← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أصحاب إبراهيم النخعي، منهم الأعمش (١)، ومنصور (٢)، ومغيرة (٣) كلهم عنه، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وذكر الدارقطني أن هذه هي رواية أبي حمزة ميمون الأعور القصاب، وحماد بن أبي سليمان، والحسن بن عبيد الله كلهم عن إبراهيم (٤). وخالفهم أبو معشر فجعله من مسند عثمان بن عفان، ولم يتابع على قوله: عن عثمان. وإنما انقلب على أبي معشر لأن الحديث وقع التحديث به في حضرة ابن مسعود وعثمان، فسهل تطرق الوهم إلى أبي معشر. قال علقمة: «كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك بكراً تذكرك ما تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ». هذا لفظ البخاري. فحكم الحفاظ بأن المحفوظ عن ابن مسعود، وقول أبي معشر وهم. (٥) ومنها: قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله: ثنا يزيد: ثنا هشام، عن محمد، عن كعب بن عُجرَة، قال: كنت عند النبي ﷺ فذكر فتنة، قال أبو عبد الله: أخطأ فيه، إنما

стр. 947

هو: كعب بن مُرّة». (١) حديث كعب بن عُجرة أخرجه أحمد (٢) في المسند بهذا الإسناد. وأخرجه من هذا ابن ماجه (٣)، وابن أبي شيبة (٤) كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عُجرة به. ولفظه: «كنت عند رسول الله ﷺ فذكر فتنةً، فقرَّبها، فمرّ رجلٌ متقنِّعٌ، فقال: هذا يومئذٍ على الهُدى. قال فاتّبعتُه حتى أخذتُ بضبعَيْه فحولتُ وجهَهُ إليه وكشفتُ عن رأسِه فقلت هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، فإذا هو عثمان بن عفان». وأخرجه أبو حاتم من طريق همام عن قتادة، عن محمد بن سيرين به (٥). وأخرجه أحمد (٦)، وعبد الله بن أحمد (٧) من طريق مطر الورّاق، عن محمد بن سيرين به أيضاً. وهتان المتابعتان تدلان على أن ذكر كعب بن عُجرة في السند من ابن سيرين وليس ممن دونه في الإسناد. وذكر الإمام أحمد أن إسناد الحديث إلى كعب بن عُجرة وهم، وأن الصواب كعب بن مرّة، وذلك أنه روي لفظ الحديث عنه من عدة أوجه، منها: عن أيوب، عن أبي الأشعث، عن مرة بن كعب، وهو كعب بن مرة (٨). أخرجه أحمد (٩)،

стр. 948

وابن أبي شيبة (١)، ونعيم بن حماد (٢). وكذلك من طريق معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن جُبير بن نفير، عن كعب بن مرّة. أخرجه أحمد (٣)، وابن أبي عاصم (٤)، والطبراني (٥). ومما يدل على أن كعب بن مرة هو المحفوظ أن رواية ابن سيرين عن كعب بن عُجرة مرسلة (٦)، فالوهم يسهل حيث لم يكن بينهما لقاء، ومن ثم رجح أنه كعب بن مرّة فانقلب على ابن سيرين إلى كعب بن عُجرة، والله أعلم. وقد يطلق البطلان على هذا النوع من القلب لتحقق خطأ الحديث المقلوب، ومن ذلك: قال أبو بكر الأثرم: «قلت لأبي عبد الله: وروى شَبابَة، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران أن النبي ﷺ أوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعْلى﴾ فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، إنما رواه حجاج، عن قتادة، عن عمران عن النبي ﷺ ، حدثناه عباد بن العوام، عن حجاج. وأما حديث شعبة فحدثناه كذا وكذا عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن أَبْزَى، قال والحديث يصير إلى ابن أَبْزَى». (٧)

стр. 949

روى حديث شعبة عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عبد الرحمن بن أبزى أربعة من الرواة، وهم: غندر (١)، وحجاج بن المنهال (٢)، وأبو داود الطيالسي (٣)، ويحيى القطان (٤). وخالفهم شبابة فرواه عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين به. أخرجه النسائي (٥)، وابن أبي شيبة (٦). فأبدل ابن أبزى بعمران بن حصين. وقال أحمد عن روايته: باطل، ليس من هذا شيء، لتحقق خطئها، فقد خالف أربعة من ثقات أصحاب شعبة، وهو وإن كان ثقة في نفسه (٧)، لكن ليس في منزلة القطان وغندر. وممن أنكر هذا الحديث على شبابة الإمام النسائي، قال: «لا نعلم أحداً تابع شبابة على هذا الحديث، خالفه يحيى بن سعيد القطان». (٨) ثم ذكر رواية يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة عن عمران بن حصين: «صلى رسول الله ﷺ الظهر فقرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فلما صلى قال: من قرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضهم خالجنيها». (٩)

стр. 950

فعلى ما ذكره النسائي يكون القلب الذي وقع فيه شبابة إبدال إسناد بآخر، حيث جعل لمتن حديث ابن أبزى إسنادَ حديث عمران بن الحصين. ومن هذا النوع من القلب ما تقدم عن عامر الأحول أنه روى حديث وضوء النبي ﷺ ثلاثاً ثلاثاً من حديث عطاء، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عطاء، عن عثمان (١). النوع الثاني من القلب: إبدال راوٍ بآخر وصورة هذا أن يكون الحديث معروفاً من رواية راوٍ معين فيرويه بعض الرواة من رواية راوٍ آخر في طبقته، فيَظنّ من لم يفطن لوقوع القلب أن الراوي الأول قد تُوبع، ويدفع عنه التفرد بذلك. ومن أمثلة ما ذكره الإمام أحمد من هذا النوع من القلب الذي وقع فيه بعض الرواة الثقات: قال عبد الله: سمعت أبي يقول: «الحديث الذي رواه وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الجمع بين الظهر والعصر قال أبي: إنما هو حديث داود بن قيس، ليس هو من حديث ابن أبي ذئب». (٢) لم أقف على رواية وكيع التي ذكرها الإمام أحمد. وقد روى الحديث المذكور عدد من الرواة عن داود بن قيس (٣)؛ منهم يحيى القطان (٤)،

стр. 951

والقعنبي (١)، وعبد الرزاق (٢)، وأبو نعيم (٣)، والثوري (٤) ولفظه: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر، قالوا: يا أبا عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على أمته». وفي بعض ألفاظه: من غير خوف ولا مطر. ورواه ابن أبي شيبة (٥) عن وكيع بمثل رواية الجماعة؛ عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس به، فلعله رجع عن قوله: ابن أبي ذئب لما أوقف على الخطأ. ومنها: قال عبد الله: «حدثني أبو موسى الهرَوي إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: أخبرني مَعْمر بن راشِد عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخُدري أن النبي ﷺ صلَّى في ماءٍ وطينٍ، فرأيت أثر جبينه وأرنبته في الماء والطين. فحدّثتُ به أبي فقال: أخطأ فيه عيسى، إنما رواه معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قصة طويلة، وليس هو عن الزهري إنما هو عن يحيى بن أبي كثير». (٦) حديث معمر أخرجه عنه عبد الرزاق (٧)، ومن طريقه أحمد (٨)، ومسلم (٩)،

стр. 952

وأبو داود (١)، وأبو عوانة (٢). وأخرجه أيضاً أبو داود (٣) من طريق صفوان بن عيسى، عن معمر به. وانفرد عيسى بن يونس في رواية إسحاق بن إبراهيم الهروي (٤) التي ذكرها عبد الله برواية الحديث عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد. فأبدل يحيى بن أبي كثير بالزهري، وخالف غيره ممن رواه عن معمر. والحديث لا يعرف عن الزهري، ولم يروه أحد من الرواة عنه على كثرتهم، فحكم الإمام أحمد على عيسى بن يونس (٥) - وهو أحد الثقات - بالخطأ. لكن رواه مؤمل بن الفضل (٦)، عن عيسى بن يونس، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به. أخرجه أبو داود (٧) إلا أن أبا علي اللؤلؤي قال: هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة اهـ (٨). فلعله اطلع على أنه خلاف المعروف عن عيسى بن يونس، فتركه، والله أعلم. وإن أدى القلب إلى إبدال ثقة بضعيف كان أثره أشد، مثال ذلك: قال عبد الله: «قلتُ لأبي: تَحفظ هذا من حديث أبي عاصم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: كان

стр. 953

رسول الله ﷺ يقول: «ألا أَدُّلُكم على شيءٍ يُكفِّر الخَطايا ويَزيدُ في الحسنات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء عند المكاره». فقال أبي: هذا باطل - يعني من حديث عبد الله بن أبي بكر - قال أبي: إنما هو حديث ابن عَقِيل، وأنكره أشدَّ الإِنكار وقال: ليس بشيء - يعني حديث عبد الله بن أبي بكر - قال: هذا حديث ابن عقيل». (١) حديث أبي عاصم الذي ذكره عبد الله، أخرجه ابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣)، والحاكم (٤). وأخرج أبو يعلى جزءً منه (٥). وقد أنكره الإمام أحمد على أبي عاصم حيث أبدل عبد الله بن محمد بن عقيل، بعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فالأول قال فيه أحمد: منكر الحديث، وإن أُثر عنه أنه يحتج به (٦)، وأما الثاني فهو ثقة ثبت (٧). ومن أجل ذلك اشتدّ إنكار الإمام أحمد للحديث، وقال: إنه باطل. فقد تفرد به أبو عاصم النبيل عن الثوري، والمشهور في رواية هذا المتن هو عبد الله بن محمد بن عقيل؛ هكذا رواه زهير بن محمد المروزي (٨)، وعبيد الله بن عمرو

стр. 954

الرقّي (١)، وعمر بن ثابت (٢). وليس له أصل عن عبد الله بن أبي بكر على كثرة حديثه؛ قال أبو حاتم: «ليس لعبد الله بن أبي بكر معنى». (٣) وقد سبق ذكر فائدة معرفة هذه العلة، وهو نفي ما يظن معه دفع التفرد عن الراوي المتفرد، فإذا كان الراوي مجروحاً لم تنفعه المتابعة الموهومة في الرواية المقلوبة. النوع الثالث من القلب: إبدال إسنادٍ بآخر وهذا النوع من القلب أشار إليه الحافظ ابن حجر كما تقدم، وصورته أن يكون متن الحديث معروفاً بإسناد معيّن، فيخطئ بعض الرواة فيرويه بإسناد آخر يُروى به متن آخر، فيُوهم أن لمتن الحديث إسناديْن، فينتج عن ذلك عند من لم يفطن له عدُّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيستشهد في باب الاعتبار بما لا يصلح أن يكون شاهداً. وغالباً ما يعبّر الأئمه عن هذا النوع من القلب بقولهم: «دخل عليه حديث في حديث»، أو «إسناد في إسناد». وقد اشتهر التمثيل بما وقع لجرير بن حازم من هذا النوع من القلب في كتب المصطلح (٤)، وقد روى الإمام أحمد القصة عن بإسناده إلى حماد بن زيد: قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، قال: حَدّثتُ حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تروني»، فأنكره وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه

стр. 955

سمعه - يعني من ثابت». (١) وقال أبو داود: «سمعت أحمد وقيل له: ثابت، عن أنس - يعني عن النبي ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترَوني»؟ فقال أحمد: هذا زعموُا أن حمادَ بنَ زيدٍ قال: كنَّا عند ثابت، وعنده حجاجُ بن أبي عثمان، فقال حجاج: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، فذكر الحديث، فظن جرير أنه حدث به ثابت عن أنس، فرواه». (٢) فالمتن الذي رواه جرير معروف عن النبي ﷺ من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة. أخرجه مسلم (٣)، والنسائي (٤)، وأحمد (٥) من طرق عن حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير به. وأما حديث جرير فأخرجه الطيالسي (٦)، والترمذي (٧)، والطبراني (٨). وقد تفرد جرير برواية هذا المتن من حديث ثابت عن أنس، ولا أصل له من حديث ثابت، ولا من حديث أنس، وقد تبين مما ذكره حماد بن زيد كيف دخل الوهم على جرير بن حازم فدخل عليه حديث في حديث وأبدل لحديث أبي قتادة إسناداً آخر يروى به متنٌ آخر.

стр. 956

فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد لأخطاء الحفاظ من هذا النوع: قال أبو داود: «سمعت أحمد ذَكر حديث عُثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل صلّى ركعتين، ثم استاك»؟ فقال: الحديث حديث حُصين - يعين حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس. قلت: ممن هو - أعني: الوهم؟ قال: من الأعمش». (١) حديث عُثام بن علي أخرجه النسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، واحمد (٤)، وأبو يعلى (٥)، والحاكم (٦) من طرق عنه، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ركعتين ثم ينصرف فيستاك». وأعل الإمام أحمد هذا الحديث بأن الأعمش قد وهِم فيه على حبيب بن أبي ثابت، وأن الصواب ما رواه حبيب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، ولفظه: «أنه بات عند النبي ﷺ فاستيقظ من الليل فأخذ سواكَه، فاستاك به، ثم توضأ وهو يقول: ﴿إنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى قرأ هذه الآيات، وانتهى عند آخر السورة، ثم صلّى ركعتين فأطال فيهما القيام والرُّكوع والسُّجود، ثم انصرف حتى سمعتُ نفخَ النوم، ثم استيقظ فاستاك وتوضأ، وهو يقول: حتى فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم أوتر بثلاث،

стр. 957

فأتاه بلالٌ المؤِذِّن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل أمامي نوراً، وخلفي نوراً، واجعل عن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، اللهم أعظم لي نوراً». هكذا رواه حصين عنه. أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وأحمد (٤)، وأبو عوانة (٥). وتابعه الثوري فرواه عن حبيب به نحوه (٦)، ولفظه: «أن النبي ﷺ قام من الليل فاستنّ ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام، فاستنّ وتوضأ وصلى ركعتين، حتى صلى ستاًّ، ثم أوتر بثلاث، وصلى ركعتين». وتوبع حُصين أيضاً من رواية منصور بن المعتمر (٧)، والمنهال بن عمرو (٨) كلاهما عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه به. ووقع في رواية التي ذكرها أبو داود لحديث حصين أنه عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس، فأسقط أبيه بينهما، والصواب إثباته، وإنما رواه بإسقاط أبيه زيد بن أبي أُنيسة، عنب حبيب؛ أخرجه النسائي (٩). ووجه وهم الأعمش أنه جعل إسناداً للحديث غير إسناده، وأخطأ في لفظ المتن أيضاً.

стр. 958

ومن النماذج لما وقع فيه الثقات من إبدال إسناد بآخر: قال مهنّا: «سألت أحمد عن حديث حدّث به عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع، قال: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ». قال أحمد: ليس بصحيح؛ هذا غلطٌ من عُبيد الله بن موسى، لم يكن صاحب حديث. هذا حديث الثوري، عن حكيم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى: كانت اليهود تتعاطس عند النبي ﷺ ، والحديث حديث المسعودي، عن عمرو بن مرّة قال: قام فينا رسول الله ﷺ . قلت: من عن المسعودي؟ قال: غير واحدٍ. قال الخلال: وروى عبد الله عن أبيه نحواً من هذا، إلا أنه قال: قال أبي: هذا حديث الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى». (١) وتكملة رواية عبد الله: «أُراه دخل لعبيد الله بن موسى إسناد حديث في إسناد حديث». (٢) في هذه الرواية ذكر الإمام أحمد أن عبيد الله بن موسى (٣) غلط في حديث أبي موسى، وأنه دخل عليه إسناد حديث في إسناد حديث آخر، وذلك أنه روى حديث أبي موسى: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو

стр. 959

كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ»، عن الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري (١)؛ وهذا غلط، فإن حديث أبي موسى هذا إنما يروى عن عمرو بن مرّة، عن أبي عُبيدة، عن أبي موسى. هكذا حدّث به الأعمش (٢)، والمسعودي (٣)، وشعبة (٤)، والعلاء بن المسيب (٥) كلهم عن عمرو بن مرة به. وأما الإسناد الذي ذكره عبيد الله بن موسى - أعني الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى - إنما رَوى به أصحاب الثوري حديث أبي موسى: «كانت اليهود يتعاطَسون عند النبي ﷺ رجاءَ أن يقولَ لهم: يرحمُكُم الله، فكان يقول لهم: يَهديكم الله ويُصلحُ بالَكم». هكذا رواه القطان (٦)، وعبد الرحمن بن مهدي (٧)، ووكيع (٨)،

стр. 960

وأبو نعيم (١)، وقبيصة (٢)، ومحمد بن يوسف الفريابي (٣)، ومعاذ بن معاذ (٤). ولم يتابِع أحدٌ عبيدَ الله على رواية حديث أبي موسى الأول بهذا الإسناد، فتعين أن يكون قد غلط وانقلب عليه حديث بآخر. ومن الأمثلة أيضاً على هذا النوع من القلب مما ذكره الإمام أحمد: قال أبو داود: سمعت أحمد سئل ما أصح ما فيه؟ - يعني في: «من ذرعه القيء وهو صائم»؟ قال: نافع، عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة. قال: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث: «من أكل ناسياً - يعني وهو صائم - فالله أطعمه وسقاه». (٥) حديث هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذرعه القيء، فليس عليه القضاء، ومن استقاء فليقضِ»، رواه عنه ثقتان: أحدهما عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي؛ أخرج حديثه أبو داود (٦)، والنسائي (٧)، وابن ماجه (٨)، والبخاري (٩)، وأحمد (١٠)، والدارمي (١١)، وابن الجارود (١٢)،

стр. 961

وابن خزيمة (١)، والطحاوي (٢)، وابن حبان (٣)، والدارقطني (٤)، والحاكم (٥)، والبيهقي (٦) من طرق عنه. والثاني: حفص بن غياث النخعي الكوفي؛ أخرج حديثه ابن ماجه (٧)، وابن خزيمة (٨)، والحاكم (٩)، والبيهقي (١٠) من طرق عنه. وقد أشار الإمام أحمد إلى أن هذا الحديث غير محفوظ، وهو معنى قوله: ليس من هذا شيء (١١). ووجه ذلك أن الإسناد الذي ذُكر به إنما يروى به متنٌ آخر، وهو حديث: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه». أخرجاه (١٢) من حديث يزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. لكن ليس في قول الإمام أحمد ما يبين صاحب الوهم الذي جعل ذلك المتن للإسناد المذكور، ولا كيف دخل عليه حديث في حديث. والظاهر أن الواهم هو هشام بن حسان، لأن عيسى بن يونس قد توبع

стр. 962

من راوٍ ثقة، ولذلك لم يرد ذكره في سؤال أبي داود ولا في جواب الإمام أحمد. وقد ذكر الدارمي أن عيسى بن يونس يقول: «زعم أهل البصرة أن هشاماً أوهم فيه». (١) ولعل من أجل ذلك لم يرو هذا الحديث عنه أحد من حفاظ أهل البصرة. وقد بين الإمام البخاري وجه الوهم فقال: «إنما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه». (٢) وعبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري منكر الحديث (٣)، وحديثه أخرجه ابن أبي شيبة (٤)، والدارقطني (٥). فمعنى هذا أن هشاماً القردوسي وهم فركب إسناد حديثه الصحيح لهذا المتن الذي لم يصح، فأوهم أنه حديث صحيح. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين (٦)، وقال الدارقطني: رواته ثقات كلهم (٧)، لكن هذا لا يستلزم تصحيحاً. وصححه أيضاً الألباني (٨). والإمام أحمد لم يصحح هذا المتن إلا من رواية نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه. (٩)

стр. 963

وقد يقال: إذا كان الراوي ثقة، فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه، فحدث بأحدهما مرة وحدث بالآخر مراراً فكثر عدد الذين رووا وجها دون آخر، وعليه فلا يلزم إنكار الإسناد الآخر؟ ويقال مثل هذا في إبدال صحابي بآخر، وكذلك في إبدال راوٍ بآخر. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإيراد فقال: «هذا التجويز لا ننكره، لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن، وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعوَّل في ذلك منهم على النقّاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم - أي الرواة - يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه». (١) النوع الرابع من القلب: القلب في المتن وقد سبق وأن ذكرنا تعريف الجزري للقلب في ألفاظ متون الأحاديث، وهو أحد أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات. فمن أملثة ذلك مما نبّه عليه الإمام أحمد: قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا رَوْح، قال: حدثنا سعيد وعبد الوهاب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: كان معاوية لا يأتي على رُكنٍ من أركان البيت إلا اسْتَلَمَه، فقال ابن عباس: إنما كان نبي الله ﷺ يَستلِم هذيْن الرُّكنيْن. قال أبي: قال عبد الوهاب في حديثه: الحَجرُ الأسودُ واليَماني. فقال معاوية: ليس من أركانه مهجور (٢). حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شُعبة قال: حدثني قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: حجّ ابن عباس ومُعاوية، فجعل ابن عبّاس يَستلم الأركانَ كلَّها فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ هذيْن

стр. 964

الركنيْن الأَيمنيْن فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور (١). حدثني أبي قال: حدثنا حجاج قال: حدثني شُعبة؛ ومحمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يحدّث؛ قال حجاج قال: سمعتُ أبا الطُّفَيل قال: قدِم مُعاويةُ وابنُ عباس فطاف ابن عباس فذكر مثله. وقال حجاج: قال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، يقولون معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور، ولكنِّي حفظتُه من قتادة هكذا (٢). حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا أبو خَيْثَمة - يعني زهيراً - عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن أبي الطُّفيل قال: رأيتُ مُعاويةَ يَطوفُ بِالبيتِ عن يسارِه عبدُ الله بنُ عباسٍ، وأنا أتلوهما في ظُهورِهما أَسمَعُ كلامَهما، فطَفِق معاويةُ يَستلِمُ ركنيِ الحِجر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يَستلم هذين الرُّكنيْن، فقال معاويةُ: دعني منك يا ابنَ عباس، فإنه ليس منها شيءٌ مهجورٌ، فطفق ابنُ عباس لا يَذَرُه كُلَّما وضع يدَه على شيءٍ من الرُّكنيْن قال له ذاك (٣). (٤) حديث أبي الطفيل قد وقع فيه قلب، وذلك أن استلام جميع أركان البيت وقع من معاوية وأن ابن عباس أنكره عليه، ثبت ذلك في حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس. علقه البخاري بصيغة الجزم (٥)،

стр. 965

قال الحافظ ابن حجر: وصله الجوزقي (١). وورد أيضاً من حديث خُصيف، عن مجاهد عن ابن عباس. أخرجه أحمد (٢)، والطحاوي (٣)، والطبراني (٤). وأما حديث أبي الطفيل فاختلف على قتادة في تمييز المستلم للأركان من المنكر، فعند سعيد بن أبي عروبة معاوية هو الذي يستلم الأركان، ويؤيد ذلك رواية عمرو بن الحارث عن قتادة، عن أبي الطفيل أنه سمع ابن عباس يقول: «لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين». أخرجه مسلم (٥)، والطبراني (٦). فناسب أن يكون ابن عباس هو المنكر لمعاوية استلام جميع أركان البيت. ويؤيده أيضاً رواية ابن خثيم، عن أبي الطفيل، وهي موافقة تماماً لرواية سعيد بن أبي عروبة؛ وكأن الإمام ذكرها ليرجح بها رواية سعيد ويبرهن بها على أن شعبة قد قلب متن الحديث. وقد صرح بذلك في رواية أخرى من طريق عبد الله على ما ذكره ابن حجر (٧). وقد يكون الذي قلب المتن قتادة نفسه حين حدث شعبة بالحديث، بدليل أن شعبة ذكر أنه حفظه من قتادة كذلك، ولذلك لم يرجع عنه مع علمه بأن الناس يخالفونه في روايته. ولم أقف على مثال آخر صريح لهذا النوع من القلب عن الإمام أحمد.

стр. 966

المطلب الخامس: رفع الموقوف ووصل المرسل وهذا نوع آخر من الأخطاء التي تقع في روايات الثقات. قال الذهبي معلقاً على قول أبي أحمد ابن عدي في الحسن بن علي بن شبيب المعمري: «أما ما ذكر عنه أنه رفع أحاديث وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة، وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم، فإنهم يرفعون الموقوف، ويوصلون المرسل، ويزيدون في الأسانيد … » (١)، قال الذهبي: «بئسَتِ الخِصالُ هذه، وبمثلها يَنحطُّ الثقة عن رتبة الاحتجاج به، فلو وقف المحدث المرفوعَ، أو أرسل المتّصِل لساغ له، كما قيل (٢): انقص من الحديث ولا يزِد فيه». (٣) ومما يدل على اعتار هذا من الخطأ ما تقدم عن الإمام أحمد من تضعيفه لعطاء بن السائب وسماك بن حرب بأنهما كان يسلكان الجادة في الرفع، أما سماك فيقول: عن عكرمة، عن ابن عباس؛ وأما عطاء فيقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٤). وقال في محمد بن إبراهيم بن أبي عدي: «روى عن شعبة أحاديث يرفعها ننكرها عليه». (٥) وقال في هشام بن لاحق: «كان يُحدّث عن عاصم أحاديث، لم يكن به بأس، رفع عن عاصم أحاديث لم تُرفع، أسندها إلى سلمان». (٦)

стр. 967

وقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: أبو معشر - يعني زياد بن كُليب - يحدث عن إبراهيم أشياء يرفعها إلى ابن مسعود نحو من عشرة لا يعرف عن ابن معسود لها أصلٌ، يعني أنها مقصورة على إبراهيم، قال أحمد: يقولون: كان يأخذ عن حماد». (١) وقد تقدم عنه أيضاً تضعيف حماد بن سلمة في شيخه قيس بن سعد لأن كتابه عن قيس قد ضاع، وملامح ذلك التضعيف واضحة في كثرة ما يرفعه من أحاديثه عن عطاء، عن ابن عباس إلى النبي ﷺ (٢) وكذلك ما تقدم في استدلاله لدخول التخليط في حديث ابن لهيعة في آخر عمره بأنه كان يرفع ما كان يوقفه لماّ كان في الصحة. فذكر عن ابن وهب أن ابن لهيعة روى هذا الحديث: «لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ» قال ابن وهب: ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ (٣). ولهذا أمثلة لدى غير الإمام أحمد من أئمة هذا الشأن. قال الدارقطني لما سئل عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، قال: «هذا ابن عبيد الله بن جبير بن حية، وليس بالقوي، يُحدث بأحاديث يسندها ويوقفها غيره». (٤) فجعل علة ضعفه رفعه للموقوفات. وأما التفريق بين رفع الموقوف ووصل المرسل من جهة، ووقف المرفوع وإرسال المتصل من جهة أخرى، حيث أشار الحافظ الذهبي إلى أن الثاني يسوغ

стр. 968

دون الأول فقد أجاب عنه الخطيب فقال: «إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر». (١) وهناك بعض الرواة يتوقف في الحكم بالخطأ على من خالفهم برفع ما أوقفوه، مع كونهم أوثق ممن خالفهم؛ وهؤلاء هم أئمة أهل البصرة: أيوب، ومحمد بن عون، ومحمد بن سيرين، لأن مذهبهم وقف كثير من الأحاديث المرفوعة. قال المرّوذي: «سألت أبا عبد الله عن هشام بن حسّان فقال: أيوب، وابن عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هِشام وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كان مذهبُهم أن يَقصِروا بالحديث ويُوقفوه». (٢) ومن الأمثلة لما جاء عن الإمام أحمد من خطأ بعض الرواة الثقات برفع الموقوف أو وصل المرسل ما يلي: رفع الموقوف فمن ذلك: قال حنبل: حدثنا أبو عبد الله، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله سيُؤيِّد هذا الدينَ برجالٍ ليس لهم عند الله خَلاقٌ». قال أبو عبد الله: ليس هذا مرفوعاً. (٣) هذا الحديث أخرجه النسائي (٤)، وابن حبان (٥)، من طريق رباح،

стр. 969

والطبراني (١) من طريق عباد بن منصور كلاهما عن أيوب به، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عباد، ومعمر بن راشد، تفرد به عن عباد ريحان، وعن معمر رباح بن زيد». ورباح بن زيد ثقة جليل (٢) قال أحمد: إني أحب رباحاً وأحب حديثه، وأحب ذكره (٣). ولم أقف على رواية الوقف التي يبدو أن الإمام أحمد رجحها على هذه الرواية. وقد رُوي من وجه آخر عن أنس مرفوعاً، أخرجه الإسماعيلي (٤) من طريق معلى بن زياد، وأبو نعيم (٥) من طريق مالك بن دينار كلاهما عن الحسن، عن أنس به مرفوعاً. قال أبو داود: سمعت أحمد ذَكر حديث حماد بن زيد، عن أبان بن تغلب (٦)، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي ﷺ في التلبية. قال: هذا أُراه من حماد - يعني رفعه إلى النبي ﷺ ، لأن الحديث موقوف على عبد الله». (٧) حديث حماد بن زيد أخرجه النسائي (٨)، والشاشي (٩)، والإسماعيلي (١٠)

стр. 970

من طرق عنه، عن أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: «كان من تلبية النبي ﷺ : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك». وتابعه شعبة، فرواه عن أبي إسحاق به، ولفظه: كانت تلبية رسول الله ﷺ فذكره، أخرجه الشافعي (١). ورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، كنت مع ابن مسعود فلبى فقال رجل: من هذا الملبي في هذا اليوم؟ فالتفت إليه ابن مسعود فقال: «لبيك عدد التراب لبيك». أخرجه ابن أبي شيبة (٢). وذكر الإمام أحمد أن حماد بن زيد هو الذي رفعه، وأنه عن ابن مسعود موقوف، ولم أقف على رواية الوقف إلا ما تقدم عن أبي بكر بن عياش. وقال ابن أبي حاتم- بعد أن ذكر حديث حماد بن زيد: «رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كانت تلبية عبد الله بن مسعود، لم يرفعه، قال: قال أبي: حديث شعبة أصح». (٣) فهذا يوافق قول الإمام أحمد في الإعلال، لكن الرواية التي ذكرها تخالف رواية الشافعي، عن ابن مهدي، عن شعبة. وصل المرسل فمن ذلك: قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: «كان عيسى بن يونس يُسند حديث الهدية، والناس يرسلونه». (٤)

стр. 971

وحديث عيسى بن يونس أخرجه البخاري (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وأحمد (٤)، وإسحاق (٥)، والبيهقي (٦) عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهديةَ ويُثيب عليها». وذكر الإمام أحمد أن عيسى بن يونس تفرد بوصله، والناس يرسلونه، يشير إلى أنه أخطأ بوصل ما هو مرسل. وذكر البخاري أن وكيعاً ومحاضر بن المورّع (٧) روياه مرسلاً، ليس فيه عائشة. ورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة (٨)، ورواية محاضر لم أقف عليها (٩). ووافق الإمامَ أحمد على تخطئة رواية عيسى بن يونس الموصوله ابنُ معين (١٠)، وأبو داود (١١)، والدارقطني (١٢).

стр. 972

وإخراج الإمام البخاري للحديث مصير منه إلى تصحيح وصله، قال ابن حجر: لحفظ رواتها (١). ووكيع أحفظ من عيسى بن يونس، ثم إنه قد اقترن بغيره. ومن أمثلة ذلك ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله عن عن أبيه «أنه رأى رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة». وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ . قال الإمام أحمد: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل … وحديث ابن عيينة وهم». (٢) رواه مالك، ومعمر، ويونس عن الزهري مرسلاً. وسيأتي توضيح هذه الطرق في المطلب الآتي في الكلام على المدرج إن شاء الله. فاعتبر الإمام أحمد وصل ابن عيينة للحديث الذي هو في الأصل مرسل وهماً، فدلّ على أن وصل المراسيل من جنس الأخطاء التي تعتري أحاديث الثقات.

стр. 973

المطلب السادس: الإدراج وهذا أيضاً من أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الرواة الثقات، والإدراج مصدر أدرج، وهو إدخال الشيء في الشيء وضمّه إياه (١)، والحديث الذي وقع فيه الإدراج يسمى المُدرج، اسم مفعول من أدرج. والحديث المُدرج هو ما كان فيه زيادة ليست منه في الإسناد أو المتن (٢). فهو نوعان: مدرج في المتن، ومدرج في الإسناد، ولكل نوع منهما أقسام. فالمدرج في المتن هو أن يُدرج الراوي في حديث النبي ﷺ شيئاً من كلام غيره مع إيهام كونه من كلامه (٣)، وقد يكون ذلك في أول المتن أو في وسطه أو في آخره وهو الأكثر. وكما يكون الإدراج في المرفوع، فقد يكون في الموقوف على الصحابي بإلحاق التابعي فمن بعده، أو في المقطوع بإلحاق تابعي التابعي فمن بعده (٤). وأما مدرج الإسناد فأغلب أقسامه (٥) تعود إلى نوع من القلب، وهو إدخال حديث أو جزء منه في آخر. وهذا النوع من أنواع العلل الغامضة التي لا يطلع عليها إلا النقادُ الجهابذةُ العارفون بمراتب الرواة ومداخل الخطأ في الروايات، وكثيراً ما يغفل عنه من لا يستنير بكلامهم عند الحكم على الأحاديث، فيصحح ما قد أدركوا علته وكشفوها، وما ذلك إلا لقلة معرفة هؤلاء وعدم إتيانهم

стр. 974

البيوت من أبوابها. وسأورد في هذا المطلب نماذج مما أعله الإمام أحمد من أحاديث الرواة الثقات بالإدراج، وهي كالتالي: قال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله عن حديث حجاج: قرأت على ابن جُريج، قال: حدثني زِياد أن ابن شهاب حدّثه قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر أنه كان يمشي بين يدي الجَنازة، وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها، من كلام من هو؟ فقال: هذا من كلام الزهري: وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها». (١) وقال عبد الله: «سألت أبي عن حديث الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر: «رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة»؟ فقال: أما سفيان فكان أكثر ما يقول: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر. قال أبي: فقد رواه عُقيل بن خالد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه «كان يمشي أمام الجَنازة، وأن رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة»، وما هو إلا فعل ابن عمر، والنبي ﷺ مرسل عن الزهري. قال أبي: كان هذا من قول الزهري: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر الحديث». (٢) بين الإمام أحمد أن قول الزهري: «وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها»، مدرج في الخبر وليس بمسند بل هو مرسل عن الزهري، وإنما المتصل من ذلك فعل ابن عمر أنه كان يمشي أمام الجنازة، فهذا القدر الذي رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. وتوضيح ذلك أن الرواة عن الزهري اختلفوا عنه في رواية هذا الحديث.

стр. 975

فأما ابن عيينة فلم يختلف عليه أن الحديث عنده كله موصول؛ رواه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، النسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، وأحمد (٥)، والحميدي (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، وابن حبان (٨)، والبيهقي (٩) فكلهم رووه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه «أنه رأى رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة». وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ … قال علي بن المديني: قلت لسفيان: إن معمراً وابن جريج يخالفانك في هذا - يعني أنهما يرسلان الحديث عن النبي ﷺ ، فقال: استقر الزهري حدثنيه سمعته من فيه ويبديه: عن سالم، عن أبيه … (١٠) وقد تابع ابن عيينة العباس بن الحسن الخِضرمي - بمعجمة مكسورة الحراني (١١). وأكثر الرواة عن الزهري رووه على وجوه تحتمل الاتصال والإرسال؛

стр. 976

ومن تلك الروايات الرواية التي ذكرها ابن هانئ في سؤاله للإمام أحمد عن حجاج المصيصي، عن ابن جريج، عن زِياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن ابن عمر «أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان يمشون أمامها». (١) فقوله في هذه الرواية: «وقد كان رسول الله ﷺ … » يحتمل الاتصال أنه من قول ابن عمر، ويحتمل الإرسال. وهكذا جاءت رواية غير زياد بن سعد من أصحاب الزهري، منهم: شعيب بن أبي حمزة (٢)، وعقيل بن أبي خالد (٣)، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق مقروناً بموسى بن عقبة (٤)، ويونس بن يزيد الأيلي (٥)،

стр. 977

ويحيى بن سعيد الأنصاري (١)، وابن أخي ابن شهاب الزهري (٢)، والنعمان بن راشد (٣). ورواه الإمام مالك (٤)، عن الزهري: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة؛ فذكره مرسلاً، وقد رواه قوم موصولا عن مالك (٥). قال ابن عبد البر: الصحيح فيه عن مالك الإرسال (٦). وجاءت رواية معمر ففصلت بين ما هو مرسل مما هو موصول. أخرجها عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة». (٧) قال الخطيب: ويؤيد رواية معمر عن الزهري أن مالك بن أنس روى هذا الحديث عن الزهري مرسلاً عن النبي ﷺ (٨). وبهذا يتبين أن قول الزهري في الحديث: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» مدرج في حديث من أجمله مع فعل ابن عمر، وهم أكثر

стр. 978

الرواة عن الزهري، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية ابن هانئ، وهو معلولٌ وصله كما وقع في حديث ابن عيينة، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية عبد الله. وقال في موضع آخر: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم عن فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهم». (١) وممن وافق الإمام أحمد على أن ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث مدرج الإمام البخاري كما تقدم (٢)، وابن المبارك (٣)، وابن أبي السري (٤)، والنسائي (٥)، وقال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» (٦)، وكذلك الخطيب (٧)، وابن حجر (٨). وذكر ابن حجر أن ابن المنذر، وابن حزم صححا الحديث الموصول (٩)، وكذلك انتصر له ابن القيم (١٠). والصواب ما نسبه الترمذي إلى أنه قول أهل الحديث كلهم. ومن أمثلة المدرج عند الإمام أحمد: قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: حديث سهيل، عن أبيه، عن

стр. 979

أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان مصلِّياً بعد الجُمُعة فليصلِّ أربعاً، فإن عجلت به حاجته فيصلي ركعتين في المسجد، وركعيتن في بيته». قال أبو عبد الله: قال ابن إدريس: «يصلي ركعتين في بيته» هو من قول أبي صالح». (١) هذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد أنه وقع فيها إدراج هي رواية بعض الرواة عن عبد الله بن إدريس في روايته لحديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكرها الإمام أحمد (٢)، وإسحاق بن إبراهيم (٣)، وعبد الله بن سعيد الأشج (٤)، وعثمان بن أبي شيبة (٥)، وأبو كريب محمد بن العلاء (٦)، والحسين بن الفرج البغدادي (٧) وجعفر بن محمد بن عبد السلام بن سريع الجلاب (٨). والقدر المرفوع من الحديث قوله: «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً». هكذا رواه سائر الرواة عن عبد الله بن إدريس، منهم أبو بكر بن أبي شيبة (٩)، وسلم بن جنادة (١٠)، وهناد بن السري (١١). وهكذا رواه العدد الكثير من الرواة عن سهيل بن أبي صالح، منهم:

стр. 980

أبو عوانة الوضاح (١)، وخالد بن عبد الله الطحان (٢)، وجرير بن عبد الحميد الضبي (٣)، وسفيان الثوري (٤)، وسفيان بن عيينة (٥)، وسليمان التيمي (٦)، وإسماعيل بن زكريا (٧)، وأبو حنيفة (٨)، ووهيب بن خالد (٩)، وعبد العزيز الدراوردي (١٠)؛ كلهم ذكروا الحديث مقتصرين على قوله: «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً». وأما الزيادة فقد فصّلها حماد بن سلمة، وزهير بن معاوية الجعفي في روايتهما. قال حماد بن سلمة: «قال سُهيل: قال لي أبي: إن لم تُصلّ في المسجد الحرام فصلّ في المسجد ركعتين، وفي بيتك ركعتين». (١١) وقال زهير في حديثه: «قال (١٢): فقال لي أبي: يا بُني فإن صليت في المسجد ركعتين، ثم أتيتَ المنزلَ أو البيتَ فصلِّ ركعتين». (١٣) وذكر الإمام أحمد في رواية ابن هانئ هذه أن ابن إدريس فصّل هذه الزيادة،

стр. 981

والظاهر أنه كان يروي الحديث بالزيادة ظاناًّ منه أنها من الحديث، ثم أخذ يتردد في ذلك، ثم تبين له الصواب فيها ففصّلها من الحديث. وتوضيح ذلك أنه روى الحديث في رواية من ذكر عنه بالزيادة، وكان يقول في بعض تلك الروايات: «لا أدري، هذا في حديث رسول الله ﷺ أم لا؟». قال ذلك عنه الإمام أحمد (١)، وأبو كريب (٢). ثم ذكر الإمام أحمد عنه أن أبا صالح يقول ذلك. وخالفه عمرو الناقد، فقال: «قال ابن إدريس: قال سهيل: فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت». (٣) وهذا يدل على أن ابن إدريس لم يضبطه جيداً عن سهيل بن أبي صالح، والله أعلم. ومنها: قال صالح: قلت حديث الزُّهري، عن ابن أُكيمة، عن أبي هريرة في القراءة في الصلاة قال: «فانتهى الناس عن القِراءة»، هو في الحديث عن أبي هريرة أو من كلام الزهري؟ قال: أما عبد الرزاق، فحكى عن معمر، عن الزهري قال: سمع ابن أُكيمة يحدّث بحديث عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ صلّى صلاة جهر فيها بالقراءة» وذكر الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر به من القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ). وقال ابن عيينة: فذكر الحديث. وقال معمر: عن الزهري: «فانتهى الناس في القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ ). قال سفيان: خَفيتْ عليّ هذه الكلمة. وقال إسماعيل: عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وذكر الحديث: «فانتهى الناس» إلى قوله:

стр. 982

«إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن». فلم يزد على هذا، فالذي نرى أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة» أنه قول الزهري. (١) هذا الحديث رواه مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفاً؟ فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن. فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ). (٢) وهكذا رواه عن الزهري: معمر (٣)، ويونس بن يزيد الأيلي (٤)، وأبو أويس (٥). وأخرجه ابن عيينة فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ . قال سفيان: خَفيت عليه هذه الكلمة». هكذا رواه أحمد (٦)، والحميدي (٧)،

стр. 983

وعلي بن المديني (١) عن ابن عيينة. ورواه أبو داود (٢) من طرق عن ابن عيينة، بعضها تذكر زيادة قول سفيان عن معمر، وبعضها لا تذكرها، وبعضهم يسندها إلى الزهري عن أبي هريرة (٣). ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري فانتهى حديثه إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن». أخرجه أحمد (٤). فاستدل الإمام أحمد بهذه الرواية وبرواية ابن عيينة على أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة»، قول الزهري مدرج في الحديث. وممن روى الحديث بمثل رواية عبد الرحمن بن إسحاق بدون اللفظة المدرجة الليث بن سعد (٥)، وعبد الملك بن جريج (٦). ويؤيد أن هذه اللفظة مدرجة من قول الزهري ما رواه الأوزعي ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال الزهري: فانتهى الناس فلم يكونوا يقرؤون معه». (٧)، لكنه وهِم في

стр. 984

الإسناد فذكره عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة (١)، ولذلك كان الوليد بن مسلم يرويه عن الأوزاعي، عن الزهري، عمن سمع أبا هريرة يقول … هكذا أخرجه ابن حبان (٢)، فعلم الوليد أنه وهم فقال: عمن سمع أبا هريرة. وذكر الخطيب هذا الحديث والذي قبله من أمثلة ما أُدرج في الأحاديث المسندة المرفوعة من ألفاظ التابعين. ومنها: قال صالح: قلت حديث داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله في قصة ليلة الجن قال رسول الله ﷺ : «لا تستنجوا بالعظام ولا بالبَعر، فإنه زاد إخوانِكم من الجنّ» هو من قول علقمة، عن عبد الله، أو من قول الشعبي؟ قال: أما إسماعيل بن إبراهيم، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعاً: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: سألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة فذكره … ، الحديث. قال أبي: وبلغني أن حفص بن غياث حدث به فجعله في حديث علقمة، عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت». (٣) حديث الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رواه داود بن أبي هند، واختلف عليه. فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود، عن عامر الشعبي قال: «سألت

стр. 985

علقمة: هل كان ابن مسعود شهِد مع رسول الله ﷺ ليلةَ الجِنّ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلةَ الجن؟ قال: لا، ولكنّا كنّا مع رسول الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطير أو اغتِيل. قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحْنَا إذا هو جاء من قِبَل حِراءَ، قال: فقلنا يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبِتنا بشر ليلة بات بها قومٌ فقال: آتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآنَ قال: فانطلق بنا فأرانا آثارَهم وآثارَ نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عَظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحماً، وكل بَعرَةٍ عَلَفٌ لدوابِّكم. فقال رسول الله ﷺ فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم». (١) وهكذا رواه علي بن عاصم (٢)، وأبو داود الطيالسي، عن وُهيب بن خالد، ويزيد بن زريع (٣)، وتابعه نصر بن علي عن يزيد بن زريع (٤)، وكذلك زياد بن أيوب، وعمرو بن زرارة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (٥). فذكورا الحديث سياقة واحدة. وبعض هذا المتن ليس هو عند الشعبي عن علقمة إنما كان يرويه الشعبي
следующие страницы →