← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في صلاته، فقال له رسول الله ﷺ : "أحسن صلاتَك"، وأمره أن يرفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبّر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع" قال: خرجه ابن جوصا في "مسند الأوزاعي"، وهو مرسل. قال ابن رجب: والوليد مدلس عن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هذا. ا. هـ (١). وهذا الإسناد الذي ذكره ابن رجب ظاهره الصحة، وإنما استنكره الإمام لما فيه من الأمر برفع اليدين في المواضع الثلاثة، وقد روي الحديث عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن أنس أن النبي ﷺ كان يعفل ذلك في صلاته، وقال ابن رجب هو أصح، أي من الحديث الذي فيه الأمر. ولا ترجع العلة إلا إلى تدليس الوليد بن مسلم، فقد رواه عن الأوزاعي بالعنعنة وهو مشهور بالتدليس عن غير الثقات، فأصبح احتمالُ التدليس هو علة وقوع النكارة في المتن.

стр. 737

المطلب الثالث: تدليس الشيوخ والإعلال به عند الإمام أحمد . وتدليس الشيوخ هو القسم الآخر من قسمي التدليس، وهو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً، فغيّر اسمه، أو كنيته، أو حاله المشهورة من أمره لئلا يُعرف (١). والإعلال بهذا النوع من التدليس ليس من باب الإعلال بالانقطاع، فإن السماع هنا ثابت، وإنما هو من باب تغطية الراوي المجروح، إذ وصف الراوي بما لم يعرف به يجعله في حيز المجهول المعدوم العدالة وقد تكون حالته أسوأ من حالة المجهول. وقد أشار الإمام أحمد إلى أن عطية بن سعد العوفي كان مشهوراً بهذا النوع من التدليس. روى الخطيب عن أحمد بن حنبل أنه قال: "بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير فكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هُشيم يضعّف حديث عطية" (٢) وكنية الكلبي أبو النضر، فغير عطية كنيته ليوهم الناس أنه يروي عن أبي سعيد الخدري التفسير الذي كان يأخذه عنه. ومن الأمثلة على ما كشفه الإمام أحمد من هذا النوع من التدليس في الأسماء الواقع في بعض الأسانيد: ١. قال أبو داود قال: قلت لأحمد: "من الفزاري الذي يحدِّث عنه محمد ابن سلمة حديث البراء: "من كذب علي"؟ قال: هو محمد بن عبيد الله العَرزَمي، كان يقول في عرزم ـ وكان فزارياً ـ فكان يقول ـ يعني محمد بن سلمة ـ الفزاري" (٣).

стр. 738

هذا الحديث رواه أبو نعيم (١)، والحاكم (٢)، والخطيب (٣) من طرق عن محمد ابن سلمة، عن الفزاري محمد بن عبيد الله، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "من كذب عليّ متعمداً ليضل به الناس فليتبوأ مقعدَه من النار". فمحمد بن سلمة وهو الحراني (٤)، دلّس اسم شيخه محمد بن عبيد الله العرزمي فسماه الفزاري لكي لا يُعرف حتى إن ذلك خفي على أبي داود، والعرزمي متروك الحديث عند أئمة الحديث، لا يختلفون فيه كما قال الحاكم (٥). وهذا الفعل يجعل الإسناد أحسن حالاً منه لو أنه صرّح باسمه، فإن غايته أن يكون شيخ محمد بن سلمة مجهولاً، وحديث المجهول أحسن حالاً من حديث الراوي الموصوف بأنه متروك الحديث. وفي الحديث لفظة منكرة، وهي قوله: "ليُضلّ الناس بغير علم"، وقد أشار الحاكم إلى نكارتها. ٢. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "حدثني أبي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، شيخ كان في بجيلة، عن إبراهيم قال: [لا يصلي المتيمّم إلا صلاة واحدة]. قال أبي زعموا أنه الحسن بن عمارة، قال أبي: كان الحسن بن عمارة ينزل في بجيلة، أرى أن أبا معاوية غيّر اسمه" (٦).

стр. 739

وهذه الرواية رواها العقيلي (١) أيضاً والخطيب (٢). قال الخطيب في الحسن بن عمارة: وهو عبد الله بن عبد الرحمن الذي روى عنه أبو معاوية الضرير (٣). وإنما كشف ذلك الإمام أحمد. والحسن بن عمارة البَجَلي متروك (٤)، فدلّس أبو معاوية اسمه لكي لا يعرف.

стр. 740

الباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية وفيه فصلان الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية

стр. 741

الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة

стр. 742

المبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد . المطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد . التفرد لغة مأخوذ من الفرد. قال ابن فارس: "الفاء والراء والدال أصل صحيح يدل على وُحدة، ومن ذلك الفرْد وهو الوَتْر، والفارِد والفَرْد الثَّوْر المنفرِد، وظَبية فارِد انقطعت عن القَطِيع، وكذلك السِّدرة الفاردة انفردت عن سائر السِّدر" (١). وعرفّه الذهبي في الاصطلاح فقال: "والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسناداً ومتناً، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين" (٢). فذكر نوعين للتفرد: الأول منهما ـ وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد المطلق ـ هو تفرد الراوي برواية الحديث إسناداً ومتناً، أي لم يُرو الحديث بإسناده ومتنه إلا من طريقه. والثاني ـ وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد النسبي ويكثر إطلاق الغريب عليه ـ هو التفرد عن شيخ معين ولو كان أصلُ الحديث معروفاً من وجه آخر (٣). ولم أقف على استعمال الإمام أحمد للفظ التفرد، لكن ذكر أبو داود أنه سأله فقال: "إسرائيل إذا انفرد بحديث يُحتج به؟ قال إسرائيل ثبت الحديث" (٤)، وليس في هذا السؤال تمييز لنوع التفرد هل هو من قبيل المطلق أو النسبي. وقد يكون الاستعمال هنا على المعنى اللغوي، وهو قريب من المعنى الاصطلاحي في

стр. 743

كلا حالتيه، لأن الذي يروي حديثاً لا يرويه غيرُه قد انقطع عن سائر الرواة وانفرد عنهم، وكذلك الذي يروي حديثاً عن شيخه لا يرويه عنه غيرُه. والذي ورد عن الإمام أحمد هو استعمال لفظ الغرابة ومشتقاتها، وذكر الحافظ ابن حجر أنها والتفرد مترادفان لغة واصطلاحاً (١). ويرجع استعمال هذا اللفظ عند الإمام أحمد إلى معنين: الأول: التفرد المطلق . قال الميموني: ذكر أبو عبد الله أن معمراً لقي هماماً ـ يعني ابن منبه ـ شيخاً كبيراً في أيام السودان، فقرأ على معمر، ثم ضعُف الشيخُ فقرأ معمر الباقي عليه، وهي أربعون ومئة حديث فيها غرائب، منها: "كان داود يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن" (٢). وقال الميموني في موضع آخر: قال لي أحمد بن حنبل: "همَّام بن منبِّه روى عنه أخوه وهب بن منبِّه، وكان رجلاً يغزو، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، فجالس أبا هريرة بالمدينة، فسمع أحاديث ـ وكان قد أدرك المسوِّدة (٣) وسقط حاجباه على عينيه ـ وهي نحو أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطَّعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث" (٤). فقد فسّرت الروايةُ الثانية الغرائب بأنها أشياء ليست في الأحاديث، أي لا تروى إلا من ذلك الوجه، وهذا النوع من الأحاديث هو الفرد المطلق. والمثال

стр. 744

الذي ذكره الإمام أحمد ظاهره من ذلك، فقد رواه في مسنده (١)، وكذلك البخاري (٢) وغيرهما عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "خُفّف على داود ﵇ القراءة، فكان يأمر بدابته تسرج، فكان يقرأ القرآن (٣) من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه". فإن ظاهر هذه الرواية أنها من مفردات همام بن منبه من بين أصحاب أبي هريرة، ولعل من أجل هذا تجنب الإمام مسلم إخراجه، مع إخراجه عدداً من الأحاديث هي في صحيفة همام بن منبه. وكأن الإمام البخاري لاحظ هذا الظاهر فذكر ما يدفعه، فقال ـ بعد سياقه للحديث: رواه موسى بن عقبة، عن صفوان، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٤). الثاني: إطلاق هذه اللظفة على الفرد النسبي ، ومن ذلك: قال عبد الله: "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام ابن أبي عبد الله، عن عامر الأحول، عن الحسن أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح الأمة على الحرّة. قال أبي: حديث سفيان، عن هشام بن أبي عبد الله غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأحول. قال أبي: وحدثناه الفزاري ـ يعني مروان ـ عن هشام ابن أبي عبد الله" (٥).

стр. 745

أطلق الإمام أحمد الغرابة على رواية هذا الحديث من طريق عامر الأحول، عن الحسن البصري، فقال: غريب من حديث عامر الأحول، فالمقصود بالغرابة هنا التفرد النسبي، وليس التفرد المطلق، لأن الحديث روي من وجه آخر عن رجل، عن الحسن، وبينت رواية ابن عيينة أن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد (١)، وإنما يستغرب من رواية عامر الأحول، عن الحسن (٢) حيث لم يرد ذلك إلا في رواية هشام الدستوائي. وقال عبد الله أيضاً: "حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يحيى ابن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال لها: "ما هذا يا عائشة؟ " فقالت: هذه خيل سليمان، قال: فجعل يضحك من قولها. سمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هُشيم، عن يحيى بن سعيد" (٣).

стр. 746

هذا الحديث استغربه الإمام أحمد من حديث يحيى بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، لأنه لم يسمعه من هذا الوجه إلا من هُشيم، فسماه غريباً، فهو من التفرد النسبي. والحديث يرويه سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمارة ابن غزية، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة به (١)، وهو في الصحيح من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بدون ذكر خيل سليمان (٢). وقال الأثرم: "حدثنا أحمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإذا أدركهم جلوساً صلى أربعاً. قال أبو عبد الله: ما أغربه ـ يعني أن هذا الحديث غريب عن ابن عمر" (٣). وهذا التفسير يحتمل أنه من ابن عبد البر، وهو مشكل، فإن الرواية بهذا الأثر قد جاءت من طرق أخرى عن ابن عمر؛ رواه الثوري، عن الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر (٤)، وتابعه عبد الله بن عمر العمري، عن نافع (٥). ورواه أيضاً هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر (٦). فلا وجه لاستغرابه من حديث ابن عمر. والذي يظهر لي أن الإمام أحمد استغرب الحديث من رواية أيوب، عن

стр. 747

نافع، عن ابن عمر، فقد رواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع قوله (١)، فالمقصود بالغرابة كونه من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، والله أعلم. وقد كان من منهج السلف ذم الأحاديث الغريبة. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإذا عُرف، وإلا فدعه (٢). وقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء (٣). والأصل في ذم الغرائب ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم". وهذا وصف للأحاديث الغريبة. وليس كل حديث غريب منكراً، فقد روى الخلال عن المرُّوذي قال: "ذكرتُ لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المِنهال، عن أبي عُبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] من العرش إلى الكُرسيّ". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه" (٥).

стр. 748

وعن أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث، وجعل يقرأه عليه فقال: ما أحسنه، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلاً. ا. هـ (١). فوصف الحديث بالغرابة ثم استحسنه، فدل على أن لا تلازم بين الأمرين.

стр. 749

المطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد . إن أكثر الألفاظ استعمالاً لدى الإمام أحمد في إعلال الأحاديث هو لفظ "المنكر"، وكذلك ما رواه تلاميذه عنه من الإعلال كان أغلبه بألفاظ ترجع إلى أصل هذا اللفظ مثل: "أنكره"، "وأنكره أشد الإنكار" ولما كانت المصطلحات لدى الأئمة المتقدمين قلَّما يرِد عنهم وضع لحدودها تعين على الباحث تتبع المعاني التي أطلق الإمام أحمد هذا اللفظ عليها للوصول إلى الصورة المقرِّبة لحد هذا المصطلح عند هذا الإمام. وقد تقدم ذكر مصطلح المنكر عند الإمام أحمد تحت الألفاظ التي يستعملها الإمام أحمد لأحاديث الكذّابين وإحالة بقية الكلام إلى هذا المطلب. والكلام فيه يحتوي على مسائل: المسألة الأولى: حد المنكر لغة . قال ابن فارس: "النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكِر الشيء وأَنكَره: لم يقبله قلبُه، ولم يعترف به لسانُهُ، والباب كله راجع إلى هذا … والإنكار خلاف الاعتراف" (١). وقال ابن المنظور: "المُنكَر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرّر في الحديث الإنكار والمُنكَر، وهو ضد المعروف … والجمع مناكير" (٢). المسألة الثانية: إطلاق المنكر لدى الإمام أحمد . قد ورد عن الإمام أحمد في إطلاق لفظ "المنكر" عند إعلال الأحاديث عدة معاني يمكن إجمالها في الآتي:

стр. 750

١. إطلاق المنكر بمعنى خلاف المعروف ، من ذلك: روى المرّوذي قال: "وذكرتُ له حديث زُهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان نصف شعبان فلا صوم"، فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه فلم يحدّثني به وكان يتوقّاه. ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رُويت عن النبي ﷺ " (١). فهذا الحديث أنكره الإمام أحمد، وذكر أن السبب في ذلك مخالفته للأحاديث المروية عن النبي ﷺ ، ومن تلك الأحاديث حديث عائشة ﵂ في الصحيح: [لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله] (٢) وفي رواية أخرى لها: [لم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً] (٣)، وكذلك حديث أم سلمة ﵂ في السنن: [أن النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصِله برمضان] (٤)، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح عن النبي ﷺ : "لا يتقدمنّ أحدُكم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم" (٥). فلما كان هذا الحديث مخالفاً للمعروف عن النبي ﷺ وصفه الإمام أحمد بالنكارة، مع أن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الخُرقي ثقة عند الإمام أحمد (٦)

стр. 751

فدل على أن من المعاني التي يطلق الإمام أحمد النكارة عليها ما كان مخالفاً للمعروف وإن كان راويه ثقة، وهذا المعنى جاري مع معنى اللفظ في اللغة (١). ومثال آخر: قال الميموني: "سمعت أحمد بن حنبل وسُئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شُعبة، عن النبي ﷺ أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفَّين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير" (٢). وذكر عبد الله مثله أيضاً: قال عبد الله: "حدّثتُ أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هُزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: [مسح النبي ﷺ على الجوربين والنعلين]. قال أبي: ليس يُروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي أبى عبد الرحمن ابن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر ـ يعني حديث المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس" (٣). ذكر الإمام أحمد هذا الحديث من مناكير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. قال عنه أحمد: هو كذا وكذا، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان، وهو يخالف في أحاديث (٤)، وهذا كناية على تليينه، وبين وجه نكارته

стр. 752

بأنه مخالف للمعروف عن النبي ﷺ ، وهو أنه كان يمسح على الخفين. قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين (١). وهكذا رواه غير واحد عن المغيرة بن شبعة (٢). قال علي بن المديني: "حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة؛ ورواه هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين عدا الناس" (٣).

стр. 753

ومثال آخر: قال ابن هاني: "سمعت أبا عبد الله يقول: حديث وكيع، عن شَريك، عن الحر بن صَيَّاح: رأيت ابن عمر يصوم عاشوراء، ورأيت ابن عمر يصوم العشر بمكة؛ حديث الحر بن صيَّاح حديث منكر، نافع أعلم بحديث ابن عمر منه" (١). فسمى حديث الحر بن صياح (٢) منكراً لمخالفته رواية نافع الذي كان أعلم بحديث ابن عمر منه، فقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صيامه (٣)، فهذا أيضاً من إطلاق المنكر في مقابل المعروف. ومثال آخر: ذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر رفعه: [لا إحداد فوق ثلاث]، فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر رأيه. ا. هـ. نقله ابن حجر عنه (٤). فأطلق المنكر في مقابل المعروف. مثال آخر: قال مهنا بن يحيى: "سألت أبا عبد الله عن ابن أبي الصفيراء فقال: منكر الحديث. قلت: أي شيء من منكره؟ قال: يروي عن عطاء: [الشربة التي تسكر

стр. 754

حرام]. قلت: وهذا منكر؟ قال: نعم، عن عطاء خلاف هذا" (١). ففسر معنى المنكر بأنه ما روي مخالفاً للمعروف عن الراوي. ٢. المنكر بمعنى الحديث الفرد الذي ليس له متابع ، ومن ذلك: قال عبد الله: "سألت أبي ﵀ ما الذي يعتمد عليه في مواقيت الصلاة من الأحاديث التي جاءت؟ وأي حديث عندك أقوى؟ والحديث الذي روى ابن المبارك، عن الحسين بن علي، عن وهب بن كيسان، عن جابر، ما ترى فيه، وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت حديث ليس بمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه" (٢). حديث جابر الذي أشار إليه في المواقيت رواه النسائي (٣)، والترمذي (٤)، وأحمد (٥)، وابن حبان (٦) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك بهذا الإسناد: "أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمسُ … " وراويه الحسين بن علي هو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي (٧). والشاهد فيه أن الإمام أحمد قال: حديثه هذا ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره (٨)، ومفهوم هذا أن الحديث الذي لم يتابع عليه مثلُ هذا

стр. 755

الراوي منكر، فهذا من إطلاق المنكر على الحديث الفرد. ومثال آخر: قال المروذي: "قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فقد حدّث عن الزهري بأحاديث كأنه أراد تفرد بها، ثم ذكر حديث محمد بن جُبير في الحِلف ـ حِلف المطيِّبين ـ فأنكره أبو عبد الله وقال: ما رواه غيره" (١). هذا الحديث مما تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، فأنكره الإمام أحمد لأنه كما قال: ما رواه غيره، وهذا من إطلاق المنكر على مفردات الرواة أمثال عبد الرحمن بن إسحاق (٢). وقد جاء عن أحمد ما يدل على عدم إنكاره لهذا الحديث وذلك في مذاكرته مع أحمد بن صالح المصري، فقد قال له الإمام أحمد: "عندك عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي ﷺ : "ما يسرني أن لي حمرَ النَّعم وأن لي حلف المطيبين"؟ فقال أحمد بن صالح:

стр. 756

أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح، عبد الرحمن بن إسحاق. قال: من رواه عن عبد الرحمن ابن إسحاق؟ فقال: رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، فقال أحمد ابن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي … " (١)، وإنكار الإمام أحمد للحديث هو آخر الأمرين منه، لأن المروذي لقي الإمام أحمد بعد هذه القصة فإن أحمد بن صالح المصري وافى العراق ولقي بأحمد سنة (٢١٢) هـ (٢). مثال آخر: قال عبد الله: "حدثني أبي، نا وكيع، نا أبو بكر النهشلي، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن علي أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود، قال: وكان قد شهِد صفِّين. قال أبي: ولم يره عن عاصم غيرُ أبي بكر النهشلي أعلمه، كأنه أنكره" (٣). وفي هذه الرواية ينفي الإمام أحمد العلم بوجود متابع لأبي بكر النهشلي، وهذا دون مطلق النفي، ومع ذلك فهم ابنه عبد الله أنه ينكره، وهذا لمعرفته بأن من منهجه إطلاق الإنكار على الحديث الذي تفرد به راويه. وأبو بكر النهشلي هو أبو بكر بن عبد الله بن قطاف، وقد وثقه أحمد (٤)، والصحيح

стр. 757

أن هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عاصم بن كُليب، فقد تابعه محمد بن أبان (١)، عن عاصم بمثله، أخرجه محمد بن الحسن الشيباني (٢)، وذكره الدارقطني تعليقاً (٣)، ولعل من أجل هذا لم يجزم الإمام أحمد بنفي وجود المتابع له، بل نفى علمه بذلك فحسب. وممن أنكر الحديث سفيان الثوري كما رواه ابن مهدي عنه (٤)، وكذلك عثمان بن سعيد الدارمي، قال: وليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته، أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره. ا. هـ (٥). وعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي من حيث أن الحديث الذي تفرد به راويه لا يُعرف إلا من طريقه لعدم تعدد مخرجه، فمن ثمّ صار خلاف المعروف. ٣. المنكر بمعنى ما ليس له أصل: ومن ذلك: قال المرُّوذي: "وذكر لُويْناً فقال: قد حدّث حديثاً منكراً عن ابن عيينة ماله أصل، قلت: إيش هو؟ قال: عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قصة علي: ما أنا الذي أخرجتُكم، ولكن الله أخرجكم، فأنكره إنكاراً شديداً وقال: ما له أصل" (٦).

стр. 758

ولُوين هو محمد بن سليمان بن حبيب أبو جعفر المصيصي، قال عنه الإمام أحمد: لا أعرفه (١). ووثقه النسائي، وقال عنه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، قيل له: ثقة؟ قال: صالح الحديث (٢). وهذا الحديث رواه النسائي في "خصايص علي" (٣)، والبزار (٤)، وأبو نعيم (٥) من طريق لوين قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده قومٌ فدخل عليٌّ، فلما دخل خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا فقال بعضهم لبعض: والله ما أخرجَنا، فارجعوا، فقال النبي ﷺ : "ما أدخلتُه وأخرجتُكم، ولكن الله أدخله وأخرجكم". قال الخطيب في وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: "أظن أبا عبد الله أنكر على لُوين روايته متصلاً، فإن الحديث محفوظ عن سفيان بن عيينة، غير أنه مرسل، عن إبراهيم بن سعد، عن النبي ﷺ … "، ثم ساقه من طريق ابن وهب، والحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد مرسلاً (٦). وقال البزار: "هكذا رواه محمد بن سليمان، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه؛ وغير محمد بن سليمان إنما يرويه

стр. 759

عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي مرسلاً" (١). وقال الدراقطني ـ بعد ذكره لرواية لوين ـ "قاله لوين عن ابن عيينة كذلك، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلاً، وهو المحفوظ" (٢). فالشاهد أن الإمام أحمد أطلق النكارة على هذا الحديث، وقال عنه: ما له أصل، وبيان الخطيب يدل على أن معنى ما له أصل هنا أي لم يصح متصلاً، ويحتمل أن يكون معنى هذا النفي عند أحمد أن الحديث لم يصح عن ابن عيينة إطلاقاً لا متصلاً ولا مرسلاً. وعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي للمنكر واضح، لأن ما لا أصل له غير معروف. ٤. المنكر بمعنى الخطأ: ومن ذلك: قال المرُّوذي: "قلت لأحمد: تعرف عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : متى كُتبتَ نبيًّا؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأزواعي، هو كثيراً مما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب" (٣). فوصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة، لأن راويه وهو الأوزاعي الإمام قد أخطأ فيه. وقد تقدم الكلام حول هذا الحديث ورواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وكيف دخلت الأخطاء على رواياته عنه بسبب ذهاب كتبه (٤).

стр. 760

مثال آخر: قال عبد الله: "حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "خمِّروا (١) وجوه موتاكم، ولا تُشَبِّهوا بيهود" فحدثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جُريج، عن عطاء مرسل" (٢). وفي هذا أيضاً وصفه للحديث الذي أخطأ فيه راويه بالنكارة، والراوي حفص بن غِياث أثنى عليه الإمام أحمد (٣)، لكن قال فيه: كان مخلطاً، وضعف أمره (٤). وحديثه هذا رواه الطبراني (٥) من طريق عبد الله، والدارقطني (٦)، والبيهقي (٧) كلهم من حديث حفص بن غياث به. وتابعه علي بن عاصم، عن ابن جريج (٨). ووجه خطأ حفص في رواية هذا الحديث أنه رواه موصولاً، والواقع أنه مرسل عن عطاء؛ وهي رواية حجاج بن محمد المصيصي، عن ابن جريج، وحجاج كان ثبتاً في الحديث عند الإمام أحمد (٩)، فإذا خالفه حفص يكون القولُ قولَ حجاج، ولا يقال إن علي بن عاصم قد تابع حفصاً، لأن علي بن عاصم كان

стр. 761

يغلط ويخطئ، وإن كان لم يكن متهماً بالكذب (١)، وحجاج قد تابعه الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلاً، ورواية حجاج عن ابن جريج إذا انفرد أقوى من رواية حفص وعلي بن عاصم، فكيف وقد تابعه مثل الثوري؟ (٢). قال البيهقي ـ بعد حكاية عبد الله لإنكار أحمد لهذا الحديث ـ وكذلك رواه الثوري وغيره عن ابن جريج مرسلاً، وروى علي بن عاصم، عن ابن جريج كما رواه حفص، وهو وهم، والله أعلم (٣). مثال آخر: قال أبو طالب: "سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال، قال: عبد الرحمن لا بأس به، قال: كان محبوساً في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثاً لابن المنكدر عن جابر، عن النبي ﷺ في الاستخارة، ليس يرويه أحد غيرُه، هو منكر. قلت: هو منكر؟ قال نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما" (٤). فصرح الإمام أحمد بأن هذا الحديث "منكر"، وأن مقصوده بذلك أن الحديث خطأ، يوضّح ذلك قوله: "أهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ … "، فدل على أن هذا الحديث غلط عنده، والقرينة المرجحة لوقوع الخطأ هو تفرد راويه عبد الرحمن بن أبي الموال به، وقد وثقه، وإن كان لم يجعله في المرتبة الأولى من الثقة، بل قد أشار إلى أن فيه ليناً ما. فروى المرّوذي أنه قال فيه: "ما أرى بحديثه

стр. 762

بأس، هو ممن يحتمل" (١)، فكأنه عند الإمام أحمد ليس له من الثقة ما يحتمل تفرده بهذا الأصل (٢). ووجه مطابقة هذا المعنى للمعنى اللغوي للمنكر أن الخطأ خلاف الواقع والثابت، وذلك يتضمن مخالفته للمعروف. وقد تقدم في مبحث الإعلال بكذب الراوي أنه أطلق "المنكر" على الحديث الموضوع، وأن وجه ذلك هو تحقق خطأ راويه وإن كان غير معروف بتعمد الكذب، مثل ما قال في بعض أحاديث عثمان بن أبي شيبة التي أنكرها عليه وقال إنها موضوعة، واعتذر له بأنه حدّث بتلك الأحاديث على سبيل التوهم والغلط (٣). فهذه المعاني التي وقفت على إطلاق الإمام أحمد المنكر عليها. وقبل استخلاص المعنى الاصطلاحي للمنكر عنده أذكر ما ورد عن بعض أهل هذا العلم من تفسير المنكر عند الإمام أحمد، وذلك في المسألة الثالثة.

стр. 763

المسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى "المنكر" عند الإمام أحمد . قد اعتنى العلماء العارفون بالإمام أحمد وبمنهجه بذكر معنى المنكر عند الإمام أحمد لكثرة استعماله له، ومن هؤلاء العلماء: الأثرم: وأول من وقفت له على تفسير مصطلح "المنكر" عند الإمام أحمد تلميذه أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الأثرم. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضل بن دَلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُريث، عن سلمة بن المحبِّق، عن النبي ﷺ : "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً" فقال: هذا حديثٌ منكر، يعني خطأ" (١). ثم بيّن الأثرم وجه الخطأ، فذكر الرواية الصحيحة للحديث: عن الحسن، عن حطّان، عن عبادة عن النبي ﷺ ، كما رواه قتادة، ومنصور بن زاذان (٢). والفضل بن دلهم وإن كان الإمام أحمد قال فيه: ليس به بأس كما في رواية الأثرم، إلا أنه خالف من هو أولى منه حفظاً وكثرة فتعين الحكم عليه بالخطأ. فقد فهم الأثرم أن هذا الاصطلاح يستعمله الإمام أحمد في وصف الحديث الذي وقع الخطأ في روايته سواء في الإسناد أو في المتن، مما يدل على أن اللفظ كان معروف المعنى عند أصحاب الإمام أحمد. ابن رجب: والحافظ ابن رجب أيضاً ممن عرّف بالمنكر عند الإمام أحمد، وكان من أعلم الناس بأقوال الإمام أحمد في الرجال وعلل الحديث. قال الحافظ ابن رجب معلقاً على قول الإمام أحمد المتقدم في حديث

стр. 764

حسين بن علي بن الحسين في مواقيت الصلاة: "حديثه الذي روى في المواقيت ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه"، قال ابن رجب: "وإنما قال الإمام أحمد ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه، لأن قاعدتَه أن ما انفرد به ثقةٌ، فإنه يتوقف فيه حتى يُتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما" (١). وذكر أيضاً أن كلام الإمام أحمد في النكارة قريب من كلام يحيى القطان، وهو أن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، ولا تزول النكارة إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر. فهنا أطلق النكارة عليه بينما قيده في الموضع الأول بأن ذلك في الثقة الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان. ثم ذكر ابن رجب جملة من الأحاديث وصفها الإمام أحمد بالنكارة وهي من هذا النوع منها: حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته (٢). قال المرُّوذي: وسألته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقال لي: "ثقة إلا حديث واحد يرويه عن ابن عمر قال: الولاء لا تُباع ولا توهب، ونافع قال في قصة بريرة: "الولاء لمن أعتق" (٣) يشير إلى أن عبد الله بن دينار لم يتابع عليه، وأن الصحيح ما روى نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الولاء

стр. 765

لمن أعتق"، لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته (١). والصحيح أن هذا الحديث لم ينكره الإمام أحمد لمجرد تفرد عبد الله بن دينار به، بل لأنه إضافة إلى تفرده فقد خولف، وذلك من ثلاثة أوجه: الأول: أن نافعاً لم يذكره عن ابن عمر، ونافع وسالم أوثق الناس عن ابن عمر. الثاني: ما أشار إليه الإمام أحمد أن نافعاً روى عن ابن عمر مرفوعاً: "الولاء لمن أعتق"، فأضاف الولاء إلى المعتِق بلام التمليك والاختصاص، وهذا المعنى معارض لقوله: الولاء لا يُباع ولا يُوهب. الثالث: أن نافعاً قد روى عن ابن عمر النهي عن بيع الولاء وعن هبته من قوله هو غير مرفوع (٢). ومما ذكره الحافظ ابن رجب من الأدلة الدالة على اعتبار الإمام أحمد تفرد الثقات منكراً أنه وصف بعض الرواة الثقات بأنهم يروون أحاديث مناكير، منهم بُريد بن عبد الله ابن أبي بُردة (٣)، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات (٤)، وزيد بن أبي أنيسة (٥)، وعمرو بن الحارث (٦)،

стр. 766

والحسين بن واقد (١)، وخالد بن مخلد (٢). وهو مخالف لتصرف الشيخين والأكثرين، فإنهم يرون أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، ثم ذكر عن الإمام مسلم ما حكاه عن أهل العلم أن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث قبل ما تفرد به (٣). قال ابن رجب: فتلخص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطان، والإمام أحمد، والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة (٤) لكن قيد هذا الإطلاق في موضع آخر بأنه خاص بحالة من لم يشتهر بالحفظ والإتقان كما تقدم. ابن حجر: قال الحافظ في ابن حجر في قول الإمام أحمد في بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: "أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة" (٥). وكذلك قال في الجواب عن قول الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم أنه يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: "المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على

стр. 767

الحديث الذي لا متابع له" (١). وقال أحمد في يزيد بن عبد الله بن خُصيف: منكر الحديث، قال ذلك في رواية الآجري، عن أبي داود (٢). وقد قال عنه في رواية الأثرم: ثقة ثقة (٣)؛ وفي رواية عبد الله: لا أعلم إلا خيراً (٤). فقال ابن حجر في هذا القول: "هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله" (٥). وهكذا أطلق الحافظ في هذه المواضع أن الإمام أحمد يطلق "المنكر" على الحديث الفرد المطلق. وقيد ذلك في موضع آخر: فقال "أطلق الإمام أحمد، والنسائي وغير واحد من النُّقاد لفظ "المنكر" على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٦). المسألة الرابعة: التعريف الاصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد . مما تقدم يترجح لدي أن التعريف المرضي للمنكر بحسب إطلاقات الإمام أحمد لهذا اللفظ هو: الحديث الذي ترجح خطأ راويه بتفرد من لا يحتمل تفرده

стр. 768

أو المخالفة للثابت المعروف. فهذا التعريف يصدق على المنكر بمعنى خلاف المعروف، وبمعنى الفرد الذي ليس له متابع وليس لراويه من الثقة ما يحتمل تفرده، وبمعنى ما ليس له أصل، وبمعنى الحديث الذي ترجح خطأ راويه.

стр. 769

المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة . الذي يدل عليه منهج الإمام أحمد في هذا الباب أن الأصل عنده قبول ما تفرد به الراوي الثقة البارز في علمه وإتقانه، ويدل على ذلك النصوص التالية: قال الحسن بن محمد الزعفراني (١): "قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفاناً في حديث كذا وكذا؟ قال: وعفان يحتاج إلى أن يُتابعَه أحدٌ ـ أو كما قال" (٢). فهذا يدل على أن مثل عفان بن مسلم الصفار إذا روى حديثاً ولم يتابعه عليه أحدٌ فإنه مقبول، ومثله ليس ممن يتوقف في قبول ما تفرد به. وقيل لأحمد في حديث تفرد به عبد الله بن إدريس: أحد يقول ذلك غيره؟ فقال: يكفيك بابن إدريس، وذلك فيما: قال صالح بن أحمد بن حنبل: "حدثنا أبي: قال: حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان قال: "لا شُفعة في بئر ولا فحل" (٣) ولا الأُرَف (٤)، إذا علم كل قوم حقهم تقطع كل شفعة. قلت له: أحد يقول: والأرف غير ابن إدريس؟ فقال: يكفيك بابن إدريس" (٥).

стр. 770

هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (١)، والبيهقي (٢). والشاهد فيه أن صالحاً سأل عن ثبوت لفظة: والأُرَف في الأثر، فإنه لا يقولها غير عبد الله بن إدريس، فقد روى مالك الحديث عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن عثمان بن عفان بلفظ: "إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شُفعة فيها، ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل" (٣)، فلم يذكر الأُرَف. فأجاب أحمد بقوله: يكفيك بابن إدريس، أي تفرده مقبول لثقته ورفعته في العلم. قال أحمد في عبد الله بن إدريس: هو نسيج وحده (٤). وهذه مبالغة في مدحه وثنائه (٥). ومثال آخر: قال الميموني: وقال ابن حنبل: ليس نجد أحداً يرفع غيرُ زُهير ـ يعني في المحرم إذا لم يجد نعليْه ـ وكان زهير من معادن العلم (٦) فهذا الحديث تفرد به زهير من هذا الوجه ولفظه: "من لم يجد نعلين

стр. 771

فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل" (١). ولفظ الحديث معروف من حديث ابن عباس. أخرجاه من رواية عمرو ابن دينار، عن جابر بن زيد عنه (٢). وظاهر كلام أحمد يدل على قبوله هذا التفرد من زهير، لأنه قال: "كان زهير من معادن العلم"، وهذا مشعر بقبوله لما تفرد به. وقد قال في موضع آخر عن زهير: "حفاظ الحديث أو المتثبِّتين في الحديث أربعة: سفيان الثوري، وشعبة، وزُهير، وزَائدة" (٣). وقال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يقول: علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزُهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم" (٤). وسئل أحمد في رواية محمد بن يحيى الذهلي عن حديث زهير، عن أبي الزبير، عن جابر "أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ السجدة وتبارك"، قال: حسبك بزُهير إذا جاء بالشيء، زهير ثقة، وإنما ذلك ليث رواه. ا. هـ (٥).

стр. 772

فهذا يفيد أن زهير إذا جاء بالحديث فهو مقبول، وإن تفرد به. وكأن الإمام أحمد لم يقف على رواية حديث أبي الزبير هذا إلا من طريق ليث. ومما أخذ به وهو عنده مما تفرد الثقة بروايته: قال أبو طالب: "قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد: "لا يقرأ الجنب" غير شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلِمة، عن علي. قال سفيان بن عيينة: سمعت هذا الحديث من شعبة. قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلِمة بعد ما كبر" (١). هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الثلاث من طريق شعبة (٢)، وهو عند أحمد من طرق عن شعبة (٣). وقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذا الحديث في رواية موسى بن عيسى الجصاص (٤)، فقال: [لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن، والتسبيح رُخّص فيه، أما

стр. 773

أن يتعمد الآية أو السورة، لا يُعجبني] (١)، مع قوله بأنه لم يروه أحد غير شعبة، فدل على أن تفرد الثقة مثل شعبة بالحديث مقبول عنده. وقول الإمام أحمد: لم يروه أحد غير شعبة مشكل، فقد رواه في مسنده عن أبي معاوية، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرّة به (٢). كما روي من طريق الأعمش، وابن أبي ليلى كلاهما عن عمرو بن مرة (٣)، ورواه ابن عيينة، عن شعبة ومِسعَر (٤)، فالله أعلم. وقد نُقل عن الخطابي أنه قال: إن الإمام أحمد كان يوهِّن هذا الحديث، ويضعّف أمر عبد الله بن سلِمة (٥)، فهذا وجه آخر لإعلال الحديث لدى بعض الناس (٦). فإن صحت هذه الرواية فيحمل ما تقدم من أخذ الإمام أحمد بمقتضى

стр. 774

الحديث من باب أخذه بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره. خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب: الأمثلة التي تقدم إيرادها تدل على الأصل الذي صدّرنا به هذا المطلب، وهو أن تفرد الراوي الثقة البارز في الحفظ والإتقان مقبول عند الإمام أحمد، وليس بمنكر. وقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على تركه لهذا الأصل في بعض المواضع، وذلك لاعتبارات تظهر لمن تتبع تلك المواضع بالنظر والدراسة. فمن تلك الاعتبارات أن يكون الراوي الثبت معروفاً باتكاله على حفظه حتى سجلت له أخطاء عن شيخه الذي تفرد عنه. مثال ذلك: روى عبد الله قال: "قال أبي في حديث وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في المسلم يقتل الذِّمِّي خطأً، قال: كفارتُهما سواء. قال أبي: ليس يرويه غيرُ وكيع، ما أُراه إلا خطأ" (١). فهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (٢) عن وكيع، ولم يقبله أحمد لأن راويَه وكيع قد تفرد به، ووكيع إمام حافظ، ومع ذلك لم يقبل ما تفرد به، ويبدو أن ذلك راجع إلى كون وكيع يعتمد على حفظه، فصار احتمال وقوع الأخطاء في رواياته قوياً. قال الفضل بن زياد: "قال أحمد بن حنبل: كان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (٣)، ومن أجل ذلك كان عبد الرحمن أكثر إصابة عند الإمام أحمد من وكيع في حديث

стр. 775

الثوري (١)، لأن عبد الرحمن كان صاحب كتاب. وتوقف أحمد عن تقديم وكيع على محمد بن يوسف الفريابي فيما تفرد به، قال أبو داود: "إذا اختلف الفِريابي ووكيع، أليس يُقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم يروه غيره. قال: ما أدري، وكيع ربما خولف أيضاً" (٢). فأشار إلى أن وكيعاً ربما تفرد بأشياء يخالَف فيها. وهذه الرواية لم ينفرد وكيع بها عن الثوري كما ذكر الإمام أحمد، بل تابعه عبد الرزاق، وتابعه أيضاً معمرٌ متابعة قاصرة عن منصور (٣). ولعل الإمام أحمد وقف على هذه الرواية فيما بعدُ فذكر صحة نسبة هذا القول إلى إبراهيم. قال ابن قُدامة: "قال أحمد: الشعبي والنخعي قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتل به، هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هذا القول! واستبشعه وقال: النبي ﷺ يقول: "لا يُقتل مسلم بكافر" وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شي أشد من هذا! " (٤)، وبهذا يجمع بين إنكاره لرواية وكيع وقبوله لمقتضاها في موضع آخر. وهذا الاعتبار نفسه ـ أعني كون الراوي المتفرد مع حفظه قد حُفظت له أخطاء وقع فيها ـ هو الذي يعود إليه إنكار الإمام أحمد لحديثين رواهما عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وتفرد بهما عن عطاء: أحدهما حديث الشفعة بالجوار، والثاني حديث تنكح المرأة لثلاث. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث
следующие страницы →