← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ومثال آخر: قال أبو داود: "قلت لأحمد: عامر الأحول؟ قال: شيخ قد احتمله الناس، وليس حديثه بذاك، روى حديث عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ توضأَ ثلاثاً ثلاثاً"، وإنما يرويه عطاء، عن عثمان" (١). حديث عامر الأحول أخرجه أحمد (٢)، والطحاوي (٣)، والطبراني (٤) كلهم من طريق همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه ووضّأ قدميه". فخالفه ابن جريج، وحجاج بن أرطأة، فروياه عن عطاء، عن عثمان. أخرجه أحمد (٥) من حديث ابن جُريج عقب حديث عامر الأحول إشارة إلى أنه معلول. وأخرجه ابن أبي شيبة (٦)، والبخاري (٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند (٨) من حديث حجاج بن أرطأة؛ وأخرجه ابن ماجه (٩) مقتصراً على ذكر مسح الرأس. ورواه عبد الرزاق (١٠)، عن ابن جريج: أخبرني عطاء أنه بلغه عن عثمان

стр. 877

ابن عفان. قال أبو زرعة عن هذه الرواية، وهو الصحيح عندنا (١) وهو كذلك لأن عطاء عن عثمان مرسل، قاله أبو زرعة وأبو حاتم (٢). فقد خالف عامر الأحول اثنين من أصحاب عطاء، فأشار الإمام أحمد إلى أنه أخطأ لمخالفة المعروف عن عطاء، وهو متكلم فيه وخالف من هم أحفظ منه وأكثر عدداً. قال الإمام أحمد عنه: ليس بالقوي، ضعيف الحديث (٣). متى يحكم بصحة الوجهين المختلفين؟ وقد تأتي روايتان على وجهين مختلفين ثم يحكم الإمام أحمد بصحة الوجهين لقرينة مرجحة لذلك، كأن تأتي رواية أخرى بذكر الوجهين معاً. ومثال ذلك: قال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زُهرة؟ قال: قد جمعهما بعضُهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيحاً ـ يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "أيما صلاة لم يُقرأْ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج"، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال أبو داود: رواه أبو أُويس، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه، وابن ثوبان، عن ابن عجلان كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة" (٤). حديث أبي هريرة المذكور في هذا السؤال اختلف فيه على العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة:

стр. 878

فقال مالك (١)، ومحمد بن عجلان (٢)، ومحمد بن إسحاق (٣)، وورقاء ابن عمر (٤)، والوليد بن كثير (٥)، وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وعُمارة ابن غَزيّة (٦): كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة (٧)، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلّى صلاةً لم يَقرأْ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غيرُ تمام". قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحياناً أكون وراءَ الإِمامِ. قال: فغَمَزَ ذِراعي ثم قال: اقرأْ بها في نفسك يا فارسيّ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفيْن فنصفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل". قال رسول الله ﷺ : "اقرؤا، يقول العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله ﵎: حَمَدني عبدي، ويقول العبد: الرَّحمنِ الرَّحيم، يقول الله: أثني عليّ عبدي. ويقول العبد: مالكِ يومِ الدِّين، يقول الله: مَجَّدني عبدي، يقول العبد: إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصِّراطَ المستقيمَ صراطَ الَّذين أنعمتَ

стр. 879

عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل". وقال سفيان بن عيينة (١)، وسعد بن سعيد الأنصاري (٢)، وشعبة (٣)، وإسماعيل بن جعفر (٤)، وروح بن القاسم (٥)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي (٦)، وعبد العزيز بن أبي حازم (٧)، وأبو غسان محمد بن مطرف (٨)، وإبراهيم بن طهمان (٩)، وزهير بن محمد العنبري (١٠)، وعبد الله بن جعفر بن نجيح (١١)، وعبد الحميد

стр. 880

ابن جعفر (١)، وجهضم بن عبد الله (٢)، ومحمد بن يزيد البصري (٣)، وآخرون سواهم (٤)، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكره مختصراً، وبعضهم مطولاً. واختلف عن ابن جريج؛ فروي عنه بمثل رواية مالك، قال ذلك: عبد الرزاق (٥)، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري (٦)، وهي رواية الإمام أحمد (٧)، وأبي بكر بن أبي شيبة (٨)، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (٩)، والترجماني (١٠) كلهم عن ابن علية، عنه. وقال سريج بن يونس، عن ابن علية، عن ابن جريج بمثل رواية سفيان ابن عيننة (١١). وموقف الإمام أحمد من الروايتين المختلفين في الإسناد هو تصحيح كلا الوجهين، وحجته في ذلك أن بعض الرواة قد جمع كلا الوجهين معاً في روايته، وذكر أبو داود ثلاثة رواة جمعوا بينهما في روايتهم، وهم: أبو أُويس عبد الله

стр. 881

ابن عبد الله بن أويس (١)، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه (٢)، وابن ثوبان (٣). وممن روى الوجهين غير من ذكرهم الإمام أبو داود محمد بن عجلان برواية حاتم بن إسماعيل عنه (٤). وهذا مسلك الإمام أبي زرعة أيضاً في الترجيح بين الروايتين. قال الترمذي: "سمعت أبا زرعة يقول: كلاهما صحيح، واحتج برواية إسماعيل بن أبي أُويس" (٥). وأما الدارقطني فقال بعد ذكر رواية ابن عيننة ومن تابعه: وهو الصواب، وهو مشعر بترجيحه لروايتهم لأن عددهم أكثر. والترجيح بالكثرة في مثل هذه الصورة ضعيف، لأن الرواية المرجَّحَة جاءت عن جماعة أيضاً، وفيهم أئمة كبار مثل مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإن كان مجموع عددهم أقل من رواة الوجه الآخر، ويبعد جداً أن يجتموا كلهم على الخطأ. وغاية ما يقال في مثل هذه الصورة هو التوقف أو نسبة شيخهم الذي اختلفوا عليه إلى الاضطراب، فالترجيح بمطلق الكثرة يكون ترجيحاً بلا مرجح. ثم وجود قرينة خارجة عن رواية كلا الطرفين أقوى من حيث الاعتماد عليها للحكم في مثل هذه الصورة، وهذه القرينة موجودة، وهي رواية من روى

стр. 882

الحديث على الوجهين. وهناك قرينة أخرى، وهي وجود أصل لرواية أبي السائب، عن أبي هريرة من غير طريق العلاء، فيتقوى وجه رواية الأقلين؛ فقد رواه الزهري، وصفوان ابن سليم، عنه، عن أبي هريرة. أخرج روايتهما البيهقي (١). وكذلك إذا روى الراوي الحديث الذي خالف به غيره على الوجهين: مرة بموافقة من خالفه ومرة أخرى بالوجه آخر الذي تفرد به. ومثال ذلك ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد وغيره من الأئمة صحح الوجهين الواردين في رواية حديث ميمونة في الفأرة إذا وقعت في السمن (٢). فرواه سفيان بن عيننة (٣)، ومالك (٤) كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: "ألقوها وما حولها وكُلوه"، وتابعهما الأوزاعي (٥)، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني (٦). ورواه معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سئل

стр. 883

النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن قال: "إذا كان جامداً فألقوه وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه" (١). فاختلف النقاد في هذا الموضع، فمنهم من حكم بغلط معمر لانفراده بهذا الحديث، ومخالفته من هم أكثر منه عدداً. قال البخاري: هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، والصحيح حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة (٢). وقال الترمذي عن رواية معمر: غير محفوظ (٣). وقال أبو حاتم: الصحيح حديث الزهري عن عبيد الله (٤). وأما الإمام أحمد فذكر الحافظ ابن رجب أنه صحح الوجهين (٥)، وكذلك قال محمد بن يحيى الذهلي: الطريقان عندنا محفوظان (٦). وإليه يميل موقف الدارقطني (٧). والذي يدل على ذلك أن معمراً روى الحديث بالإسنادين كليهما، فقال عبد الرزاق بعد أن أورد حديث معمر من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: وقد كان معمر أيضاً يذكره عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة (٨). وأخرجه أبو داود (٩)، والنسائي (١٠) عن عبد الرزاق، عن

стр. 884

عبد الرحمن بن بوذويه (١)، أن معمراً ذكره عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بمثل حديث ابن المسيب، عن الزهري. ويدل على ذلك أيضاً أن الحديث وجد له أصل عن سعيد بن المسيب، فقد رواه سعيد بن أبي هلال عن الزهري، عن ابن المسيب عن النبي ﷺ مرسلاً (٢). قال محمد بن يحيى الذهلي: فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسيب في هذا الحديث من غير رواية معمر، فالحديثان محفوظان (٣) وأما حيث لم تأت رواية تجمع الوجهين فالقول باحتمال أن يكون الحديث عند الراوي المختلف عليه على الوجهين، فحدث به كل مرة على أحدهما احتمال بعيد عن التحقيق، ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن كما قال السخاوي على ما يقوى في الظن (٤).

стр. 885

المطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه . إذا روى الراوي حديثاً يخالف رأيه فقد جاء عن الإمام أحمد أنه يضعف ذلك الحديث الذي روى، ويرى أن مخالفة رأيه لروايته دليل على عدم صحتها، ووجه ذلك أن المفترض وكذلك المعهود في الراوي أن يعمل بموجب ما بلغه من العلم الذي يرويه، فإذا خالفه صح الاستدلال بتلك المخالفة على عدم صحة نسبة تلك الرواية إليه. وقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ قواعد كلية في باب العلل، ومنها: تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وذكر أن الإمام أحمد وأكثر الحفاظ ضعفوا أحاديث كثيرة بمثل هذا الاعتبار (١)، وذكر عدة أمثلة على ذلك عن الإمام أحمد وغيره من الحفاظ (٢). ومن الأمثلة على ذلك عن الإمام أحمد عدا التي ذكرها ابن رجب: قال أبو داود: سمعت أحمد قال: كان شعبة يتهيّب حديث ابن عمر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، يعني: يتهيبه للزيادة التي فيها: [والنهار]، لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه: [صلاة الليل]، ليس فيه: [والنهار]، وروى نافع: أن ابن عمر كان لا يرى بأساً أن يصلّي بالنهار أربعاً، وبعضهم قال: عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلّي بالنهار أربعاً، فنخاف فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﷺ : "صلاة النهار مثنى مثنى" لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعاً، وقد رُوي عن عبد الله بن عمر قوله: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، والله أعلم" (٣).

стр. 886

الشاهد في رواية أبي داود هذه أن الإمام أحمد أبدى وجهاً لكون زيادة ذكر النهار في حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" غير محفوظة، وهذا الوجه هو مخالفة هذه الرواية لرأي ابن عمر، فقد جاء عنه أنه كان يصلي بالنهار أربعاً. رواه عبيد الله العمري، عن نافع عنه "أنه كان يصلي بالنهار أربعاً أربعاً" (١)، ورواه عبد الله العمري، عن نافع، عنه "أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعاً، ثم يسلم" (٢)، ورواه معمر، عن أيوب؛ والثوري، عن عبيد الله، كلاهما عن نافع عن ابن عمر بمثله (٣). فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، لم يكن ليصلي أربعاً بالنهار (٤).

стр. 887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 888

ومنها: قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن حديث سمُرة: "من قتل عبده قتلناه"، قال: فُتيا الحسن على غيره. قال أحمد: ولكن يضرب" (١). وقال عبد الله: "سألت أبي عن الرجل يقتل عبده، يقتله الإمام أم لا؟ فقال: يروى عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ : "من قتل عبده قتلناه". وأخشى أن يكون هذا الحديث لا يثبت. قلت لأبي: فإيش تقول أنت؟ قال: إذا كنت أخشى أن لا يكون يثبت، لا أُثبته، ولا يُقتل حرٌّ بعبد، ولا بذمِّيّ، ويقتل بالمرأة … قال أبي: فكان الحسن يقول في حديث سمرة: "من قتل عبده قتلناه" يحدث به عن سمرة، عن النبي ﷺ ، وحدّث به قتادة عنه، ورواه خالد، عن الحسن موقوفاً. وقال قتادة: نسي الحسن هذا الحديث بعد، وكان الحسن لا يفتي به بعدُ" (٢).

стр. 889

حديث الحسن عن سمرة أخرجه أصحاب السنن (١) من طرق عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ "من قتل عبده قتلناه ومن جَدَعَ عبدَه جدعناه". ورواه الإمام أحمد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: ولم يسمعه منه (٢). ولم يُثبت الإمام أحمد هذا الحديث لأن فُتيا الحسن على خلافه. روى أبو داود (٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن قال: "لا يقاد الحر بالعبد". ولم يعلّ الإمام أحمد الحديث بعدم سماع الحسن له من سمرة كما رواه في مسنده. ويعكر على هذا الاستدلال من الإمام أحمد ما ذكره قتادة أن الحسن نسي هذا الحديث فكان يفتي بخلافه، لكن رد البيهقي كلام قتادة هذا فقال: "يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه، وأكثر أهل العلم رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة" (٤). وقد قال أحمد أيضاً ـ كما في رواية ابن هانئ: "لا يُقتل الحر بالعبد، وقال: حديث سمرة تركه الحسن" (٥). فتبين أن فتيا الحسن بخلاف ما رواه لم يكن صدور ذلك عنه عن نسيان،

стр. 890

بل من أجل ضعف الحديث، وخاصة وقد ظهر أنه لم يسمعه من سمرة. ومنها: قال أبو زرعة الدمشقي: "حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: حدثنا يزيد بن زُريع قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين قال: كانت أم ولد لآل أنس بن مالك قد استُحيضت، فأمروني أن أسأل ابن عباس فسألته، فقال: "إذا رأت الدّم البحراني أمسكت عن الصلاة". قال أبو زرعة: فسمعت أحمد بن حنبل يحتج بهذه القصة ويرد بها ما رُوي عن أنس بن مالك أن الحيض عشر، كما رواه الجلد بن أيوب، وقال: لو كان هذا عن أنس بن مالك لم يؤمر أنس بن سيرين أن يسأل ابن عباس. قال أبو زرعة: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فحديث معاوية بن قرّة، عن أنس في الحيض صحيح؟ فلم يره صحيحاً، إذ ردّوا المسألة إلى ابن سيرين يسألهم ابن عباس، كذلك قال لي، ولم يدفع لقاء ابن سيرين ابن عباس ومسألته" (١). ما رُوي عن أنس أن الحيض عشر، رواه جَلد بن أيوب (٢)، عن معاوية ابن قرّة عن أنس، ورواه الأكابر عن جلد كما قال ابن دقيق العيد (٣)، منهم

стр. 891

الثوري بلفظ: "أجَل الحيض عشر ثم هي مستحاضة" (١)، وكذلك أجلة أهل البصرة: حماد بن زيد (٢)، ويزيد بن زريع (٣)، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية (٤)، وعبد السلام ابن حرب (٥)، وهشام بن حسان، وسعيد (٦) كلهم عن جلد، عن معاوية بن قرة، عن أنس: "الحائض تنتظر ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو خمسة إلى عشرة أيام، فإذا جاوزت عشرة أيام فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي". واحتج الإمام أحمد لرد هذا الحديث بأنه لو كان هذا صحيحاً عن أنس لم يأمر أهلُه أنسَ بنَ سيرين أن يسأل ابن عباس عن الاستحاضة. ومثل هذا الاستدلال سُبق إليه الإمام أحمد، فقد ذكره الشافعي عن ابن علية، قال: "أخبرني ابن علية عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: قرء المرأة أو قرء حيض المرأة ثلاث، أو أربع، حتى انتهى إلى عشر، فقال لي ابن علية: الجلد بن أيوب أعرابي لا يعرف الحديث، وقال لي: قد استحيضت امرأة من آل أنس فسُئِل ابن عباس عنها، فأفتى فيها وأنس حي، فكيف يكون عند أنس ما قلت من علم الحيض ويحتاجون إلى مسألة غيره فيما عنده فيه علم؟ ونحن وأنت لا نثبت حديثاً عن الجلد، ويستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا" (٧).

стр. 892

لكن تعقب ابن دقيق العيد هذا الاستدلال بما حاصله أنه لو كان ما رواه الجلد من حديث أنس بن مالك مرفوعاً لقوي هذا الاستدلال بعض القوة، بأنه كيف يسأل غيره وقد سبق علمه بالحكم عن النبي ﷺ ؟ ولما كان ما رواه موقوفاً على أنس لا يستقيم هذا الاستدلال حتى يثبت أن أنساً قال ذلك وأفتى به قبل سؤالهم لابن عباس، فيمكن أن يقال حينئذ: كيف سأل وعنده علم؟ وأيضاً ليس هناك ما يدل على أن الذي أرسل يسأل ابن عباس هو أنس (١). وما ذكره ابن دقيق العيد وارد جداً، لكن قد تقدم من منهج الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذكره المعلمي عنهم، حيث قال: "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقاً حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر" (٢)، فكيف والإسناد هنا ليس بظاهر الصحة! ومنها: "ما ذكره الميموني أن أحمد ذُكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة مرفوعاً: "يقطع الصلاةَ المرأةُ، والحِمارُ، والكلب الأسودُ"، فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا، هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحِمار؟ " (٣). ولم أقف على رواية الحوضي هذه، وأوضح الحافظ ابن رجب وجه إنكار الإمام أحمد للحديث فقال: يعني: "لو كان هذا عندها عن رسول الله ﷺ لما قالت ما قالت" (٤).

стр. 893

ومنها: قال الأثرم: "قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد قال: [سألت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأُبي بن كعب ـ فقالوا: "الماء من الماء"، فيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم، بما يروى عنهم خلافه. قلت: عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب؟ قال: نعم. وقال أحمد بن حنبل: الذي أرى إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، قيل له: قد كنت تقول غير هذا. فقال: ما أعلمني قلت غير هذا قط. قيل له: قد بلغنا ذلك عنك، قال: الله المُستعان" (١). حديث زيد بن خالد الجهني أخرجه البخاري (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني أنه شاذ (٣). والظاهر أنه يعله بمثل العلة التي أعله بها الإمام أحمد. فقد ذكر ابن رجب عنه أنه قال: قد روي عن علي، وعثمان، وأبي بن كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هذا الحديث (٤). وأجاب الحافظ عن هذا الإعلال بأن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته، وأنه ليس بفرد، فقد رواه ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، وكونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحته لاحتمال أنه ثبت عنده ناسخه فذهبوا إليه. وإعلال الإمام أحمد يحمل على إطلاق العلة على النسخ، والله أعلم. ومن الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بمثل هذا الاستدلال، وهو مما ذكره

стр. 894

ابن رجب: أن أحاديث ابن عمر عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، أنكرها أحمد وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية؟ (١) وهذه الرواية لم أقف عليها عن أحمد، لكن تقدم في مطلب الاختلاط (٢) أن الإمام أحمد أنكر الحديث الذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنّا نمسح ونحن مع نبينا"، أنكره هناك لأنه من رواية شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، وكان سماعه منه بآخرة. وفي هذه الرواية ذكر وجهاً آخر لإنكاره للرواية، وهو كونها مخالفة للمعروف عن ابن عمر أنه كان ينكر المسح على الخفين، فدل على أنه لم يكن له فيه رواية عن النبي ﷺ ، فإذا جاءت رواية عنه بذلك استدل بهذا على خطئها. وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يمسح على الخفين، ويأمر بالمسح على الخفين، ويقول: "أمر رسول الله ﷺ بذلك" (٣) وهذا محمول على ما رواه ابن عمر عن عمر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين" (٤)، أي فهو من رواية الصحابي عن الصحابي، وذلك أن سعداً احتكم إلى عمر لما أنكر عليه ابن عمر المسح على الخفين، فأخبر عمر بالحديث عن النبي ﷺ ، وقد تقدم ذلك كله. ومنها ـ وهو مما ذكره الحافظ ابن رجب ـ أن الإمام أحمد ضعف أحاديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، لأن أبا هريرة كان ينكر المسح على الخفين، فلا تصح له فيه رواية (٥).

стр. 895

ولم أقف على إنكار الإمام أحمد لهذه الأحاديث. وقد جاء عن أبي هريرة عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ في المسح على الخفين (١): منها: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قالوا يا رسول الله، ما الطهور على الخفين؟ قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة" (٢). وفي سنده عمر بن عبد الله بن أبي خُثعم. قال عنه البخاري: منكر الحديث ذاهب الحديث (٣). وتابعه معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر الواسطي، وزاد المسح على الخمار، ولم يذكر التوقيت. أخرجه الطبراني (٤). قال الدارقطني: معلى بن عبد الرحمن الواسطي كذاب (٥). وضعف البخاري هذا الحديث عن أبي هريرة (٦). ومن حديث أبي هريرة في المسح على الخفين ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع قال نا جرير عن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو قال رأيت جريرا مسح على خفيه، قال: وقال أبو زرعة: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدخل أحدكم رجله في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما ثلاثاً للمسافر ويوماً للمقيم" (٧). وجرير في هذا الإسناد هو ابن أيوب البجلي. قال الدارقطني عن أبي نعيم: كان

стр. 896

يضع الحديث. وقال الدارقطني عن هذا الحديث: باطل عن أبي هريرة. ومن حديثه في ذلك أيضاً: ما رواه أبان بن عبد الله عن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وفيه: "توضأ ومسح على خفيه"، فقلت: يا رسول الله: رجلاك، لم تغسلهما! قال: "إني أدخلتهما وهما طاهرتان" أخرجه أحمد (١)، وابن أبي شيبة (٢)، والدارمي (٣)، وأبو يعلى (٤). وأبان بن عبد الله البجلي ضعفه الدارقطني (٥)، ووثقه ابن معين، وقال أحمد: صدوق صالح الحديث (٦). لكن اختلف عليه في الحديث، في ذكر المسح على الخفين، وفي الإسناد؛ فرواه النسائي (٧) من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة؛ وراه عنه أيضاً (٨) هو وابن ماجه (٩) من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن جرير بن عبد الله البجلي به، وليس في رواياتهم ذكر المسح على الخفين. ومنه أيضاً: ما رواه عبد الحكم بن ميسرة عن قيس بن الربيع عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على عمامته ومسح على خفيه" (١٠). وقيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به (١١)، والراوي عنه عبد الحكم

стр. 897

ابن ميسرة لا يعرف بجرح ولا تعديل كما قال أبو موسى المديني (١). ومنه ما رواه إسحاق قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "امسحوا على الخفين والخمار فإنه حق"، فأقر به أبو أسامة وقال نعم (٢). ومكحول لم يلق أبا هريرة، قاله أبو زرعة والدارقطني (٣). وقد ذكر الدارقطني عن الإمام أحمد قال: وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح (٤). وأما ما جاء من إنكار أبي هريرة للمسح على الخفين، فمنه ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عبد الواحد بن زياد قال حدثنا إسماعيل بن سميع (٥)، قال: حدثني أبو رُزين قال: قال أبو هريرة: "ما أُبالي على ظهر خفي مسحت أو على ظهر خمار" (٦). ومنه ما رواه مسلم (٧) من طريق شعبة، عن يزيد بن زاذان قال: سمعت أبا زرعة قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال ثم دعا بماء فتوضأ وخلع خفيه وقال: "ما أَمرنا اللهُ أن نمسح على جلود البقر والغنم".

стр. 898

وقد صحح الإمام مسلم هذين الإسنادين (١). وأنكر الإمام أحمد الروايات عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، واستدل لذلك بإنكار أبي هريرة المسح على الخفين، وقد أوضح هذا الاستدلال الإمام مسلم، قال: "الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين … ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتديّن به، فلما أنكره … بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ ، وإنّ مَن أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهواً أو تعمداً". فقد اتفق الإمامان أحمد وتلميذه مسلم على الأخذ بهذا المسلك في إعلال الحديث. وفي هذه الأمثلة ما يكفي لإبراز منهج الإمام أحمد في هذا الموضوع (٢). وسلوك هذا المسلك في إنكار الأحاديث قد لا يخلو من نظر في بعض الأحيان كما سبق وأن رأينا في تعقب ابن دقيق العيد على بعض صوره، وأيضاً قد يكون الراوي حين جاء عنه ما يخالف روايته فعَل ذلك لمعارض راجح بلغه، فترك موجِبَ روايته وعمل أو أفتى بالراجح، أو يكون لناسخٍ بلغه؛ وقد يكون نسي ما روى كما قال قتادة في فُتيا الحسن بخلاف روايته في قتل الحر بالعبد (٣).

стр. 899

لكن الصحيح أن هذه الاعتبارات لا تُضعّف اعتماد هذا المسلك، لأن النقاد لما اعتمدوه في نقد المتون لم يكن اعتمادهم عليه اعتماداً كلياً، بل نقدهم عندما يحتجون به لا يخلو مع ذلك من النظر في الأسانيد، بل من ذلك ينطلقون في الغالب لنقد المتون. ففي الأمثلة التي مضت في هذا المطلب، لم يخل إسناد لمتن منتقد بهذه العلة من وجود علة توجب ضعفه، من إرسال، أو سماع من مختلط بعد الاختلاط، أو تفرد ممن لا يحتمل تفرده، وهذا هو الصحيح في منهج أئمة هذا الفن: إن نقدهم للمتون في أغلب الأحيان ينطلق من نقدهم للأسانيد، وقد تقدم قول الشافعي في ذلك حيث قال: "ولا يُستدلّ على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المُخبِر وكذبِه (١)، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأن يُحدِّثَ ما لا يجوز أن يكون مثلُه (٢)، أو ما يُخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه" (٣). والعلم عند الله.

стр. 900

المطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف . ومما يرده الإمام أحمد من الأحاديث ما كان مخالفاً للأحاديث الصحيحة الثابتة، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بخلافها، وهي من جملة الأحاديث المنكرة التي يعتبرها الإمام أحمد من الشاذ المطرح (١)، وفيما يلي نماذج من تلك الأحاديث ووجه ردها عند الإمام أحمد. فمنها: ما كان ردّه له بمعنى نفي الثبوت والصحة عنه بسبب مخالفته لحديثٍ أو أكثرَ أصحّ منه، ومن أمثلته: قول الإمام أحمد في حديث أسماء بنت عُميس: "تسلَّبِي ثلاثاً، ثم اصنعي ما بدا لك"، إنه من الشاذ المطرح (٢). وحديث أسماء بنت عُميس أخرجه أحمد (٣)، وابن سعد (٤)، وابن الجعد (٥)، وابن حبان (٦)، والطحاوي (٧)، والطبراني (٨)، والبيهقي (٩) من طرق عن محمد ابن طلحة بن مصرِّف، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الله بن شدّاد، عن أسماء بنت عُميس قالت: لما أُصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: "تسلَّبي (١٠) ثلاثاً ثم

стр. 901

اصنعي ما شِئتِ". وفي رواية لأحمد (١): دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: "لا تُحدِّي بعد يومك هذا". ورواه شعبة عن الحكم بن عُتبية، عن عبد الله بن شداد مرسلاً ليس فيه أسماء بنت عميس. أخرجه ابن حزم (٢)، وذكره الدراقطني (٣). فهذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإحداد، منها: حديث أم حبيبة وزينب بنت جحش، قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث ليالٍ، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشراً" أخرجاه (٤). وفي حديث زينب: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر. ومنها: حديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحدّ امرأةٌ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر عشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوبَ عصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيباً إلا إذا طهرت، نُبذةً من قُسْطٍ أو أظفارٍ (٥) ". أخرجاه أيضاً (٦). وفي لفظ: "كنا ننهى أن نُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على

стр. 902

زوج، أربعةَ أشهُرٍ وعشراً … ". ومنها: حديث عائشة عن النبي ﷺ قالت: "لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوجها" أخرجه مسلم (١). ومثله عن حفصة أم المؤمنين (٢). فردّ الإمام أحمد هذا الحديث بالشذوذ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه صحح إسناد الحديث (٣)، ولم أره في شيء من الروايات التي وقفت عليها. وهذا يدل على أن العلة الإسنادية، وهي رواية شعبة للحديث مرسلاً، لم تقدح عنده في صحة الحديث. أما الدارقطني فقال: المرسل أصح. وقول الدارقطني وجيه، فإن محمد بن طلحة بن مصرف، وإن روى الحديث عنه الأكابر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي (٤). وكذلك قال البيهقي (٥). وقال أبو داود (٦)، وابن حبان (٧): يخطئ. واختلف قول ابن معين فيه: فعنه قال: صالح، وعنه: ضعيف (٨). فمثل هذا إذا خالفه شعبة فالمحفوظ ما قاله شعبة. وممن ردّ هذا الحديث من أجل المخالفة المذكورة الإمام أبو حاتم الرازي، قال لما سئل عنه: "فسّروه على معنييْن: أحدُهما أن الحديث ليس هو عن أسماء،

стр. 903

وغلِط محمد بن طلحة، وانما كانت امرأة سواها، وقال آخرون: هذا قبل أن يَنْزِل العِدَد. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: أشبه عندى ـ والله أعلم ـ أن هذه كانت امرأة سِوى أسماءَ، وكانت من جعفر بسبيل قرابة، ولم تكن امرأته لأن النبي ﷺ قال: "لا تُحِدُّ امرأةٌ على أحد فوقَ ثلاث الا على زوج" (١). فكأنه يضيف الوهم إلى راويه حيث ذكر أن الأمر بترك الإحداد موجه إلى أسماء زوج جعفر. ومن الآثار: قال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى بقومٍ فتقدّمه بعضُهم فصلّى قُدّامه، قال: من صلّى قُدّام الإمام يعيد الصلاةَ، قلت له: إن هماماً حدّث عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه صلّى بهم في سفينة، وصلّى قومٌ قداّمَه، فلم ير بذلك بأساً. قال أبو عبد الله: ليس يقول هذا غير هماّم. قال أبو عبد الله: أُخبرتُ أن هماّماً رجع عن هذا الحديث بعدُ. ورواه شعبة، عن أنس بن سيرين، والثوري، عن أيوب، عن أنس بن سيرين لم يقولا كما قال هماّم. وقال: أذهب إلى أن من صلّى هذه الصلاة يُعيدها. وقال رسول الله ﷺ : "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا"، فكيف يمكن هذا أن يسجد إذا سجد الإمام، والإمامُ خلفَه؟ ليس هذا بشيء يعيدها (٢). لم أقف على رواية همام التي ذكرها الإمام أحمد ولا رواية شعبة، والثوري. وأخرج ابن حزم (٣) معلقاً، من طريق وكيع ثنا حماد بن زيد ثنا أنس بن سيرين قال:

стр. 904

"خرجتُ مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين ـ وهي على رأس خمسة فراسخ ـ فصلّى بنا العصر في سفينة، وهي تجري بنا في دجلة قاعدا على بُساطٍ ركعتيْن ثم سلم، ثم صلّى بنا ركعتين ثم سلم". وأخرج مثله ابن أبي شيبة، عن يونس، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك (١). وليس في الروايتين أنهم صلوا قدّام الإمام، كما ذكر الإمام أحمد أن ذلك ليس في روايتي شعبة، والثوري. وخطّأ الإمام أحمد رواية همام لمخالفتها للحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث أنس بن مالك، وأخرجاه أيضاً من حديث أبي هريرة (٤). فكيف يخالف أنس هذا الحديث ويدع قوماً يصلّون أمامه حيث لا يمكنهم الائتمام بالإمام؟. ومن الآثار أيضاً: قال ابن هانئ: "قرأت على أبي عبد الله: إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة قال: [أتيت ابن مسعود فيما بين رمضان إلى رمضان، فما رأيته في يوم صائماً إلا يوم عاشوراء]. قال لي أبو عبد الله: وهمٌ من منصور إن شاء الله، جميع من روى عن ابن مسعود أنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء" (٥). حديث منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة رواه النسائي (٦).

стр. 905

وذكر الإمام أحمد أن هذا وهمٌ من منصور بن عبد الرحمن الغدّاني (١)، لأن جميع من روى عن ابن مسعود يقولون إنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء. من ذلك ما رواه الشيخان (٢)، من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: [دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرك، فإن كنت مفطراً فاطعم]. ولعل هذا مما أشار إليه الإمام أحمد أن منصور يخالف في أحاديث. ومن الآثار أيضاً: قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: "لا بأس بشرب الترياق" (٣). سمعت أبي يقول: هذا خطأ، كان محمد يكرهه، المعروف عن خالد، عن محمد أنه كرهه، أخطأ فيه وكيع" (٤). خطّأ الإمام أحمد وكيعاً في هذه الرواية لأن المعروف عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين خلاف ما ذكره وكيع، فقد روى ابن علية عن خالد، عن ابن سيرين ـ قال: وذكرته له ـ فقال: "أوليس قد نهي عن كل ذي ناب، فهي ذات أنياب وحمة" (٥).

стр. 906

وعن ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "أمر ابن عمر بالترياق فسُقي، ولو علم فيه ما فيه ما أمر به" (١). وعن أبي أسامة، عن هشام، عن محمد "أنه كرهه يعني الترياق" (٢). مخالفة الرواية للإجماع: ومما أنكره الإمام أحمد لمخالفته للإجماع: قال الخلال: أخبرنا الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاري وقول النبي ﷺ فيه، فمسعت أبا عبد الله غير مرّة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلاً ضعفه: طلحة. وسمعته يقول: وأحد يشكّ أنهم في الجنة، هو يُرجى لأبيه، كيف يُشك فيه؟ إنما اختلفوا في أطفال المشركين" (٣). حديث عائشة الذي ذكر في هذا السؤال هو ما رواه طلحة بن يحيى القرشي، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن أم المؤمنين عائشة قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جَنازَة صبيٍّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طُوبى لهذا، عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يُدركْه. قال: "أوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلاً، خلقهم لها وهُم في أصلاب آبائهم" رواه مسلم (٤)، من حديث وكيع ـ وهذا لفظه ـ وأبو داود (٥)، والنسائي (٦)، واللالكائي (٧)، ثلاثتهم من حديث الثوري،

стр. 907

وابن ماجه (١) من حديث وكيع أيضاً، وأحمد (٢)، والحميدي (٣)، والطحاوي (٤) ثلاثتهم من حديث ابن عيينة؛ كلهم عن طلحة بن يحيى بمثله. وأنكر الإمام أحمد هذا الحديث بقوله: "هذا حديث! "، ومحل الإنكار منه في الحديث ما ذُكر من قول النبي ﷺ : "أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! "، فإن فيه إستدراكاً لما قالته عائشة في الصبي الذي توفي وهو من أولاد الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فهذا الاستدراك يقتضي أن أولاد المسلمين ليسوا جميعاً من أهل الجنة، فأنكره الإمام أحمد لمخالفته الإجماع، ويفهم الإجماع من قول الإمام أحمد: "إنما اختلفوا في أولاد المشركين"، فمفهومه أنهم لم يختلفوا في أولاد المسلمين. وقد نقل ابن قُدامة عن أحمد التصريح بذلك، قال: "سئل أبو عبد الله عن أطفال المسلمين فقال: ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة" (٥). وهذا الإجماع دلت عليه نصوص، منها ما أشار إليه أحمد: أنه يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟ يشير إلى حديث أبي هريرة: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" (٦)، وروي في هذا المعنى عن غيره من الصحابة. وذلك أن من كان سبباً في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها (٧). وجاء في حديث أبي هريرة من وجه آخر: قال رسول الله ﷺ : "ما من

стр. 908

مسلميْن يموت لهما ثلاثة من أولادٍ لم يبلغوا الحِنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة". قال: "يُقال لهم: ادخلوا الحنة، قال: فيقولون: حتى يجيء أبوانا"، قال: ثلاث مرات. فيقولون مثل ذلك. قال: فيقال لهم: "ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم". أخرجه النسائي (١)، وأحمد (٢)، والبيهقي (٣) من طرق عن عوف الأعرابي، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة به .. وروى البخاري (٤) من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحِنث أدخله وإياهم بفضل رحمته الجنة". وذكر الميموني في هذا السؤال أن أحمد ضعّف راوي الحديث طلحة، وهو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروى أحاديث مناكير، وطلحة يحدث بحديث: "عصفور من عصافير الجنة" " (٥). قال الذهبي عن حديث طلحة هذا: هو مما ينكر من حديثه، لكن أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٦). وإنما ينكر عليه صدر الحديث الذي تقدمت الإشارة إلى أنه محل إنكار الإمام أحمد، وهو استدراك النبي ﷺ لعائشة في قولها، أما آخره فليس بمنكر، لأنه قد تابعه عليه غيره. فروى مسلم (٧) من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة

стр. 909

أم المؤمنين قالت: توفي صبيٌّ فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله ﷺ : "أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً". وأخرجه إسحاق (١)، وابن حبان (٢) من هذا الوجه. وتابعه أيضاً يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة بمثله. أخرجه الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق (٣). فقد توبع طلحة بن يحيى على آخر الحديث دون قوله في أوله: "أو غير ذلك". وقد أشار العقيلي إلى هذا التفصيل قال: "آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس بأسانيد جياد، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه" (٤). ولعل هذا وجه تقديم الإمام مسلم لرواية فضيل بن عمرو التي ليس فيها اللفظة المنكرة مع نزوله فيها على رواية طلحة بن يحيى، على عادته في تأخير الأحاديث المعلّة. وممن أنكر الحديث من الوجه الذي أنكره الإمام أحمد الحافظ ابن عبد البر؛ قال: "وفي ذلك أيضاً دليل واضح على سقوط حديث طلحة بن يحيى ـ يعني هذا الحديث ـ وهذا حديث ساقط ضعيف، مردود بما ذكرناه من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى ساقط ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرّج عليه" (٥).

стр. 910

مخالفة الراوية للواقع: ومما أنكره لمخالفته للواقع: قال صالح بن أحمد بن حنبل: "وسألته عن حديث رواه نصير بن حمد البرازي، صاحب ابن المبارك، عن عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس ابن مالك رفعه، قال: [من أقرّ بالخراج وهو قادرٌ على أن لا يُقِرّ به فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً] فقال: ما سمعنا بهذا، هذا حديث منكر، وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يَكره الدخول في الخراج، وقال: إنما كان الخراج على عهد عمر" (١). لم أجد حديث أنس هذا، وروى يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان بن سعيد، عن الزبير بن عدي، عن رجل من جُهينة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أقرّ بالخراج بعد أن أنقذه الله منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (٢) قال ابن رجب: وهذا أشبه، والجهني مجهول (٣) رجحه لأن عثمان بن زائدة وإن كان ثقة (٤) إلا أن الثوري أوثق منه، فقوله أشبه بالصواب. والإمام أحمد أنكره لمخالفته للواقع، وذلك أن الخراج لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وإنما كان في زمن عمر (٥)، فكيف يأتي الوعيد على المقرّ به وهو لم يكن بعدُ؟

стр. 911

وقد جاء عن الإمام أحمد استنكار لبعض الأحاديث للمخالفة والظاهر أن ذلك ليس بمعنى التضعيف لها، أو يكون بمعنى التضعيف ويكون قوله في ذلك متعقَّب. فمثال الأول: قال عبد الله: "حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة يحدّث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قُريش"، قالوا: فما تأمرُنا يا رسول الله؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم". قال عبد الله بن أحمد: وقال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ ، يعني قوله: "اسمعوا وأَطيعوا واصبِروا" (١). قال المرّوذي: "وقد كنت سمعته يقول: هو حديث رديء، يحتج به المعتزلة في ترك الجمعة" (٢). حديث أبي هريرة أخرجه أيضاً البخاري (٣)، ومسلم (٤) كلاهما من طريق شعبة به. والذي أنكره الإمام أحمد هو قوله: "لو أن الناس اعتزلوهم"، فقد وقع السؤال في موضع آخر على هذه اللفظة كما في "كتاب الورع" (٥)، فأجاب بما ذكره المرّوذي، وهو راوي "كتاب الورع" عن الإمام أحمد.

стр. 912

وقد رُوي الحديث عن أبي هريرة من وجوه أخرى بدون هذه الزيادة التي أنكرها الإمام أحمد، وقد ذكر أنه من غرائب حديث شعبة (١). فأخرجه البخاري من حديث عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: [كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاك (٢) أمتي على يدي غِلَمةٍ من قُريش". فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: لو شيت أن أسمِّيهم، بني فلان، وبني فلان] (٣). وروي من حديث شعبة، وسفيان، وابن أبي زائدة عن سماك، عن مالك ابن ظالم، عن أبي هريرة بمثله (٤)؛ ومن حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٥)؛ ومن حديث عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة (٦). لكن شعبة روى الحديثين، فذكر حديث مالك بن ظالم بدون الزيادة، وذكرها في حديث أبي التياح، عن أبي زرعة، ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح من إخراج روايته. وأنكره الإمام أحمد لأن ظاهره مخالف للأحاديث التي وردت بالأمر بعدم الخروج عن طاعة ولي الأمر وإن كان ظالماً، وهي كثيرة ومن أصول أهل السنة،

стр. 913

وقد أساء فهم هذا الحديث طائفة المعتزلة فتركوا حضور الجمعة. والأقرب أن أمر الإمام أحمد بالضرب على هذا الحديث ليس تضعيفاً له، ولكن للنهي عن التحديث به خوفاً من أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في مخالفات أشدّ. وقد ذُكر عنه أنه كان يكره التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان (١)، فالظاهر أن هذا منه، والله أعلم. ومثال ما استنكره من أجل المخالفة وتعقّب قوله فيه: قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر حديث صالح بن كيسان، عن الحارث ابن فُضيل الخطمي، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن الحكم، عن عبد الرحمن بن المِسوَر بن مخرمَة، عن أبي رافع، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي ﷺ : "يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، فمن جاهدهم بيده". قال أحمد: جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فُضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ : "اصبروا حتى تلقَوني" (٢). حديث ابن مسعود رواه مسلم (٣) من طريق صالح بن كيسان بهذا الإسناد، ومتنه: "ما من نبيٍ بعثه اللهُ في أُمّة قبلي إلا كان له من أمتِهِ حَواريُّونَ وأصحابٌ يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُفُ من بعدهم خُلوفٌ، يقولون مالا يَفعلون، ويَفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهَدَهم بيده فهو مُؤمن، ومن جاهَدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهَدَهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ

стр. 914

ذلك من الإيمان حبّةُ خَردَل". قال أبو رافع فحدثت عبدَ الله بن عمر فأنكره عليّ، فقدِم ابنُ مسعود، فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبدُ الله بن عمر يعوده، فانطلقتُ معه، فلما جلسنا سألت ابنَ مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابنَ عمر. قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع]. وقد رواه من هذا الوجه أيضاً أحمد (١)، وابن مندة (٢)، والبيهقي (٣). ورواه من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن الحارث بن فضيل أبو عوانة (٤) وابن حبان (٥)، والطبراني (٦) وأبو نعيم (٧). ورواه أحمد (٨) من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي، عن الحارث بن فضيل به. ولم ينفرد به الحارث بن فضيل، فقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود، فروى الإمام أحمد (٩) من طرق عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عامر بن السِّمط، عن معاوية بن إسحاق، عن عطاء بن يسار، عن ابن مسعود فذكره مختصراً. وهكذا رواه البزار (١٠) أيضاً. ورواه بطوله ابن حبان (١١). وصرح عطاء بن يسار في روايته بالسماع من ابن مسعود (١٢)، وخطّأ

стр. 915

ذلك أبو حاتم (١). وقال البخاري: يقال سمع منه (٢). وذكر ابن سعد أنه سمع منه (٣)، ونقل الذهبي مثل ذلك عن أبي داود (٤). واستنكر الإمام أحمد هذا الحديث في هذه الرواية بأنه خلاف الأحاديث التي رواها ابن مسعود والتي أمر رسول الله ﷺ فيها بالصبر على جور الأئمة، ولولا كلامه في الحارث بن فضيل راوي الحديث لقلنا في هذا مثل ما سبق في الذي قبله، أن استنكاره من باب كراهية التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على الوُلاة. لكن لما قال في الحارث بن فُضيل إنه ليس بمحمود الحديث في معرض استنكاره للحديث الذي رواه، دلّ ذلك على طعنه في صحته. والحارث بن فضيل وثقه ابن معين، والنسائي (٥)، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل المدينة (٦)، ولم يلتفت النقاد المتأخرون إلى قول الإمام أحمد في الحارث فوثقه كلٌ من الذهبي، وابن حجر (٧)، وقال ابن الصلاح: روى عنه جماعة من الثقات، ولم نجد له ذكراً في كتب الضعفاء (٨). ثم أنه لم ينفرد به كما تقدم.
следующие страницы →