← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل" (١). ولفظ الحديث معروف من حديث ابن عباس. أخرجاه من رواية عمرو ابن دينار، عن جابر بن زيد عنه (٢). وظاهر كلام أحمد يدل على قبوله هذا التفرد من زهير، لأنه قال: "كان زهير من معادن العلم"، وهذا مشعر بقبوله لما تفرد به. وقد قال في موضع آخر عن زهير: "حفاظ الحديث أو المتثبِّتين في الحديث أربعة: سفيان الثوري، وشعبة، وزُهير، وزَائدة" (٣). وقال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يقول: علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزُهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم" (٤). وسئل أحمد في رواية محمد بن يحيى الذهلي عن حديث زهير، عن أبي الزبير، عن جابر "أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ السجدة وتبارك"، قال: حسبك بزُهير إذا جاء بالشيء، زهير ثقة، وإنما ذلك ليث رواه. ا. هـ (٥).

стр. 772

فهذا يفيد أن زهير إذا جاء بالحديث فهو مقبول، وإن تفرد به. وكأن الإمام أحمد لم يقف على رواية حديث أبي الزبير هذا إلا من طريق ليث. ومما أخذ به وهو عنده مما تفرد الثقة بروايته: قال أبو طالب: "قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد: "لا يقرأ الجنب" غير شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلِمة، عن علي. قال سفيان بن عيينة: سمعت هذا الحديث من شعبة. قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلِمة بعد ما كبر" (١). هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الثلاث من طريق شعبة (٢)، وهو عند أحمد من طرق عن شعبة (٣). وقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذا الحديث في رواية موسى بن عيسى الجصاص (٤)، فقال: [لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن، والتسبيح رُخّص فيه، أما

стр. 773

أن يتعمد الآية أو السورة، لا يُعجبني] (١)، مع قوله بأنه لم يروه أحد غير شعبة، فدل على أن تفرد الثقة مثل شعبة بالحديث مقبول عنده. وقول الإمام أحمد: لم يروه أحد غير شعبة مشكل، فقد رواه في مسنده عن أبي معاوية، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرّة به (٢). كما روي من طريق الأعمش، وابن أبي ليلى كلاهما عن عمرو بن مرة (٣)، ورواه ابن عيينة، عن شعبة ومِسعَر (٤)، فالله أعلم. وقد نُقل عن الخطابي أنه قال: إن الإمام أحمد كان يوهِّن هذا الحديث، ويضعّف أمر عبد الله بن سلِمة (٥)، فهذا وجه آخر لإعلال الحديث لدى بعض الناس (٦). فإن صحت هذه الرواية فيحمل ما تقدم من أخذ الإمام أحمد بمقتضى

стр. 774

الحديث من باب أخذه بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره. خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب: الأمثلة التي تقدم إيرادها تدل على الأصل الذي صدّرنا به هذا المطلب، وهو أن تفرد الراوي الثقة البارز في الحفظ والإتقان مقبول عند الإمام أحمد، وليس بمنكر. وقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على تركه لهذا الأصل في بعض المواضع، وذلك لاعتبارات تظهر لمن تتبع تلك المواضع بالنظر والدراسة. فمن تلك الاعتبارات أن يكون الراوي الثبت معروفاً باتكاله على حفظه حتى سجلت له أخطاء عن شيخه الذي تفرد عنه. مثال ذلك: روى عبد الله قال: "قال أبي في حديث وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في المسلم يقتل الذِّمِّي خطأً، قال: كفارتُهما سواء. قال أبي: ليس يرويه غيرُ وكيع، ما أُراه إلا خطأ" (١). فهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (٢) عن وكيع، ولم يقبله أحمد لأن راويَه وكيع قد تفرد به، ووكيع إمام حافظ، ومع ذلك لم يقبل ما تفرد به، ويبدو أن ذلك راجع إلى كون وكيع يعتمد على حفظه، فصار احتمال وقوع الأخطاء في رواياته قوياً. قال الفضل بن زياد: "قال أحمد بن حنبل: كان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (٣)، ومن أجل ذلك كان عبد الرحمن أكثر إصابة عند الإمام أحمد من وكيع في حديث

стр. 775

الثوري (١)، لأن عبد الرحمن كان صاحب كتاب. وتوقف أحمد عن تقديم وكيع على محمد بن يوسف الفريابي فيما تفرد به، قال أبو داود: "إذا اختلف الفِريابي ووكيع، أليس يُقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم يروه غيره. قال: ما أدري، وكيع ربما خولف أيضاً" (٢). فأشار إلى أن وكيعاً ربما تفرد بأشياء يخالَف فيها. وهذه الرواية لم ينفرد وكيع بها عن الثوري كما ذكر الإمام أحمد، بل تابعه عبد الرزاق، وتابعه أيضاً معمرٌ متابعة قاصرة عن منصور (٣). ولعل الإمام أحمد وقف على هذه الرواية فيما بعدُ فذكر صحة نسبة هذا القول إلى إبراهيم. قال ابن قُدامة: "قال أحمد: الشعبي والنخعي قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتل به، هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هذا القول! واستبشعه وقال: النبي ﷺ يقول: "لا يُقتل مسلم بكافر" وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شي أشد من هذا! " (٤)، وبهذا يجمع بين إنكاره لرواية وكيع وقبوله لمقتضاها في موضع آخر. وهذا الاعتبار نفسه ـ أعني كون الراوي المتفرد مع حفظه قد حُفظت له أخطاء وقع فيها ـ هو الذي يعود إليه إنكار الإمام أحمد لحديثين رواهما عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وتفرد بهما عن عطاء: أحدهما حديث الشفعة بالجوار، والثاني حديث تنكح المرأة لثلاث. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث

стр. 776

عبدالملك، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: هذا حديث منكر" (١). وقال أبو زرعة الدمشقي: "وسمعت يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل يقولان في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر في الشُّفعة، قالا لي: قد كان هذا الحديث ينكر عليه. وسمعت أحمد ويحيى يقولان: كان عبد الملك بن أبي سليمان ثقة" (٢). وحديث عبد الملك في الشفعة بالجوار أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وابن ماجه (٥)، وأبو داود الطيالسي (٦)، وأحمد (٧)، وابن أبي شيبة (٨)، والطحاوي (٩)، والبيهقي (١٠). ولفظه: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً". وقد تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، ومن أجله تكلم فيه شعبة. وقال: لو روى حديثاً آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه، ومثله عن يحيى القطان (١١). ومما يدل على أن تفرده هو علة نكارته عند شعبة أن وكيعاً روى عن شعبة

стр. 777

أنه قال لهم: "لو كان شيئاً يُقوِّيه! " (١)، أي لو وجد له متابعٌ أو شاهدٌ يقويه لكان مقبولاً. وكذلك أنكره الإمام أحمد، ويحيى بن معين على عبد الملك كما تقدم في السؤال. وقال البخاري: لا أعلم أحداً رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر عن النبي ﷺ خلاف هذا (٢). وإنما أنكرا عليه هذا الحديث لتفرده به عن جابر، فلم يذكره أحد من أصحاب عطاء. قال الترمذي: إنما ترك شعبة عبد الملك لهذا الحديث، لم يجد أحداً رواه غيره (٣). وعبد الملك بن أبي سليمان قد وثقه الإمام أحمد كما تقدم، بل قال في رواية عبد الله: كان من الحفاظ (٤). لكن قال في رواية صالح: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يُخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جُريج أثبت منه عندنا" (٥). وقال في رواية أبي داود: "هو ثقة، قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من حفاظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء" (٦). وقد ذكر الإمام أحمد حديثاً آخر لعبد الملك خالف فيه ابنَ جريج فقضى الإمام أحمد لابن جريج (٧). وقال عبد الله: "قال أبي مرة أخرى، وذكر عطاء فقال: أثبت الناس في عطاء ابن جُريج، وعمرو بن دينار" (٨).

стр. 778

فمن سجلت عليه مخالفات لمن هو أوثق منه عن شيخ معين تأثرت به روايته عنه، فيتوقف في قبول ما تفرد به عنه. وأشار الإمام مسلم إلى هذا الضابط في مقدمة صحيحه حيث قال: "وحكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه قُبلت زيادتُه" (١). ثم حديثه هذا مخالف لما رواه أبو سلمة وأبو الزبير عن جابر، وهذا ما أشار إليه البخاري من أنه يروى عن جابر عن النبي ﷺ خلاف هذا، وقد صرح به ابن عبد البر (٢).

стр. 779

والحديث الثاني الذي أنكره الإمام أحمد على عبد الملك بن أبي سليمان هو: قال أبو زرعة: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: وقد كان يُنكر من حديثه ـ أي عبد الملك بن أبي سليمان ـ عن عطاء، عن جابر: "تنكح المرأة على ثلاث" (١). وهذا الحديث رواه الترمذي (٢)، من طريق إسحاق الأزرق، وابن أبي شيبة (٣) من طريق عبدة بن سليمان كلاهما عن عبد الملك به، ولفظه: "إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدِّين تربت يداك". ورواه الدارمي من طريق علي بن مسهر، عن عبد الملك بلفظ: "تنكح المرأة لأربع … " (٤)، فذكره بمثل لفظ حديث أبي هريرة في هذا المعنى (٥). ورواه مسلم (٦)، من طريق عبد الله بن نمير، والنسائي (٧) من طريق خالد بن الحارث، وأحمد (٨)، والبيهقي (٩)، وابن عبد البر (١٠) من طريق إسحاق الأزرق، وأحمد (١١) من طريق يحيى القطان كلهم عن عبد الملك بلفظ: تزوجتُ امرأةً في عهد رسول الله ﷺ فلقيتُ النبي ﷺ فقال: "يا جابر تزوجتَ؟ " قال: نعم، قال: "أبكرٌ أم ثيّبٌ"؟ قال: بل ثيّب. قال: "أفلا بكراً تلاعبها"؟ قال: يا رسول الله، إن

стр. 780

لي أخواتٌ فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال فقال: "فذاك إذن، إن المرأة تُنكح في دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك". فتبين أن ما أنكره الإمام أحمد من حديث عبد الملك زيادة زادها في حديث جابر في قصة زواجه وبيعه بعيره للنبي ﷺ ، ولم ترد هذه الزيادة إلا في حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وقد رواه ابن جريج عن عبد الملك ولم يذكرها (١). وكذلك لم يذكرها كل من روى الحديث عن جابر، وهم عمرو ابن دينار (٢)، ومحمد بن المنكدر (٣)، ومحارب بن دثار (٤)، والشعبي (٥)، ووهب ابن كيسان (٦)، وأبي نضرة (٧)، وسالم بن أبي الجعد (٨)، ونُبيح العنزي (٩)، وأبي سفيان طلحة بن نافع (١٠). فإنكار الإمام أحمد لهذه الزيادة من باب إنكاره وغيره من الحفاظ للحديث الذي تفرد به في الشفعة. ومن الاعتبارات التي يعود إليها خروجُ الإمام أحمد عن أصله في هذا

стр. 781

الباب أن يكون الراوي المتفرد مع كونه حافظاً مبرّزاً ليس في الطبقة الأولى من أصحاب شيخه الذي تفرد بالرواية عنه، إذا كان شيخه من المكثرين في الرواية وله تلاميذ كثر يعتنون بجمع أحاديثه، مثال ذلك: قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: عند عيسى حديث أنس، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ في الشُّفعة؛ قال أحمد: ليس بشيء. فقلتُ لأحمد: كلاهما عنده؟ أعني: عند عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وعن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ في الشُّفعة؟ فلم يَعْبأ إلى جَمعه الحديثين، وأنكر حديث أنس" (١). حديث عيسى بن يونس رواه ابن حبان (٢)، والطحاوي (٣)، والطبراني (٤)، والضياء المقدسي (٥) كلهم من طريقه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس. وقد تفرد عيسى بن يونس بهذه الرواية عن سعيد عن قتادة، عن أنس، قاله الطبراني (٦). وأنكر الإمام أحمد هذه الرواية على عيسى بن يونس (٧)، وتتابع الحفاظ من بعده على إنكاره عليه؛ فقال الإمام البخاري: "الصحيح حديث الحسن عن سمرة، وحديث قتادة، عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحداً رواه عن ابن أبي عروبة،

стр. 782

عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس" (١). وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة عن الحديث: "هذا خطأ، روى هذا الحديث همام، وحماد بن سلمة، فقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن الشريد، وقال همام: عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد، وقالا ـ أي أبو حاتم وأبو زرعة: نظن أن عيسى وهم فيه، فشبّه الشريد بأنس" (٢). وقال الدارقطني: "رواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، ووهم فيه، وغيره يرويه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك رواه شعبة وغيره عن قتادة، وهو الصواب" (٣). ووجه عدم قبول الإمام أحمد لهذا التفرد من عيسى بن يونس، ومثله ممن يقبل منه تفرده على أصله في هذا الباب، هو أنه مع تثبت عيسى وثقته لكنه ليس من الطبقة الأولى من أصحاب سعيد بن أبي عروبة، فإنه بالرغم من منزلته في الثقة وصحة سماعه من ابن عروبة (٤)، لم يكن من خاصة تلاميذه العارفين بحديثه والملازمين له من البصريين أهل بلده مثل يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وابن علية، وعبد الوهاب الخفاف الذين جمعوا مع الثقة والتثبت طول الملازمة، فكيف تغيب عنهم هذه الرواية ولا يرويها إلا هو، ولم يسمع من سعيد إلا في قدمته إلى الكوفة، وروايات مختلفي الأمصار يعتريها ما يعتريها من الأوهام والأغلاط.

стр. 783

والرواية المحفوظة هي عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب. هكذا رواه أصحاب سعيد بن أبي عروبة، منهم إسماعيل بن عُلية (١)، وقد كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة (٢)، وسماعه من سعيد قديم؛ أخذه عنه إملاء (٣) مما يدل على مزيد ضبطه لحديثه؛ ومنهم عبد الوهاب بن عطاء الخفاف (٤)، وكان من أعلم الناس بحديث سعيد (٥)؛ وعبدة بن سليمان (٦)، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد (٧)، والحسن بن صالح بن حيّ (٨). وكذلك أصحاب قتادة رووه عنه عن الحسن، عن سمرة؛ هكذا رواه هشام الدستوائي (٩)، وشعبة (١٠)، وهمام (١١)، وحماد بن سلمة (١٢). وهؤلاء ثقات أصحاب قتادة. وقد روى عيسى بن يونس، عن سعيد، عن الحسن، عن سمرة، مثل رواية

стр. 784

الجماعة (١)، وذكر أبو داود هذه الرواية لأحمد كقرينة يمكن الاستدلال بها على أن جمعه للحديثين معاً يفيد كون الطريق الذي تفرد بها عن سعيد عن قتادة عن أنس محفوظاً، واعتمد هذه القرينة ابن القطان فصحح الروايتين عن عيسى بن يونس (٢). وأما الإمام أحمد فلم يعبأ بهذه القرينة، ولم يقبل هذا التفرد من عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة، مع أنه من الأثبات عنده. فقد سئل عنه أحمد فقال: عيسى يُسأل عنه؟ (٣). وسئل عن عيسى بن يونس، وأبي إسحاق الفزاري، ومروان بن معاوية أيهم أثبت؟ قال: ما فيهم إلا ثبت. قيل له: فمن تقدم؟ قال: ما فيهم إلا ثقة ثبت … (٤). وكذلك أحمد بن جناب راوي الروايتين عن عيسى بن يونس نص على أن عيسى بن يونس أخطأ في حديث أنس، فقد رواه ابن أبي خيثمة، عن أحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ثم قال: قال أحمد بن جناب: أخطأ فيه عيسى بن يونس (٥).

стр. 785

ومن ناحية أخرى، ما بال هذا الحديث لا يرويه أحدٌ من أصحاب قتادة عن أنس؟ وقتادة حافظ مكثر، صاحب تلاميذ معتنين بجمع حديثه وضبطه، فلماذا لم يرو الحديث أحد من هؤلاء التلاميذ، ولا يأتي إلا من طريق عيسى عن ابن أبي عروبة؟ ومن أجل هذه الاعتبارات خرج الإمام أحمد عن أصله فلم يقبل تفرد عيسى بن يونس وحكم على روايته بالخطأ. ومن أمثلته أيضاً رد الإمام أحمد لتفرد وهب بن جرير عن شعبة، لأنه لم يكن من أهل الطبقة الأولى من تلاميذ شعبة. قال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل ـ يعني ابن أبي خالد ـ عن الشعبي، عن ابن عباس، صلى ـ يعني النبي ﷺ على قبر؟ فأنكره وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل" (١). هذا الحديث رواه مسلم (٢)، وابن حبان (٣)، والبيهقي (٤) من طريق وهب ابن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل بن خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: "أَتى رسول الله ﷺ على قبر منبوذ فصلى عليه وصلينا معه". ولم أقف على من تابعه على هذه الرواية عن شعبة أو عن غيره بذكر إسماعيل بن أبي خالد. قال ابن عدي: ولم يقل عن شعبة، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي غير وهب بن جرير، والمعروف عن شعبة، عن الشيباني عن الشعبي (٥).

стр. 786

هكذا رواه أصحاب شعبة: عن الشيباني، عن الشعبي عن ابن عباس؛ منهم غندر (١)، وحجاج بن المنهال (٢)، ومعاذ بن معاذ (٣)، وسليمان بن حرب (٤)، ومسلم ابن إبراهيم (٥)، وخالد بن الحارث (٦)، وأبو داود (٧)، وأبو الوليد الطيالسيّان (٨). والحديث معروف لأبي إسحاق الشيباني، رواه عنه غير واحد (٩). وقد روي أيضاً من حديث أبي حصين عن الشعبي (١٠). وتفرد به وهب بن جرير، عن شعبة من حديث إسماعيل بن أبي خالد، فأنكره الإمام أحمد، وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل، فلم يعتبر بروايته لتكون أصلاً للحديث من رواية إسماعيل، بل ردها لأنه ليس ممن يقبل تفرده عن شعبة، فلم يكن من أهل الطبقة الأولى من أصحابه، بل كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عند شعبة، قال أحمد: قلت له: من

стр. 787

تعني بهذا؟ قال: وهب بن جرير (١) قال أحمد: "ما رئي وهب عند شعبة، ولكن كان صاحب سنة، حدث ـ زعموا ـ عن شعبة نحواً من أربعة آلاف حديث. قال عفان: هذه أحاديث الرُّصاصي. قال عبد الله: قلت لأبي: ما هذا الرصاصي؟ قال: كان إنسان بالبصرة يقال له الرصاصي، وكان قد سمع من شعبة حديثاً كثيراً واسمه عبد الرحمن بن زياد، وقع إلى مصر" (٢). لكن روى الإمام أحمد عن وهب ما يثبت سماعه من شعبة، قال: "قال وهب بن جرير: كتب لي أبي إلى شعبة فكنت أجئ فأسأله" (٣). والحاصل أن وهب بن جرير مع توثيق بعض الأئمة له (٤) لم يكن من تلاميذ شعبة الأثبات الملازمين له، فإذا روى حديثاً من حديث شعبة وليس عند واحد من أولئك التلاميذ، فلا يحتمل منه مثل ذلك التفرد، وإن جاء بما يخالف ما عندهم فذاك أشد، وهو الحال في هذا الحديث الذي أنكره عليه الإمام أحمد. ومن الاعتبارات التي يمكن أن يرجع إليها خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب كون تفرد الراوي الثقة الثبت تضمّن وجهاً أو أكثر من المخالفة لرواية من هو أولى منه عن ذلك الشيخ الذي تفرد عنه، وإلى هذا الاعتبار يرجع ردّ الإمام أحمد لتفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر،

стр. 788

فإن رد الإمام أحمد على عبد الله بن دينار لم يكن لمجرد تفرده به عن ابن عمر، بل لأنه إضافة إلى تفرده قد خُولف عن ابن عمر من قبل نافع مولاه كما تقدم. ومن أمثلته أيضاً: قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: حديث السهو حديث ابن عمر يرويه أحد غير أبي أسامة؟ فقال: أبو أسامة وحده، وكأنه ضعفه. قال أبو عبد الله: زعموا أن يحيى بن سعيد قال: إنما هو عبيد الله، عن نافع مرسل" (١). والمقصود بحديث ابن عمر في السهو هو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى فسلم في الركعتين، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة أم نَسيت؟ فقال: "ما قُصرت الصلاةُ وما نَسيتُ"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين"؟ فقام فصلى ثم سجد سجدتين. أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣)، وابن أبي شيبة (٤)، وابن خزيمة (٥)، والطحاوي (٦)، والبيهقي (٧) من طرق عن أبي أسامة به. وقد نصّ الإمام أحمد في جوابه على هذا السؤال بأن أبا أسامة تفرد بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع. وأبو أسامة كان ثبتاً صحيح الكتاب عند الإمام أحمد (٨). وقال أيضاً: كان أبو أسامة ضابطاً للحديث كيّساً (٩) وقال

стр. 789

أيضاً: كان ثبتاً، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ (١). فتفرد مثل أبي أسامة مقبول على أصل الإمام أحمد، وإنما مال إلى تضعيفه لما قيل أن يحيى القطان خالفه، فروى الحديث عن عبيد الله، عن نافع مرسلاً، فمن أجل هذه المخالفة ردّ تفرد الثقة الثبت أبي أسامة في روايته لهذا الحديث. وقد تابعه عبد الله العمري، فرواه بمثل روايته مختصراً. أخرجه ابن عدي من طريق عبد الله بن وهب عنه (٢)، والعمري وإن تكلم فيه من ناحية حفظه، فهو ممن يعتبر به، فلا يبعد أن تكون رواية أبي أسامة محفوظة، والله أعلم (٣). لكن هناك قرينة أخرى جعلت الإمام أحمد ينكر رواية أبي أسامة، وهي كون رواية يحيى القطان للحديث عن عبيد الله مرسلا كانت نقلا من كتاب عبيد الله، وهذا أضبط وأتقن ما يكون في صحة الرواية. قال المرُّوذي في حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في مثل قصة ذي اليدين، فقال: "كان يقول ـ يعني أبا أسامة ـ عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ثم يقول: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مثله. وقال: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيدالله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره" (٤). ومن صوَر خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب قبوله لتفرد من لم يبلغ منزلة المبرّز المشتهر بالحفظ، وإن كان يشمله وصف الثقة، وذلك حيث كانت هناك قرينة دلت على مزيد الثقة بصحة ما روى، كأن تكون روايته

стр. 790

للحديث الذي تفرد به كانت منقولة من كتاب، مثال ذلك: قال أبو إسماعيل الترمذي (١): "حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى، وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت … أعِده عليّ، وكان قد حدثني به قبل هذه المدة بسنتين، قال: نعم: حدثنا عِكرمة بن عمّار اليمامي، عن ضمضم بن جَوْش، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك إليك". قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة وقال: أكتبوه من كتاب؟ قلنا: نعم" (٢). فالإمام أحمد لم ينكر هذا الحديث، وإنما وصفه بالغرابة، ووجه الغرابة أن الحديث بهذا اللفظ فيه تفرد مطلق، لا يروى إلا من حديث عبد الله بن حنظلة. قال ابن عدي: الحديث بهذا الإسناد لم يحدث به عن عكرمة بن عمار غير الحسن بن سوار (٣). وقال العقيلي: ولا يُتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث (٤). وقد روى قُدامة بن عبد الله "أنه رأى النبي ﷺ رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر، على ناقة له صهباء، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك

стр. 791

إليك] (١) رواه أكثر من خسمة عشر نفساً عن أيمن بن نابل، عن قدامة. هكذا رواه قُدامة بن عبد الله بذكر رمي جمرة العقبة، وليس الطواف. قال الذهبي عن حديث عبد الله بن حنظلة: المحفوظ حديث أيمن، عن قدامة … فذكره (٢). وراوي هذا الحديث الحسن بن سوار قال فيه الإمام أحمد: ثقة ثقة، فهذا يجعله في درجة عالية من الثقة، لكن ليس بمبرَّز بالحفظ والإتقان. وقد روى حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه قال فيه: كان شيخاً من أهل خراسان قدِم علينا ليس به بأس (٣). وقال صالح بن محمد: يقولون إنه صدوق، ولا أدري كيف هو (٤). فهذا كله يدل على أنه لم يكن مشهوراً بالحفظ، فلم تكن حالته حالة من يقبل الإمام أحمد مطلق تفرده. ومع هذا لم يصف الإمام أحمد حديثه هذا بالنكارة، بل ذكر ما يشعر بقبوله منه، وهو سؤاله: هل كتبوه من كتاب؟ فإن فائدة هذا السؤال أن الحديث إذا كان مع غرابته مأخوذاً من كتاب إنسان ثقة فإن ذلك يدل على مزيد الثقة بما حدث به، وأن الحديث محفوظ، لأن الرجل مهما بلغ في الحفظ فالكتاب أحفظ منه، ولو لم يكن هذا الاستدلال هو المقصود لما كان لسؤاله أية فائدة.

стр. 792

وأما العقيلي فذكر رواية أبي إسماعيل الترمذي هذه من طريق محمد بن موسى النهرتيري مختصراً فقال عن أحمد: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر (١)، واعتمده الذهبي فذكر أن هذا الحديث مما أُنكر على الحسن بن سوار (٢) تبعاً للعقيلي. ويؤيد ذلك ما ذكره الترمذي (٣): "سألت محمداً عن حديث الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس (٤)، عن عبد الله بن حنظلة قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على ناقة (٥)، فقال محمد: رأيت أبا قدامة يعرض هذا الحديث على علي بن عبد الله فدفعه علي ـ يعني أنكره، وقال محمد: وقد كتب به الحسن بن سوار إلي، وكأن محمداً لم يعرف هذا الحديث". فذكر إنكار علي ابن المديني للحديث. وعندي أن رواية الخطيب أصح من رواية العقيلي، لأن الخطيب روى القصة كاملة وذكر ما يشعر بعدم إنكار الإمام أحمد لرواية الحسن بن سوار، بينما اختصرها العقيلي، وحمل الغرابة المذكورة على النكارة. وقد روى حديث عبد الله بن حنظلة بن الراهب ابن قانع (٦)، والخطيب (٧).

стр. 793

ورواه البزار (١) لكن قال: عن العلاء بن سنان، عن عكرمة بن عمار مكان أبي العلاء الحسن بن سوار، وأخاف أن يكون تصحيفاً من أبي العلاء بن سوار، والله أعلم. والشاهد أن الإمام أحمد اعتد بتفرد الثقة الذي لم يكن مبرّزاً بالحفظ لكون روايته للحديث الذي تفرد به كانت من كتاب، والعلم عند الله.

стр. 794

المطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات . وهذا نوع آخر من التفرد، وهو أن يكون الحديث مشهوراً في نفسه، لكن يزيد بعض الرواة الثقات في متنه زيادة تستغرب، فهذا أيضاً حكمه مثل حكم تفرد الثقات بالحديث من أصله، فتُقبل من حافظ يعتمد على حفظه، وتُردّ إن كان ممن لا يعتمد على حفظه، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: ١. قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا طوافاً وحداً: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة" (١). رواية مالك تضمنت زيادة في حديث عائشة كما رواه الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهي قولها: [فأما الذين جمعوا الحج والعمرة فطافوا طوافاً واحداً] (٢)، لم يذكرها غيره ممن روى الحديث عن الزهري (٣). وقد أشار الإمام أحمد في هذه الرواية إلى قبولها، حيث قال: ومالك ثقة، أي فيقبل منه مثل هذه الزيادة، لا سيما وهو من أثبت الناس عن شيخه الزهري (٤). ومما يدل على قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ظاهر مذهبه أن القارن

стр. 795

ليس عليه إلا سعي واحد (١). ٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: روى مالك، عن نافع أشياء لم يروها غيرُه: ابن عمر ألحق ولد الملاعنة بأمه، يعني حديث نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ "أنه ألحق ولد الملاعَنة بأمه" (٢). وردت هذه الزيادة في رواية مالك لحديث نافع، عن ابن عمر "أن رجلاً لاعَنَ امرأتَه في زمان رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة" (٣). فذكر أحمد أن هذه الزيادة لم يروها عن نافع غيرُ مالك. وممن ذكر أن الإمام مالك تفرد بهذه الزيادة أبو داود (٤)، والدارقطني (٥) وقال ابن عبد البر: وقد زعم قوم أن مالكاً انفرد في حديثه هذا بقوله فيه: "وألحق الولد بالمرأة، أو ألحق الولد بأمه" (٦). وتوضيح ذلك أن الحديث رواه عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لاعن رسول الله ﷺ بين رجل من الأنصار وامرأته وفرّق بينهما" (٧) فلم يذكر الزيادة التي ذكرها مالك. وكذلك رواه جويرية عن نافع،

стр. 796

عن ابن عمر بدون هذه الزيادة (١). وقال ابن عبد البر: "هكذا رواه كل من رواه عن نافع، ذكروا فيه اللعان والفرقة، ولم يذكروا أن رسول الله ﷺ ألحق الولد بالمرأة، وقاله مالك، عن نافع كما رأيت، وحسبك بمالك حفظاً وإتقاناً … " (٢). وليس في كلام الإمام أحمد إشارة إلى استنكار هذه الزيادة التي ذكرها مالك، ولم ينقل عنه القول بخلاف مقتضاها، بل ورد عنه ما يدل على القول بموجبها، فروى صالح (٣) عن أحمد أنه قال: "بين كل زوجين لعان، لأنه ينفي عنه الولد إذا لاعنها نفى عنه ولدها"، فذكر أن اللعان ينفي عنه الولد، وهو مفهوم قوله في حديث مالك: "وألحق الولد بأمه". ثم إن مالكاً لم ينفرد بها، فقد وردت مثلها في رواية القاسم بن يحيى الهلالي (٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن رجلاً رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ فأمر بهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين"، أخرجها البخاري (٥). فذكر أنه قضى بالولد للمرأة، فهي متابعة قوية لمالك إن كان القاسم بن يحيى حفظه عن عبيد الله، فقد خالف أربعة من الحفاظ عن عبيد الله لم يذكروها ـ وهم يحيى القطان، وأبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وأنس بن عِياض، وقد تقدم ذكر مواضع حديثهم.

стр. 797

ووقعت هذه الزايادة أيضاً في حديث فُليح عن نافع، أخرجه الإمام أحمد (١) عن سريج بن يونس عن فليح به، ولفظه: "أن رجلاً لاعن امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق النبي ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة". وفُليح هو ابن سليمان بن أبي المغيرة الأسلمي المدني، قال عنه ابن معين: ليس بقوي، ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي والدراوردي أثبت منه. وكذلك قال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالقوي (٢). وقال ابن عدي: " له أحاديث صالحة، يروي عن نافع، عن ابن عمر نسخة … ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة، وقد اعتمده البخاري في صحاحه، روى عنه الكثير … وهو عندي لا بأس به" (٣). وأما أبو داود فاحتج لصحة هذه الزيادة بورودها في حديث يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد في حديثه في اللعان، وفيه: "وأنكر حملها، فكان ابنها يدعى إليها" (٤) وذكر ابن عبد البر أن مثلها وقعت في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد فقال فيها: "فكان الولد لأمه" (٥). ولم يتردد أصحاب الكتب الستة من إخراج هذا الحديث بالزيادة التي رواها مالك، مما يدل على صحتها عندهم. ٣. قال صالح بن أحمد بن حنبل: وقال أبي: الجُمحي روى حديثين عن عبيد الله بن عمر، حديث منهما في صدقة الفطر، وقد أنكر على مالك هذا

стр. 798

الحديث، ومالك إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه في الحديث" (١). أشار الإمام أحمد في هذه المسألة إلى رواية مالك لحديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير، على كل حرٍّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أُنثى من المسلمين (٢). فقوله: "من المسلمين" زيادة انفرد مالك بذكرها في هذا الحديث، إذ لم يذكرها غير واحد ممن روى الحديث عن نافع، ومنهم أيوب السختياني (٣)، وعبيد الله ابن عمر (٤)، والليث بن سعد (٥)، وسليمان بن موسى (٦)، وعقيل بن أبي خالد (٧). وموقف الإمام أحمد من تفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أن مالكاً يقبل تفرده، وعلل ذلك بزيادته في التثبت على غيره. وهناك رواية ثانية تدل على توقف الإمام أحمد في هذه الزيادة حتى توبع مالك فيها، فروى أبو داود قال: "سمعت أحمد يقول: كنتُ أتهيَّب حديث مالك ـ يعني حديث نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ فرض صدقة رمضان على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ وذكرٍ وأنثى من المسلمين، يعني أتهيب قوله: من المسلمين، فحدثنا

стр. 799

أبو النضر، عن سعيد الجُمحي، عن عبيد الله قال فيه: من المسلمين، والعُمري يقول: من المسلمين" (١). وقريب منها الرواية التي ذكرها ابن رجب (٢) عن أحمد أنه قال: "كنت أتهيب حديث مالك: "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين"؟ قال: نعم". قال ابن رجب: وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار. ا. هـ (٣). وذكر أحمد اثنين ممن تابع مالكاً على ذكر هذه الزيادة، وقد وردت من طريق عدد من الرواة عن نافع، منهم: عمر بن نافع العدوي مولاهم (٤)، وحديثه عند البخاري (٥)، وابن حبان (٦)؛ والضحاك بن عثمان (٧)، وحديثه عند مسلم (٨)، وابن خزيمة (٩)، وابن حبان (١٠)؛ وكثير بن فرقَد (١١)، وحديثه عند

стр. 800

الدارقطني (١)، والبيهقي (٢)؛ وعبد الله بن عمر العمري (٣)، وقد ذكر أحمد متابعته لمالك، وحديثه عند الدارقطني (٤)؛ ويونس بن يزيد الأيلي، وحديثه عند الطحاوي (٥)، وابن عبد البر (٦)؛ والمعلى بن إسماعيل (٧)، وحديثه عند ابن حبان (٨)، والدارقطني (٩)؛ ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وحديثه عند الدارقطني (١٠). وقد رواها سعيد بن عبد الرحمن الجُمحي (١١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به. أخرجه أحمد (١٢)، والدارقطني (١٣)، والحاكم (١٤)، والبيهقي (١٥)، وخالف بقية الرواة عن عبيد الله. وقد روى الدارقطني (١٦) من طريق الدبري، عن

стр. 801

عبدالرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع به بذكر هذه الزيادة. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله (١). ووردت أيضاً في حديث أيوب السختياني من رواية عبد الله بن شوذب (٢) عنه؛ أخرجه ابن خزيمة (٣)، وخالف جمعاً من الحفاظ عن أيوب، منهم ابن علية، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وعبد الوارث بن سعيد، وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال ابن عبد البر: المحفوظ عن أيوب فيه ليس فيه: من المسلمين (٤). ٤. قال ابن رجب: "قال أحمد في حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن أبي عطيّة، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: "والملك لا شريك لك"، قال أحمد: وهِم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تُعرف هذه عن عائشة، إنما تُعرف عن ابن عمر، وذكر أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها" (٥). وحديث محمد بن فضيل أخرجه أحمد (٦) عنه، ولفظه: [قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك". ورواه أبو معاوية (٧)، والثوري (٨)، وعبد الله بن نُمير (٩)، وأبو الأحوص

стр. 802

سلاّم ابن سُليم (١)، وأبو خالد الأحمر (٢) فكلهم ذكروا في حديثهم التلبية إلى قولها: "إن الحمد والنعمة لك". وكذلك رواه شعبة، عن الأعمش، لكن خالف في الإسناد، فقال: عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطية، عن عائشة (٣) وعلقه البخاري (٤)، وصنيعه يدل على أن الطريقين محفوظان (٥). ورجح أبو حاتم رواية الثوري ومن تبعه، وأن شعبة غلط في الإسناد (٦). ولعل من أجل هذا الاختلاف أعرض بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا البخاري عن إخراج حديث عائشة واكتفوا بإخراج حديث ابن عمر. وهذه الزيادة إنما وردت في حديث عبد الله بن عمر، وهو عند البخاري (٧)، ومسلم (٨). وذكر ابن رجب عن الخلال أن أبا عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضاً عن الأعمش. ا. هـ (٩).

стр. 803

وقوله: هذه الزيادة رواها ابن نمير … الظاهر أن قائل ذلك هو الخلال، كأنه يشير إلى رواية ابن أبي شيبة، فقد رواه عن أبي خالد الأحمر، وابن نمير بزيادة: [والملك] فحسب (١). وما زاد عن ذلك فإنما هو من تفرد محمد بن فضيل. وابن فضيل حسن الحديث عند الإمام أحمد، ووثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: شيخ. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم (٢). وقال الدارقطني: أرفع الرواة عن الأعمش الثوري، وأبو معاوية، ووكيع، ويحيى القطان، وابن فضيل، وقد غلط عليه في شيء. ا. هـ (٣). فأشار إلى أنه غلط على الأعمش بعض الشيء. وقد حكم الإمام أحمد على هذه الزيادة بأنها وهم من ابن فضيل، حيث لم يذكرها عن الأعمش غيره، وفيهم من هو أثبت الناس في الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. ثم إنه ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده بهذه الزيادة. وهناك قرينة أخرى، وهي ورود هذه اللفظة في غير حديث عائشة، مما يقوي احتمال كونه دخل عليه لفظ حديث ابن عمر في لفظ حديث عائشة. فهنا حكم برد الزيادة لأمرين: راويها ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده برواية الزيادة، والثاني احتمال كون الراوي دخل عليه لفظ حديث آخر في حديثه. ٥. قال ابن رجب: قال أحمد في رواية الميموني: "حديث أبي هريرة في الاستسعاء (٤) يرويه سعيد بن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء" (٥).

стр. 804

وقال أحمد في رواية أخرى: ليس في الاستسعاء حديث يثبت عن النبي ﷺ ، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة، وهشام الدستوائي فلم يذكراه، وحدّث به معمر (١) ولم يذكر فيه السعاية. ا. هـ (٢). وقال المرُّوذي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد (٣). وقال عبد الله: "قلت لأبي حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "إن كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له ما استسعي العبد غير مشقوق عليه"؟ قال أبي: هذه رواية سعيد، ولم يذكر هشام الدستوائي السعاية. قال أبي: وأذهب إلى حديث ابن عمر، وهو أقوى من هذا وأصح في المعنى" (٤). وقد اعتبر الإمام أحمد ذكر الاستسعاء زيادة زادها سعيد بن أبي عروبة في حديث قتادة، ولم يذكرها شعبة، وهشام الدستوائي، والظاهر أنه تفرد بها عند أحمد، فلم يقبلها لمخالفته من هم أكثر عدداً منه، وذلك أن أصحاب قتادة عند أحمد هم هؤلاء الثلاثة، قال عبد الله: "قال أبي: هؤلاء أصحاب قتادة الذين لا يُختلف فيهم: شعبة، وهشام، وسعيد ابن أبي عروبة" (٥). وقال المرُّوذي: "سمعت أبا عبد الله يقول: أصحاب قتادة سعيد، وهشام، وشعبة، إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شيء" (٦).

стр. 805

وهذه الرواية تفيد أن سعيداً كان أكثرهم حديثاً عن قتادة (١)، ومع ذلك لم يقبل الإمام أحمد زيادته لمخالفته بقية أصحاب قتادة، وفيهم هشام الدستوائي. وقد جاء عن أحمد ما يدل على تقديم هشام الدستوائي على سعيد. قال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل وذكر سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد. قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه. ا. هـ (٢). فاجتماع هشام وشعبة على عدم ذكر الزيادة التي تفرد سعيد بذكرها قرينة قوية لردها. ومن القرائن لعدم قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ابن عمر روى حديث عتق الشخص نصيباً له في مملوك مشترك فلم يذكر السعاية. قال عبد الله عن أحمد: "أذهب إلى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "من كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له فقد عتق منه ما عُتق"، رواه مالك، وعبيد الله عن نافع، إلا أن أيوب قال: قوله: "عتق منه ما عُتق" لا أدري فيما رواه عن النبي ﷺ أم قول نافع" (٣). فالظاهر أنه تفرد بذكرها مرفوعة إلى النبي ﷺ . ومن القرائن أيضاً أن الرواة اختلفوا على سعيد بن أبي عروبة في ذكر السعاية، حيث لم يذكر ذلك روح عن سعيد، قاله أبو عوانة عن أحمد (٤). ومن الأدلة لردّ هذه الزيادة أن هماماً روى هذا الحديث عن قتادة فذكره

стр. 806

مرة بدون هذه الزيادة (١)، وذكره مرة بالزيادة لكن جعلها من قول قتادة لم يرفعها إلى النبي ﷺ (٢)، فدلّ على أنها مدرجة. وهمام في قتادة مثل سعيد بن أبي عروبة كما قال ابن مهدي (٣). وعن ابن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاءً (٤). ويؤيد هذا أن الاستسعاء معروف من فُتيا قتادة، رواه الأوزاعي عن قتادة (٥) في عبد بين ثلاثة نفرٍ، كاتَب أحدُهم، ثم أعتق الآخر، وأمسك الثالثُ. قال ذكر عن قتادة أنه قال: لهذا الذي أمسك نصيبَه على المُعتِق إن كان ذا يسار عن حظه، وإن لم يكن له مال استسعى المملوك في الثلث من قيمته، والولاء بين المُعتِق والمكاتب: للمعتق الثلثان، وللمكاتب الثلث. وقد وافق الإمام أحمد على رد هذه الزيادة شيخه سليمان بن حرب فيما نقله عنه الأثرم قال: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث، وضعفه (٦) وردها الشافعي وانتصر البيهقي لقوله من عدة وجوه (٧). وقال الدارقطني: "وافق شعبةَ هشامُ الستوائي فلم يذكر الاستسعاء، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قتادة، ورواه همام فجعل الاستسعاء من قول

стр. 807

قتادة، وفصله من كلام النبي ﷺ ، ورواه ابن أبي عروبة، وجرير بن حازم، عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول النبي ﷺ ، وأحسبهما وهِما فيه لمخالفة شعبة، وهشام، وهمّام إياهما" (١). وخالف الإمام أحمد في هذا الحكم جماعة من النقاد منهم صاحبا الصحيحين، فأخرجا هذه الزيادة، قال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث ـ يعني حديث السعاية ـ فقلت: أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعاً صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية، إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية" (٢). وحجتهم في ذلك أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد بذكر السعاية في هذا الحديث، فقد ذكر الإمام البخاري أربعة تابعوه عن قتادة، وهم: جرير بن حازم (٣)، حجاج بن حجاج (٤)، وأبان بن يزيد العطار (٥)، وموسى بن خلف (٦). وكذلك تابعه يحيى بن صبيح الخراساني (٧)، وحجاج بن أرطأة (٨). ومع كثرة عدد هؤلاء هناك قرينة أخرى أشار إليها البخاري، وهي قوله:

стр. 808

اختصره شعبة (١)، يشير إلى أنه لا منافاة بين رواية شعبة ورواية من ذكر الزيادة لأنه اقتصر من الحديث على بعضه، وكذلك يقال في رواية هشام. وانتصر لقول هؤلاء الأئمة ابن دقيق العيد (٢)، وابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وابن حجر (٥)، والعلم عند الله. ومن أمثلة ما قبِله من زيادة الثقات لورودها من طريق عدد من الرواة: قال ابن رجب في شرح حديث البخاري: "حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظُّهر في الأولييْن بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح". قال: "قد خرّخ البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان، وهشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، وليس في حديثهما: ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب. وخرّجه ههنا من طريق همام عن يحيى بهذه الزيادة. وخرجها مسلم في "صحيحه" من رواية همام، وأبان العطار كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. وقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة: أثبتٌ هي؟ قال: رواه عِدةٌ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي. فقال له الأثرم: هشام لا يقولها؟ قال: نعم، هشام لا يقولها" (٦).

стр. 809

فاحتج الإمام أحمد لثبوت الزيادة برواية عدد من الرواة لها، وذكر منهم رواية بعض تلاميذ الأوزاعي لها. والذين ذكروا هذه الزيادة هم: همام كما تقدم في رواية البخاري، وكذلك أبان ابن يزيد العطار (١)، وذكرها أيضاً مخلد بن يزيد عن الأوزاعي (٢)، ولم يذكرها بقية الرواة عن الأوزاعي منهم الوليد بن مسلم، وبشر بن بكر (٣)، ومحمد بن يوسف (٤)، وإسماعيل بن أبي سماعة (٥)، وأبو المغيرة (٦)، وأبو عاصم (٧). والذين لم يذكروا الزيادة عن يحيى بن أبي كثير هم: هشام الدستوائي (٨) كما أشار إليه الأثرم ووافقه أحمد، وهشام أثبت الناس حديثاً عن يحيى ابن أبي كثير (٩)؛ وشيبان النحوي (١٠)، ومعمر (١١)، وحجاج الصواف (١٢)،

стр. 810

وعلي ابن المبارك (١)، وحرب بن شدّاد (٢). ومع كون الذين لم يذكروها أكثر عدداً من الذين ذكروها، وفيهم أثبت الناس عن يحيى بن أبي كثير قبلها الإمام أحمد لرواية عدد من الرواة لها، مما يدل على أنها محفوظة. ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح وغيرُهما من إخراج هذه الزيادة. ما ردّه من الزيادة لقرينة تدل على أن من لم يذكرها كان أكثر ضبطاً لروايته: قال عبد الله: "قلت لأبي: حديث عاصم بن كُليب، حديث عبد الله؟ قال: حدثناه وكيع في الجماعة قال: حدثنا سفيان عن عاصم بن كُليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أُصلّي بكم صلاةَ رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة. حدثني أبي قال: حدثناه وكيع مرة أخرى بإسناده سواء فقال: قال عبد الله: أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فرفع يديه في أول. حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الضرير قال: كان وكيع ربما قال يعني ثم لا يعود. قال أبي: كان وكيع يقول هذا من قِبَل نفسه، يعني ثم لا يعود. قال أبي: وقال الأشجعي: فرفع يديه في أول شيء … قال أبي: حديث عاصم بن كليب، رواه ابن إدريس فلم يقل: "ثم لا يعود". حدثني أبي: قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: أملاه علي عبد الله بن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: حدثنا علقمة، عن عبد الله قال: علّمَناَ رسول الله ﷺ الصلاة، فكبّر ورفع يديه ثم ركع، وطبّق يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعداً فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمرنا بهذا، وأخذ بركبتيه. حدثني عاصم بن كليب هكذا. قال أبي: هذا لفظ غير لفظ وكيع، وكيع يثبج (٣)
следующие страницы →