← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ . ومن أمثلة ذلك: ١. روى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة المرأةُ الحائضُ، والكلبُ" (١). قال الإمام أحمد: "ثناه يحيى قال: شعبة رفعه. قال: وهشام لم يرفعه. قال أحمد: كان هشام حافظاً" (٢). قال ابن رجب: هذا ترجيح من أحمد لوقفه. ا. هـ. وفي قول أحمد: كان هشام حافظاً ترجيح لرواية الأحفظ. قال عبد الله: "سألته ـ أي أباه ـ عن هشام وهمام. قال: سبحان الله، هشام أثبت، وقال شعبة: هشام أحفظ مني عن قتادة. شعبة يستعين بهشام يقول: "قال هشام" (٣). وقال أبو زرعة الدمشقي: "رأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه" (٤).

стр. 842

٢. وقال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: اختلف أيوبُ أبو العلاء وهمامٌ في حديثه: [من فاتتهُ الجمعةُ فليتصدق]. قال أحمد: همام عندي أحفظ" (١). حديث همام رواه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، والطيالسي (٤)، وأحمد (٥)، وابن أبي شيبة (٦)، وابن خزيمة (٧)، وابن حبان (٨)، والطبراني (٩)، والحاكم (١٠)، والبيهقي (١١) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "من ترك جمعة في غير عُذرٍ فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصفَ دينارٍ". وأما حديث أيوب أبي العلاء فرواه أبو داود أيضاً (١٢)، والحاكم (١٣)، والبيهقي (١٤) من طريقه، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاته الجمعة بغير عذر فليتصقد بدرهم أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع". قال الإمام أحمد: خالفه في الحكم وقصر في الإسناد (١٥).

стр. 843

فقدم الإمام أحمد رواية همام لأنه أحفظ من أيوب أبي العلاء. وقد سبق قول الإمام أحمد في همام أنه ثقة، وأنه ثبت في كل المشايخ (١). وأما أيوب أبي العلاء وهو أيوب بن مسكين التميمي القصاب الواسطي، فقال فيه أحمد: ليس به بأس (٢)، وقال في موضع آخر: رجل، صالح ثقة (٣)، وقال أيضاً: كان لا يحفظ الإسناد (٤). ويشهد لصحة حكم الإمام أحمد أن خالد بن قيس رواه عن قتادة فوافق هماماً في متن الحديث، وخالفه في الإسناد. قال في الإسناد: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ . وقال في متنه: "من ترك جمعة متعمداً فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار". رواه أبو داود (٥)، والبيهقي (٦)، وقال: ولا أظنه إلا واهما في إسناده لاتفاق ما مضى على خلافه، فأما المتن فإنه يشهد بصحة رواية همام. ويشهد له أيضاً رواية سعيد بن بشير، فقد وافق هماماً في الإسناد وخالفه في المتن، فقال: [فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو مد]. أخرج روايته أبو داود، والبيهقي (٧). وقد سبق ما يتعلق بإعلال الإمام أحمد للحديث من وجه آخر، وهو جهالة قدامة بن وبرة في مباحث الجهالة (٨). ومن تقديم الإمام أحمد لرواية الأحفظ اختلاف رواية سعيد بن عبيد عن

стр. 844

بشير بن يسار في حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة لرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، فقدم الإمام أحمد رواية يحيى بن سعيد. ٣. قال الأثرم: ضعف أحمد حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد، قال أحمد: وإليه أذهب (١). حديث سعيد بن عبيد رواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثْمة أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلاً، فذكر الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ : "تأتون بالبيّنة على من قتله"؟ قالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيحلفون". قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يُطلَّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة. أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، والطحاوي (٦)، والدارقطني (٧)، والطبراني (٨)، والبيهقي (٩). وأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه: "فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم: "أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ " قالوا: وكيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده" أخرجه

стр. 845

البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، والترمذي (٥)، وأحمد (٦) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. والشاهد من الاختلاف الذي من أجله أنكر الإمام أحمد رواية سعيد ابن عبيد هو أن في روايته طلب النبي ﷺ البينة من أولياء المقتول ـ وهم المدّعون ـ ولما لم تكن لهم بينة طلب اليهود ـ وهم المدعى عليهم ـ أن يحلفوا، وليس في روايته طلب اليمين من أولياء المقتول، ولا ذكر للقسامة. أما في رواية يحيى بن سعيد فلم يكن هناك طلب للبينة، بل عرض اليمين على أولياء المقتول، فلما أبوا أن يحلفوا قال: تبرئكم يهود بخمسين يميناً، فذكر أصل القسامة. قال ابن رجب: "وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عُبيد الطائي فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين. وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد" (٧). ومقصود الإمام أحمد بأنه رواه على ما يقول الكوفيون، هو أنهم يقولون لا يحلف إلا المدَّعَى عليه، ولا يقضى بشاهد ويمين، لأن اليمين لا تكون على المدَّعِي، ولا ترد عليه، لأنها لا تكون إلا في جانت المنكِر المدّعَى عليه حتى في القسامة.

стр. 846

ويحيى بن سعيد الأنصاري قال فيه أحمد: أثبت الناس (١). وقال أيضاً: "محدثوا الحجاز ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، يجيئون بالحديث على وجهه" (٢)، وأما سعيد بن عبيد الطائي فقال في رواية عبد الله: صالح الحديث (٣)، ووثقه في رواية أبي طالب (٤)، ولا شك في تقديم يحيى بن سعيد الأنصاري عليه في الحفظ والضبط والعلم. قال الإمام مسلم: "وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار ومن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه، فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار لكان الأمر واضحاً في أن أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد، ودافع لما خالفه … " (٥). ومن أجل هذا لم يخرج الإمام أحمد رواية سعيد بن عبيد في مسنده، واكتفى يرواية يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار رواية سعيد بن عبيد الإمام مسلم كما تقدم، والبيهقي (٦)، وابن عبد البر (٧)، وابن القيم (٨). وانتهج الحافظان ابن رجب، وابن حجر إلى الجمع بين الروايتين بناء على صحتهما عندهما (٩).

стр. 847

وربما أشار الإمام أحمد إلى الاختلاف ولا يبين أي الروايتين أرجح، وتلك الإشارة كافية للقدح فيما ظاهره الصحة، وقد يلتمس الترجيح بقرائن أخرى. ومن أمثلة ذلك: قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له حديث ابن أبي العشرين الذي يرويه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في سوق الجنة فقال: حدثنا به أبو المغيرة، عن الأوزاعي مرسل" (١). هذا الحديث رواه الترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، وابن أبي عاصم (٤)، وابن أبي حاتم (٥)، وابن حبان (٦)، وابن عساكر (٧) من طرق عن هشام بن عمّار، عن عبد الحميد ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم … وذكر الحديث بطوله. وذكر الإمام أحمد أن ابن أبي العشرين قد خولف في رواية هذا الحديث عن الأوزاعي؛ خالفه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الشامي، فرواه عن الأوزاعي مرسل. ولم أقف على هذه الرواية، وقد بين الدارقطني وجه الإرسال فقال: رواه أبو المغيرة عن الأوزاعي قال: نُبئت أن أبا هريرة لقي سعيد بن المسيب (٨).

стр. 848

وأبو المغيرة قد وثقه أحمد (١). وكذلك وثقه العجلي، والدارقطني. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً. وقال النسائي: ليس به بأس (٢). وأما عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، كاتب الأوزاعي فقد وثقه أحمد أيضاً في رواية عبد الله (٣)، وكذلك وثقه أبو زرعة الرازي (٤)، لكن تكلم فيه غير واحد: قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان، لم يكن صاحب حديث (٥). وكذلك قال دحيم: إنه لم يكن صاحب حديث (٦). وقال البخاري: ربما يخالف في حديثه (٧). وقال النسائي: ليس بالقوي (٨). وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين عندهم، وقد حدث عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بحديث منكر، وهو حديث سوق الجنة، لا أعرف له أصلاً في حديث أبي هريرة، ولا في حديث سعيد بن المسيب، ولا في حديث حسان بن عطية، ولا في حديث الأوزاعي، وقد تابعه سويد بن عبد العزيز، لكن متابعته كلا متابعة، ويحتمل أن يكون أخذه منه، والله أعلم" (٩). ومتابعة سويد بن عبد العزيز التي ذكرها أبو أحمد الحاكم رواها ابن أبي عاصم (١٠)، وابن عساكر (١١). وقد اضطرب في هذه الرواية، فمرة رواها

стр. 849

هكذا، ومرة أخرى رواها عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد، عن أبي هريرة (١). وقال مرة أخرى: عن الأوزاعي، حدثت عن سعيد (٢). وقال أيضا: عن الأوزاعي، عن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (٣). وسويد بن عبد العزيز متروك الحديث، قاله أحمد (٤). واضطرابه شاهد على ضعف حديثه. وروى الحديث الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، قال: نبئت عن سعيد (٥) وتابعه هقل بن زياد عن الأوزاعي (٦). وخالف الإمام أحمد أحمدُ بن عبد الرحيم الحوطي فرواه عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. وأحمد بن عبد الرحيم الحوطي من شيوخ الطبراني (٧). ما وقفت له على ترجمة إلا ما ذكره ابن القطان أنه لا يعرف حاله (٨). وتابعه محمد بن مصعب القرفساني عن الأوزاعي. قال ابن عساكر: لم يصنعا شيئاً (٩). وقول الإمام أحمد ليس صريحاً في ترجيح رواية أبي المغيرة، وإنما اقتصر على الإشارة إلى مخالفته لرواية ابن أبي العشرين فقط، ولا يقتضي ذلك ترجيحاً،

стр. 850

وإن كان يتضمن إعلال ما ظاهره الصحة. وأما الإمام الدراقطني فصرح بأن رواية أبي المغيرة أشبه الطرق عن الأوزاعي بالصواب (١). وكذلك قال الخليلي: رواه أصحاب الأوزاعي: الوليد ابن مزيد وغيره مرسلاً، يقول: نبئت أن أبا هريرة، ولا يتابع ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي بالاتصال إلى النبي ﷺ (٢). ومنه أيضاً: قال أبو داود: "سألت أحمد عن حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ : "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"؟ فقال: هذا حدثنا به عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، ليس فيه عمر" (٣). الحديث الذي ذكره أبو داود للإمام أحمد رواه يحيى بن موسى (٤)، وعبد بن حميد (٥)، والحسين بن مهدي (٦)، ومحمد بن سهل بن عسكر (٧)، وإسحاق ابن إبراهيم الحنظلي (٨) كلهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن

стр. 851

أبيه، عن عمر به مرفوعاً. ورواه أحمد بن منصور الرمادي (١) فقال: أحسبه قال: عن عمر (٢). وذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق حدثهم به عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلاً، ليس فيه عمر، وهكذا هو في "مصنف عبد الرزاق" المطبوع (٣)، وذكر الترمذي أن سليمان بن معبد رواه كذلك (٤). وهنا أيضاً لم يصرح الإمام أحمد بالترجيح، وإنما اكتفى بالإشارة إلى الاختلاف، وقد يقوى القول بالترجيح هنا لما عُلم من أن عبد الرزاق كان بآخرة يقبل التلقين، وذلك بعد ذهاب بصره، وسماع أحمد منه كان قبل ذلك وهو في الصحة، فروايته مرجحة على ما خالفها عند الاختلاف، كما هو الحال هنا. وقد صرح بترجيح الإرسال ابن معين (٥)، والبخاري (٦). وذكر أبو حاتم ما يدل على أن الرواية الموصولة كان من عبد الرزاق بآخرة، مما يدل على ترجيحه للإرسال. قال: "روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ : "كلوا الزيت وائتدموا به"، حدث به مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ ، هكذا رواه دهراً، ثم قال بعد: زيد بن أسلم، عن أبيه، أحسبه عن عمر، عن النبي ﷺ ، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بلا شك" (٧).

стр. 852

المطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عدداً . والمخالفة بين الرواة تأخذ عدة أشكال، ورواية الراوي لمن هم أولى منه كثرة تأتي في صور: منها: أن يكون الراوي ثقة حافظاً فيخالف رواية مثله في الحفظ والثقة، ويكون مع المخالف غيره من الرواة يوافقه، فحينئذ رواية الأكثر عدداً هي المرجحة وتكون رواية المنفرد خطأ، مثال ذلك: قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي ﷺ : "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العِدّة، ثم صوموا حتى تروا الهِلال أو تُكملوا العِدّة". قال: هذا سفيان وغيره عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ليس من ذا شيء، يعني: ليس قوله: "عن حذيفة"، يعني: يريد ليس حذيفة بمحفوظ بهذا الحديث" (١). هذا الحديث خالف فيه جريرُ بن عبد الحميد الضبي سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر، وكل من جرير الضبي والثوري ثقة (٢)، فحكم الإمام أحمد بخطأ رواية جرير لمخالفته عدداً من الرواة، فقدم رواية الأكثر عدداً. ورواية جرير الضبي أخرجها أبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن خزيمة (٥)،

стр. 853

وابن حبان (١)، والدارقطني (٢)، والبيهقي (٣). وأخرج رواية الثوري النسائي (٤)، وعبد الرزاق (٥)، وأحمد (٦)، والدارقطني (٧). وتابع الثوري: زهير بن معاوية الجعفي (٨)، وأبو الأحوص سلاّم ابن سُليم (٩)، وعَبيدة بن حميد (١٠). ففي ترجيح الإمام أحمد لرواية الثوري ترجيح بكثرة العدد بين الراويين المتساوييْن في الحفظ والإتقان. وقد لا يحكم على رواية المخالف بالخطأ، لكن يرد صلاحيتها للقدح في الرواية الأخرى، ومثال ذلك: قال أبو زرعة الدمشقي: "سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة، عن جابر في الشفعة، قلت له: ما تقول فيه؟ قال: منكر، ورأيته يُنكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد، وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: هو ثبت، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: رواه صالح بن أبي الأخضر

стр. 854

ـ يعني مثل رواية معمر ـ قلت: وصالح يحتج به؟ قال: يُستدل به، يعتبر به. قلت لأحمد ويحيى فقالا لي: أُخِذ عن مالك أنه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ذكرا جميعاً رفعه عن مالك، قالا ذلك لي. وقال لي أحمد: سمعه يحيى بن سعيد من مالك موقوفاً" (١). هذا الحديث اختلف فيه مالك ومعمر على الزهري، وكلاهما ثقة حافظ، وهم من أهل الطبقة الأولى من أصحاب الزهري (٢)، وإن كان الإمام أحمد في عدة روايات عنه يقدم مالك في الزهري على معمر، مع قلة رواية مالك عنه بالنسبة لمعمر (٣). فأما مالك فروى الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة مرسلاً (٤). وأما معمر، فرواه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعاً (٥).

стр. 855

فاختلف الحفاظ في الترجيح، فنقل أبو زرعة الدمشقي عن ابن معين كما في السؤال أنه يقول في حديث معمر: إنه منكر، وأن الصواب رواية مالك؛ وكذلك قال البخاري (١). وأما الإمام أحمد فأثبت رواية معمر، ولم ير رواية مالك علة تعل بها روايته، واحتج في ذلك برواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري بمثل رواية معمر (٢). وصالح بن أبي الأخضر ممن لا يحتج به على الانفراد، لكن يعتبر به ويستدل به كما قال أحمد في هذا الموضع، فصنيع الإمام أحمد هذا يدل على أن رواية الحافظين المتقاربين في الحفظ إذا تعارضتا وجاءت رواية أخرى بموافقة إحدى الروايتين ـ وإن جاءت من جهة راوٍ متكلم فيه ما دام لم يبلغ حد الترك ـ حكم لها، تغليباً لجانب الكثرة، وهذا من أبرز الأمثلة على ذلك. ولم يحكم على الرواية المخالفة بأنها خطأ، إنما ردّ صلاحيتها للقدح في الرواية المحفوظة. ومن صور المخالفة لرواية الأكثرين، مخالفة الراوي الثقة الحافظ لجمع من الرواة، وإن كان أحفظ من كل واحد منهم على الانفرد، فهنا أيضاً يرجح الإمام أحمد رواية الجماعة على الواحد، أو رواية الأكثر على الأقل، ويحكم على رواية المنفرد أو الأقلين بالخطأ. ومن أمثلة ذلك: ١. قال عبد الله: "سألت أبي عن حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة،

стр. 856

عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت: أخبريني بمرض رسول الله ﷺ ، فوصفت له حتى بلغت أن رسول الله ﷺ وجد خِفة، فخرج يُهادى بين رجليْن وأبو بكر يصلّي بالنَّاس، فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر قاعداً، وأبو بكر يصلي بالنَّاس وهو قائم يصلِّي فقال أبي: أخطأ عبد الرحمن في هذا الموضع، أو يكون زائدة أخطأ لعبد الرحمن. حدثني أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ومعاوية بن عمرو، وخالفا عبد الرحمن، وهو الصواب: ما قال عبد الصمد، ومعاوية" (١). وفي موضع آخر قال: "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه ألا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائماً والنبي ﷺ والناس يصلُّون بصلاة أبي بكر" (٢). وحديث عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد عنه (٣)، وأخرجه النسائي (٤) عن العباس بن عبد العظيم عنه. ولفظ موضع الشاهد منه: "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائماً ورسول الله ﷺ يصلي قاعداً". ولفظ رواية النسائي: "فجعل أبو بكر يصلي قائماً والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله ﷺ يصلي قاعداً". وأما رواية عبد الصمد بن عبد الوارث (٥)، ومعاوية بن عمرو (٦)

стр. 857

فأخرجها أيضاً الإمام أحمد (١)، ولفظ هذه الرواية في موضع الشاهد: "فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا تأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه"، فأجلساه إلى جنبه، قالت: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد]. فالاختلاف بين الروايتين كما وضّحه الإمام أحمد هو أن ابن مهدي جعل النبي ﷺ مأموماً يصلي بصلاة أبي بكر وهو قاعد، والقوم قيام، بينما رواية عبد الصمد ومعاوية جعلت النبي ﷺ إماماً وهو يصلي قاعداً وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وهكذا ذكر ابن رجب هذا الاختلاف عن الإمام أحمد قال: "ورواه زائدة، واختلف عنه، فقال الأكثرون عنه: إن أبا بكر كان يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ وهو قاعد، والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة، وقال في حديثه: فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر قاعداً، وأبو بكر يصلي بالناس وهو قائم يصلي. وقد رجح الإمام أحمد رواية الأكثرين عن زائدة على رواية ابن مهدي" (٢). وهذا الذي ذكر عن رواية عبد الصمد ومعاوية وغيرهما (٣) هو واضح من

стр. 858

ألفاظ روايتهم، وأما رواية ابن مهدي فليس ذلك بواضح، لأنه ليس منصوصاً فيها على حسب ما جاء في رواية الإمام أحمد في مسنده والنسائي كلاهما لحديث ابن مهدي. ولا شك أن الخلاف واقع بين الروايتين، لكنّ غايته أن ابن مهدي لم يصرح بأن أبا بكر صلى بصلاة رسول الله ﷺ ، كما صرّح بذلك عبد الصمد ومعاوية ابن عمرو وغيرهما. وأما على ما ذكره الإمام أحمد في العلل وكذلك ابن رجب، من أن النبي ﷺ كان يصلي بصلاة أبي بكر فلم أقف عليه في لفظ رواية ابن مهدي. وقد عدّ الإمام أحمد مخالفة ابن مهدي لرواية عبد الصمد ومعاوية خطأ إما من ابن مهدي نفسه، أو من زائدة حينما حدثه به، وصوّب رواية عبد الصمد ومعاوية، مع أنه ليس واحد منهما بمنزلة ابن مهدي في الحفظ، لكن قدّم روايتهما

стр. 859

على روايته لاجتماعهما، فقدم رواية الأكثر عدداً على رواية الأحفظ. ومن أمثلة مخالفة الراوي الحافظ لرواية الأكثرين، وتقديم الإمام أحمد لرواية الأكثرين: ٢. قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قال: نعم، أذهب إليه. قلت: إنهم يختلفون في إسناده. قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة، منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (١). حديث أبي سعيد الخدري في السهو رواه الإمام مسلم (٢) من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فلْيطرحِ الشَّكَّ ولْيَبْنِ على ما استَيْقَن، ثم يسجد سجدتيْن قبلَ أن يُسلّم، فإن كان صلّى خمساً شفعْنَ له صلاتَه، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان". فهنا أجاب الإمام أحمد على الاعتراض عليه من احتجاجه برواية قد دخلها الإعلال بالإرسال، بأن عدداً من الرواة قد رووا الحديث موصولاً، فلم تكن لعلة الإرسال أي أثر، ففيه تقديم الإمام أحمد لرواية العدد على رواية الأحفظ مع قصور آحادهم في الحفظ دونه. ولم يذكر جميع من روى الحديث موصولاً بل اقتصر على ذكر اثنين منهم. والذين رووا الحديث موصولاً: سليمان بن بلال كما تقدم في رواية مسلم، ومحمد ابن عجلان (٣)، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (٤)،

стр. 860

وفليح بن سليمان (١)، وأبو غسان محمد بن مطرف (٢)، ويحيى بن محمد بن قيس (٣)، وهشام بن سعد (٤). ورواه مرسلاً مالك (٥)، ويعقوب بن عبد الرحمن القارئ (٦)، وحفص ابن ميسرة (٧)، وداود بن قيس على الصحيح (٨)، والثوري (٩). ولا شك أن عدد الذين وصلوه أكثر من الذين أرسلوه. ومن صور مخالفة الراوي الأحفظ لرواية من هم أكثر منه عدداً ويكون الحكم لرواية الأكثر: ٣. روى يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي ابن خراش، عن طارق بن عبد الله المُحاربي، عن النبي ﷺ قال: "إذا كنت في الصلاة، فلا تبزقْ عن يمنيك ولا من بين يديك، ولكن خلفَك أو تلقاءَ شمالك أو تحت قدمك اليُسرى". قال ابن رجب: وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي

стр. 861

قوله: "خلفك"، وقال: لم يقل ذلك وكيع، ولا عبد الرزاق (١) حديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه الترمذي (٢)، والنسائي (٣)، وأحمد (٤)، وابن خزيمة (٥)، والمقدسي (٦) من طرق عنه عن سفيان به بهذا اللفظ، وبعضهم قال: "تلقاء شمالك إن كان فارغاً"، وكلهم ذكروا لفظة: "خلفك". وأنكرها الإمام أحمد لأن وكيعاً وعبد الرزاق لم يذكراها؛ أما حديث وكيع فأخرجه ابن ماجه (٧)، وابن أبي شيبة (٨) أما حديث عبد الرزاق فأخرجه في "مصنفه" (٩)، ومن طريقه الضياء المقدسي (١٠). وجعل الإمام أحمد اجتماعهما مرجحاً على رواية يحيى وإن كان أحفظ منهما. قال عبد الله عن أحمد: ليس من أصحاب سفيان أعلى من يحيى (١١)، وكان يقدم يحيى وعبد الرحمن في سفيان (١٢). فرجح بالكثرة على رواية الأحفظ. وممن رواه عن سفيان موافقاً لوكيع وعبد الرزاق، عبيد الله الأشجعي (١٣)،

стр. 862

والحسين بن حفص (١). قال الدارقطني: هي وهم من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور (٢) عنه، لم يقل أحد منهم: [ابزق خلفك]. ومنها أيضاً: ٤. روى الخطيب من طريق محمد بن صالح البغدادي (٣) قال: "رأيت أبا زرعة الرازي دخل على أحمد بن حنبل وحدثه، ورأيته قد مجمج (٤) على حديث كان حدّثه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وقد مجمج عليه أحمد فقال له أبو زرعة: أي شيء خبر

стр. 863

هذا الحديث؟ فقال: أخاف أن يكون غلطاً على رسول الله ﷺ ، وذلك أن سفيان قد حدّث عن منصور، عن إبراهيم أنه كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال له أبو زرعة: يا أبا عبد الله الحديث صحيح، فنظر إليه، فقال أبو زرعة: حدثنا أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل، حدثنا رضوان البخاري، قال: حدثنا فضيل بن عِياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وحدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني، أخبرنا معمر، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال أحمد: هات القلم إلي، فكتب: صح، صح، صح ثلاث مرات" (١). ففي هذه المذاكرة بين الإمام أحمد والإمام أبي زرعة الرازي كان الإمام أحمد ينكر حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: "أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى حتى يُرى بياضُ إبطيْه" (٢)، لمخالفة الثوري له، حيث رواه عن منصور، عن إبراهيم فعله (٣). وذلك أن الثوري أحفظ من معمر في منصور، فقد قيل في معمر: كأنه ليس بالقوي في منصور (٤). ثم رجع الإمام أحمد عن إنكاره لهذا الحديث لما ذكر له متابعة فُضيل بن عياض له عن منصور، وصحح الحديث، وكلٌ من معمر، وفضيل بن عياض لا يقارن بسفيان الثوري في الحفظ، لكن لما اجتمعا قدم قولهما على قول الثوري. ففي هذا

стр. 864

تقديم لرواية الأكثر عدداً على الأحفظ. ومن الأمثلة على هذه الصورة أيضاً: ٥. قال أبو زرعة الرازي: "سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: حديث أبي الأحوص، عن سِماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة خطأ الإسناد والكلام، فأما الإسناد فإن شريكاً، وأيوب، ومحمد ابني جابر رووه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ كما رواه الناس فانتبذوا في كل وِعاء، ولا تشربوا مسكراً. قال أبو زرعة: كذا أقول، هذا خطأ، أما الصحيح حديث ابن بريدة، عن أبيه" (١). وقال النسائي: قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه (٢). حديث أبي الأحوص أخرجه النسائي (٣)، عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، عن أبي بُردة بن نيار البلوي (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "اشربوا في الظروف، ولا تَسكَروا". وأخرجه ابن أبي شيبة (٥)، والطبراني (٦) بمثل هذا اللفظ. وأخرجه أبو داود الطيالسي (٧) بلفظ: "اشربوا، ولا تسكروا". وأخرجه الدارقطني (٨) بلفظ:

стр. 865

"اشربوا في المرفّت، ولا تسكروا" وأخرجه الطحاوي (١) بلفظ: "إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا". ولم يختلفوا في الإسناد. وذكر الإمام أحمد أن أبا الأحوص سلاّم بن سُليم أخطأ في الإسناد والمتن في هذه الرواية، وخالف عدداً من الرواة عن سماك، وذكر منهم: شريك بن عبد الله القاضي، ومحمد وأيوب ابني جابر اليماميان. أما رواية شريك فأخرجها النسائي (٢) من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ "نهى عن الدُّبَّاء، والحَنتَم، والنَّقِير، والمُزَفَّت" ثم قال: "إني كنت نهيتكم عن الظروف فانتبذوا فيما بدا لكم، واجتنوا كل مسكر". وهكذا رواه ابن عبد البر من وجه آخر عن يزيد بن هارون (٣). فأسقط القاسم بن عبد الرحمن، وجعله من مسند بريدة بن الحُصيب. ورواه إسحاق الأزرق عن شريك، فقال: عن سماك، عن القاسم بن مخيمرة، عن ابن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيه واجتنبوا كل مسكر"، أخرجه ابن ماجه (٤). وأما الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن شريك، عن سماك، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، فلم أقف عليها. والاختلاف في الروايتين السابقتين محمول على سوء حفظ شريك.

стр. 866

وحديث محمد بن جابر رواه الطبراني (١)، والدارقطني (٢) من طريقه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "كنا نهيناكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا في أي سِقاء شئتم ولا تشربوا مسكراً". هذه رواية أحمد بن إبراهيم القوهستاني عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن محمد بن جابر. وقال الدارقطني: هذا هو الصواب. وقال إسحاق السراج عن يحيى النيساري (٣)، ولوين (٤)، كلاهما عن ابن جابر: "ولا تسكروا". وأما حديث أيوب بن جابر، فرواه أحمد (٥)، والعقيلي (٦) من طريقه، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بوَدَّان قال: "مكانكم حتى آتيكم"، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: "إني أتيتُ قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونيهيتكم عن لُحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن هذه الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم". ولفظ العقيلي: "اشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا". وكأن الإمام أحمد أسقط اللفظة الأخيرة من روايته لنكارتها، فإنها هي سبب إنكاره لمتن حديث أبي الأحوص. وهي تدل على أن الخطأ في المتن كان من سماك، وليس من أبي الأحوص (٧). ووجه المخالفة في الإسناد أن أبا الأحوص رواه عن سماك فجعله من حديث

стр. 867

أبي بردة بن نيار؛ ورواه من طريق القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه عن أبي بردة. والباقون رووه عنه، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن بريدة بن الحُصيب. وأما في المتن فقال أبو الأحوص: "ولا تسكروا"، وأما الباقون ـ على اختلاف بينهم ـ فقالوا: "ولا تشربوا مسكراً"، أو "واجتنبوا كل مسكر"، وهما بمعنى. فرواية أبي الأحوص لا تدل على النهي من شرب المسكر، إنما تدل على النهي عن الإسكار، بخلاف رواية الباقين. ولذلك جاء في رواية أبي داود عن أحمد: "ومرَّ فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة، وإنما الحديث حديث ابن بريدة" (١). فقد اعتمد الإمام أحمد رواية هؤلاء لرد وتخطئة رواية أبي الأحوص، مع أن كل واحد منهم على الانفراد دونه في الحفظ. قال الإمام أحمد في أبي الأحوص: ليس به بأس (٢). وقال في موضع آخر: هو وجرير الضبي متقاربان في الحديث وهما ثقتان (٣). وقال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان، وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن … وأبي الأحوص وهو حي (٤) وقال ابن مهدي: أبو الأحوص أثبت من شريك (٥). وقال في شريك القاضي: كان صدوقاً عاقلاً محدثاً عندي، فقيل له: يحتج به؟ قال: لا تسألني عن رأي في هذا (٦). وقال أيضاً: ليس على شريك قياس، كان يحدث الحديث بالتوهم (٧).

стр. 868

وقد تقدم قوله في محمد بن جابر وأنه ليس بالقوي، وأنه ربما ألحق في كتابه (١). وأما أخوه أيوب بن جابر، فقال فيه الإمام أحمد: ليس به بأس، وقال: ضعُف أمره في آخر أمره، كان ذهب بصرُه (٢). وقال أيضاً: حديثه يشبه حديث أهل الصدق (٣). وتابع الإمامَ أحمد على إنكار هذا الحديث الإمام أبو زرعة الرازي كما تقدم، وكذلك الإمام النسائي، قال: "هذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام ابن سُليم، لا نعلم أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك، وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين" (٤). وأما أبو داود فجعل الخطأ في الإسناد من أبي الأحوص، وفي المتن من سماك (٥). وحديث بريدة مشهور من طرق صحاح عن النبي ﷺ أنه قال: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً". أخرجه مسلم (٦) وغيره. وكذلك إذا كانت المخالفة من جماعة من الرواة لمن هم أكثر منهم عدداً، وكان كلا الجانبين موصوفاً بالحفظ، فالإمام أحمد أيضاً يقدم جانب الكثرة، ولا يعتبر مخالفة الأقلين علة في رواية الأكثرين، ومن أمثلة ذلك: قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ﵀ الذي يصح في هذا الحديث، حديث كُريب، مرسل؟ أو عن ابن عباس؟ فقال: هو عن

стр. 869

ابن عباس صحيح. قيل لأبي عبد الله: إن الثوري ومالكاً يرسلانه، فقال: معمر، وابن عيينة، وغيرهما قد أسندوه" (١). والمقصود بحديث كُريب هو حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ لقِي ركْباً بالرَّوْحاء، فقال: "من القومُ"؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعتْ إليه امرأةٌ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر". والاختلاف في وصله وإرساله وقع على إبراهيم بن عقبة راويه عن كريب. فرواه مرسلاً: مالك (٢)، والثوري (٣)، وزهير ابن معاوية (٤)، وموسى ابن عقبة (٥).

стр. 870

ورواه مسنداً: معمر (١)، وابن عيينة (٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (٣)، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (٤)، وعبد الله بن المبارك (٥). ورواه بعض الرواة عن مالك، والثوري، وموسى بن عقبة (٦). فرجح الإمام أحمد رواية الوصل لكثرة عدد رواتها حيث قال: معمر، وابن عيينة وغيرهما قد أسندوه. قال ابن عبد البر: والحديث صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضره تقصير من قصر به، لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات (٧). وأما الإمام يحيى بن معين فرجح الرواية المرسلة؛ قال: إنما يرويه الناس مرسلاً عن كريب (٨). وقال الإمام البخاري: "أخشى أن يكون هذا الحديث مرسلاً في الأصل، قال أبو ظبيان، وأبو السفر عن ابن عباس: "أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج"، وهذا المعروف عن ابن عباس" (٩)، فكأنه يرى أن قول ابن عباس هذا معارض

стр. 871

لحديثه الذي رواه، فلو أن الحديث عنده لما قال هذا القول، وهو قول ثابت عنه. والذي يؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد أن من روى الحديث مرسلاً، قد روي عنه مسنداً أيضاً (١)، مما يدل على أنهم لما أرسلوه قصّروا به وهو عندهم مسند ثابت الاتصال، والعلم عند الله. والشاهد أن الإمام أحمد رجح بالكثرة في مسألة كلا الجانبين فيها موصوف بالحفظ، ففي الجانب الأول: مالك، والثوري، وفي الجانب الثاني: معمر، وابن عيينة وغيرهما. ومن ترجيح الإمام أحمد لرواية الجماعة على الواحد بإطلاق: قال ابن هانئ: "وحديث سليمان بن بلال حديث أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة: دعاني النبي ﷺ فقال: "كل مما يليك"، ليس هو عن رجل، إنما هو عن أبي وجزة، عن عمر، حدثني به ثلاثة لا يقولون فيه: عن رجل" (٢). رد الإمام أحمد على رواية من قال: عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة، ردها بأن جماعة رووه عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن عمر بن أبي سلمة، ليس فيه: عن رجل. وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سعيد مولى بني هاشم (٣)، وموسى بن داود (٤)، ومنصور بن سلمة الخزاعي (٥).

стр. 872

ولم أقف على من رواه عن سليمان بن بلال بذكر رجل من مزينة. وإنما رواه من هذا الوجه هشام بن عروة، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، روياه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد (١)، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة. أخرجه أحمد عن وكيع، عنهما به (٢). وأخرجه الطبراني من حديث كل واحد منها على حدة (٣). ورواه أبو معاوية عن هشام، فقال: عن أبي وجزة، عن رجل من بني سعد، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة (٤). وأبو معاوية في أحاديثه عن هشام بن عروة اضطراب (٥). وفي هذا الإعلال تقديم رواية الجماعة على الواحد. فيكاد الأمر عند الإمام أحمد يطرد أنه لا يعتد برواية من خالف جمعاً من الرواة وإن كان حافظاً، مما يدل على أنه كان يعطي اعتباراً كبيراً لتعدد الرواة في الرواية، ووجه ذلك أن الجماعة أولى بالحفظ من واحد. وهذا أيضاً يعكس منهجه من رد أفراد الرواة حتى الثقات منهم إذا لم يكونوا من الحفاظ المتقنين، وحتى إنه في بعض الأحيان يتهيب من قبول أفراد الحفاظ المتقنين كما تقدم. وإذا وقعت المخالفة من الراوي لجماعة من الروة، وكانوا مع تعددهم أكثر حفظاً منه، فحديثه أولى بالإنكار من غيره، خاصة إذا كان سيء الحفظ، ومثال ذلك: قال المرُّوذي: "ونظر ـ أي الإمام أحمد ـ في حديث عِسل بن سفيان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قال: النبي ﷺ : "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن"، فقال:

стр. 873

ليس من هذا شيء، من قال: عن عائشة فقد أخطأ، وضعف عِسل بن سفيان. وسألته عن حديث إسماعيل بن رافع قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، فنفض يده، وقال: ليس من هذا شيء وضعفه" (١). حديث عائشة رواه أبو يعلى (٢)، والحاكم (٣)، من طريق الحارث بن مرّة (٤)، والبخاري (٥)، وابن عدي (٦) من طريق شعبة كلاهما عن عسل بن سفيان به. وأما رواية إسماعيل بن رافع، فرواه ابن ماجه (٧)، وأبو يعلى (٨)، والشاشي (٩)، والبيهقي (١٠) من طرق عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، عن سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا القرآن نزل بحُزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا". وقد جزم الإمام أحمد بأن الرواية بذكر عائشة خطأ، وأن عسل بن سفيان الذي قال ذلك في روايته ضعيف، ويشير ﵀ إلى أن غيره قد رواه ولم يذكر عائشة، وأن تلك الرواية هي المرجَّحة، وهو كذلك، فقد رواه ابن جريج، وعمرو ابن دنيار عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص.

стр. 874

أما رواية ابن جريج فأخرجها الحميدي (١)، والحاكم (٢)؛ ورواية عمرو ابن دينار أخرجها أبو داود (٣)، وعبد الرزاق (٤)، والحميدي (٥)، وأحمد (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، والدارمي (٨)، والبزار (٩)، والحاكم (١٠)، والبيهقي (١١)، وذكر البخاري الروايتين تعليقاً (١٢). وتابعهما غير واحد منهم: سعيد بن حسان المخزومي المكي (١٣)، وحسام ابن مِصَكّ (١٤)، والليث بن سعد، لكن اختلف عليه فيه: هل هو عن عبيد الله ابن أبي نهيك، أو عن عبد الله بن أبي نهيك، وهل هو عن سعيد بن أبي سعيد،

стр. 875

أو عن سعد. أشار إلى هذا الاختلاف أبو داود (١)، والدراقطني (٢)، والقضاعي (٣). وذكر الدارقطني أن رواية الغرباء عن الليث، جاءت على الصواب، أي بموافقة رواية ابن جريج، وعمرو. فاجتماع هؤلاء على رواية الحديث على هذا الوجه عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، يقضي بخطأ رواية عِسل بن سفيان، لما لدى رواته من مزيد الضبط والكثرة. فعِسل بن سفيان قد ذكر الإمام أحمد ضعفه. وقال في رواية عبد الله: ليس هو عندي بقوي في الحديث (٤)، وهو متفق على ضعفه عند بقية الأئمة (٥). فلا يقارن بواحد من الذين خالفوه لو انفرد، فكيف وقد اجتمعوا. ومثل هذا يقال في رواية إسماعيل بن رافع التي ضعفها الإمام أحمد أيضاً، فقد ضعفه إسماعيل بن رافع أيضاً، وقال في رواية حنبل: منكر الحديث (٦)، وهو أيضاً متفق على ضعفه عند بقية الأئمة (٧). وقد وافق الإمامَ أحمدَ الإمامُ البخاري على تخطئة الرواية التي ذكرت عائشة (٨)، وقال رواية عمرو وابن جريج هي الأصح.

стр. 876

ومثال آخر: قال أبو داود: "قلت لأحمد: عامر الأحول؟ قال: شيخ قد احتمله الناس، وليس حديثه بذاك، روى حديث عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ توضأَ ثلاثاً ثلاثاً"، وإنما يرويه عطاء، عن عثمان" (١). حديث عامر الأحول أخرجه أحمد (٢)، والطحاوي (٣)، والطبراني (٤) كلهم من طريق همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه ووضّأ قدميه". فخالفه ابن جريج، وحجاج بن أرطأة، فروياه عن عطاء، عن عثمان. أخرجه أحمد (٥) من حديث ابن جُريج عقب حديث عامر الأحول إشارة إلى أنه معلول. وأخرجه ابن أبي شيبة (٦)، والبخاري (٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند (٨) من حديث حجاج بن أرطأة؛ وأخرجه ابن ماجه (٩) مقتصراً على ذكر مسح الرأس. ورواه عبد الرزاق (١٠)، عن ابن جريج: أخبرني عطاء أنه بلغه عن عثمان

стр. 877

ابن عفان. قال أبو زرعة عن هذه الرواية، وهو الصحيح عندنا (١) وهو كذلك لأن عطاء عن عثمان مرسل، قاله أبو زرعة وأبو حاتم (٢). فقد خالف عامر الأحول اثنين من أصحاب عطاء، فأشار الإمام أحمد إلى أنه أخطأ لمخالفة المعروف عن عطاء، وهو متكلم فيه وخالف من هم أحفظ منه وأكثر عدداً. قال الإمام أحمد عنه: ليس بالقوي، ضعيف الحديث (٣). متى يحكم بصحة الوجهين المختلفين؟ وقد تأتي روايتان على وجهين مختلفين ثم يحكم الإمام أحمد بصحة الوجهين لقرينة مرجحة لذلك، كأن تأتي رواية أخرى بذكر الوجهين معاً. ومثال ذلك: قال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زُهرة؟ قال: قد جمعهما بعضُهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيحاً ـ يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "أيما صلاة لم يُقرأْ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج"، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال أبو داود: رواه أبو أُويس، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه، وابن ثوبان، عن ابن عجلان كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة" (٤). حديث أبي هريرة المذكور في هذا السؤال اختلف فيه على العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة:

стр. 878

فقال مالك (١)، ومحمد بن عجلان (٢)، ومحمد بن إسحاق (٣)، وورقاء ابن عمر (٤)، والوليد بن كثير (٥)، وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وعُمارة ابن غَزيّة (٦): كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة (٧)، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلّى صلاةً لم يَقرأْ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غيرُ تمام". قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحياناً أكون وراءَ الإِمامِ. قال: فغَمَزَ ذِراعي ثم قال: اقرأْ بها في نفسك يا فارسيّ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفيْن فنصفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل". قال رسول الله ﷺ : "اقرؤا، يقول العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله ﵎: حَمَدني عبدي، ويقول العبد: الرَّحمنِ الرَّحيم، يقول الله: أثني عليّ عبدي. ويقول العبد: مالكِ يومِ الدِّين، يقول الله: مَجَّدني عبدي، يقول العبد: إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصِّراطَ المستقيمَ صراطَ الَّذين أنعمتَ

стр. 879

عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل". وقال سفيان بن عيينة (١)، وسعد بن سعيد الأنصاري (٢)، وشعبة (٣)، وإسماعيل بن جعفر (٤)، وروح بن القاسم (٥)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي (٦)، وعبد العزيز بن أبي حازم (٧)، وأبو غسان محمد بن مطرف (٨)، وإبراهيم بن طهمان (٩)، وزهير بن محمد العنبري (١٠)، وعبد الله بن جعفر بن نجيح (١١)، وعبد الحميد

стр. 880

ابن جعفر (١)، وجهضم بن عبد الله (٢)، ومحمد بن يزيد البصري (٣)، وآخرون سواهم (٤)، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكره مختصراً، وبعضهم مطولاً. واختلف عن ابن جريج؛ فروي عنه بمثل رواية مالك، قال ذلك: عبد الرزاق (٥)، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري (٦)، وهي رواية الإمام أحمد (٧)، وأبي بكر بن أبي شيبة (٨)، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (٩)، والترجماني (١٠) كلهم عن ابن علية، عنه. وقال سريج بن يونس، عن ابن علية، عن ابن جريج بمثل رواية سفيان ابن عيننة (١١). وموقف الإمام أحمد من الروايتين المختلفين في الإسناد هو تصحيح كلا الوجهين، وحجته في ذلك أن بعض الرواة قد جمع كلا الوجهين معاً في روايته، وذكر أبو داود ثلاثة رواة جمعوا بينهما في روايتهم، وهم: أبو أُويس عبد الله
следующие страницы →