← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فحسبك". وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جُريج: قال فاحذره، وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" (١). وقال أبو داود: "إذا قال ابن جريج: أخبرني في كل شيء فهو صحيح" (٢). فهذا يدل على أن ما رواه المدلس بغير لفظ السماع يتوقف فيه، فإن مفهوم قوله: "وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" أن ما لم يقل فيه ذلك ففي النفس منه شيء، لأنه مظان وجود المناكير. والأمر الآخر الذي يُوجب التوقف هو أن الرواة قد يتصرفون في ألفاظ الأداء عن شيوخهم، فيذكرون العنعنة مكان السماع، وقد تقدم أن في كتاب إبراهيم بن سعد بيان الألفاظ عن ابن إسحاق، بينما في كتاب يزيد بن هارون كلها بالعنعنة. قال المروذي أيضاً: "قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها" (٣). وقال عبد الله: "قال أبي: كنت أسأل يحيى بن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شُريح وغيره، فكان في كتاب إسماعيل: قال: حدثنا عامر، عن شُريح؛ وحدثنا عامر عن شُريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل عن عامر. قلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر! فقال يحيى: هي صِحاح، إذا كان شيء أخبرتُك ـ يعني مما لم يسمعه إسماعيل عن عامر" (٤).

стр. 702

فإذا كان الأمر كذلك فلا يرتبط الحكم على رواية المدلس بمجرد عنعنته لأن صدورها قد لا يكون منه بل ممِن دونه. ولعل هذا ما عناه أبو داود عند ما سمع توقف الإمام أحمد في المسألة فقال كالمعلِّل له: "الأعمش متى تُصاد له الألفاظُ؟ ". وأما غير الإمام أحمد من الأئمة فجمهورهم على الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل (١)، وطائفة منهم يفرق بين أن يُدلس عن الثقات فيُقبلُ حديثُه وإنْ عنعنَهُ، وبين أن يُدلس عن غير الثقات فلا يُقبل حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع، وعليه طائفة من فقهاء أصحاب الإمام أحمد كما قال ابن رجب (٢). وأما التدليس من ناحية الحكم عليه في نفسه كفعل يمارسه بعض الرواة فالذي ورد عن الإمام أحمد هو القول بكراهته، ولما قيل له: قال شعبة: هو كذب، قال أحمد: لا، قد دلّس قوم ونحن نروي عنهم. ا. هـ (٣). وقال ابن هانئ: "سُئل ـ يعني الإمام أحمد ـ عن داود بن الزِّبِرقان؟ قال: إنما كتبت عنه حديثاً، وقال: ما أُراه يكذب، ولكن كان يدلِّس" (٤).

стр. 703

المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد . تقدمت الإشارة إلى أن التدليس علة قادحة في صحة الحديث لأنه سبب من أسباب وقوع الانقطاع المنافي للاتصال المشروط لصحة الحديث. وهناك جملة من الأحاديث انتقدها الإمام أحمد بسبب تدليس بعض رواتها المعروفين بالتدليس، وهذه الأحاديث المنتقدة تكشف لنا وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد، وهي كالتالي: الوجه الأول: عدم تصريح المدلّس بالسماع في السند . وذلك بأن يروي المدلّس حديثه بالعنعنة ولا يصرّح بالسماع، وهو أمر يرجح وقوع التدليس في روايته تلك، فيدل ذلك على وقوع التدليس في الإسناد فيعلّه الإمام أحمد لهذا السبب، ومن أمثلة ذلك: ١. قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديثَ بقية عن الزَّبِيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﵇ كان يُسلِّم تسليمتيْن. قال: يقول فيه: حدثنا ـ يعني بقية؟ قلت: لا يُنكرون أن يكون سمعه! قال: هذا أبطل باطل" (١). هذا الحديث رواه الطحاوي (٢)، والطبراني (٣) كلاهما من طريق حيوة ابن شريح، عن بقية عن الزَّبِيدي، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمتيْن، عن يمينه وعن شماله. وأعله الإمام أحمد لعدم تصريح بقية بالتحديث من شيخه، وأنكر على من يحمله على السماع المحتمل. فهذا صريح في أن رواية بقية بالعنعنة دالة على وقوع

стр. 704

التدليس منه، وبالتالي على عدم قبول الإمام أحمد لحديثه إذا لم يصرح بالسماع من شيخه. وبقية من الرواة المعروفين بالتدليس والمشهورين به. وممن أنكر هذا الحديث أبو حاتم الرازي لكنه لم يذكر وجه الإنكار (١)، وأنكره الهيثمي بسبب عنعنة بقية بن الوليد (٢). ٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم لم يسمع حديث أبي صالح: [الإمام ضامِنٌ] من الأعمش، وذاك أنه قيل لأحمد إن هشيماً قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سُهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فُضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أُرى لهذا الحديث أصل. حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نُبئت عن أبي صالح، ولا أُراني إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشُدِ الأئمة واغفر للمؤذنين". حدثنا محمد بن مسلمة المصري، قال: حدثنا ابن وهب، عن جده، عن نافع بن سليمان أن محمد بن أبي صالح أخبره، عن أبيه أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثله" (٣). هذا الحديث فيه إعلال بالتدليس من وجهين: الأول: إنكار الإمام أحمد رواية هُشيم عن الأعمش قوله: حدثنا أبو صالح (٤)، لأن هشيماً رواه بالعنعنة وهو مدلس، فلم تصح روايته ولم يعتمد الإمام أحمد صحة

стр. 705

تصريح الأعمش بالتحديث. وهذا هو الشاهد من إيراد المثال تحت هذا الوجه. الثاني: تدليس الأعمش حيث لم يقل في رواية الحديث: أنا أبو صالح، ووُجدت قرينة تدل على أن سماعه منه بواسطة، كما أفاد ذلك الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل عن أبي صالح (١)، فدل على أن الأعمش كان يدلِّسه حيث يرويه عن أبي صالح. ففي هذا إثبات التدليس لقرينة وجود الواسطة بين المدلس وشيخه، بالإضافة إلى روايته بالعنعنة. وذكر ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، ليس يقول فيه أحد عن الأعمش أنه قال: أنا أبو صالح (٢). وقد ذكر أبو داود أن ابنُ نُمير تابع ابنَ فُضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح، حيث رواه عن الأعمش قال: نُبئتُ عن أبي صالح، لكن ذكر أن الأعمش كان يقول: ولا أُراني إلا قد سمعته من أبي صالح. وهذه الرواية أيضاً عند الإمام أحمد (٣)، لكن يبدو أنه لم يلتفت إلى هذا الاحتمال للسماع الذي ذكره الأعمش، بل اعتمد عدم السماع، ومن أجل ذلك حكم على الحديث بأنه لا أصل له. وممن تابع ابن فضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح أبو بدر شُجاع بن الوليد؛ رواه عن الأعمش فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح (٤)، وكذلك قال أسباط بن محمد (٥).

стр. 706

وجمهور الرواة عن الأعمش رووه عنه عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). وذكر علي بن المديني، عن القطان، عن الثوري قال: ما أُراه سمعه من أبي صالح (٢)، وكان الثوري ممن رواه عن الأعمش، عن أبي صالح (٣). وكذلك قال ابن معين عن الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح (٤). وقال ابن المديني: لم يسمع الأعمش بيقين، لأنه يقول فيه نُبِّئتُ عن أبي صالح، نقله البيهقي عنه (٥). وممن ضعف هذا الحديث من المتقدمين لهذه العلة: علي بن المديني، قال: لا يصح حديث عائشة، ولا حديث أبي هريرة (٦). وأما ابن حبان فاعتمد قول الأعمش: ولا أُراني إلا سمعته منه، فحكم بصحة الوجهين عن الأعمش: سمعه عن رجل عن أبي صالح، ثم سمعه منه مباشرة، فصحح الحديث (٧)، وهو أيضاً مسلك الشيخ الألباني (٨). وأما الإمام البخاري فقال: حديث أبي صالح عن عائشة أصح من

стр. 707

حديث أبي صالح عن أبي هريرة (١) وهذا الذي رجحه المعلمي أيضاً (٢). ورجح أبو زرعة، وأبو حاتم (٣) رواية حديث أبي هريرة (٤). وأما الدارقطني فحكم على الحديث بالاضطراب عن أبي صالح (٥)، وكذلك أشار البزّار إلى أن أصحاب الأعمش اضطرابوا فيه (٦). وفي إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث بتدليس الأعمش عن أبي صالح دلالة على أن ما ذكره الحافظ الذهبي أن رواية الأعمش بالعنعنة عن شيوخه الذين أكثر عنهم كالنخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان محمولة على الاتصال (٧)، ليس ذلك على إطلاقه، وإنما يكون من حيث الغالب فقط، وإلا فقد يدلس عن هؤلاء كما اتضح في هذا المثال، وفيما سيأتي في روايته عن أبي وائل، والله أعلم. ٣. قال أبو داود: "قلت لأحمد: هُشيم كان يقول في حديث المؤثر بن عفارة: حدثنا؟ قال: نعم، كان يقول أيضاً: حدثنا جبلة، حدثنا مؤثر بن عفارة، حدثنا عبد الله، وكان يرفعه ـ يعني حديث الشفاعة" (٨).

стр. 708

لم أقف على ذكر الشفاعة في الحديث الذي رواه هُشيم بهذا الإسناد، وقد رواه الإمام أحمد (١) قال حدثنا هُشيم، أخبرنا العوام، عن جَبَلَة بن سُحَيم، عن مُؤثِّر بن عَفازَة، عن ابن مسعود، وليس فيه ذكر الشفاعة، والظاهر أنه هو الحديث المقصود في السؤال. ورواه ابن جرير (٢) أيضاً من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا هُشيم بن بشير: قال: أخبرنا العوام، عن جَبلَة بن سُحَيْم عن مُؤثِّر وهو ابن عفارة العبدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لقيتُ ليلةَ الإسراء إبراهيم، وموسى، وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة وردّوا الأمر إلى إبراهيم، فقال إبراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى فقال موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى قال عيسى: أما قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكنّ ربي قد عهِد إليّ بما هو كائنٌ دون وقتِها، عهِد إليّ أن الدَّجَّالَ خارجٌ، وأنه مُهبِطيَّ إليه، فذكر أن معه قصبتين فإذا رآني أَهلَكَهُ اللهُ قال: فيَذُوبُ كما يَذوب الرَّصاصُ حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم، هذا كافرٌ فاقْتُلْه، فيُهلِكُهُمُ اللهُ ويَرجِع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلُهُم يَأْجُوج ومَأْجُوج من كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلون، لا يأتون على شيءٍ إلا أكلوه، ولا يَمُرُّونَ على ماءٍ إلا شرِبوه، فيرجع الناسُ إليَّ فيَشكونَهم فأَدعوا اللهَ عليهم، فيُمِيتُهم حتى تجوَى الأرضُ من نَتْنِ رِيحِهِم فينْزِل المَطرُ فيجرُّ أجسادَهم فيُلقِيهم في البحر، ثم يَنسِف الجبالَ حتى تكونُ الأرضُ كالأدِيمِ، فعهِد إليّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعةَ منهم كالحامل المتمّ التي لا يَدري أهلُها متى تَفجؤُهم بوِلادِها ليلاً أو نهاراً" (٣)، وفي كلا الطريقين تصريح

стр. 709

هُشيم بالخبر من شيخه العوام بن حوشب. ويفهم من البحث عن التصريح بالسماع التحقق من نفي التدليس، فدل على أن الرواية بالعنعنة من المدلِّس من الأمور الدالة على وقوع التدليس، والله أعلم. ٤. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن شُبرُمة: قال رجلٌ للشعبي: نذرت أن أطلّق امرأتي، لم يقل فيه هشيمٌ: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا" (١). وفي هذا الأثر توقف الإمام أحمد عن قبول ما رواه هُشيم بالعنعنة، وتوقف أيضاً عن الحكم بوقوع التدليس أو عدمه. وهذا موافق لما تقدم عنه أنه توقف عن الحكم بالاحتجاج برواية من عُرف بالتدليس إذا لم يقل: حدثني أو سمعت (٢). ولكن يستفاد من هذا أن العنعنة ممن عرف بالتدليس علةٌ تُعلّ بها مروياتهم لا سيما إذا وجدت النكارة فيها، فيرجع سبب النكارة إلى العنعنة التي تقوي من احتمال وقوع التدليس في السند. الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلِّس من وجه آخر بالتصريح بواسطة بينه وبين شيخه . من الأوجه التي ينكشف بها التدليس فيقع بسببها إعلال الحديث بالتدليس أن يروي الراوي المدلِّس حديثاً عن شيخه، ثم يروي الحديث من وجه

стр. 710

آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ، فيدل على أنه لما رواه بدون واسطة فإنما رواه مدلَّساً، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: ١. قال الإمام أحمد: "حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته إلى أبي العاص بمهرٍ جديدٍ. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي في حديث حجاج: [ردّ زينب ابنته] قال: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاجُ من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يُساوي حديثه شيئاً، والحديث الصحيح الذي رُوي أن النبي ﷺ أقرّهما على النكاح الأول (١) " (٢). وقد روى عبد الله مثل هذا في العلل (٣): قال أبي: "روى حجاج عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبي ﷺ ردها بنكاح جديد ـ يعني زينب ابنته ﷺ على أبي العاص بن الربيع. وسمعته يقول: قرأت في بعض الكتب عن حجاج قال: حدثني محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عن النبي ﷺ قال أبي: ومحمد بن عبيد الله ترك الناس حديثه". فقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتدليس حجاج بن أرطأة، وكان من الرواة الذين ذكرهم الإمام أحمد بالتدليس. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن حجاج بن أرطأة فقال: "كان يُدلس، كان إذا قيل له: من حدثك، من

стр. 711

أخبرك؟ قال: لا تقولوا: من أخبرك، من حدثك؟ قولوا: من ذكره؟ " (١). وانكشف التدليس بروايته للحديث من وجه آخر عن شيخه عمرو بن شعيب بواسطة العرزمي، وهو متروك، فدل على أنه لما رواه بدون واسطة فقد دلّسه. ثم هو معارض بما هو أصح منه إسناداً وهو حديث ابن عباس الذي ذكره الإمام أحمد. ٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: أفسدوا علينا حديث الزهري ـ يعني حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين". قالوا: عن سليمان بن أرقم، يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. فقيل لأحمد: فيصح عندك إفساد الحديث، وإنما رواه ـ يعني ابنُ أبي أُويس؟ قال: أحمد: أيوب ـ أعني ابن سليمان كان أمثل منه. قال أبو داود: قد رواه أيوب بن سليمان بن بلال" (٢). حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" رواه يعقوب الفسوي (٣)، والبخاري (٤)، والبيهقي (٥) كلهم من طريق يونس بن يزيد الأيلي. وأعله الإمام أحمد بالتدليس، وكشف التدليس بدليل رواية من روى الحديث بذكر الواسطة بين الزهري وأبي سلمة. ولما قيل له إن تلك الرواية جاءت من طريق إسماعيل بن أبي أويس (٦)، فهل تعتمد روايته في

стр. 712

إعلال رواية من روى الحديث بدون ذكر الواسطة؟ فذكر رواية أيوب بن سليمان ابن بلال (١)، وأنه كان أحسن حالاً من ابن أبي أويس. وكلاهما رويا الحديث بواسطة سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. فذكر أن هذه الرواية الكاشفة للتدليس قد أفسدت الحديث أي حيث أبانت علته. ومما يؤيد ذلك أن عبد الله بن عثمان قد روى الحديث أنه من أصل يونس بن يزيد، عن ابن المبارك قال: أخبرني يونس، عن الزهري، وبلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت فذكره (٢)، ومثلها رواية عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: حدث أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت … (٣). وممن قال إن الزهري لم يسمع هذا الحديث من ابن أبي كثير الإمام الترمذي فيما نقله عنه العلائي (٤). ٣. قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا لا نتوضأ من المَوطي. سمعت أبي يقول: هذا لم يسمعه هُشيم من الأعمش، ولا الأعمش سمعه من أبي وائل" (٥). أعله الإمام بالتدليس في موضعين، الأول: هشيم عن الأعمش، والثاني:

стр. 713

الأعمش عن أبي وائل. أما في الموضع الأول فلم أقف على طريقة الإمام أحمد في كشف التدليس، إلا أن يحمل على مجرد عنعنة هُشيم. وأما في الموضع الثاني فقد نقل العلائي عن الإمام أحمد أنه قال: "كان الأعمش يدلس هذا الحديث، لم يسمعه من أبي وائل. قال مهنا: قلت له: وعمن هو؟ قال: كان الأعمش يرويه عن الحسن بن عمرو الفقيمي، وجعله عن أبي وائل، ولم يسمعه منه" (١). وقد أشار الدارقطني إلى القول بأن الأعمش أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمر الفقيمي عن أبي وائل، كما قال الإمام أحمد (٢). ويؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن ابن خزيمة قال: هذا الخبر له علة، لم يسمعه الأعمش عن شقيق، لم أكن فهمته في الوقت، ثم ذكر بإسناده رواية زياد بن أيوب ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، حدثني شقيق أو حدِّثتُ عنه عن عبد الله بنحوه" (٣). والحديث أخرجه أبو داود (٤)، وابن ماجه (٥)، وابن خزيمة (٦)، وغيرهم (٧)، ولفظه: "كنا لا نتوضأ من موْطئ، ولا نكف شعراً ولا ثوباً". وقد يقتصر الإمام أحمد على التنصيص بالواسطة من غير إسناد الرواية التي وردت بذكرها، ومثال ذلك: ٤. قال عبد الله: "قلت لأبي: علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد طلقها زوجها! قال: لا

стр. 714

أُرى يحيى سمعه إلا من هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة. قلت له: فأبو ميمونة هو الذي روى عنه قتادة؟ قال: أُراه" (١). حديث يحيى بن أبي كثير هذا رواه الإمام أحمد (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، والطحاوي (٤)، والبيهقي (٥) كلهم من طريق وكيع بن الجراح، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: [جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد طلقها زوجُها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله ﷺ : "اسْتَهِما فيه". فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني؟ فقال رسول الله ﷺ للابن: "اختر أيَّهما شِئت". فاختار أمَّه فذهبت به". ونص الإمام أحمد على أن يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أبي ميمونة، ويرى أنه سمعه من هلال بن أُسامة، عن أبي ميمونة، ولم يسند رواية تصرح بذلك. والحديث معروف من رواية هلال بن أسامة عن أبي ميمونة من وجه آخر. أخرجه ابن جريج (٦)، وابن عيننة (٧) كلاهما عن زِياد بن سعد، عن هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة به وفيه قصة. وقد يكون مستند الإمام أحمد رواية معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير،

стр. 715

عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أخرج هذه الرواية الطحاوي (١). وهلال بن أسامة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هلال بن أبي ميمونة، ومن قال هلال بن أسامة فإنما نسبه إلى جده، ومن قال ابن أبي ميمونة فإنما ذكر كنية أبيه، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير (٢)، لكن معاوية بن سلام ذكر الحديث منقطعاً بين هلال وأبي هريرة. وقد يكون ذكر الواسطة لا دلالة فيها على وقوع التدليس كما يقع مثله في الإرسال الخفي، وذلك إذا ورد التصريح بالسماع في الطريق الناقصة، فيقوى احتمال صحة الوجهين: وهو أنه رواه بواسطة عن شيخه، ورواه أيضاً مباشرة عنه. وقوة الاحتمال بحسب قوة الرواية التي فيها التصريح. والأمثلة الآتية وإن كان الظاهر أن الإمام أحمد أشار بوقوع التدليس فيها إلا أن في التحقيق احتمال صحة الوجهين فيها قائم. ٥. قال ابن هاني: سألته عن حديث جابر بن عبد الله: أكلت مع النبي ﷺ خبزاً ولحماً فقال أبو عبد الله: محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، إنما هو حديث محمد بن عقيل، عن جابر، رواه ابن المنكدر، عن ابن عقيل، عن جابر (٣). هذه المسألة روى مثلها أبو داود عن الإمام أحمد، قال: "سمعت أحمد قال: قال سفيان ـ يعني ابن عيينة: سمعت ابنَ المنكدر يقول غير مرة: عن جابر قال: وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابراً فظننت أنه سمعه من ابن عقيل حديث جابر: "أن النبي ﷺ أكل ثم صلى ولم يتوضأ" (٤).

стр. 716

روى عدد كثير من الرواة هذا الحديث عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله بالعنعنة (١)، واعتمد الإمام أحمد ما ذكره ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه قال مرة: أخبرني من سمع جابراً كما ذكر ذلك في رواية أبي داود، وكذلك رواية من روى الحديث عنه بواسطة عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، ولم أقف على من رواه من هذا الوجه. وقد روى ابن عقيل هذا الحديث عن جابر، رواه عنه ابن عيينة (٢)، وزائدة بن قدامة (٣)، وعبيد الله بن عمرو الرقي (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥). فحمل ابن عيينة قول ابن المنكدر: أخبرني من سمع جابراً على أنه ابن عقيل، إذ الحديث كان معروفاً به من وجه آخر، والظاهر أن الإمام أحمد تبعه على ذلك، وهو أيضاً موقف الشافعي من هذه الرواية فقد روى البيهقي من طريق حرملة عنه أنه قال: "لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر" (٦). وذكر البيهقي أن ما قاله الشافعي محتمل، لأن صاحبي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده على شرطهما، وذكر أنه قد روى حجاج بن محمد المصيصي، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني عن ابن جريج، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر

стр. 717

ابن عبد الله فذكروا الحديث (١)، ورواه أيضاً عبد الرزاق، عن ابن جريج، ومعمر قالا: أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله (٢). قال البيهقي: فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهماً من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح. ا. هـ (٣). وعليه يصح رواية الوجهين ولا يكون فيه تدليس، ولم أقف على من نسب ابن المنكدر إلى تدليس. ٦. قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هُشيم عن ابن شُبرُمَة، عن الشعبي في الذي يصوم في كفارة ثم يُوسِر، فقال: ما أُراه سمعه من ابن شُبرُمة. قيل لأبي عبد الله عن أبي جعفر محمد بن عيسى إنه يقول فيه: قال أخبرنا ابن شُبرُمة، فكأنه تعجّب، ثم قال: هذا قال لي إنسان إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل عن ابن شُبرُمة. قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه ويقولون في كثير من حديثه، إلا أن أبا جعفر عالم بهذا؟ فقال: نعم، أبو جعفر كيس فهم (٤). لم أقف على هذا الأثر عن الشعبي. وأشار الإمام أحمد إلى عدم سماع هُشيم هذا الأثر من شيخه عبد الله بن شُبرُمة الكوفي، مما يدل على أنه مدلَّس، واعتمد في إثبات ذلك على إخبار إنسان له بأن هشيماً رواه عن رجل عن ابن شُبرُمة، بالإضافة إلى عدم تصريح هُشيم بالسماع في سند الأثر، ولما أُخبر أن محمد بن عيسى بن الطباع رواه عن هُشيم بتصريحه بالخبر قبِل ذلك منه لثقته ومعرفته بحديث هُشيم، فقد كان يرجع إليه الحفاظ عند

стр. 718

اختلافهم في حديث هُشيم. قال أبو حاتم: سمعت محمد بن عيسى يقول: اختلف عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود في حديث لهُشيم فقال أحدهما: كان يُدلِّسه، وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا بي فأخبرتهما بما عندي فاقتصرا عليه (١). ٧. قال عبد الله: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال سهل بن سعد الأنصاري ـ وكان قد رأى النبي ﷺ وسمع منه وذكر أنه ابن خمس عشرة سنة يوم توفي رسول الله ﷺ ، وقال: حدثني أُبيّ بن كعب أن الفُتيا التي يفتون بها أن الماء من الماء رُخصة كان النبي ﷺ رخّص فيها أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال. حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن غيْلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض من أرضى، عن سهل بن سعد الساعدي، أن أُبيّ بن كعب حدثه [أن رسول الله ﷺ جعلها رُخصة للمؤمنين لقلة ثيابهم، ثم إن رسول الله ﷺ نهى عنه ـ يعني قوله: "الماء من الماء" (٢). بين الإمام أحمد أن الحديث لم يسمعه الزهري من سهل بن سعد، لأنه لم يذكر الخبر، ورواية رشدين بن سعد (٣) عن عمرو بن الحارث كشفت أن الحديث عند الزهري بواسطة رجل رِضى عنده عن سهل بن سعد، وقد تابع ابنُ وهب رشدين ابن سعد على هذه الرواية (٤). وقد سمع الزهري من سهل بن سعد جملة،

стр. 719

وروايته للحديث عن سهل بن سعد بواسطة تدل على أن الرواية الأولى مدلَّسة، والزهري، وإن لم يرد عن الإمام التصريح بأنه كان يدلس، إلا أن صنيعه هذا يدل على أنه تدليس. وقد وافق الإمام أحمد على عدم سماع الزهري لهذا الحديث من سهل بن سعد موسى بن هارون الحافظ قال: "كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل ابن سعد، ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث إلا أنه لم يسمع هذا منه، رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن الزهري قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره، قال موسى: ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم، فإن أبا حازم رِضَى، فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد" (١)، وزاد على الإمام أحمد تعيين الواسطة (٢)، وكذلك جزم الدارقطني بعدم سماع الزهري للحديث من سهل ابن سعد (٣). لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية معمر عن الزهري قال: أخبرني سهل بن سعد، فيدفع القول بعدم سماع الزهري من سهل. أخرج هذه الرواية ابن خزيمة (٤) من طريق محمد بن جعفر غندر عن معمر. وقال ابن خزيمة: في

стр. 720

القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر ـ أعني قوله: أخبرني سهل ابن سعد ـ وأهاب أن يكون هذا وهماً من محمد بن جعفر أو ممن دونه (١). ا. هـ. ويؤيده أن عبد الرزاق رواه عن معمر عن الزهري بالعنعنة، وليس فيه التصريح بالخبر (٢)، وكذلك رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى (٣)، وعبد الواحد بن زياد (٤) كلاهما عن معمر. ومما قد يدل على سماع الزهري من سهل رواية ابن المبارك، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري قال: حدثني سهل بن سعد. قال ذلك عن ابن المبارك معلى بن منصور (٥)، وأبو كريب محمد بن العلاء (٦). وخالفهما علي بن إسحاق (٧)، وأحمد بن منيع (٨)، وحبان بن موسى (٩)، ويحيى الحماني (١٠)، والحسن ابن عرفة (١١)، كلهم رووه عن ابن المبارك بالعنعنة. والثلاثة الأولون كلهم ثقات (١٢)، وهم أكثر عدداً من اللذين رويا التصريح.

стр. 721

الوجه الثالث: أن يذكر الراوي المدلِّس أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه . ومما يكشف التدليس تصريح الراوي المدلِّس بأنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه، سواء قال ذلك لما أُوقف عنده أو قاله من تلقاء نفسه. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: ١. قال أبو داود: "ثنا أحمد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: كان ابنُ جُريج أخبرنا عنه ـ يعني عن كثير، قال: ثنا كثير، عن أبيه حديث الطواف والصَّلاة فسألته فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي، عن جدي". حديث ابن جريج رواه النسائي (١)، وابن ماجه (٢)، وأحمد (٣) وغيرهم من طرق عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وَداعة قال: "رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد". فسأل سفيان بن عيينة كثير ابن كثير عن الحديث فذكر الواسطة وانكشف تدليسه. ورواية ابن عيينة هذه في مسند الإمام أحمد (٤) أيضاً (٥).

стр. 722

٢. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: "قال يزيد لم يسمع سليمان التيمي حديث سجود النبي ﷺ في الظهر من أبي مِجلِز" (١). وقال في موضع آخر: "سمعت أحمد سئل عن الإمام يقرأ في الظهر السجدة؟ قال: لا، فذُكر له حديثُ ابن عمر؟ فقال: لم يسمعه سليمان التيمي من أبي مِجلِز، بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر" (٢). وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده (٣)، عن يزيد بن هارون أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابُه أنه قد قرأ: "تنزيل السجدة". قال: ـ القائل سليمان التيمي ـ لم أسمعه من أبي مِجلِز. ا. هـ. قال ذلك سليمان من غير أن يوقفه أحد. فاحتج الإمام أحمد بذلك على وقوع التدليس في السند وأعلّ الحديث بذلك، حتى إنه روي عنه في موضع آخر أنه قال في الحديث: ليس له إسناد (٤). وقد رواه معتمر بن سليمان، عن أبيه فذكر الواسطة. رواه أبو داود (٥)، والبيهقي (٦) من طريق معتمر، عن أبيه، عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر. وذكر ابن حجر أن أبا داود ذكر في رواية الرملي عنه أن أمية هذا لا يعرف، ولم يذكره إلا المعتمر (٧)، وذكر الدارقطني أنه روي عن سليمان، عن أبي أمية، عن أبي مجلز،

стр. 723

قال: ويشبه أن يكون عبد الكريم أبو أمية، وقال ابن رجب: كذا قاله إبراهيم ابن عرعرة (١). وذكر ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: إن كان ذكر الواسطة محفوظاً فالمراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصري (٢). وأما قول الإمام أحمد أن بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر، فإشارة إلى رواية معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: بلغني عن أبي مجلز أن النبي ﷺ فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (٣). الوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معينٍ من شيخه . وهو وجه يكشف تدليس الراوي المدلس ويتم به إعلال حديثه بالتدليس، وذلك بأن يذكر الإمام حديثاً من حديث الراوي المدلس فينص على أنه لم يسمعه من شيخه. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: ١. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلاً قال: يا رسول الله، وقد قال هُشيم: قلت: يا رسول الله، مُرني بأمر الإسلام أمراً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال أبي: لم يسمعه هشيم من يعلى بن عطاء" (٤). وهذا الحديث أخرجه أحمد (٥) من طريق هشيم، وكذلك البيهقي (٦) من طريق النفيلي، والخطيب (٧) من طريق محمد بن أبي الدنيا، وعبيد الله بن عمر

стр. 724

الجشمي، كلهم عن هشيم عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي "أن رجلاً قال: يا رسول الله ـ وقد قال هشيم: قلت: يا رسول الله ـ مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحداً بعدك قال: "قل آمنتُ بالله ثم استقِم". قال: قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. وهذا لفظ أحمد، وكلهم رووه عن هشيم بالعنعنة عن يعلى بن عطاء. فنص الإمام أحمد على أن هُشيماً لم يسمعه من شيخه يعلى، وقد سمع منه أحاديث. قال عبد الله: قال أبي: قال هشيم: فارقنا يعلى بن عطاء سنة عشرين ومائة (١). وقال يحيى بن معين: قد سمع هشيم من يعلى بن عطاء، وكان صغيراً جداً (٢). والحديث ثابت عن يعلى بن عطاء، حدث به شعبة عنه (٣) فتدليس هشيم هنا لا يضر، ولعله أخذه عن ثقة عن يعلى بن عطاء. ٢. قال عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث هُشيم عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن ذراري المشركين. قال أبي: لم يسمعه هُشيم من أبي بشر (٤). حديث هُشيم عند أحمد (٥)، والنسائي (٦)، وأبي يعلى (٧)، ولم يصرح هشيم بالتحديث. وأبو بِشر جعفر بن إياس بن أبي وحْشية من شيوخ هشيم، وأخرج

стр. 725

الجماعة حديثه عنه (١)، وتنصيص الإمام أحمد على عدم سماع هُشيم لهذا الحديث منه يدل على أن هشيماً قد دلّسه، ولم أقف على الواسطة بينهما. والحديث ثابت من طرق أخرى عن أبي بشر؛ رواه عنه شعبة (٢)، وأبو عوانة (٣). ٣. وقال أبو داود: وسمعت أحمد ذكر حديث هُشيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل يوم خيْبر للفرس سهمين وللرجل سهماً. قال لم يسمعه يعني هشيم" (٤). وتقدم أن الإمام أحمد أشار إلى أن هُشيماً دلّسه تدليس العطف عن عبيد الله ابن عمر العمري (٥)، وقد سمعه من الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ولما روى الإمام أحمد الحديث في المسند قرن هُشيماً في الإسناد بأبي معاوية عن عبيد الله العمري من أجل التدليس في رواية هشيم (٦). والأمثلة في هذا النوع كثيرة جداً في الأحاديث والآثار، وقد ذكر عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أحمد جملة من روايات هشيم عن بعض شيوخه هي من هذا القبيل (٧). وقد يكون نفي السماع خفياً جداً، وذلك بأن يكون الراوي المدلس قد سمع الحديث جملة من شيخه إلا جزءاً منه، فينص الإمام أحمد وينبه على الجزء الذي لم يسمعه المدلس. مثال ذلك:

стр. 726

قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هشيم هذه الكلمة من يعلى ابن عطاء في حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه [أن النبي ﷺ صلى بهم الغداة فانحرف] (١). روى حديث يزيد بن الأسود عدد من الرواة عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: [صلى رسول الله ﷺ الفجر بمنى فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيء بهما تُرعد فرائصُهما فقال: "ما منعكما أن تُصلِّيا مع الناس؟ " فقالا: قد كنا صلينا في الرحال، قال: "فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة"، ومن هؤلاء الرواة غير هشيم، شعبة (٢)، والثوري (٣)، وشريك (٤)، وهشام بن حسان (٥)، وأبي عوانة (٦)، وحماد بن سلمة (٧) وغيرهم. ورواه الإمام أحمد من حديث هشيم، فلم يذكر قوله: فانحرف، وذكر في هذا السؤال أن قوله في الحديث: فانحرف، لم يسمعه هشيم من يعلى. قال أحمد في المسند (٨) بعد أن أورد الحديث: "وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته يحرف، فيقول: يحرف

стр. 727

عن مكانه" وهذا اللفظ رواه الثوري في حديثه، وكذلك أبو عوانة، ووقع أيضاً عند بعض من رواه عن هشيم منهم أحمد بن منيع (١)، وأبو الربيع (٢)، وأبو بكر ابن أبي شيبة (٣). ولم يذكر ذلك الإمام أحمد كما تقدم، وكذلك زياد بن أيوب (٤)، ومحمد الدولابي (٥) كلهم عن هشيم. فنصّ الإمام أحمد على أن هذه الكلمة لم يسمعها هشيم من يعلى، ومن القرائن المؤيدة لذلك كون بعض من روى الحديث عن هشيم لم يذكرها، وكأنه أخذها عن الحاضرين الذين ذكرهم الإمام أحمد أنهم ربما قالوا له: [فلما قضى صلاته يحرف]، وهذا من دقائق العلل نبه عليه الإمام أحمد ﵀. الوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلِّس من شيخه إلا أحاديث معينة . وذلك بأن ينص الإمام على أن أحاديث معينة هي المسموعة للراوي المدلِّس من شيخه، فيحكم على ما زاد عنها بأنها مدلَّسة. ومن ذلك: ١. أحاديث هشيم عن الزهري: قال أبو طالب: "قال أبو عبد الله: ما صحّ من سماع هشيم عن الزهري أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، الحديث الطويل حديث الرجم (٦)، وحديث صفية، وحديث المجادلة (٧)، وحديث ابن عمر: [ما استيسر من الهدي] (٨)، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين

стр. 728

سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي" (١). فحكم الإمام أحمد على جملة من الأحاديث رواها هشيم عن الزهري بأنه لم يسمعها منه، وهذه الرواية تدل على أن الواسطة ببينه وبين الزهري هو سفيان ابن حُسين. قال عنه أحمد: ليس بذاك، في حديثه عن الزهري شيء (٢). وقال ابن معين: حديثه عن الزهري قط ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم (٣). ومن تلك الأحاديث: أ. قال ابن هاني: سألته عن حديث هشيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". قال لي أبو عبد الله: لم يسمعه هُشيم من الزهري، وكتبته" (٤). ورواه عبد الله قال: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتَّى"، قال أبي: وقد حدثنا به هُشيم" (٥). هذا الحديث أخرجه الترمذي (٦)، والنسائي (٧) وغيرهما. وقد روى الحديث سفيان بن عيينة، عن الزهري (٨)، وتابع ابنَ عيينة غيرُ واحدٍ من

стр. 729

أصحاب الزهري (١)، ولذلك حكم عليه الترمذي بأنه: حسن صحيح. لكن أشار ابن عبد البر إلى أن هشيماً تفرد برواية الحديث بلفظ: لا يتوارث أهل ملتين شتّى، وقال: هشيم ليس في ابن شهاب بحجة (٢). ب. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ "أنه كان يرفع يديه إذا كبّر". أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة (٣)، ولفظه: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح وإذا ركع وإذا رفع رأسه ولا يجاوز بهما أذنيه". والحديث مشهور للزهري، لكن قوله: ولا يجاوز بهما أذنيه لم أره لأحد من أصحاب الزهري، وإنما قالوا: يرفعهما حذوَ منكبيه (٤). وقد رواه هُشيم، عن الفضل بن عطية، عن سالم، عن أبيه به (٥)، ولم أر لفضل بن عطية رواية عن الزهري، وقد يكون هشيم حمل حديث الزهري على حديث الفضل بن عطية لعدم ضبطه لحديث الزهري، والعلم عند الله. ٢. أحاديث هُشيم عن جابر الجُعفي: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر

стр. 730

مدلّس إلا هذين: حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ مرّ بقِدرٍ يغلي فأخذ منها عرقاً أو كتفاً فأكله ثم صلى ولم يتوضأ". حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم، عن جابر ـ قال: أبي وهو مما سمعه منه ـ عن الحسن بن مسافر، عن أبي سبرة النخعي قال: "لما قدم عمر الشَّام أُتي بطعام فلما فرغ أُتي بثوب كتّان أو قال: سابري، فقالوا: امسح به يدك، فقال: إن كان ذلك ليكفي رجلاً من المسلمين، وأبى أن يمسح به يده، قال: فلما حضرت الصلاةُ صلى ولم يتوضأ" (١). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: "هُشيم سمع من جابر الجعفي؟ قال: سمع منه حديثيْن فقط، ولكن كان يحدّث عنه مراسيل، أحد الحديثين حديث ابن عباس في الكتف" (٢). وقال الخطيب: قد دلّس هُشيم عن جابر الجُعفي وعن غيره من شيوخه أحاديث كثيرة (٣). ٣. أحاديث هُشيم عن أيوب السختياني: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من أيوب إلا حديثاً واحداً" (٤). وأما ابن معين فقال: قد سمع منه حديثاً أو حديثين (٥).

стр. 731

٤. الحكم بن عُتيبة عن مِقسم: تقدم أن الإمام أحمد قال: لم يصحّ سماعُ الحكم من مِقسم إلا في أربعة أحاديث. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث: حديث الوتر أن النبي ﷺ كان يُوتر، وحديث عزيمة الطلاق عن مقسم عن ابن عباس في عزيمة الطلاق، والفي الجماع (١)، وعن مقسم عن ابن عباس أن عمر قنت في الفجر، هو حديث القنوت، وأيضا عن مقسم رأيه في محرم أصاب صيداً قال: عليه جزاؤه، فإن لم يكن عنده قُوِّم الجزاء دراهم ثم تُقوَّم الدراهمُ طعاماً. قلت: فما روي غير هذا؟ قال: الله أعلم يقولون هي كتاب، أرى حجاجاً روي عنه عن مِقسم عن ابن عباس نحوا من خمسين حديثاً، وابن أبي ليلى يغلط في أحاديث من أحاديث الحكم، وسمعت أبي مرة يقول: قال شعبة هذه الأربعة التي يصححها الحكم سماع من مقسم" (٢). وقد روي عن أحمد زيادة حديث آخر، وهو حديث الحجامة في الصيام (٣). فهذا قد عدّه بعض المحدثين نوعا من أنواع التدليس، وهو أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه سماعاً وإنما أخذها من صحيفة وجادة، فقد اعتبر ابن حبان رواية الحكم بن عتيبة، وليث بن أبي سليم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وابن عيينة تفسير مجاهد عنه تدليساً، لأنهم لم يسمعوه وإنما نسخوه من كتاب القاسم بن أبي وبرة الذي سمعه من مجاهد (٤).

стр. 732

وقد نُسب الحكم بن عتيبة إلى التدليس (١)، ولم أقف عن الإمام أحمد على التصريح بشيء من ذلك في الحَكم، إلا ما ذكره هنا مما هو عند التحقيق صورة من صور التدليس. الوجه السادس: الإعلال بالنكارة وسببها التدليس . إذا وقعت النكارة في الحديث الذي ظاهر سنده الصحة فإن عادة النقاد أن يُرجعوا علة النكارة إلى علة قادحة إن وجدت، وإلا ذكروا علة محتملة لأن تكون قادحة وإن لم يكن وجودها محققاً، وقد سبق كلام المعلمي في هذا في الكلام حول الإعلال بكذب الراوي (٢). وهذا المسلك قد سلكه الأئمة في إعلال حديث المدلس حيث يروي الحديث بدون تصريح بالإخبار من شيخه في السند ووقعت النكارة في الحديث إما بالغرابة المستنكرة أو المخالفة أو غير ذلك فيعللون الحديث بالتدليس المحتمل من المدلس، ويرونه منشأ علة النكارة. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: ١. قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان". فقالا جميعاً: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيدالله شيئاً، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به (٣).

стр. 733

ذكره ابن الجوزي (١)، ونقل رواية مهنا هذه. ووجه النكارة كما ذكره أحمد وابن معين كون الحديث ليس معروفاً من أحاديث عبيد الله العمري، وهو حافظ مكثر قد جمع حديثه وعُرف، فيستغرب أن لا يرويه إلا عبد المجيد بن أبي رواد، والإسناد ظاهره الصحة وعبد المجيد لما كان ثقة عندهما (٢)، لم يُلزقا النكارة به، بل ألزقاها بالرجل المجهول الذي هو الواسطة بينه وبين عبيد الله العمري. فالشاهد أنهما جعلا علة الحديث التدليس المحتمل من عبد المجيد لأنه لم يسمع من عبيد الله، فالمحتمل أن يكون سمعه من إنسان غير ثقة عن عبيد الله فدلّسه عنه. ولا شك أن عبد المجيد قد عاصر عبيد الله العمري، فقد روى عن أقرانه مثل ابن جريج، ومعمر (٣)، لكن نص أحمد وابن معين على أنه لم يسمع من عبيد الله العمري شيئاً، فروايته عنه مرسلة، وأطلقا عليها اسم التدليس. وقد اعتمد العلائي هذه الرواية عن أحمد في عدّ عبد المجيد من المدلسين (٤)، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. ونكارة متن الحديث واضحة من وجه آخر، فإن المعروف في رواية هذا المتن: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل". هكذا رواه الشاشي (٥) من طريق الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود به مرفوعاً. وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه لكن رواياته عنه صحيحة كما قال ابن رجب (٦).

стр. 734

٢. قال عبد الله: حَدّثتُ أبي بحديث المُحاربي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: سُئل النبي ﷺ عن التَّشبيه في الصَّلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". فأنكره أبي واستعظمه، ثم قال أبي: المحاربي، عن معمر؟ قلت: نعم، فأنكره جداً. والحديث حدثني به أبو الشعثاء، وأبو كريب قالا: حدثنا المحاربي. قال أبو عبد الرحمن عبد لله بن أحمد: ولم نعلم أن المُحاربي سمع من معمر شيئاً، وبلغنا أن المحاربي كان يدلّس (١). هذا الحديث الذي ذكره عبد الله للإمام أحمد رواه ابن ماجة (٢) عن أبي كُريب، عن المُحاربي به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة. قال ابن حجر: "رواته ثقات لكن سُئل أحمد عنه فقال: إنه منكر" (٣). ووجه النكارة أنه جعله من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، والمعروف أن هذا الحديث يرويه الزهري عن ابن المسيب مرسلاً، وعن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد مسنداً، هكذا رواه الجماعة (٤) إلا الترمذي من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به. وأرجع الإمام أحمد العلة إلى رواية المُحاربي عن معمر، وأوضح ذلك عبد الله بأن المحاربي لا يُعلم سماعُه من معمر، وكان يدلس، أي فربما أخذه عن إنسان غير ثقة فدلسه عن معمر. ويؤيد هذا التوجيه أن معمراً يروي الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هِلال، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شبَّه على أحدكم الشيطانُ وهو في صلاته فقال: أحْدثتَ، فليقل في نفسه: كَذَبتَ، حتى يسمعَ صوتاً بأذنيْه أو يجد ريحاً بأنفه، وإذا صلى

стр. 735

أحدكم فلم يَدرِ أزاد أم نقص فليسجد سجدتيْن وهو جالس" (١)، فلعل هذا الذي حدّث المحاربي بالحديث لم يضبط حديث معمر فجعله عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد، فأخذه عنه المحاربي ورواه عن معمر بإسقاط الواسطة. فالشاهد أن النكارة في هذا الإسناد راجعة إلى تدليس محتمل من المحاربي في روايته عن معمر. ٣. قال عبد الله: ذكَر أبي حديثَ المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان حديث جَرِير: تُبْنى مدينةٌ بين دِجْلَة ودُجَيْل، فقال: كان المُحاربي جليساً لسيف بن محمد ابن أخت سفيان، وكان سيف كذّاباً، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاب ـ يعني عن سفيان. قلت له: إن لوَيْنا حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: كان محمد ربما أَلحَق في كتابه، أو يُلحِق في كتابه ـ يعني الحديث. وقال هذا حديث ليس بصحيح أو قال كذب" (٢). هذه المسألة تقدم ذكرها في الكلام عن الإعلال بكذب الراوي، والشاهد منه هنا أن هذا الحديث الذي حكم عليه الإمام أحمد بأنه كذب ظاهر إسناده الصحة، وأرجع سبب نكارة المتن إلى احتمال تدليس المحاربي في روايته للحديث عن عاصم، وأنه يحتمل أن يكون سمع الحديث من سيف بن محمد ـ وكان كذاباً ـ فدلسه عن عاصم وأسقط سيف بن محمد. ٤. قال ابن رجب في حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بصر رسول الله ﷺ برجل يُسيء

стр. 736

في صلاته، فقال له رسول الله ﷺ : "أحسن صلاتَك"، وأمره أن يرفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبّر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع" قال: خرجه ابن جوصا في "مسند الأوزاعي"، وهو مرسل. قال ابن رجب: والوليد مدلس عن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هذا. ا. هـ (١). وهذا الإسناد الذي ذكره ابن رجب ظاهره الصحة، وإنما استنكره الإمام لما فيه من الأمر برفع اليدين في المواضع الثلاثة، وقد روي الحديث عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن أنس أن النبي ﷺ كان يعفل ذلك في صلاته، وقال ابن رجب هو أصح، أي من الحديث الذي فيه الأمر. ولا ترجع العلة إلا إلى تدليس الوليد بن مسلم، فقد رواه عن الأوزاعي بالعنعنة وهو مشهور بالتدليس عن غير الثقات، فأصبح احتمالُ التدليس هو علة وقوع النكارة في المتن.

стр. 737

المطلب الثالث: تدليس الشيوخ والإعلال به عند الإمام أحمد . وتدليس الشيوخ هو القسم الآخر من قسمي التدليس، وهو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً، فغيّر اسمه، أو كنيته، أو حاله المشهورة من أمره لئلا يُعرف (١). والإعلال بهذا النوع من التدليس ليس من باب الإعلال بالانقطاع، فإن السماع هنا ثابت، وإنما هو من باب تغطية الراوي المجروح، إذ وصف الراوي بما لم يعرف به يجعله في حيز المجهول المعدوم العدالة وقد تكون حالته أسوأ من حالة المجهول. وقد أشار الإمام أحمد إلى أن عطية بن سعد العوفي كان مشهوراً بهذا النوع من التدليس. روى الخطيب عن أحمد بن حنبل أنه قال: "بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير فكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هُشيم يضعّف حديث عطية" (٢) وكنية الكلبي أبو النضر، فغير عطية كنيته ليوهم الناس أنه يروي عن أبي سعيد الخدري التفسير الذي كان يأخذه عنه. ومن الأمثلة على ما كشفه الإمام أحمد من هذا النوع من التدليس في الأسماء الواقع في بعض الأسانيد: ١. قال أبو داود قال: قلت لأحمد: "من الفزاري الذي يحدِّث عنه محمد ابن سلمة حديث البراء: "من كذب علي"؟ قال: هو محمد بن عبيد الله العَرزَمي، كان يقول في عرزم ـ وكان فزارياً ـ فكان يقول ـ يعني محمد بن سلمة ـ الفزاري" (٣).

стр. 738

هذا الحديث رواه أبو نعيم (١)، والحاكم (٢)، والخطيب (٣) من طرق عن محمد ابن سلمة، عن الفزاري محمد بن عبيد الله، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "من كذب عليّ متعمداً ليضل به الناس فليتبوأ مقعدَه من النار". فمحمد بن سلمة وهو الحراني (٤)، دلّس اسم شيخه محمد بن عبيد الله العرزمي فسماه الفزاري لكي لا يُعرف حتى إن ذلك خفي على أبي داود، والعرزمي متروك الحديث عند أئمة الحديث، لا يختلفون فيه كما قال الحاكم (٥). وهذا الفعل يجعل الإسناد أحسن حالاً منه لو أنه صرّح باسمه، فإن غايته أن يكون شيخ محمد بن سلمة مجهولاً، وحديث المجهول أحسن حالاً من حديث الراوي الموصوف بأنه متروك الحديث. وفي الحديث لفظة منكرة، وهي قوله: "ليُضلّ الناس بغير علم"، وقد أشار الحاكم إلى نكارتها. ٢. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "حدثني أبي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، شيخ كان في بجيلة، عن إبراهيم قال: [لا يصلي المتيمّم إلا صلاة واحدة]. قال أبي زعموا أنه الحسن بن عمارة، قال أبي: كان الحسن بن عمارة ينزل في بجيلة، أرى أن أبا معاوية غيّر اسمه" (٦).

стр. 739

وهذه الرواية رواها العقيلي (١) أيضاً والخطيب (٢). قال الخطيب في الحسن بن عمارة: وهو عبد الله بن عبد الرحمن الذي روى عنه أبو معاوية الضرير (٣). وإنما كشف ذلك الإمام أحمد. والحسن بن عمارة البَجَلي متروك (٤)، فدلّس أبو معاوية اسمه لكي لا يعرف.

стр. 740

الباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية وفيه فصلان الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية
следующие страницы →