← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مرة بدون هذه الزيادة (١)، وذكره مرة بالزيادة لكن جعلها من قول قتادة لم يرفعها إلى النبي ﷺ (٢)، فدلّ على أنها مدرجة. وهمام في قتادة مثل سعيد بن أبي عروبة كما قال ابن مهدي (٣). وعن ابن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاءً (٤). ويؤيد هذا أن الاستسعاء معروف من فُتيا قتادة، رواه الأوزاعي عن قتادة (٥) في عبد بين ثلاثة نفرٍ، كاتَب أحدُهم، ثم أعتق الآخر، وأمسك الثالثُ. قال ذكر عن قتادة أنه قال: لهذا الذي أمسك نصيبَه على المُعتِق إن كان ذا يسار عن حظه، وإن لم يكن له مال استسعى المملوك في الثلث من قيمته، والولاء بين المُعتِق والمكاتب: للمعتق الثلثان، وللمكاتب الثلث. وقد وافق الإمام أحمد على رد هذه الزيادة شيخه سليمان بن حرب فيما نقله عنه الأثرم قال: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث، وضعفه (٦) وردها الشافعي وانتصر البيهقي لقوله من عدة وجوه (٧). وقال الدارقطني: "وافق شعبةَ هشامُ الستوائي فلم يذكر الاستسعاء، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قتادة، ورواه همام فجعل الاستسعاء من قول

стр. 807

قتادة، وفصله من كلام النبي ﷺ ، ورواه ابن أبي عروبة، وجرير بن حازم، عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول النبي ﷺ ، وأحسبهما وهِما فيه لمخالفة شعبة، وهشام، وهمّام إياهما" (١). وخالف الإمام أحمد في هذا الحكم جماعة من النقاد منهم صاحبا الصحيحين، فأخرجا هذه الزيادة، قال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث ـ يعني حديث السعاية ـ فقلت: أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعاً صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية، إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية" (٢). وحجتهم في ذلك أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد بذكر السعاية في هذا الحديث، فقد ذكر الإمام البخاري أربعة تابعوه عن قتادة، وهم: جرير بن حازم (٣)، حجاج بن حجاج (٤)، وأبان بن يزيد العطار (٥)، وموسى بن خلف (٦). وكذلك تابعه يحيى بن صبيح الخراساني (٧)، وحجاج بن أرطأة (٨). ومع كثرة عدد هؤلاء هناك قرينة أخرى أشار إليها البخاري، وهي قوله:

стр. 808

اختصره شعبة (١)، يشير إلى أنه لا منافاة بين رواية شعبة ورواية من ذكر الزيادة لأنه اقتصر من الحديث على بعضه، وكذلك يقال في رواية هشام. وانتصر لقول هؤلاء الأئمة ابن دقيق العيد (٢)، وابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وابن حجر (٥)، والعلم عند الله. ومن أمثلة ما قبِله من زيادة الثقات لورودها من طريق عدد من الرواة: قال ابن رجب في شرح حديث البخاري: "حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظُّهر في الأولييْن بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح". قال: "قد خرّخ البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان، وهشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، وليس في حديثهما: ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب. وخرّجه ههنا من طريق همام عن يحيى بهذه الزيادة. وخرجها مسلم في "صحيحه" من رواية همام، وأبان العطار كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. وقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة: أثبتٌ هي؟ قال: رواه عِدةٌ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي. فقال له الأثرم: هشام لا يقولها؟ قال: نعم، هشام لا يقولها" (٦).

стр. 809

فاحتج الإمام أحمد لثبوت الزيادة برواية عدد من الرواة لها، وذكر منهم رواية بعض تلاميذ الأوزاعي لها. والذين ذكروا هذه الزيادة هم: همام كما تقدم في رواية البخاري، وكذلك أبان ابن يزيد العطار (١)، وذكرها أيضاً مخلد بن يزيد عن الأوزاعي (٢)، ولم يذكرها بقية الرواة عن الأوزاعي منهم الوليد بن مسلم، وبشر بن بكر (٣)، ومحمد بن يوسف (٤)، وإسماعيل بن أبي سماعة (٥)، وأبو المغيرة (٦)، وأبو عاصم (٧). والذين لم يذكروا الزيادة عن يحيى بن أبي كثير هم: هشام الدستوائي (٨) كما أشار إليه الأثرم ووافقه أحمد، وهشام أثبت الناس حديثاً عن يحيى ابن أبي كثير (٩)؛ وشيبان النحوي (١٠)، ومعمر (١١)، وحجاج الصواف (١٢)،

стр. 810

وعلي ابن المبارك (١)، وحرب بن شدّاد (٢). ومع كون الذين لم يذكروها أكثر عدداً من الذين ذكروها، وفيهم أثبت الناس عن يحيى بن أبي كثير قبلها الإمام أحمد لرواية عدد من الرواة لها، مما يدل على أنها محفوظة. ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح وغيرُهما من إخراج هذه الزيادة. ما ردّه من الزيادة لقرينة تدل على أن من لم يذكرها كان أكثر ضبطاً لروايته: قال عبد الله: "قلت لأبي: حديث عاصم بن كُليب، حديث عبد الله؟ قال: حدثناه وكيع في الجماعة قال: حدثنا سفيان عن عاصم بن كُليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أُصلّي بكم صلاةَ رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة. حدثني أبي قال: حدثناه وكيع مرة أخرى بإسناده سواء فقال: قال عبد الله: أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فرفع يديه في أول. حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الضرير قال: كان وكيع ربما قال يعني ثم لا يعود. قال أبي: كان وكيع يقول هذا من قِبَل نفسه، يعني ثم لا يعود. قال أبي: وقال الأشجعي: فرفع يديه في أول شيء … قال أبي: حديث عاصم بن كليب، رواه ابن إدريس فلم يقل: "ثم لا يعود". حدثني أبي: قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: أملاه علي عبد الله بن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: حدثنا علقمة، عن عبد الله قال: علّمَناَ رسول الله ﷺ الصلاة، فكبّر ورفع يديه ثم ركع، وطبّق يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعداً فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمرنا بهذا، وأخذ بركبتيه. حدثني عاصم بن كليب هكذا. قال أبي: هذا لفظ غير لفظ وكيع، وكيع يثبج (٣)

стр. 811

الحديث، لأنه كان يحمل نفسه في حفظ الحديث" (١). أشار الإمام أحمد إلى أن بعض الرواة عن وكيع رووا حديثه في رفع اليدين حديث عبد الله بن مسعود بزيادة: "ثم لا يعود"، وهو أبو عبد الرحمن بن الضرير (٢)، فذكر الإمام أحمد أن هذه اللفظة يقولها وكيع من قبل نفسه وليست في الحديث، واحتج لردها برواية عبد الله بن إدريس للحديث، فقد روى الحديث بغير لفظ وكيع، وأشار إلى أن روايته أضبط، لأن من رواها عنه أخذها عنه إملاء من كتاب، مما يدل على مزيد ضبط الراوي. وقد ذكر ابن المبارك هذه الزيادة عن الثوري أيضاً (٣)، كما ذكرها أبو حذيفة (٤)، فدل على أن الزيادة ليست من وكيع بل من شيخه الثوري. والألفاظ التي جاءت عن الثوري في رواية الحديث هي خمسة: "فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد"، "فلم يرفع يديه إلا في أول مرة" (٥)، "فلم يرفع يديه إلا مرة" (٦)،

стр. 812

"فرفع يديه مرة واحدة" (١)، "فرفع يديه في أول" (٢). وهذه الألفظ مخالفة للفظ عبد الله بن إدريس، ومعظمها عن وكيع، وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا، وإلى أن السبب في ذلك هو أن وكيعاً كان يحدث من حفظه، وأما رواية ابن إدريس فهي من كتاب فكانت أضبط. وهذا أيضاً مسلك البخاري في رد الحديث على الثوري. قال في "جزء رفع اليدين في الصلاة" (٣): "ويُروى عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن علقمة قال: قال ابن مسعود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة". وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى ابن آدم: نظرت في كتاب عبد الله ابن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: ثم لم يَعُد. فهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل ربما حدّث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب ـ ثم ساق حديث عبد الله بن إدريس بإسناده، ثم قال: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود". وقال أبو حاتم: "هذا ـ رواية فرفع يديه ثم لم يَعُد ـ خطأ، يقال: وهم فيه الثوري وروى هذا الحديث عن عاصم جماعةٌ فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه ولم يقل أحد ما رواه الثوري" (٤). وقال أبو داود: "هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ" (٥).

стр. 813

المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق . الراوي الصدوق، وهو الذي خف ضبطه عن الراوي الثقة الحافظ، إذا تفرد عن شيخ حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فتفرده في هذه الحالة يعدُ منكراً، لأن مثله ليس له من الحفظ والتثبت ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. ومثال ذلك ما تقدم من إنكار الإمام أحمد لحديث عبد الرحمن بن إسحاق، الذي تفرد به عن الزهري في حِلف المطيّبين (١)، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبي الموال عن ابن المنكدر في الاستخارة (٢). فكلٌ من عباد بن إسحاق، وابن أبي الموال في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد كما تقدم، وكل واحد منهما قد تفرد عن حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فوصف ما تفردا به بالنكارة. ومثال آخر لما وصفه بالنكارة وهو من تفرد الراوي الصدوق: قال حنبل: حدثني أبو عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطبوبى للغرباء". قيل من الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل". قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر (٣). هذا الحديث أخرجه الترمذي (٤)، وابن ماجه (٥)، وابن أبي شيبة (٦)،

стр. 814

وأحمد (١)، والدارمي (٢)، وأبو يعلى (٣)، والشاشي (٤)، والبزار (٥)، والدورقي (٦)، والطبراني (٧)، والبيهقي (٨) من طرق عن حفص بن غياث به. وهذا الحديث لا يُروى من حديث عبد الله بن مسعود إلا من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وتفرد به حفص بن غِياث عن الأعمش، نص على ذلك البخاري (٩)، والترمذي (١٠). وقال البزار: رواه عن الأعمش أبو خالد الأحمر، ويوسف بن خالد وغيرهما (١١). ورواية أبي خالد الأحمر أخرجها الطحاوي (١٢)، وابن عدي (١٣). قال ابن عدي: "لا يعرف هذا الحديث إلا بحفص وبه يعرف، وحكم الناسُ بأنه حديثه عن الأعمش، حتى حدثناه الخضر بن أمية وغيره، عن مخلد بن مالك (١٤) عن أبي خالد عن الأعمش، ولا أعلم يرويه عن أبي خالد غير مخلد بن مالك" (١٥)، ورواه عن

стр. 815

أبي خالد محمد بن عبد العزيز الواسطي (١) عند الطحاوي (٢). ومقتضى كلام ابن عدي وغيره أن رواية الحديث من غير طريق حفص بن غياث غير محفوظة. وقد وصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة لتفرد حفص بن غياث به عن الأعمش من بين سائر أصحابه، وليس هو ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن مثل الأعمش، فلم يكن من الثقات البارزين كما تقدم عن الإمام أحمد (٣)، فإنه كان في حفظه شيء (٤)، ولا كان من كبار أصحاب الأعمش كالثوري، وأبي معاوية، وشعبة. وأما الإمام البخاري فحسن الحديث، قال: "لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير حفص بن غياث، وهو حديث حسن" (٥)، وكذلك صححه الترمذي (٦)، والبغوي (٧) مع تنصيصهما على غرابته. فكلهم لم يروا في تفرد حفص به عن الأعمش أية علة. ومتن الحديث ثابت من طرق آخرى عن النبي ﷺ (٨).

стр. 816

وقد أنكر الإمام أحمد حديثاً آخر لحفص بن غياث تفرد به: قال الأثرم: "قلت له ـ يعني أبا عبد الله ـ الحديث الذي يرويه حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نأكل ونحن نسعى، ونشرب ونحن قِيام" فقال: ما أدري ما ذاك كالمنكر له، ما سمعت هذا إلا من ابن أبي شيبة عن حفص. قال لي أبو عبد الله: ما سمعتَه من غير ابن أبي شيبة؟ قال: قلت له: ما أعلم أني سمعته من غيره، وما أدري رواه غيره أم لا؟ ثم سمعته أنا بعدُ من غير واحد عن حفص. قال أبو عبد الله: أما أنا فلم أسمعه إلا منه، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد" (١). هذا الحديث رواه أحمد في المسند (٢) بالإسناد الذي ذكره هنا، ورواه أيضاً الترمذي (٣)، وابن ماجه (٤)، وابن حبان (٥) كلهم من طريق سلم بن جُنادة، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه الطحاوي (٦) من طريق يوسف بن عدي، عن حفص به. وهذا الحديث تفرد به حفص عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقد صرح بذلك أحمد في سؤال الأثرم المروية. وقال ابن معين: لم يحدث به أحد إلا حفص (٧). وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده (٨). وقال الترمذي: لا يُعرف عن

стр. 817

عبيد الله إلا من وجه رواية حفص (١). وأنكره الإمام أحمد على حفص بن غياث لتفرده به عن عبيد الله، فهو ممن لا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عبيد الله. وذكر أن الصحيح حديث يزيد بن عطارد أبي البزري، عن ابن عمر (٢)، أي هذا المتن يعرف بالإسناد المذكور. وقد أشار ابن معين، وابن المديني إلى أن حفصاً سمع حديث عمران ابن حُدير، عن يزيد بن عطارد فغلط وذكر الإسناد الذي ذكره للمتن المذكور (٣). وكذلك ما تقدم عن الإمام أحمد أنه وصف عدداً من الرواة أُخرج لهم في الصحيح بأنهم يروون المناكير، راجع إلى أن كل واحد منهم في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد، لأنه لا يخلو كل واحد منهم أن يكون في حفظه ما يجعله قاصراً عن الثقة الحافظ، فما تفرد به يكون منكراً على أصل الإمام أحمد، ومن هؤلاء الرواة بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة (٤)، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات (٥)، وزيد بن أبي أنيسة (٦)، وعمرو

стр. 818

ابن الحارث (١)، والحسين بن واقد (٢)، وخالد بن مخلد (٣)، إلا محمد بن إبراهيم التيمي، فإنه ليس في كلام الأئمة ما يشعر بقصور ضبطه، فلا يبعد أن يكون الإمام أحمد شذّ بهذا القول. قال ابن عدي: "إن كان ابن حنبل أراد به محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي مديني يحدث عن أبي سلمة، فهو عندي لا بأس به، ولا أعلم له شيئاً منكراً إذا حدث عنه ثقة" (٤).

стр. 819

فإذا كانت هذه حالة حديث الصدوق إذا تفرد به من غير مخالفة لرواية غيره فحيث جاء تفرده مع المخالفة فحديثه أولى بالنكارة، ومثال ذلك: قال ابن هانئ: "عرضت على أبي عبد الله حديث لُوين محمد بن سليمان، عن محمد بن ثابت العصري، قال: ثنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى حاجته وكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل بالنبي ﷺ وقد خرج من الغائط فسلّم عليه، فلم يردّ حتى كاد الرجل أن يتوارى ضرب يديه إلى الجدار، ثم مسح وجهَهُ ثم ضرب بيده على الجِدار مرة أخرى فمسح ذراعيه، ثم ردّ ﵇ ثم قال: "إنه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلا أني لم أكن طاهراً". قال لي أبو عبد الله: هذا حديث منكر، ليس هو مرفوعاً" (١). وقال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيّمم" (٢). حديث محمد بن ثابت العبدي رواه أبو داود (٣)، والطحاوي (٤)، وابن المنذر (٥)، والدارقطني (٦)، والطبراني (٧). وتفرد بذكره من هذا الوجه مرفوعاً إلى النبي ﷺ . وخالف بذلك الأثبات من أصحاب نافع، منهم مالك (٨)، وأيوب (٩)،

стр. 820

وعبيد الله ابن عمر (١)، فكلهم رووه عن نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه، وكذلك رواه معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر (٢). قال أبو داود: "لم يُتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ، رووه من فعل ابن عمر" (٣). ومحمد بن ثابت لا يحتمل منه مثل هذا التفرد، أولاً لمخالفته من هو أثبت منه، وهم عدد، وثانياً لقصور منزلته في الحفظ عن الثقات الأثبات. قال أحمد في رواية أبي داود: "محمد بن ثابت العبدي ليس به بأس، لكن روى حديثاً منكراً في التيمم، لا يتابعه أحدٌ" (٤)، وقال في رواية المهنا: "يخطئ في حديثه" (٥). وأما سائر الأئمة فكلهم متفقون على تليينه (٦). فوصف هذه الرواية التي تفرد به عن مثل نافع وخالف الأثبات من أصحابه بالنكارة أمرٌ واضح خصوصاً على منهج الإمام أحمد. وقد ورد عن الإمام أحمد قبوله لبعض الأحاديث تفرد بها الصدوق الذي لم يبلغ منزلة الحافظ المبرز، من ذلك: قال الخلال: "أخبرنا المرُّوذي: قال: ذكرتُ لأبي عبد الله حديثَ محمد ابن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم: حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى:

стр. 821

﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] من العرش إلى الكرسيّ". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه. وقال: قد رواه الأعمش موقوفاً، ورواه أبو يزيد الدالاني مرفوعاً. قال الخلال: وأخبرني زكريا بن يحيى: ثنا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث فجعلتُ أقرأهُ عليه فقال: ما أحسنَهُ، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلاً" (١). هذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢)، ومحمد بن نصر المروزي (٣)، والطبراني (٤) من طريق محمد بن سلمة الحراني به مرفوعاً. ورواه المروزي (٥)، والحاكم (٦) من حديث أبي يزيد الدالاني، عن المنهال بن عمرو به موقوفاً على عبدالله بن مسعود. ورواه المروزي (٧) من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس وأبي عبيدة، عن عبد الله. وهذا مرسل، بين أبي عبيدة وأبيه، وهو حديث طويل أوله: يجمع الله الناس يوم القيامة … وقد استحسنه الإمام أحمد مع قوله إنه غريب، وذلك أن المنهال بن عمرو قد تفرد به، وهو في مرتبة الصدوق. قال عبد الله: " سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إلي من المنهال بن عمرو، قلت له: أحب إليك من المنهال بن عمرو؟ قال: نعم، شديداً، أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسنّ" (٨).

стр. 822

وقال أحمد في أبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية: ليس به بأس (١). وأما غيره من الأئمة فقد وثقوه، منهم ابن معين، والنسائي، والعجلي. وقال فيه الدارقطني: صدوق (٢)، وأخرج له البخاري (٣). ولعل وجه قبول الإمام أحمد له أن الحديث تشهد لأجزائه نصوص أخرى عن النبي ﷺ ، مما يدل على أن له أصلاً، والله أعلم. ومن أمثلة ما قبله من تفرد الراوي الصدوق، ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد يقول في رواية عنه: إن نجاسة المذي نجاسة مخففة، يجزئ نضحُه بالماء كبَول الغلام الذي لم يأكل الطعام، لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه، وفيه حديث سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ أنه سأل النبي ﷺ عما أصاب الثوب من المذي؟ فقال: "تأخذ كفاً من ماء فتنضحُ به حيث ترى أنه أصابك" (٤). قال أحمد في رواية الأثرم: لا أعلم شيئاً يخالفه. ا. هـ (٥). وكذلك ذكر الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئه النضح بالماء (٦). فهذا يدل على أنه أخذ بهذا الحديث، وقد تفرد به ابن إسحاق. قال

стр. 823

الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. ا. هـ (١). وقال الذهبي: هذا حكم تفرد به محمد بن إسحاق (٢). ومحمد بن إسحاق حسن الحديث عند الإمام أحمد (٣)، ولم يُبلغه درجة الثقة، لأنه يخالف الناس في حديثه لقصور ضبطه. قال الأثرم: "قلت لأبي عبدالله: ما تقول في محمد بن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جداً، قلت له: فإذا قال: حدثني وأخبرني فهو ثقة؟ قال: هو يقول أخبرني فيُخالِف" (٤). وقبول الإمام أحمد لهذا التفرد عن ابن إسحاق لا يهدم أصله، فإن المعروف من منهجه أنه إذا لم يكن في المسألة حديث صحيح، وكان فيها حديث ضعيف، وليس في الباب شيء يرده عمل به، قال الأثرم: "رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء أخذ به إذا لم يجئ خلافُه أثبتُ منه … وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافُه" (٥)، وقال أبو طالب: "سمعت أبا عبد الله يقول: وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخدنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه" (٦). على أنه قد جاءت رواية أخرى عن أحمد في الحكم الذي ورد في حديث ابن إسحاق المتقدم، ذكرها ابن رجب أن أحمد قال: "لم يروه إلا ابنُ إسحاق، وأنا أتهيَّبه" (٧).

стр. 824

وقال الإمام أحمد في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ : "في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون، لا تُفرَّق إبلٌ على حسابها، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء" (١): ما أدري ما وجهه، وسئل عن إسناده فقال: هو عندي صالح الإسناد (٢). فهذا الحديث تفرد به بهز بن حكيم، ولم يرد عن الإمام أحمد أنه رفعه إلى منزلة الثقة الحافظ، بل غاية ما فيه عن أحمد أن ابن حبان نقل عنه أنه كان يحتج به (٣). ونقل عنه ابن القيم أنه قال: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح (٤). وأما ابن معين، وابن المديني، والنسائي فوثقوا بهز بن حكيم، وقال فيه أبو زرعة: صالح، ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحاكم: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أُسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جده لأنها شاذة، لا متابع له فيها. وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً (٥). وقال فيه ابن حجر: صدوق (٦). فتفرد مثل هذا الراوي بأصل ليس له فيه متابع يعدّ منكراً على أصل الإمام أحمد في هذا الباب. لكن ذكر أن إسناد هذا الحديث صالح، وقال بموجبه في رواية

стр. 825

عنه (١). وتوجيه ذلك عندي أن جد بهز بن حكيم، وهو معاوية بن حيدة لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه حكيم بن معاوية والد بهز، وهو لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه بهز، فلا يستغرب من هذا حاله أن يتفرد بأحاديث عن النبي ﷺ ، فحاله مثل حال الوحدان من الصحابة، وهم الذين ليس لهم إلا راوٍ واحد، ومع ذلك قبلت رواياتهم التي تفردوا بها، مثل حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب، ما روى عنه إلا ابنه المسيب، ومع ذلك أخرج حديثه في الصحيح ولم يعلّ (٢). فحالة بهز بن حكيم وأمثاله تخالف حالة تلاميذ من اشتهر حديثه وتلاميذه فأمكن الوقوف على ما يستغرب من حديثه مما لا يرويه غيره من أقرانه، وأما وقد تفرد في الأصل بالرواية عن شيخه فلا يستغرب منه التفرد، لا سيما إذا لم يختلف عليه الرواة عنه كما هو حال بهز بن حكيم، فإن ذلك يدل على ضبطه لما يرويه، والعلم عند الله. تفرد الصدوق بزيادة: وأما الحديث الذي رواه عدد من الرواة فيشاركهم الراوي الصدوق في رواية أصل الحديث وينفرد عنهم بزيادة لم يذكرها سائر الرواة في الحديث، فهذا حكمه مثل حكم الحديث الذي تفرد به من أصله، وهو أنه لا تقبل منه هذه الزيادة لقصور حفظه عما يشترط في الراوي الذي يحتمل منه التفرد، وهو الثقة الحافظ. ومثال ذلك:

стр. 826

قال أبو داود: "قلت لأحمد: أفلح بن حُميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثاً منكراً، حديث المواقيت. قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة" (١). المقصود بحديث المواقيت الذي رواه أفلح بن حُميد هو ما رواه المعافى ابن عمران، عنه، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة [أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحُليْفَة، ولأهل الشَّام ومِصر الجُحْفَة، ولأهل العِراق ذاتَ عِرْق، ولأهل اليمن يَلَمْلَم]. أخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن عدي (٤)، والبيهقي (٥) كلهم من طريق هشام بن بهرام عن المعافى. وأخرجه النسائي (٦)، والدارقطني (٧) من طريق أبي هاشم محمد بن علي عن المعافى. وأخرجه الطحاوي (٨) من طريق هشام بن بهرام وخالد ين يزيد القطربلي كلاهما عن المعافى. وهذا الحديث قد انفرد به أفلح بن حُميد عن القاسم، قال ابن عدي: هذا الحديث ينفرد به معافى عن أفلح (٩). وقال الذهبي: هذا الحديث ينفرد به المعافى

стр. 827

ابن عمران، عن أفلح عن القاسم، عن عائشة، هو صحيح غريب. ا. هـ (١). وأما الإمام أحمد فأنكره على أفلح، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد. قال عبد الله: سألته عن أفلح؟ فقال: صالح (٢). وقال الميموني: سألت أبا عبد الله عن أفلح بن حُميد؟ فقال: صالح، يحتمل (٣). وقال عنه الذهبي: صدوق (٤). وقال ابن حجر: ثقة (٥). وإنما أنكر قوله: "ولأهل العراق ذات عرق"، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئاً، قاله ابن عدي (٦)، ووجهه أن الباقي من متنه معروف من وجوه كثيرة عن النبي ﷺ فليس فيه ما يُستنكر، وأما الإسناد فلا يعرف عن عائشة إلا من طريقه، فحقه على أصل الإمام أحمد أن يكون منكراً أيضاً، والله أعلم. فهذا يدل على أن إنكار الإمام أحمد موجه إلى الزيادة التي تفرد بها أفلح ابن حُميد، ويدل على أن الزيادة من الصدوق الذي لم يبلغ ضبطه ضبط الثقة الحافظ منكرة عند الإمام أحمد غير مقبولة، مثلها مثل حديثه الذي تفرد به من أصله، والله أعلم.

стр. 828

المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ . تقدم في مبحث إعلال الحديث بسوء الحفظ الملازم للراوي أن منهج الإمام أحمد في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ أنه إذا انفرد واحد منهم بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، وأن الحال في ترك الاحتجاج قد تختلف من راوٍ إلى آخر، وأشد ما يكون إذا زاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى (١). ومن أمثلة إعلاله الأحاديث بتفرد بعض رواتها الموصوفين بسوء الحفظ ما يلي: الحديث الأول: قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن يحيى بن يمان، فقال: كان يغلط، ثم ذكر حديث سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود أن النبي ﷺ استسقى في الطواف فاُتي بنبيذ. فقال: هذا منكر". هذا الحديث أخرجه النسائي (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، والطحاوي (٤)، والدارقطني (٥)، والطبراني (٦)، البيهقي (٧) كلهم من طرق عن يحيى بن يمان، عن الثوري به. ولفظه كما ورد عند النسائي: عطش النبي ﷺ حول الكعبة، فاستسقى فأُتي بنبيذ من السِّقاية فشمّه فقطّب فقال: "عليّ بذَنوب من زمزم" فصب

стр. 829

عليه ثم شرب، فقال رجلٌ: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا". وأعله الإمام أحمد بالنكارة لتفرد يحيى بن يمان به عن الثوري، وقد قال فيه: كان يغلط، وهو قول مشعر بسوء حفظه. وقيل له: فرواه غيره؟ قال: لا، إلا من هو أضعف منه (١). وقال أحمد في موضع آخر: ليس يحيى بن يمان بحجة في الحديث (٢) وقال في رواية أبي داود: عنده تخليط (٣). وذكر الساجي عن أحمد أنه ضعفه، وقال: حدّث عن الثوري بعجائب، لا أدري لم يزل هكذا، أو تغير حين لقيناه، أو لم يزل الخطأ في كتبه (٤). وبمثل هذا أعله النسائي، قال: "هذا خبر ضعيف، لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب الثوري، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه" (٥). وقد توبع يحيى بن يمان عن الثوري: تابعه عبد العزيز بن أبان عند الدارقطني (٦). قال الدراقطني: عبد العزيز بن أبان متروك الحديث. وتابعه أيضاً الواقدي كما ذكر ابن عدي (٧)، كما تابعه اليسع بن إسماعيل، عن زيد بن الحباب، عن الثوري عند الدارقطني أيضاً، وقال: لا يصح هذا عن يزيد بن الحُباب عن الثوري، ولم يره غير اليسع بن إسماعيل، وهو ضعيف، وهذا الحديث معروف بيحيى ابن يمان. ا. هـ (٨).

стр. 830

وقد قيل إن هذا الحديث انقلب إسناده على يحيى بن يمان واختلط عليه بحديث الذي رواه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة: [طاف رسول الله ﷺ في يوم حار فاستسقى فأتي بإناء من نبيذ فلما رفعه إلى فيه قطب فتركه فقال الرجل: يا رسول الله هذا شراب أهل مكة أحرام هو؟ فسكت ثم أتاه الثانية فقطب فنحاه فقال له الرجل مثل ذلك فدعا بذنوب أو دلو من ماء فصبه عليه ثم سقى الذي يليه والذي عن يمينه ثم قال: "هكذا اصنعوا به إذا غلبكم". هكذا رواه أبو حذيفة عن الثوري (١). وقال ابن عدي: وقال الأشجعي وغيره، عن سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب: "أُتي النبي ﷺ بنبيذ" (٢)، هكذا قال البخاري أيضاً (٣). فعاد الحديث إلى حديث الكلبي، وهو مشهور بأنه متروك الحديث. وأما حديث الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود الذي انقلب على ابن يمان فلفظه أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين (٤)، هذا ما ذهب إليه الدارقطني (٥)، أي فانقلب على يحيى بن يمان، ودخل عليه إسناد هذا الحديث في حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب. أما أبو جاتم فذكر أن الحديث الذي سقط على ابن يمان هو ما رواه الثوري،

стр. 831

عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود [أنه كان يشرب نبيذ الجر]، يعني من فعل أبي مسعود غير مرفوع، فجعل إسناده لمتن حديث الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب (١). وقد سبق إلى التنبيه بهذه العلة عبد الله بن نمير، قال: أخطأ ابن يمان على الثوري فقال: عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود، وإنما هو الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب قال: "عطش النبي ﷺ " فذكره. وقال: ابن يمان سريع الحفظ سريع النسيان. ا. هـ (٢). وقال أبو موسى: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن حديث سفيان عن منصور في النبيذ فقال: لا تحدث بهذا (٣). والشاهد أن تفرد يحيى بن يمان عن الثوري هو الذي دل إلى كشف خطئه هذا، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن الثوري لسوء حفظه، والله أعلم. الحديث الثاني: قال عبد الله: "ذكرت لأبي حديث محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في الرفع، فقال: هذا ابن جابر، إيش حديثه؟ هذا حديث منكر، أنكره جداً" (٤).

стр. 832

هذا الحديث رواه أبو يعلى (١)، والدارقطني (٢)، والإسماعيلي (٣)، والبيهقي (٤)، والخطيب (٥) من طريق عن محمد بن جابر، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ولفظه: "صليتُ خلفَ النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة". وقد أنكره الإمام أحمد لتفرد محمد بن جابر به، وقال: ابن جابر إيش حديثه؟ هذا حديث منكر. وقد نص الدراقطني أيضاً على تفرد ابن جابر به. وقال العقيلي بعد أن ساق الحديث: لا يتابع عليه (٦). ومحمد بن جابر هو اليمامي لا يحتج بما ينفرد به، وقد تقدمت ترجمته وأنه ممن جرحه الإمام أحمد لأنه ربما ألحق في كتابه (٧). وقال في رواية ابن هانئ: ليس بالقوي، روى عن حماد أحاديث (٨)، وعنه أيضاً: أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق (٩). فحديثه الذي تفرد به خصوصاً عن حماد بن أبي سليمان يعد منكراً ولو لم يخالف، فكيف وقد خالف. فقد رواه حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان،

стр. 833

عن إبراهيم، عن ابن مسعود من فعله غير مرفوع. ذكره الدارقطني وقال: هو الصواب (١). فخالفه حماد بن سلمة في موضعين: رواه مرسلاً بين إبراهيم النخعي وابن مسعود، بينما ذكره محمد بن جابر موصولاً بذكر علقمة بينهما. والثاني وقف الحديث على ابن مسعود، بينما رفعه ابن جابر. فهذا مما يزيد روايته نكارة. الحديث الرابع: قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديث قيس بن الرَّبيع، عن شبعة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق [أن النبي ﷺ كان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاّها بعد الظهر]. فقال أحمد: يرويه غير واحد ليس يذكرون هذا فيه، يعني يروون حديث خالد، عن عبد الله بن شقيق: [سألت عائشة عن تطوع رسول الله ﷺ ]، أي فليس هذا فيه" (٢). حديث قيس بن الربيع أخرجه ابن ماجه (٣)، وابن عدي (٤). قال ابن ماجه: لم يروه إلا قيس عن شبعة. وقال الترمذي: ولا نعلم رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع (٥). وذكر الإمام أحمد أن غير واحد من الرواة رواه عن خالد الحذاء بغير اللفظ الذي رواه قيس. ومن هؤلاء هشيم بن بشير (٦)، ويزيد

стр. 834

ابن زريع (١)، وإسماعيل بن علية (٢)، ويزيد بن هارون (٣)، وخالد الطحان (٤)، وبشر بن المفضل (٥)، كلهم رووه بلفظ: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قالت كان يصلي أربعاً قبل الظهر وثنتين بعدها، وثِنتين قبل العصر وثِنتين بعد المغرب، وثِنتين بعد العشاء، ثم يصلي من الليل تسعاً. قلت: أقائماً أو قاعداً؟ قالت: يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً. قلت: كيف يصنع إذا كان قائماً، وكيف يصنع إذا كان قاعداً؟ قالت: إذا قرأ قائماً ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً ركع قاعداً، وركعتين قبل صلاة الصبح". وهذا لفظ حديث ابن علية. وقد تابع قيس بن الربيع على اللفظ الذي رواه عن شعبة، عبد الوارث ابن عبيد الله، عن ابن المبارك، عن خالد الحذاء. أخرجه الترمذي (٦) وقال: إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه. ا. هـ. وعبد الوارث بن عبيد الله هو العتكي روى عن ابن المبارك الكثير حتى مسائل سأله وسئل عنه وهو حاضر، قاله ابن أبي حاتم (٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨)، ووثقه الذهبي (٩)، وقال عنه ابن حجر: صدوق (١٠).

стр. 835

ومع متابعة ابن المبارك لقيس بن الربيع عن خالد الحذاء، فلا يحتمل منه التفرد عن مثل شعبة، وهو وجه لإنكار الإمام أحمد لحديثه هذا. زيادة الراوي السيء الحفظ في الحديث: وأما ما يتفرد به الراوي الموصوف بسوء الحفظ من زيادة فحكمها أيضاً الرد مثل تفرده بأصل الحديث. وقد تقدم أن الإمام أحمد رد على يحيى بن أيوب الغافقي زيادته لقراءة المعوذتين في ركعة الوتر في حديث عائشة ﵂: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يحي بن أيوب المصري، فقال: كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر الحديث، فقال: ها، من يحتمل هذا"، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا، وأنكر حديث يحيى خاصة (١). وتقدم أن الإمام أحمد أنكر زيادة المعوذتين. وقال العقيلي: أما المعوذتين فلا يصح (٢).

стр. 836

المطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول . من أسباب وقوع النكارة في الأحاديث أن تكون رواتها غير معروفين عند أهل الحديث، ومن كان بهذه المثابة لا تعرف عدالته بله ضبطه. فإذا استغرب الحفاظ حديثاً في سنده رجال ثقات معروفون وينفرد من بينهم آخر مجهول التزقت التهمة في غرابة الحديث بذلك المجهول، وأنكروا الحديث من أجله. من أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: قال مهنّا: "حدثنا خالد بن خِداش، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا السري بن يحيى أن شُجاعاً حدثه، عن أبي طيبة، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة في ليلة لم تصبه فاقةٌ". قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال: السرِّي بن يحيى ثبت ثقة ثقة، وشجاع الذي روى عنه السرِّي لا أعرفه، وأبو طيبة هذا لا أعرفه، والحديث منكر" (١). هذا الحديث أخرجه البيهقي (٢) من طريق خالد بن خِداش. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة (٣)، والبيهقي أيضاً (٤) من طريق العباس بن الفضل، عن السري به. وأخرجه الإمام أحمد (٥)، وابن عساكر (٦) من طرق آخرى عن السري به. والحديث مداره على السري بن يحيى، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أوجه الاختلاف عليه في اسم شيخه، هل هو شجاع، أو أبو شجاع، وكذلك في الراوي

стр. 837

عن ابن مسعود هل هو أبو طيبة، أو أبو فاطمة، وإن كان أبا طيبة هل هو بالطاء المهملة أو بالظاء المعجمة (١). وقد أنكر الإمام أحمد هذا الحديث عن ابن مسعود، لأنه لا يعرف إلا من هذا الطريق، وراويه السري بن يحيى قال فيه: ثبت ثقة ثقة، لكن شيخه وشيخ شيخه نص الإمام أحمد على أنهما مجهولان، فلا يحتمل منهما التفرد بهذا الأصل عن ابن مسعود. وكذلك وهّن حديث أبي العُشَراء في الذكاة؛ رواه حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا في الحلق أو اللبّة؟ قال: "لو طعنت في فخذها لأجزأك" (٢). قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي العُشراء، قال: "هو عندي غلط، قلت: فما تقول؟ قال: أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة كيف ما أمكنتك الذكاةُ ولا تكون إلا في الحلق أو اللبّة، فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبّة" (٣). وعلة الحديث عند أحمد أنه لا يروى عنه غير هذا الحديث، قاله الميموني عن أحمد (٤)، فهو في حكم المجهول. قال مهنّا: "سليمان بن أبي سليمان، يحدث عنه العوام بن حَوشَب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الخلافة بالمدينة والملك بالشام"، قال أحمد:

стр. 838

أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم (١). الحديث رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢)، والحاكم (٣)، وابن عساكر (٤) من طرق عن هشيم بن بشير، عن العوام بن حوْشَب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا الراوي لم أقف على كلام الإمام أحمد فيه. وقال فيه ابن معين في رواية مهنّا هذه: لا نعرف هذا ـ يعني سليمان بن أبي سليمان (٥). وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا أعرفه (٦). وأورده البخاري في "التاريخ الكبير" (٧)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكر له هذا الحديث. وقال الذهبي: لا يكاد يعرف (٨). وقول الإمام أحمد في هذا الحديث: أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم استنكار منه لهذه الرواية لتفرد راويها بها، وهو في حكم المجهول. وقد تقدمت أمثلة أخرى فيما مضى في مبحث الإعلال بالجهالة.

стр. 839

المبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد . من الطرق التي تكشف أخطاء الرواة في رواية الأحاديث مخالفة بعضهم لبعض، ولذلك اشتهرت مقولة أهل هذا الشأن أن الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبين خطؤه (١)، فإذا روى الراوي حديثاً وشاركه غيره في رواية ثم خالف من هو أولى منه ثقة أو كثرة حكم على روايته بالخطأ، وعلى رواية الأَوْلى بأنها المحفوظة، ووجه ذلك أن تطرق الوهم والغلط في مروي الراوي الأقل حفظاً أولى من تطرقهما إلى الأحفظ، وكذلك تطرقهما إلى عدد قليل أولى من تطرقهما إلى جماعة أكثر عدداً، وقد ذكر الإمام مسلم في مقدمة "كتاب التمييز" (٢) أن الذي يدور عليه معرفة الخطأ في روايات نقلة الحديث راجع إلى جهتين: الأولى: ما كان واضحاً غير خفي على أهل العلم من الأخطاء في نسبة الرواة بخلاف ما عرفوا به، أو بتصحيف في المتون يعرفه السامع الفهِم، والجهة الأخرى ـ وهي موضوع هذا المطلب ـ أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن إمام من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، فيرويه آخر سواهم عن ذلك الإمام فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيعلم أن الصحيح ما حدث به الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً. ا. هـ. وفي هذا المبحث سأورد نماذج من أحاديث أعلها الإمام أحمد لمخالفة بعض رواتها لمن هو أولى منه، وذلك في مطلبين: الأول: المخالفة لرواية الأحفظ.

стр. 840

الثاني: المخالفة لرواية الأكثر عدداً. ثم أتبع ذلك بدراسة موقف الإمام أحمد من حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وبذكر نماذج من نقد الإمام أحمد لمتون الأحاديث بسبب نوع من المخالفة في مطلبين آخرين.

стр. 841

المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ . ومن أمثلة ذلك: ١. روى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة المرأةُ الحائضُ، والكلبُ" (١). قال الإمام أحمد: "ثناه يحيى قال: شعبة رفعه. قال: وهشام لم يرفعه. قال أحمد: كان هشام حافظاً" (٢). قال ابن رجب: هذا ترجيح من أحمد لوقفه. ا. هـ. وفي قول أحمد: كان هشام حافظاً ترجيح لرواية الأحفظ. قال عبد الله: "سألته ـ أي أباه ـ عن هشام وهمام. قال: سبحان الله، هشام أثبت، وقال شعبة: هشام أحفظ مني عن قتادة. شعبة يستعين بهشام يقول: "قال هشام" (٣). وقال أبو زرعة الدمشقي: "رأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه" (٤).

стр. 842

٢. وقال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: اختلف أيوبُ أبو العلاء وهمامٌ في حديثه: [من فاتتهُ الجمعةُ فليتصدق]. قال أحمد: همام عندي أحفظ" (١). حديث همام رواه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، والطيالسي (٤)، وأحمد (٥)، وابن أبي شيبة (٦)، وابن خزيمة (٧)، وابن حبان (٨)، والطبراني (٩)، والحاكم (١٠)، والبيهقي (١١) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "من ترك جمعة في غير عُذرٍ فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصفَ دينارٍ". وأما حديث أيوب أبي العلاء فرواه أبو داود أيضاً (١٢)، والحاكم (١٣)، والبيهقي (١٤) من طريقه، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاته الجمعة بغير عذر فليتصقد بدرهم أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع". قال الإمام أحمد: خالفه في الحكم وقصر في الإسناد (١٥).

стр. 843

فقدم الإمام أحمد رواية همام لأنه أحفظ من أيوب أبي العلاء. وقد سبق قول الإمام أحمد في همام أنه ثقة، وأنه ثبت في كل المشايخ (١). وأما أيوب أبي العلاء وهو أيوب بن مسكين التميمي القصاب الواسطي، فقال فيه أحمد: ليس به بأس (٢)، وقال في موضع آخر: رجل، صالح ثقة (٣)، وقال أيضاً: كان لا يحفظ الإسناد (٤). ويشهد لصحة حكم الإمام أحمد أن خالد بن قيس رواه عن قتادة فوافق هماماً في متن الحديث، وخالفه في الإسناد. قال في الإسناد: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ . وقال في متنه: "من ترك جمعة متعمداً فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار". رواه أبو داود (٥)، والبيهقي (٦)، وقال: ولا أظنه إلا واهما في إسناده لاتفاق ما مضى على خلافه، فأما المتن فإنه يشهد بصحة رواية همام. ويشهد له أيضاً رواية سعيد بن بشير، فقد وافق هماماً في الإسناد وخالفه في المتن، فقال: [فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو مد]. أخرج روايته أبو داود، والبيهقي (٧). وقد سبق ما يتعلق بإعلال الإمام أحمد للحديث من وجه آخر، وهو جهالة قدامة بن وبرة في مباحث الجهالة (٨). ومن تقديم الإمام أحمد لرواية الأحفظ اختلاف رواية سعيد بن عبيد عن

стр. 844

بشير بن يسار في حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة لرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، فقدم الإمام أحمد رواية يحيى بن سعيد. ٣. قال الأثرم: ضعف أحمد حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد، قال أحمد: وإليه أذهب (١). حديث سعيد بن عبيد رواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثْمة أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلاً، فذكر الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ : "تأتون بالبيّنة على من قتله"؟ قالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيحلفون". قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يُطلَّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة. أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، والطحاوي (٦)، والدارقطني (٧)، والطبراني (٨)، والبيهقي (٩). وأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه: "فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم: "أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ " قالوا: وكيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده" أخرجه

стр. 845

البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، والترمذي (٥)، وأحمد (٦) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. والشاهد من الاختلاف الذي من أجله أنكر الإمام أحمد رواية سعيد ابن عبيد هو أن في روايته طلب النبي ﷺ البينة من أولياء المقتول ـ وهم المدّعون ـ ولما لم تكن لهم بينة طلب اليهود ـ وهم المدعى عليهم ـ أن يحلفوا، وليس في روايته طلب اليمين من أولياء المقتول، ولا ذكر للقسامة. أما في رواية يحيى بن سعيد فلم يكن هناك طلب للبينة، بل عرض اليمين على أولياء المقتول، فلما أبوا أن يحلفوا قال: تبرئكم يهود بخمسين يميناً، فذكر أصل القسامة. قال ابن رجب: "وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عُبيد الطائي فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين. وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد" (٧). ومقصود الإمام أحمد بأنه رواه على ما يقول الكوفيون، هو أنهم يقولون لا يحلف إلا المدَّعَى عليه، ولا يقضى بشاهد ويمين، لأن اليمين لا تكون على المدَّعِي، ولا ترد عليه، لأنها لا تكون إلا في جانت المنكِر المدّعَى عليه حتى في القسامة.
следующие страницы →