو أحفظ من رواة الزيادة. وجود قرينة تقوي الرواية الناقصة. وفيما يلي أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: ١. ما حكم فيه بأنه من المزيد بدليل وقوع التصريح بالسماع في الإسناد الناقص وراويها أحفظ من الذي زاد الواسطة. قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن حديث ابن عجلان، عن محمد بن كَعب، عن معاوية، عن النبي ﷺ : "من يُرد اللهُ به خيراً يُفقّهه في الدِّين"؟ فقال: كان يحيى ـ يعني ابن سعيد يقول فيه: ابن عجلان، قال ابن عجلان: حدثني محمد بن كعب؛

стр. 680

قال أحمد: وبعضهم يُدخِل بين ابن عجلان ومحمد بن كعب ييدَ بنَ زيادٍ (١). هذا الحديث أخرجه أحمد (٢)، والطبراني (٣)، وابن عبد البر (٤) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان قال: حدثني محمد بن كعب يعني القَرَظي، قال سمعت معاوية يخطب على هذا المنبر فذكره. وأما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد المشتمل على زيادة يزيد بن زِياد بين ابن عجلان ومحمد بن كعب، فلم أقف عليه، وتصريح ابن عجلان بالسماع من محمد بن كعب في رواية يحيى القطان يقضي على تلك الرواية بالوهم وأن الإسناد الذي وردت فيه من المزيد في متصل الأسانيد. ٢. ما حكم فيه بأنه من المزيد لوجود قرينة ترجح الرواية الناقصة. قال أبو داود: قلت لأحمد: حديثُ بُسر بن عبيد الله: سمعت واثِلة ـ أعني حديثه عن أبي مَرثَد الغنوي أن النبي ﷺ قال: "لا تَصُفُّوا على القبور ولا تُصلوا إليها"؟ قال: ليس واثلة بذاك القديم، ينبغي أن يكون هذا من ابن جابر، يعني رواية ابن المبارك، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثِلَة ـ يعني إدخال أبي إدريس بين واثِلَة وبُسر (٥). هذا الحديث روي بإسنادين، أحدهما: بُسر بن عبيد الله، عن واثلة، عن أبي مرثد؛ والثاني: بُسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثلة ـ أي بزيادة أبي إدريس بين واثلة وبُسر، وحكم الإمام أحمد على الرواية الزائدة بأنها من

стр. 681

المزيد في متصل الأسانيد، وأن الصواب عدم ذكر الزيادة، وعلل ذلك بقرينة: وهي كون واثلة بن الأسقع (١) ليس بذاك القديم (٢)، فمعنى ذلك أنه لا يُستبعد سماعُ بُسر بن عبيد الله (٣) منه، فلا معنى إذا لذكر الواسطة. وأما جهة الوهم فذكر أنه من شيخ ابن المبارك، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وقد خُولف الإمام أحمد في تعليله للوهم وفي تعيين الواهم بعد الاتفاق على الحكم بأن الزيادة وهم. أما التعليل فقد عُلّل الوهم في ذكر الزيادة بأن بُسر بن عبيد الله قد سمع من واثلة بن الأسقع في الجملة، بل قد صرّح بسماع هذا الحديث بعنيه منه، وذلك في رواية الوليد بن مسلم (٤)، وبِشر بن بكر (٥)، وصَدَقَة بن خالد (٦)، وعيسى بن يونس (٧). فالتعليل بهذا التصريح أولى من التعليل بقرينة إمكان اللقاء

стр. 682

التي استدل بها الإمام أحمد، والعجيب أن الإمام أحمد قد روى رواية التصريح بالسماع في المسند، فكأنه لم يستحضرها حين الإجابة عن سؤال أبي داود. أما الواهم في ذكر الزيادة فقد ذكر غير واحد أنه عبد الله بن المبارك وليس شيخه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما ذهب إليه الإمام أحمد. قال ذلك البخاري (١)، وأبو حاتم (٢)، وابن خزيمة (٣)، والدارقطني (٤)، والحاكم (٥). وذلك أنه تفرد بذكر أبي إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وواثلة بن الأسقع، وخالف جمعاً من أهل الشام الذين هم أعرف الناس بحديث أهل بلدهم. ومما يدل على أن الغلط كان من ابن المبارك أنه قد رواه غير واحد (٦) عنه بذكر سماع بسر بن عبيد الله من أبي إدريس، وهو من واثلة، ولو كان ذلك محفوظاً لقيل بصحة ذكر الزيادة وعدمها، فيكون بُسر سمع الحديث من واثلة بواسطة أبي إدريس ثم سمعه منه مباشرة، ولم أر أحداً من الحفاظ يقول بذلك، مما يدل على ضعف هذا الجمع، وبالتالي يقوي أن الوهم من ابن المبارك لا كما ذكره الإمام أحمد أنه من ابن جابر.

стр. 683

وقد ذكر أبو حاتم كيف دخل الوهم على ابن المبارك، قال: "بُسر قد سمع من واثلة وكثيراً ما يُحدّث بُسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه لأن أهل الشام أعرف بحديثهم" (١). وقد ترِدُ الزِّياد ويظهر كونُ الحديث بالوجهين، أي سمعه من شيخه الأدني، وشيخ شيخه أيضاً، وكيفما رواه كان متصلاً، وقد ذكر العلائي عدة أمثلة لذلك (٢). وذكر عبد الله عن الإمام أحمد حديث بسرة بنت صفوان مرفوعاً: "من مسّ ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة"، ذكره من وجهين كأنه يشير إلى صحة الوجهين، فيمكن أن يكون مثالاً لهذا الأمر عند الإمام أحمد. قال عبد الله: قرأت على أبي: عبد الله بن الوليد قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان، عن بُسرة بنت صفوان قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مسّ ذكرَه فليتوضأ وضوءه للصلاة". وقال قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي أن بُسرة بنت صفوان أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: "من مسّ ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". وقال: قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مسّ الذّكر، قال يحيى: فسألت هشاماً فقال: أخبرني أبي (٣). ا. هـ. وإنما لم يُحكم بخطأ من ذكر الزيادة ـ وهو مروان بن الحكم ـ مع تصريح عروة بالسماع من بسرة، لأن في رواية هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بُسرة،

стр. 684

قال عروة في آخره: سألت بُسرة فصدّقتْه (١). فدل على صحة الوجهين. وقد يقتضي الموقف التوقف لكون كل واحد من الأمرين محتملاً (٢). وقد يكون المحفوظ ذكر الزيادة والخطأ في عدم ذكرها، حتى إنه ليوهم أن في الإسناد إرسالاً. ومثال ذلك عند الإمام أحمد: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: ابن أبي زائدة ينقص من هذا الحديث ـ يعني حديث ابن أبي عرُوبَة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ لا يُسلم في الركعتين من الوِتْر من الثلاث". قال أبي: فترك منه زُرارة" (٣). حديث عائشة رواه عدد من الرواة عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هِشام، أن عائشة حدثته: "أن رسول الله ﷺ كان لا يُسلِّم في ركعتبي الوتر". رواه بشر بن المفضل (٤)، ويزيد بن زُريع (٥)، وعبد الوهاب بن عطاء (٦)، وأبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس (٧)، وعيسى بن يونس (٨) والمطعِم بن المِقدَام (٩) كلهم

стр. 685

عن سعيد بن أبي عروبة بذكر زُرارة بين قتادة وسعد بن هشام. وذكر الإمام أحمد أن ذكر زرارة هو المحفوظ، وأن زكريا بن أبي زائدة (١) نقص من الإسناد فأخطأ حين رواه بدون ذكره، وظاهر الإسنادين يوهم أن الإسناد الذي فيه الزيادة من المزيد في متصل الأسانيد، لكن بيان الإمام أحمد أوضح أنه ليس منه، بل الإسناد الناقص معلول، حيث أوهم وقوع الإرسال في إسناد متصل. والحديث في الأصل مختصر من حديث سعد بن هشام الطويل في قدومه على عائشة وسؤاله إياها عن صلاة رسول الله ﷺ في الليل (٢)، اختصره سعيد ابن أبي عروبة، قال ذلك المروزي (٣)، وابن حجر (٤). وقد ذكر ابن عبد الهادي أن الإمام أحمد ضعف إسناد هذا الحديث المختصر (٥). واختصره أبان، عن قتادة بلفظ آخر، ونقل ابن رجب عن أحمد أنه قال: هذه الرواية خطأ (٦).

стр. 686

المبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد . المطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلِّسين عند الإمام أحمد . التدليس لغة مأخوذ من الدَّلَس، بالتحريك، وهو الظلمة، ومنه أخذ: دلّس في البيع وفي كل شيء، إذا لم يبين عيبه. وقال الأزهري: من هذا أخذ التدليس في الإسناد (١). وأما في الاصطلاح فلم يرد عن الإمام أحمد حد التدليس، لكن بتتبع إطلاقه لهذا اللفظ يظهر أنه يطلق التدليس على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، ووجه كونه سبباً لعدم صحة الحديث أنه ينافي شرط الاتصال، فإنه إذا روى عن شيخه ما لم يسمعه منه دل ذلك على أنه سمعه من غيره، وهذا الغير ساقط من الإسناد فصار الإسناد منقطعاً. وهذا أكثر ما وجد عن الإمام من إطلاقه للتدليس، وفيما يلي ما وقفت عليه من ذلك: أ ـ قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر مدلَّس إلا هذين … "، فذكر الحديثين (٢). فسمّى رواية هُشيم عن جابر بغير ذينك الحديثين مدلَّسة. فهذا صريح في تسميته رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه تدليساً. ب ـ قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، قال حدثنا عمرو

стр. 687

ابن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد [أن النبي ﷺ توضأ]، قال سفيان: حدثناه يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين سنة، فسألت بعد ذلك بقليل، فكان يحيى أكبر منه، قال أبي: قال سفيان: سمعت منه ثلاثة أحاديث. قال أبي: وسمعت أنا هذا الحديث من سفيان ثلاثَ مِرارٍ قال أبي: قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه عن النبي ﷺ في الحمام والمقبرة. قال أبي: قد حدثنا به سفيان، دلسه". وهنا أيضاً سمى رواية سفيان بن عيينة، لحديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة" (١) تدليساً، وعمرو بن يحيى ممن قد سمع منه سفيان بعض الأحاديث. ج ـ وصَف مبارك بن فضالة بالتدليس عن الحسن البصري، وهو من شيوخه، جالسه عشر سنين، وكان الإمام أحمد يرى الاحتجاج بحديثه عن الحسن. قال المروذي: "سألته عن مبارك بن فَضَالة قال: ما روى عن الحسن يُحتج به" (٢). قال عبد الله: "سُئل أبي عن مُبارك والربيع بن صَبِيح فقال: ما أقربهما، مبارك وهِشام (٣) جالسا الحسن جميعاً عشرَ سنين، وكان المبارك يُدلِّس" (٤). وصرح بأنه كان يُدلِّس عن الحسن. قال في رواية أبي داود: "مبارك كان يُدلِّس عن الحسن" (٥)، وقد تقدمت رواية الفضل بن زِياد عن أحمد قال: "كان مبارك ـ أي ابن فضالة ـ يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يوماً عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه بعض أصحاب

стр. 688

الحديث عن أبي حرب، عن يونس" (١)، فجعل بينه وبين الحسن واسطتين. د ـ قال أبو داود: "قال أحمد: أبو الأشهب (٢) كانوا يرون أنه يُدلِّس عن الحسن، قلت لأحمد وذكر أبا الأشهب فقال: زعموا كان يأخذ عن أصحاب الحسن ـ يعني عن الحسن" (٣). وأبو الأشهب قد سمع من الحسن (٤). والإمام أحمد يشير إلى ما رواه شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: "كنا إذا وقَّفنا أبا الأشهب نقول له: قل: سمعتُ الحسن، يقول: سمعت الحسن أو غيره" (٥). فأسند إلى شيوخه القول بأن رواية الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه تدليس. هـ ـ قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي: ليس على من خلْف الإمام استعادةٌ. قال: دلّسه هشيم" (٦)، وقد أدرك هُشيم ابنَ أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسمع منه (٧)، فأطلق التدليس على روايته عن ابن أبي ليلى بما لم يسمعه منه، وهو من شيوخه الذين قد سمع منهم. و ـ قال المروذي: "قال أحمد: كان أبو حُرّة (٨) صاحب تدليس عن

стр. 689

الحسن، إلا أن يحيى روى عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها: حدثنا الحسن، منها حديث سعد بن هشام حديث عائشة في الركعتين" (١)، فسمى روايته عن الحسن بما لم يسمعه منه تدليساً، وكان قد سمع منه في الجملة، بدليل أنه يقول في بعض حديثه عن الحسن: حدثنا. ز ـ قال عبد الله: "سمعت أبي يقول في حديث حفص عن الشيباني، عن عبد الله بن عُتبة: سئل عن امرأة تزوّجت ولها ولد رضِيع، قال: لا ترضَعه وإن مات. قال أبي: هذا مما لم يسمعه حفص من الشيباني، كان يدلسه، ليس فيه شكّ، والحديث حدثني به أبي، سمعه من حفص" (٢)، وأبو إسحاق الشيباني من شيوخ حفص بن غياث، وفي قول الإمام أحمد: لم يسمعه، نفي لسماعه ذلك الحديث منه، وليس فيه نفي للسماع في الجملة. ي ـ قال المروذي أيضاً: "قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها" (٣). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "عامة حديث ابن إسحاق عن أبي الزناد حديث الأعرج لم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبو الزناد، ذكر أبو الزناد" (٤). فذكر أن في رواية ابن إسحاق بدون ذكر السماع تدليساً، وأما إذا كانت الرواية بذكر السماع فلا يكون فيها تدليس، وهذا لا يتأتى إلا في روايته عن شيخ لقيه وسمع منه ثم روى عنه ما لم يسمعه منه،

стр. 690

وذلك مثل أبي الزناد عبد الله بن ذكوان. وأما رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه ـ وهي صورة الإرسال الخفي على ما اصطلح عليه بعض الأئمة المتأخرين كابن حجر ـ فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها كما سلف (١)، وقد ورد عنه إطلاق التدليس على هذه الصورة، لكنه ليس كثيراً كما في الصورة المتقدمة، ولا هو بصريح كما في الصورة المتقدمة، ومن ذلك ما يلي: ١ ـ ما رواه عبد الله قال: "حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: زعم مجالد، عن الشعبي قال: كان زِياد يَشتُو بالبصرة، ويحمل شُريحاً معه يَصيف بالكوفة، قال أبي: كان هُشيم أُرى هُشيماً تلقّه ـ يعني دلَّسه ـ من هيثم بن عدي" (٢). وقد روى عبد الله عن أحمد أن هشيماً لم يسمع من مُجالد (٣)، فظاهر هذا أن الإمام أحمد أطلق التدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، لكنّ سماع هُشيم من مجالد ثابت في مسند أحمد في عدة مواضع (٤)، فليست هذه إذا من رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، بل هي مثال من الأمثلة المتقدمة ـ أعني رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه.

стр. 691

٢ ـ قال صالح: "سمعته ـ يعني أباه أحمد بن حنبل ـ يقول: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد. قال أبي: وحدث سعيد عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم، وربما قال رجل عنهم. وقال: قد سمع سعيد من عاصم بن أبي النجود" (١). روى الذهبي هذه الحكاية عن الإمام أحمد فتصرف في العبارة فقال: "وقد حدّث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم" (٢)، وقد اعتمد بعضُ الباحثين هذا النقل عن الذهبي فاستدل به على أن من صور التدليس عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه (٣)، ووفيات هؤلاء الشيوخ تدل على إمكان لقاء سعيد بهم. وهذا الاستدلال لا يستقيم إلا على فهم الذهبي لعبارة الإمام أحمد، أما صريح عبارته فليس فيها ما يدل على ذلك. ثم هو أيضاً مبني على لقاء سعيد بن أبي عروبة بهم، وهو ظاهر من تواريخ وفاياتهم. ٣ ـ قال عبد الله: "قلتُ لأبي: حدّث هُشيم عن سفيان الثوري؟ فقال: دلّس عنه، ثم قال: قال هُشيم: جئنا إلى إسماعيل بن أبي خالد فلما رآه سفيان قام فخرج. قال أبي: كره أن يسمع مسائل هُشيم" (٤). فلقاء هُشيم بالثوري ثابت

стр. 692

بهذه القصة، وكان الثوري أكبر منه (١)، أما السماع فلم أقف عليه، ولم يذكر المزي أن لهشيم رواية عن الثوري (٢)، وفي هذا السؤال ينفي الإمام أحمد سماعه منه إلا على وجه التدليس، فتضمن جوابه إطلاق التدليس على رواية الراوي عمّن لقيه ولم يسمع منه. ٤ ـ قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان". فقالا جميعاً: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيد الله شيئاً، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به (٣)، وعبد المجيد بن أبي روّاد مكي توفي سنة ست ومئتين (٤)، وقد سمع من مالك (٥)، وابن جريج ومعمر (٦)، وأما عبيد الله العمري فتوفي سنة سبع وأربعين ومئة (٧)، ونص أحمد ويحيى على عدم سماع عبد المجيد من العمري، وقد أدركه، لأنه أدرك ابن جريج وبين وفاته ووفاة العمري نحو خمس سنين، وأما اللقاء فلم أقف على ما يدل عليه، إلا أنه ممكن لأنه لقي مالكاً وسمع منه. وهذا والذي قبله أقرب ما يستدل به على إطلاق الإمام أحمد للتدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن أدركه ولم يسمع منه، ويمكن توجيهه

стр. 693

بأن إطلاقه مبني على ما عرفُ به هشيم واشتهر به من التدليس عمن سمع منه ومن لم يسمع منه. قال المروذي: "وذكر ـ يعني أحمد بن حنبل ـ هُشيماً فقال: كان يدلِّس تدليساً وحشاً، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله" (١). وأما في عبد المجيد فقد اعتمد العلائي هذا النقل لجعله عبد المجيد بن أبي روّاد في المدلسين (٢)، وتبعه عليه ابن حجر (٣). وهذا من أظهر ما يستدل به على إطلاق التدليس على ما صورته الإرسال الخفي عند الإمام أحمد. وقد جاء عن بعض المتقدمين غير الإمام أحمد إطلاق التدليس على هذه الصورة، من ذلك ما رواه الدُّوري عن ابن معين أنه قال: "دلّس هشيم عن زاذان ولم يسمع منه" (٤). وقال البخاري: "لا أعلم لسعيد بن أبي عروبة سماعاً من الأعمش، وهو يدلس ويروي عنه" (٥). وقال الفسوي: "قد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير" (٦). وقال الفسوي أيضاً: "ولم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس" (٧).

стр. 694

وقال ابن عدي: "كان سعيد بن أبي عروبة ثبتاً عن كل من روى عنه إلا من دلّس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم" (١). ويلاحظ أن إطلاق هؤلاء الأئمة للتدليس على رواية الراوي عمن لم يسمع منه شيئاً كان في حق رواة عرفوا بالتدليس كما تقدم نحوه عن الإمام أحمد. وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فلم أقف على إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، وإن كان ذلك اشتهر لدى بعض المحدثين أنه من التدليس (٢)، وقد يدل عليه ما رواه الدُّوري عن ابن معين قال: "لم يلق يحيى ابن أبي كثير زيد بن سلاّم، وقدِم معاويةُ بن سلاّم عليهم فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه فدلسه عنه" (٣) على أن أبا حاتم قد أثبت سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلاّم (٤)، وعليه يكون من نوع ما تقدم ذكره، لكن الاستدلال قائم على ما عند ابن معين، وهو أن يحيى بن أبي كثير لم يلق زيد بن سلام عنده وروى عنه فسمى روايته عنه تدليساً. والحاصل أن الانقطاع يكون بواحد من أمور أربعة: عدم المعاصرة، أو

стр. 695

عدم اللقاء، أو عدم السماع، أو عدم سماع خبر بعينه. أما الصورة الأخيرة ـ وهي عدم سماع خبر بعينه ـ فهي التي كان أكثر إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، ولا خلاف بين الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أن هذه صورة للتدليس، لأن فيها إيهام السماع مع انتفائه في الواقع. وقد قصر بعض المحدثين التدليس على هذه الصورة منهم الإمام الشافعي (١)، والبزار (٢)، وابن عبد البر (٣)، وأبي الحسن بن القطان (٤)، وابن حجر (٥)، خلافاً لما ذكره ابن الصلاح ونسبه العراقي إلى أنه المشهور عن أهل الحديث (٦). أما الصورة الثالثة ـ وهي الرواية عمن لقيه ولم يسمع منه في الجملة ما لم يسمعه منه، وهي الأولى من صورتي الإرسال الخفي ـ فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها وعدم السماع، وما ورد عنه من إطلاق التدليس عليها كان بالنسبة لراوٍ عُرِف واشتهر بالتدليس (٧)، وهو شيخه هُشيم بن بشير،

стр. 696

أما ما عدا أمثال هشيم ممن روى عمن لقيه ما لم يسمع منه فلم يقل في روايته إنها تدليس أو وصفه بأنه مدلِّس، وذلك مثل أيوب وروايته عن أنس، وكذا ابن عون عن أنس، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عمر (١)، وأبان بن عثمان عن أبيه (٢) وغيرهم كثير ممن أرسلوا عمن رووا عنهم وقد ثبت لقاؤهم بهم دون السماع. وأما ما ذكره في عبد المجيد بن أبي رواد أنه دلّس فيما صورته الإرسال الخفي فمحمول على التجوز في التسمية لما في صورة الإرسال الخفي من الإيهام لمن لم يكن له اطلاع على عدم لقاء الراوي لشيخه أو سماعه منه. وهذا الذي يجمع بين إطلاقه للتدليس في هذه الصورة أحياناً وعدم إطلاقه له في حين آخر. وأما الصورة الثانية ـ وهي رواية من له إدراك والمعاصرة دون اللقاء، وهي الصورة الأخرى للإرسال الخفي ـ فلم أقف على إطلاق التدليس عليها عند الإمام أحمد، وقد جاء ذلك عن ابن معين، فإنه قال في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاّم ـ وليس بينهما لقاء عند ابن معين ـ إنها مدلسة. والذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال على هذه الصورة كما قال في رواية عراك بن مالك عن عائشة، وكان قد أدركها لكنه لم يلقها (٣). وقد صرّح الخطيب بأن هذه

стр. 697

الصورة من الإرسال الذي ليس بتدليس (١)، وكذلك أنكر ابن عبد البر على من اعتبر هذا تدليساً (٢). واحتج ابن حجر لكون هذه الصورة إرسالاً لا تدليساً بأن رواية المخضرمين مثل قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلَّس. ا. هـ (٣). ولو كانت هذه صورة التدليس لعُدّ كل من عُرِف عنه الرواية عمّن أدركه ولم يلقه مدلِّساً مثل محمد ابن سيرين وروايته عن ابن عباس (٤)، وسعيد بن جبير عن عائشة (٥)، والضحاك بن مُزاحم وروايته للتفسير عن ابن عباس (٦). وأما الصورة الأولى ـ وهي الرواية عمن لم يدركه ـ فهي مطلق الإرسال (٧)، ولا قائل بأنها من التدليس في شيء. فالخلاصة أن إطلاق التدليس عند الإمام أحمد يكاد يكون مقصوراً على حالة وجود السماع، أي على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أما روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه فإنما يطلق الإمام أحمد الإرسال عليهما، وهذا يكاد يكون مطّرداً عنده، وبهذا يظهر الفرق بين التدليس والإرسال الخفي، وبين الرواة الذين عُرفوا بالتدليس ومن وُصف منهم بالإرسال. وممن فرق بينهما أبو الحسن ابن القطان، قال: "والفرق بين التدليس وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في هذا ـ أي

стр. 698

التدليس ـ قد سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمِّي تدليساً" (١)، و فرق بينهما أيضاً الحافظ ابن حجر (٢)، وهو ظاهر كلام الخطيب حيث قال: "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه" (٣) فذكر الإرسال بنوعيه الجلي والخفي، وأنه يغاير التدليس. وأما ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية هشيم عن الثوري مع أنه لم يرد ما يدل على سماعه منه مع لقيّه إياه، فقد تقدم توجيه ذلك وأن الذي سوّغ ذلك الإطلاق كون هُشيم معروفاً بالتدليس، فيستنتج منه أن الراوي المعروف بالتدليس إذا روى عمن لقيه ولم يسمع منه ساغ تسمية ذلك بالتدليس، وأما إذا لم يكن معروفاً بالتدليس فهو إرسال، ولا يقال له تدليس إلا على سبيل التجوز لأنه ليس في روايته تلك إيهام بالسماع في الحقيقة، وإن كان فيها إيهام لمن ليس له معرفة باللقاء بينه وبين شيخه، وبهذا يتم توجيه ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية عبد المجيد بن أبي رواد عن عبيد الله العمري. وقد تقدم أيضاً أن الإمام أحمد يطلق الإرسال على ما صورته التدليس، وذلك فيما رواه عبد الله: "قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد ـ يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ ـ والباقي يرسلها عنه" (٤)، ولا يقتضي ذلك الترادف بين اللفظين، وإنما ساغ ذلك الإطلاق لأن بين التدليس والإرسال قدراً مشتركاً وهو إسقاط الواسطة، كما أن بينهما عموم

стр. 699

وخصوص مطلق كما تقدم، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليساً، فساغ إطلاق الإرسال على التدليس دون العكس. قال الخطيب: "التدليس متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلِّس ممسكاً عن ذكر مَن بينه وبين من دلَّس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسَل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو المُوهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمناً للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يَذمّ العلماء من أرسل الحديث، وذمُّوا من دلَّسه" (١). وكل ما مضى من الكلام في التدليس هو في النوع الذي اصطُلح عليه بتدليس الإسناد (٢)، ومنه أيضاً: تدليس العطف: وقد ورد عن الإمام أحمد الإشارة إليه ووصفه بأنه تدليس وحش. قال المروذي: "وذكر ـ يعني أحمد بن حنبل ـ هُشيماً فقال: كان يدلِّس تدليساً وحشاً، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله" (٣)، فهذا النوع من التدليس اصطُلح عليه بتدليس العطف، وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدِهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيُوهِم أنه حدّث عنه بالسماع أيضاً، وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: وفلان أي حدث فلان (٤).

стр. 700

ومثاله ما رواه عبد الله قال: "حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثل ذلك. سمعت أبي يقول: لم يسمعه هُشيم من عبيد الله" (١)، فذكر الإمام أحمد أن هُشيماً لم يسمعه من شيخه الثاني، وهو عبيد الله بن عمر، ولم يصرح بعدم السماع بل قطع الكلام ثم وصله في حديث آخر يُوهم أنه قد سمعه منه، وإنما عنى بذلك العطف: وحدّث عبيد الله بن عمر. الحكم على رواية المدلِّس: الذي ورد عن الإمام أحمد في الحكم على رواية من عرف بالتدليس إذا جاءت عنه بدون تصريح بالسماع هو التوقف. قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن الرجل يُعرف بالتدليس، يحتجّ فيما لم يَقُلْ فيه: سمعتُ؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تُصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا، أي أنك تحتجّ به" (٢). واعتلّ لذلك بأن الأعمش ـ وهو ممن عُرف بالتدليس ـ يحتج بحديثه مع عدم الوقوف على تصريحه بألفاظ السماع، وأنه لو اشتُرط هذا لكان فيه تضييق. وهذا التعليل إن أُخذ على ظاهره فإنه يدل على الاحتجاج بما رواه المدلس بالعنعنة، لكن الإمام أحمد لم يقل بذلك، وإنما توقف في المسألة، والذي أوجب ذلك التوقف أن بعض المدلسين إذا لم يصرحوا بالسماع في مروياتهم جاءوا بالمناكير. قال الأثرم عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأُخبرتُ، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت

стр. 701

فحسبك". وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جُريج: قال فاحذره، وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" (١). وقال أبو داود: "إذا قال ابن جريج: أخبرني في كل شيء فهو صحيح" (٢). فهذا يدل على أن ما رواه المدلس بغير لفظ السماع يتوقف فيه، فإن مفهوم قوله: "وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" أن ما لم يقل فيه ذلك ففي النفس منه شيء، لأنه مظان وجود المناكير. والأمر الآخر الذي يُوجب التوقف هو أن الرواة قد يتصرفون في ألفاظ الأداء عن شيوخهم، فيذكرون العنعنة مكان السماع، وقد تقدم أن في كتاب إبراهيم بن سعد بيان الألفاظ عن ابن إسحاق، بينما في كتاب يزيد بن هارون كلها بالعنعنة. قال المروذي أيضاً: "قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها" (٣). وقال عبد الله: "قال أبي: كنت أسأل يحيى بن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شُريح وغيره، فكان في كتاب إسماعيل: قال: حدثنا عامر، عن شُريح؛ وحدثنا عامر عن شُريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل عن عامر. قلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر! فقال يحيى: هي صِحاح، إذا كان شيء أخبرتُك ـ يعني مما لم يسمعه إسماعيل عن عامر" (٤).

стр. 702

فإذا كان الأمر كذلك فلا يرتبط الحكم على رواية المدلس بمجرد عنعنته لأن صدورها قد لا يكون منه بل ممِن دونه. ولعل هذا ما عناه أبو داود عند ما سمع توقف الإمام أحمد في المسألة فقال كالمعلِّل له: "الأعمش متى تُصاد له الألفاظُ؟ ". وأما غير الإمام أحمد من الأئمة فجمهورهم على الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل (١)، وطائفة منهم يفرق بين أن يُدلس عن الثقات فيُقبلُ حديثُه وإنْ عنعنَهُ، وبين أن يُدلس عن غير الثقات فلا يُقبل حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع، وعليه طائفة من فقهاء أصحاب الإمام أحمد كما قال ابن رجب (٢). وأما التدليس من ناحية الحكم عليه في نفسه كفعل يمارسه بعض الرواة فالذي ورد عن الإمام أحمد هو القول بكراهته، ولما قيل له: قال شعبة: هو كذب، قال أحمد: لا، قد دلّس قوم ونحن نروي عنهم. ا. هـ (٣). وقال ابن هانئ: "سُئل ـ يعني الإمام أحمد ـ عن داود بن الزِّبِرقان؟ قال: إنما كتبت عنه حديثاً، وقال: ما أُراه يكذب، ولكن كان يدلِّس" (٤).

стр. 703

المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد . تقدمت الإشارة إلى أن التدليس علة قادحة في صحة الحديث لأنه سبب من أسباب وقوع الانقطاع المنافي للاتصال المشروط لصحة الحديث. وهناك جملة من الأحاديث انتقدها الإمام أحمد بسبب تدليس بعض رواتها المعروفين بالتدليس، وهذه الأحاديث المنتقدة تكشف لنا وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد، وهي كالتالي: الوجه الأول: عدم تصريح المدلّس بالسماع في السند . وذلك بأن يروي المدلّس حديثه بالعنعنة ولا يصرّح بالسماع، وهو أمر يرجح وقوع التدليس في روايته تلك، فيدل ذلك على وقوع التدليس في الإسناد فيعلّه الإمام أحمد لهذا السبب، ومن أمثلة ذلك: ١. قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديثَ بقية عن الزَّبِيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﵇ كان يُسلِّم تسليمتيْن. قال: يقول فيه: حدثنا ـ يعني بقية؟ قلت: لا يُنكرون أن يكون سمعه! قال: هذا أبطل باطل" (١). هذا الحديث رواه الطحاوي (٢)، والطبراني (٣) كلاهما من طريق حيوة ابن شريح، عن بقية عن الزَّبِيدي، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمتيْن، عن يمينه وعن شماله. وأعله الإمام أحمد لعدم تصريح بقية بالتحديث من شيخه، وأنكر على من يحمله على السماع المحتمل. فهذا صريح في أن رواية بقية بالعنعنة دالة على وقوع

стр. 704

التدليس منه، وبالتالي على عدم قبول الإمام أحمد لحديثه إذا لم يصرح بالسماع من شيخه. وبقية من الرواة المعروفين بالتدليس والمشهورين به. وممن أنكر هذا الحديث أبو حاتم الرازي لكنه لم يذكر وجه الإنكار (١)، وأنكره الهيثمي بسبب عنعنة بقية بن الوليد (٢). ٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم لم يسمع حديث أبي صالح: [الإمام ضامِنٌ] من الأعمش، وذاك أنه قيل لأحمد إن هشيماً قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سُهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فُضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أُرى لهذا الحديث أصل. حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نُبئت عن أبي صالح، ولا أُراني إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشُدِ الأئمة واغفر للمؤذنين". حدثنا محمد بن مسلمة المصري، قال: حدثنا ابن وهب، عن جده، عن نافع بن سليمان أن محمد بن أبي صالح أخبره، عن أبيه أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثله" (٣). هذا الحديث فيه إعلال بالتدليس من وجهين: الأول: إنكار الإمام أحمد رواية هُشيم عن الأعمش قوله: حدثنا أبو صالح (٤)، لأن هشيماً رواه بالعنعنة وهو مدلس، فلم تصح روايته ولم يعتمد الإمام أحمد صحة

стр. 705

تصريح الأعمش بالتحديث. وهذا هو الشاهد من إيراد المثال تحت هذا الوجه. الثاني: تدليس الأعمش حيث لم يقل في رواية الحديث: أنا أبو صالح، ووُجدت قرينة تدل على أن سماعه منه بواسطة، كما أفاد ذلك الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل عن أبي صالح (١)، فدل على أن الأعمش كان يدلِّسه حيث يرويه عن أبي صالح. ففي هذا إثبات التدليس لقرينة وجود الواسطة بين المدلس وشيخه، بالإضافة إلى روايته بالعنعنة. وذكر ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، ليس يقول فيه أحد عن الأعمش أنه قال: أنا أبو صالح (٢). وقد ذكر أبو داود أن ابنُ نُمير تابع ابنَ فُضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح، حيث رواه عن الأعمش قال: نُبئتُ عن أبي صالح، لكن ذكر أن الأعمش كان يقول: ولا أُراني إلا قد سمعته من أبي صالح. وهذه الرواية أيضاً عند الإمام أحمد (٣)، لكن يبدو أنه لم يلتفت إلى هذا الاحتمال للسماع الذي ذكره الأعمش، بل اعتمد عدم السماع، ومن أجل ذلك حكم على الحديث بأنه لا أصل له. وممن تابع ابن فضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح أبو بدر شُجاع بن الوليد؛ رواه عن الأعمش فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح (٤)، وكذلك قال أسباط بن محمد (٥).
следующие страницы →