← Общие книги

Общие книги · id 7258

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (260 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يا صعاليك العالم اتحدوا, فأمامكم عالم تعنونه, وليس عندكم من شيء تفقدونه غير القيود والأغلال١. وليس غريبًا أن يصدقوا نظرية "فائض القيمة, وإلغاء الملكية الفردية" وشيوعية المال, وأسطورة: من كل حسب طاقته, ولكل حسب حاجته. ثالثًا: الفلسفة في القرن التاسع عشر كانت الفلسفة السائدة في ذلك القرن هي ما يمكن أن يسمى بالفلسفة المثالية, والتي كانت ميراثًا كبيرًا منذ أفلاطون إلى فيورباخ. وقد أغرقت في التحليق في الخيال, وأغرقت كذلك في الخوض فيما ليس لها فيه علم؛ مثل كثير من "الإلهيات" فكانت الفلسفة المادية القائمة على الحسِّ, رد فعل لتلك الفلسفة المثالية المغرقة في الخيال٢. وهكذا كان الدين في أوربا يمهد للماركسية, وكانت الرأسمالية في أوربا تمهد للماركسية, وكانت الفلسفة المثالية في أوربا تمهد للفلسفة المادية, وكان على البشرية كلها أن تكفر عن خطيئة أوربا بخطيئةٍ أخرى, هي الماركسية. وقبل أن نعرض لها نلقي بعض الضوء على صاحبها ومؤسس أول دولة لها؛ ليكتمل الحديث عن الوعاء..

стр. 107

المبحث الثاني: مؤسس للفكرة ... المبحث الثاني: مؤسس الفكرة أولًا: اليهود والفكرة مؤسس الفكرة: ماركس, ومؤسس الدولة: لينين, وكلاهما من أصل يهوديّ. وحتى لا نفرق في الحديث عن صناعة اليهود للفكرة وصناعتهم للدولة, وما قيل عن تخطيط اليهود للثورة البلشفية١, وتمويلهم لها٢, واشتراكهم بأعضاء منهم في مجلس الحزب والثورة٣, ثم في مجلس السوفييت الأعلى الحاكم٤, ورفعهم شعارهم شعارًا للثورة البشفية نفسها٥.

стр. 108

كل ذلك, وإن كان أكثره صحيحًا, إن لم يكن كله, فإنه في الوقت نفسه يتضمن لونًا من الدعاية اليهودية بقصد إلقاء الرعب في قلوب أعداء اليهود, وحمل الآخرين على تقبل مطالب اليهود. نقول: لا نغرق في ذلك؛ لنعرض لماركس صانع الفكرة, ونترك صناع الدولة "اكتفاءً بالإشارة السابقة". ثانيًا: ماركس: وندع أنه من أصل يهوديّ, وإن كان لذلك الأصل تأثيره بما عرف عن الطبيعة اليهودية من حقدٍ والتواءٍ, وبما عرف منها من تقديس للمادة ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ ١ أية حياة, ولا شك أن للوراثة أثرها. نعرض عن ذلك حتى لا نحاج بأننا نحمل الرجل أوزار أجداده وآبائه, والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢. لكننا نشير إلى أشياء ثابتة في حياة كارل ماركس: ١- ما وصفه به أبوه من طبيعةٍ تميل إلى الهدم والتدمير والأنانية. ٢- ما قَبِلَهُ على نفسه أن يعيش بعد وفاة أبيه عالةً على أمه وأخواته, يأكل من نصيبهن في الإرث, بعد أن أكل نصيبه, وذلك بدلًا من أن يعولهن وهن الإناث الضعاف. ٣- ما قَبِلَهُ على نفسه أن يعيش عالة على صديقه "فردريك انجلز". ٤- ما ارتكبه من غشٍّ واحتيالٍ على بعض دور النشر؛ إذ باعها حق نشر بعض كتبه في الوقت الذي كان يبيعها إلى دور أخرى. ٥- موت ابنتيه منتحرتين, واحدة "الينورا" بعد أن عاشت "في الحرام" مع عشيق لها, ثم

стр. 109

اكتشفت سبق زواجه، والثانية "لورا" خوفًا أن تدركها الشيخوخة، ونحن وإن كنا لم نأخذ كارل بذنب آبائه, فإننا لا نأخذه بذنب بناته كذلك, ولكننا نتساءل: كيف لم يستطع ذلك العبقريّ أن يربيَ بناته, بل لم يستطع أن يعرفهن طريق الحياة الصحيح١. ولنحاول بعد ذلك أن نتعرف على الماركسية مبدأ, بعد أن عرفناها وعاء, فيما عرضنا له من: البيئة التي نشأ فيها, ثم من الشخص الذي نشأت عنه.

стр. 110

الفصل الثاني: المبدأ مدخل ... الفصل الثاني: المبدأ من مادية "فيورباخ" وجدلية "هيجل", أقام كارل ماركس فلسفته على المادية الجدلية١, وربطها بأربعة قوانين, وبهذه المادية فسر التاريخ تفسيرًا ماديًّا، وبهذه النظرية المادية أرجع كل شيء في الاقتصاد إلى أدوات الإنتاج, وقال بفائض القيمة. وبذا تبدو الماركسية أشبه بالدين, نظرةً إلى الحياة, وتفسيرًا للكون، ونظامًا للمجتمع، ولا يتسع المقام للعرض لجوانب الماركسيةكمذهب, وكنظام اجتماعيّ, واقتصاديّ, وسياسيّ, لكنا نكتفي منها بالأساس؛ فإذا انقض الأساس فبقية البناء محكوم عليه بالسقوط والانهدام, وتبدو الرابطة واضحةً بين أساس الماركسية الفكريّ، وأساس الغرب الفكريّ, بل إن الماركسية مدينةٌ للغرب في فكرها, فإن ماركس لم يأت بجديدٍ, وإنما من التلفيق بين ما قاله هيجل, وما قاله فيورباخ, أقام فلسفته التي كانت -كما أشرنا- رد فعل للفلسفة المثالية التي أغرقت في الخيال٢, أو كما قال بحقٍّ أحد الكتاب: كانت تعبيرًا عن أزمة الفلسفة المثالية في القرن التاسع عشر. وفلسفة ماركس مضى عليها أكثر من قرن, ومن ثَمَّ فهي كفكرٍ بشريٍّ محكوم عليه بالرجعية، وإن ادعت، أو ادعى أنصارها لها عكس ذلك, ويبدو ذلك واضحًا في محاولاتٍ كثيرةٍ, جرت لترقيعها؛ ومنها ما قال به لينين حين واجهت النظرية العمل والتطبيق, وبدأ امتحانها الحقيقيّ؛ ومنها ما أدخله عليها ستالين وخروشوف, والمؤتمر الذي انعقد سنة ١٩٦٣, في موسكو من ٢٩ عالم سوفيتي ليضع

стр. 111

أسس الماركسية اللينينية, مما انهارت معه بعض أسس تلك الفلسفة أمام حقائق العلم الحديث, وأخيرًا منها ما قال به الفليسوف الفرنسيّ روجيه جارودي في سنة ١٩٦٦م في كتابه "التحول الكبير في الاشتراكية". والذي عرب تحت اسم: "ماركسية القرن العشرين"١. وبه بعدت الماركسية كثيرًا من أساسها, وغضب لذلك أنصارها, فأخرجوه من الحزب سنة ١٩٦٩, بعد أن كان يحتل مركز عضو المكتب السياسيّ, وفيلسوف الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، وأعقب ذلك رفض الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ لدكتاتورية البروليتاريا، وتبعه في ذلك الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ. وفي الصفحات التي تلى, نحاول -بمشيئة الله- في بحث, أن نعرض للمبدأ في أساسه٢، ثم نحاول أن نعرض في مبحث ثانٍ نظرتهم إلى الدين قديمًا وحديثًا؛ ليحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون, وسوف نلتزم الموضوعية في عرضنا للمبدأ, ومناقشتنا له -إن شاء الله.

стр. 112

المبحث الأول: المبدأ في أساسه أولا: المادة ... المبحث الأول: المبدأ في أساسه تقوم الماركسية على أساس من المادية الجدلية؛ فالماركسية تقوم على المادة, وتؤمن بالجدل, ولنا في كلٍّ كلمة: أولًا: المادة في فكر ماركس -على ما كان سائدًا في القرن التاسع عشر- كانت المادة هي ما تقع عليه الحواس, ومن ثَمَّ قامت فلسفة ماركس ونظريته على أساسٍ من ذلك التعريف الذي صار طالب المدارس الثانوية يعرف اليوم أكثر منه، وإن أضاف إليه ماركس: أن الفكر لاحق على المادة وتابع لها, ومن ثَمَّ, فقد عاد لينين ليعرف المادة بأنها الوجود الموضوعيّ خارج الذهن. وتتابعت الاكتشافات العملية بأسرع مما تصورت الماركسية, وصارت الماركسية في حرجٍ من أمرها, واجتمع أكثر من عشرين عالمًا سنة ١٩٦٣م؛ ليضعوا أسس الماركسية اللينينية, فهدموا ما قاله ماركس؛ إذ قرروا أن النشاط الذهنيّ أو الفكريّ خاصةً مميزةً للمادة, ولكنها ليست شكلًا من أشكال المادة, ثم ليقرروا: وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادة المنحطة, ويسجل فيلسوف ماركسيّ متحرر من الماركسية القديمة جهودها في مواجهة العلم، وبعبارةٍ أدق: عدم ملاءمتها اليوم لصيحات العصر العلمية، ويدعوها إلى أن تطور نفسها لتظل صالحة للعصر..

стр. 113

لكنها في الواقع إذ تطور نفسها, تكاد تنسلخ من أصلها لتصير شيئًا جديدًا, يمكن أن ينسب إلى شيء آخر سوى ماركس١. وبعد: هل المادة هي الطاقة؟ أم صورة منها؟ وهل الحرارة والكهرباء آخر مراحل المادة؟ وأين يذهبان حين يختفيان مع الأثير؟؟ وما هو الأثير؟ أنه ليس بالشيء المادي, وإن لم يعرف بعد ما هو, لا يزال العلم يضيف كل يوم جديدًا, ولا تزال محنة الماركسية قائمةً ما استمسكت بقيام الكون على أساس من المادة, والمادة فقط٢. وهل المادة هي ما يحس فحسب، وقد أثبت العلم أن ما تقع عليه الحواس من المواد يمثل ٧% وما لا تقع عليه الحواس ٩٣% ٣. ولا تزال محنة الماركسية قائمةً وهي عاجزة عن أن تجيب. ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ٤.

стр. 114

ثانيًا: الجدل الجدل الذي يمزح ماركس بينه وبين المادة, هو ما أشار إليه هيجل من احتواء الشيء على النقيضين, وغَيَّرَ ماركس ذلك النسيج, وغَرَّه أن كان العلم -على قرنه التاسع عشر, يعتبر الطبيعة قائمة على عنصرين- الطاقة والمادة, ومن ثَمَّ أخذ الجدل, وبني عليه فلسفته المادية الجدلية, وأثبت العلم بعده وحدة الطاقة والمادة, وأن المادة ليست إلّا طاقة مركزة, والطاقة مادة, لا نقول عنها أنها طاقة إلا أن تسير بسرعة الضوء, وكان تفجير الذرة تكذيبًا لما قال به ماركس من قيام التناقض داخل المادة, فقد توهم من وجود السالب "الإلكترون" والموجب "النيترون" أنهما متناقضان, وفات ماركس أن الاختلاف لا يعني التناقض, أن وجود السالب والموجب داخل الذرة, وداخل الكهرباء وبل وفي النبات, وفي الحيوان, وفي الإنسان, لا يعني أبدًا التناقض. إنه يعني شيئًا آخر فات ماركس, هو التكامل والتزاوج, فمن العنصرين تقوم الحياة, وصدق الله ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن﴾ ١.

стр. 115

ومظاهر الطبيعة الأخرى التي قد تعطي ظلًّا من الاختلاف؛ كالليل والنهار مثلًا, إنما تعطي الحقيقة التكامل الذي أشرنا إليه, وهو ما يشير إليه القرآن الكريم ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ١. ومن ثَمَّ, فلا تناقض متى وجد التكامل, بل إنها كلها تسير وفق نظامٍ رسمه لها خالقها ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢ ولا يقع التناقض ولا الصراع إلّا أن تخرج المادة عن نظامها الذي خلقها عليها خالقها؛ فالذرة لا تتفجر حتى يختل ترتيب الإلكترونات والبروتونات, ومثل الذرة كل مظاهر الكون والطبيعة, لا تختل حتى تخرج عن نظامها المفطور, أو مدارها المرسوم. ومثل الطبيعة الإنسان, لا تتناقض فيه بين الذكر والأنثى, بل تكامل وتزاوج ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣ والتناقض والتناثر لا يتأتى إلّا أن يخرج الرجل عن طبيعته, أو تخرج المرأة عن طبيعتها, ولا تناقض داخل الإنسان نفسه, لا تناقض بين روحه وجسده, بل كذلك, تكامل وتزاوج, ولا يأتي التناقض والتنافر حتى تطغى إحدى القوتين على الأخرى. فيتوهم الإنسان أنه يمكن أن يعيش جسدًا بغير روح يلبي رغائب الجسد وشهواته, وفي مقدمتها شهوتي البطن والفرج, وينسى أن له روحًا لها غذاءٌ ولها أشواق, ولابد معها من الضوابط للقوة الأولى؛ قوة الجسد. أو يتوهم الإنسان أنه يمكن أن يعيش روحًا بلا جسد؛ فيعرض

стр. 116

عن مطالب الجسد, أو يكاد؛ فيرهق نفسه بالصيام دهرًا، وبقيام الليل كله, وينسى سنة الرسول -صلاة الله عليه وسلامه "إن لربك عليك حقًّا، ولبدنك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقَّا, فاعط كل ذي حقٍّ حقه". وبذا ينهار جدل ماركس, ومن قبله جدل هيجل, وتعيش الحقيقة الخالدة ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.

стр. 117

المبحث الثاني: الماركسية والدين مدخل ... المبحث الثاني: الماركسية والدين كان لابد من هذا المبحث, وإن استغنينا عن كثير من مبادئ الماركسية.. أولًا: لأن كثيرًا من المتمركسين يزعمون أنه لا كفر في الشيوعية ولا إلحاد. ثانيًا: لأن النغمة الجديدة التي صاروا إليها, أو ساروا بها, إمكان الجمع بين الماركسية والدين, فلا تعارض بينهما. ونحاول أن نبين موقف الماركسية من الدين, ثم نبين بعد ذلك موقف الدين من الماركسية, وهل يمكن أن يرقع بها الدين, أو يكمل بها نقصه؟

стр. 118

أولًا: موقف الماركسية من الدين لم يخف ماركس رأيه في الدين, بل إن الدين -على قرنه التاسع عشر في أوربا- كان تمهيدًا طبيعيًّا للماركسية -كما قلنا- بما آل إليه أمره من تعقيد العقيدة, ثم بما آل إليه أمر أهله أو رجاله من تنفير وتشويه بعد التحريف والتأويل. وماركس واتباعه يردد في أكثر من مكان, أن الدين أفيون الشعوب, ومخدر الفقراء, وأنه انعكاس لشقاء فِعْليّ واحتجاج على هذا الشقاء١.

стр. 119

وظلت الماركسية تعتز بموقفها من الدين طوال صدامها مع الكنيسة, حتى إذا قيض للماركسية أن تجد لها أتباعًا في شرقنا الإسلاميّ, فإنها بدأت تراجع موقفها من الدين؛ لتتخذ إزاءه خطةً مرحليةً, بعدما وجدت من عقيدة الإسلام صخرةً صلبةً تقف في طريقها, وكان أن قرر بعض المؤتمرات الشيوعية ضرورة الابتعاد عن الهجوم على الدين, وتلا ذلك نصائح بعض مفكريهم بعدم إنكار أثر الدين, وبمحاولة الاستفادة منه, وهكذا يقول أحدهم: "وإن هناك لأملًا كبيرًا مشتركًا بين ملايين المسيحيين في العالم, وبين ملايين الشيوعيين, وهو أن نبني المستقبل دون أن نضيع شيئًا من ميراث القيم الإنسانية التي جاءت بها المسيحية منذ ألفي عام" ويضيف أن تكذيب صيغة "أفيون الشعوب" التي لخص بها ماركس ولينين تجربة لا سبيل إلى نكرانها، ليس قضية فحسب, بل هو أيضًا أمر ممارسة سياسية واجتماعية١.

стр. 120

ثانيا: موقف الدين من الماركسية ونحن نقصد بذلك ديننا -دين الإسلام, فلئن كان في ظروف الدين المسيحيّ -على وضعه الحالي- ما أتاح للماركسية أن تنتهكه, بل أن تلتهمه, فليس في ظروف ديننا شيء من ذلك, ليس في ديننا شيء من التحريف أو التشويه, كما حدث لدين المسيح ﵇, مما حدا بمفكري الماركسية أن ينظرون إلى الدين على أنه مشروعٌ إنسانيّ, أي: جهد بشريّ.

стр. 121

ولا وقف علماء الإسلام من العلم مثل ما فعل رجال الدين المسيحيّ مع العلم والعلماء في القرون الوسطى, ومن ثَمَّ, فإن موقفنا من الماركسية يختلف عن موقفهم, ومحاولة التوفيق أو التلفيق التي يصنعها أذكياء الماركسية للتدليس, أوالتدسس إلى الإسلام؛ بإعلانهم قبول الإسلام عقيدةً, والاشتراكية العلمية منهجًا, محاولة مفضوحة مردودة. أولًا: لأنه واضح فيها التكتيك المرحليّ: وهو ما كشفت عنه كثير من كتابات مفكريهم, بل ما أوصى به بعض مؤتمراتهم. وثانيًا: سواء اعتبروا تلك المصالحة, أو التوفيق "تكتيكًا" مرحليًّا, أو قبلوه استراتيجيةً دائمةً, أو حتى أدخلوه في نظريتهم, واعتبروه جزءًا من أيديلوجية "عقيدة" دائمة, على كل هذه الفروض, فإن ذلك العرض مرفوض؛ لأن القول بأن الإسلام عقيدة, والاشتراكية العلمية منهج، قول يتنافى مع طبيعة الإسلام, فهو عقيدة ومنهج حياة, وهو في هذا لا يقبل التجزئة, ولا التفرقة, ولا المساومة، ولا التلفيق, ولا الترقيع..! ويسمى كل ذلك: كفرًا, وفتنة, وجاهليةً, ومحادة لله ورسوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ؟ ١.

стр. 122

﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ١, ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢, ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٣. وإذا كان الأمر كذلك, فإن الذين صنعوا الدين رجال, وهم رجال, ولهم أن يصنعوا مثل ما صنعوا, ومن ثَمَّ لهم أن يشرعوا الماركسية, كما شرع البابوات المسيحية. وليس في ديننا صكوك غفران, ولا قرارات حرمان؛ فعقيدته أن الشرع كالخلق خالص حق الله. ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤. والألوهية التي نرفعها لنا شهادة وشعارًا, ونقر بها لله , وننفيها عمن سواه, هذه الألوهية من معانيها: التسليم لأمر الله وشرعه. وشريعته كذلك, شملت كل نواحي الحياة ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٥ تشمل الحياة السياسية, والحياة الاجتماعية, والحياة الاقتصادية, ولا يمكن فيها فصل حياة عن حياة, ومن ثَمَّ فللماركسية أن تبحث لها عن دينٍ آخر.

стр. 123

تجري معه التوفيق أو التلفيق, ولقد سبقتهم إلى ذلك يومًا قريش, فقال الله لهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ١.

стр. 124

الفصل الثالث: ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين المبحث الأول: المسلمون في الاتحاد السوفيتي ... الفصل الثالث: ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين؟ المأساة أَجَلُّ من أن تكتب في فصل, نكتفي فيها بالإشارة, ونطلب فيها من القارئ, بل نُلِحُّ أن يقرأ المزيد. المبحث الأول: المسلمون في الاتحاد السوفيت ي ٢ الأرض الإسلامية -ميراث محمد ﵊ أضعاف أرض روسيا؛ فأقاليم الإسلام في الاتحاد السوفيتي تشمل: ١- الأورال. ٢- استرخان. ٣- سيبيريا. ٤- القرم -وهي أغنى المناطق بالحاصلات الزراعية. ٥- القوقاز -وهي أغنى المناطق بالبترول وبعض المعادن. ٦- التركستان, بلاد ما وراء النهر -منها إماما السنة: البخاريّ ومسلم، والمفسران: الزمخشريّ والنسفي، وأئمة البلاغة وإعجاز القرآن، عبد القاهر الجرجاني, وسعد الدين التفتازاني, ويوسف السكاكي، ومنها

стр. 125

الفارابي وابن سينا، ومن علماء الرياضة والفلك: خالد والبلخيّ, ومن علماء الهندسة بن موسى، ومنها البيروني، والماتريدي الخوارزمي، والسرخسيّ, والجوهريّ, وغيرهم. ومن الثروات المعدنية: ٢٥٠ منجمًا للذهب، ١٦ للفضة، ٤٦ للحديد، ٣٢ للرصاص، ٣٤ للبترول، ٧٠ للفحم، ١٣للكبريت، ٦٣ للصوديوم, عدا الأورانيوم والفرام والزئبق والنحاس والقصدير والبلاتين. وهذه الأقاليم تمثل الشمال الشرقيّ من العالم الإسلاميّ, وهي تمثل من حيث المساحة: تسعة أعشار مساحة الاتحاد السوفيتي, كانت ٤٠٠ ألف كيلومترًا, فصارت بعد ضم البلاد الإسلامية ١٤ مليون كليو مترًا. بعد الثورة البلشفية أصدر مجلس قوميسيري الشعب البلشفيّ, نداءً موجهًا إلى شعوب روسيا من المسلمين, كان من بين من وقعة لينين وستالين, جاء فيه "مؤرخا ٧ ديسمبر ١٩١٧": أن إمبراطورية السلب والعنف الرأسمالية توشك أن تنهار, والأرض التي تستند عليها أقدام اللصوص والاستعماريين تشتعل نارًا, وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا والشرق، أنتم يا من تشقون وتكدحون, وعلى الرغم من ذلك تحرمون من كل حق أنتم له أهل. أيها المسلمون في روسيا..أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم..أيها الكرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان..أيها التتر والأتراك في القوقاز..أيها الجبليون في اتحاد القوقاز.. أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم, واعتُدِيَ على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم:

стр. 126

ستكون حرية عقائدكم وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية, ومنظماتكم الثقافية, مكفولة لكم منذ اليوم, لا يطغى عليها ولا يعتدي عليها معتدٍ.. هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم، فأنتم أحرار لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل.. إلى أن قال البيان: لنتقدم سويًّا في عزم وصلابة نحو سلم عادل ديمقراطيّ, إن رايتنا تحمل معها الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم. أيها المسلمون في روسيا, أيها المسلمون في الشرق, إننا ونحن نسير في الطريق الذي يؤدي بالعالم إلى بعث جديدٍ, نتطلع إليكم لنلتمس عندكم العطف والعون, واستجابت البلاد الإسلامية, وأعلنت استقلالها عن الحكم الروسي القديم. فهل تركها الحكم الذي يحمل الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم؟. في أبريل سنة ١٩١٨, أي: بعد أربعة شهور من البيان السابق, أصدر لينين أمرًا بالزحف على البلاد الإسلامية, وسارت الجيوش الروسية بالدبابات والطائرات والمدافع تدمر وتحصد ما في طريقها, وفي نهاية العام تَمَّ لها الاستيلاء على جمهورية إيديل أورال, وشمال القوقاز، وحكومة خوقند، وتأخر استيلاؤها على شبه جزيرة القرم؛ لعنف المقاومة فيها. وفي سنة ١٩١٩ تَمَّ الاستيلاء على جمهورية الأش أوردو, وفي أبريل سنة ١٩٢٠ انتهت من احتلال القرم، واستأنف الهجوم على جمهورية أذربيجان, واستطاعت إخضاعها. وفي نهاية سنة ١٩٢٠ استولت على جمهورية خيوة, بعد أن ظلت تدافع دفاع المستميت..

стр. 127

وفي سنة ١٩٢١ استأنفت الهجوم على جمهورية بخارى, ودارَ فيها قتالٌ مريرٌ, ودافع أحفاد الإمام البخاريّ ﵁, عن ميراث محمد ﵊, لكنهم وحدهم لم يستطيعوا الوقوف في وجه الزحف الأحمر الثقيل؛ فهزمت جيوشهم المنظمة، لكنهم ظلّوا يحاربون حرب عصاباتٍ مدة عشر سنوات دون أن يتلقوا أية معونة من العالم الإسلاميّ١, ونشرت جريدة أزفسيتا في عددها الصادر ١٥ يولية سنة ١٩٢٢ تقريرًا للرفيق كالينين عن مجاعة القرم, نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من أقوات ليضطروهم للتسليم. بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير ٣٠٢.٠٠٠, مات منهم ١٤.٤١٣, ارتفع عددهم في شهر مارس إلى ٣٧٩.٠٠٠, مات منهم ١٩.٩٠٢, بلغ في أبريل ٣٧٧.٠٠٠, مات منهم ١٢.٧٥٤, وفي يونية ٣٩٢.٠٧٢, ولم يذكركم مات في هذا الشهر. وقد كان سكان القرم في سنة ١٩١٧, ٥ ملايين, فأصبحوا في سنة ١٩٤٠, ٤٠٠ ألف فقط, أقل من عشر السكان, وكانت المساجد ١٥٥٨ مسجدًا, لم يبق منها إلّا عشرات. لجأت الثورة الشيوعية بعد أن استتب لها الأمر إلى نفي شعوب

стр. 128

بأكملها ليحلَّ محلها الروس, وفي بيانٍ لوكيل الجامع الأزهر, ورئيس جماعة الكفاح الإسلاميّ, أُرْسِلَ إلى الأمم المتحدة, قدم بعض المهاجرين من الحكم البلشفيّ الغاشم بعض الحقائق, نذكر منها: أ- في التركستان وحدها, قتل الشيوعيون سنة ١٩٣٤ مائة ألف مسلم, ونفوا ثلاثمائة ألف مسلم, ومات ثلاثة ملايين جوعًا نتيجة استيلاء الروس على محاصيلهم, وإعطائها للصليبيين ليحلوا محلهم, وفيما بين سنة ١٩٣٧-١٩٣٩ ألقت القبض على ٥٠٠ ألف مسلم, أعدمت منهم فريقًا ونفت الباقي. وقتلوا من علماء الدين: الشيخ برهان البخاريّ, قاضي القضاة, والشيخ خان مروان, مفتى بخارى، والشيخ عبد المطلب داملا، والشيخ محسوم متولي، والشيخ عبد الأحد دارخان، والشيخ الحاج ملا يعقوب، والشيخ ملا عبد الكريم, وغيرهم كثيرون, ومن الساسة: خدمة نياز رئيس الجمهورية، ومولانا ثابت رئيس الوزراء, وشريف حاج, قائد مقاطعة ألما أتا، وعثمان أوراز, قائد مقاطعة كاشغر، ويونس بك, وزير الدولة, والحاج أبو محسن, وزير التجارة، وطاهر بك, رئيس مجلس النواب, وعبد الله داملا, وزير الأشغال. وفي سنة ١٩٤٩ هرب ٢٠٠٠ ألفًا شخص, منهم ١٢٠٠ لقوا حتفهم في الطريق. وفي سنة ١٩٥٠ هرب ٢٠٠٠٠ مسلم, وقتلت روسيا منهم سبعة آلاف. ب- في القرم قتلوا: سنة ١٩٢١ مائة ألف مسلم جوعًا. سنة ١٩٢٨ قتلوا: وليّ إبراهيم, رئيس الجمهورية مع وزرائه. سنة ١٩٣٠ قتلوا: محمد قوباشي, رئيس الجمهورية وجميع وزرائه. سنة ١٩٣٧ قتلوا: إلياس طرخان, رئيس الجمهورية وجميع وزرائه, بعد استدعائهم إلى موسكو أثناء محاكمة المارشال تحاتشنفسكي.

стр. 129

نصوص في الاتحاد السوفيتي: في دستور سنة ١٩١٨ نصّ على أن حرية الدعاية الدينية واللادينية مكفولة للجميع. عدل في سنة ١٩١٩ إلى حرية إقامة الشعائر الدينية, وحرية الدعاية اللادينية مكفولتان لجميع المواطنين. وفي دستور سنة ١٨٣٦ "م ١٢٤" لكي يستمتع المواطنون بحرية الضمير تفصل الكنيسة في الاتحاد السوفيتي عن الدولة, والمدرسة عن الكنيسة, ويكفل لجميع المواطنين حرية الدعوة ضد الدين.. وفي المادة ١٢٢ من القانون الجنائيّ السوفيتيّ, تحريم تلقين الأطفال الأحداث العقائد الدينية في مدارس الحكومة, أو المدارس الخاصة, أو المعاهد التعليمية المختلفة. وواضح من هذه النصوص: ١- التفرقة الظالمة بين حرية التدين وحرية الإلحاد؛ فالأولى قاصرة على مباشرة الشعائر -إن صدقوا فيها, والثانية ممتدة إلى حرية الدعوة والدعاية ضد الدين.. ٢- تنتهي حرية التدين إلى مجرد شعائر بغير مضمون ولا تطبيق؛ إذا وعينا النص الجنائي الذي يحرم تلقين الأطفال العقائد الدينية في مدارس الحكومة أو المدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية المختلفة, فمن أين يأتي لهم التدين الذي يسمح الدستور -المحترم- بممارسة شعائره..

стр. 130

المبحث الثاني: المسلمون في غير الاتحاد السوفيتي من البلاد الماركسية أولا: من الصين ... المبحث الثاني: المسلمون في غير الاتحاد السوفيتي من البلاد الماركسية ونكتفي فيه ببعض النماذج: أولًا: من الصين ونأخذ منها مثلًا واحدًا, ما نشرته صحيفة "تمد بات باد" في هونج كونج, في عددها الصادر في ١١ أكتوبر سنة ١٩٦٦, وهو منشور موجه إلى الحرس الأحمر, جاء فيه: "يا رجال الحرس الأحمر, لا يمكن أن ندع عدوًّا من أعدائنا يهرب, وعلينا من الآن فصاعدًا, أن نهاجم أكثر الأعداء تخفيًّا -المسلمين- الذين يقومون بنشاط ضد الحزب وضد الصينيين, تحت قناع الدين المزعوم. من الآن فصاعدًا, لن يسمح لكم بأن تأكلوا لحم الأبقار؛ لأن الأبقار تخدم الشعب، يجب أن تأكلوا لحم الخنازير, ولا يمكنكم من الآن فصاعدًا, أن تضيعوا وقتكم في الصلاة, يجب ألّا تتكلموا اللغة العربية التي هي ضد اللغة الصينية, ولن يسمح لكم بأن تقرأوا ما يسمى: بالكتاب المقدس "القرآن". اسمعوا أيها المسلمون: -دمروا جوامعكم- حلوا المنظمات الإسلامية، أحرقوا القرآن.

стр. 131

- ألغوا الحظر الذي وضعتموه على الزواج المشترك. - كفوا عن الصلاة. - ألغوا الختان. - ادرسوا أفكار ماو. - إذا لم تندمجوا, سنطردكم وندمركم، يجب أن نسحق جحور الجرذان الدينية, وندمرها معكم. - فلتحيا الثورة الثقافية الكبرى. - فليحيا طويلًا طويلًا الرئيس ماو١.

стр. 132

ثانيًا: من يوغسلافيا ونقتطف بالنسبة لها من بيان وكيل الجامع الأزهر عمن جاءوا لاجئين: ١- قتل الشيوعيون ٢٤٠٠٠ مسلم بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. ١٥ ألف من مقاطعة طوزلا. ٣ آلاف من مدينة سراييفوو. ٦ آلاف من ماكيدونيا وكومونا. ٢- قتلوا مفتي كرواتيا, الشيخ عصمت مفتيتش, والعالم مصطفى يوصولا حبيتش. ٣- في سنة ١٩٤٧ حكموا على ١٧ زعيمًا ألبانيًّا من المقيمين في يوغسلافيا. ٤- في سنة ١٩٤٩ حكموا على ١٣ زعيمًا ألبانيًّا بالإعدام, وعلى آخرين بالأشغال الشاقة.

стр. 133

ثالثًا: من بلغاريا جاء في بيان موجه من هؤلاء المسلمين إلى إخوتهم في العالم الإسلاميّ، وأشار إليه خطاب اتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوربا, إلى كل من وزير الخارجية السعوديّ، وإلى الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة بالمملكة العربية السعودية سنة ١٣٩٦هـ١. نحن المسلمين البلغار, نتقدم بالشكر لكل من عمل على نشر قضيتنا للرأي العام, سواءً كان ذلك بالإذاعة أم بالصحف، وقد كان لذلك أثر عميق في نفوسنا، ونود أن نوضح حقائق أخرى عن تلك القضية. بعد أن شعر المسئولون البلغار بنشر القضية خارج القطر, أذاع راديو صوفيا بيانًا باللغة العربية, رادًّا فيه بأن المسلمين في بلغاريا يتمتعون بكل حرية ومساواة مع الآخرين. لا شك أن هذا الرد غير صحيح, وبعيد كل البعد عن الحقيقة, كما سنوضح ذلك، ونلفت نظر العالم بأجمعه أن الدستور البلغاريّ يذكر في المادة "٣٣", البند "ب", لكل مواطن بلغاريّ الحق في أن يعتنق أيَّ دين يرتضيه. البند "و" لكل مواطن بلغاريّ يحمل اسمًا غير بلغاريٍّ الحق في رقم قضايا جنائية في حالة تعرضه للأذى أو الإهانة لمجرد حمله لهذه الاسم. وبالرغم من ذلك أن الحكومة البلغارية مصممة ومستمرة في تنفيذ مخطط التنصير الماركسيّ ضد المسلمين, فقد طلب من جميع المعلمين المسلمين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية, أو أن يطردوا من أعمالهم, وألّا يسمح لهم بممارسة أيِّ عمل في أيِّ جهاز من أجهزة الدولة الرسمية, ورفض ١٦٥ معلمًا مسلمًا أن يغيروا أسماءهم, ولذلك طردوا من وظائفهم, ومنعوا من حق العمل في بلغاريا موطنهم ومسقط رأسهم. وعند بدء العام الدراسي ١٩٧١-١٩٧٢ طلب من جميع تلاميذ

стр. 134

المدارس المسلمين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية كشرط لاستمرارهم كتلاميذ, وإلّا يطردون من المدارس، ورفضوا جميعهم, وطردوا من المدارس. صدرت أوامر في المؤسسات الحكومية لجميع المسئولين الإداريين أن يقوموا بإجراءاتٍ حازمةٍ لتغير أسماء المسلمين العاملين في المؤسسات, وكونت جماعات بوليسية مسلحة من قبل وزارة الداخلية لمراقبة تنفيذ هذه الأوامر ومتابعتها حتى النهاية. تَمَّ القبض على مجموعاتٍ كبيرةٍ من المسلمين, ووضعوا في معسكراتٍ أعدت خصيصًا لهذا الغرض, وساموهم أَمَرَّ أنواع العذاب, ومن عاد منهم؛ فبرجلٍ مكسورةٍ, أو يدٍ, أو أضلع مكسورات. تَمَّ حصار بعض القرى, وقاموا بانتهاك حرمات المنازل بعد أن حطموا الأبواب والنوافذ, واقتحموها عنوةً, وقذفوا بأصحابها في الخارج، وقد لقي عدد كبير من النساء والأطفال حتفهم, وكذلك الشيوخ, من جَرَّاءِ الرصاص الذي أصابهم به رجال الأمن الذين من واجبهم حفظ المواطنين، وقد تعرض الكثير من النساء والأطفال لنهش الكلاب البوليسية, وقد عارض كل المسلمين تلك الأوامر, حتى الفتيات منهم, مما أدى إلى إرسالهن إلى السجون، ولإخفاء تلك الجرائم, تَمَّ القبض على بعض المسلمين واتهموهم زورًا وبهتانًا بارتكاب جرائم قتل المسلمين, وحكم عليهم بالإعدام, ونفذ فيهم حكم الإعدام. في يوم ١٠مايو ١٩٧٢ تحرك حوالي ٥.٠٠٠ مسلم, من منطقة بازرجيك, ومنطقة بلاقويفقراد, وسمولن قراد, في مظاهرة احتجاجٍ, متجهين إلى صوفيا "العاصمة" وكان ذلك في جوف الليل؛ لكي لا يعلم بهم البوليس, وقد ضم الموكب كل فئات المسلمين؛ من الذين أعمارهم من ١٥ إلى٧٥ عامًا, وكان تحرك الموكب تحت ظروف قاسية, وسط الأمطار الغزيرة والوحل, وعلى بعد أميال قليلة من صوفيا, وبالتحديد في محطة "أسكار" علمت بهم السلطات, وأرسلت لهم قوةً ضخمةً من الجيش والبوليس, وحاصروهم بالدبابات والعربات المصفحة, ونقلوهم إلى مدينة "بيلو" حيث وضعوا في السجون حتى الآن. وفي ١٢ مايو ١٩٧٢ حوصرت قرية إيلانسكو برجال البوليس, تصحبهم الكلاب البوليسية, فتصدى لهم المسلمون بشجاعةٍ وبسالةٍ, وقتلوا أحد

стр. 135

رجال البوليس, وكاجراء انتقاميّ, تَمَّ القبض على ٣٠ مسلمًا, وقُدِّمُوا إلى محاكماتٍ عسكرية, أصدرت أحكامها بالإعدام على ثلاثةٍ من المسلمين, وبالسجن على عددٍ آخر. في يوم ١٣ مايو ١٩٧٢, حُوصِرَت "باكرودا" حيث يشكل المسلمون نسبة ٨٠% من عدد السكان, واقتحم الجيش منازل المسلمين عنوةً, واقتادوا المسلمين مكبلين بالسلاسل, واقتيدوا إلى مراكز الشرطة حيث طلب منهم أن يوقعوا على طلبٍ بتغيير أسمائهم, تحت جوٍّ من الإرهاب والضرب والتهديد بالسجن والطرد من العمل, وفي هذه الظروف القاسية تَمَكَّنَ الشهيد أمين محمد وفتسرنكوفي, من الهرب, ولكن قوات الجيش طاردته, وأطلقت عليه الرصاص فاستشهد, وهو أب لطفلين, في ٣٢ عامًا من عمره. أوقفت جميع المعاشات عن العجزة الذين تقاعدوا عن العمل, وأغلقوا أبواب العمل أمام كل الذين رفضوا تغيير أسمائهم, وحرموهم حقَّ العلاج, وهم الذين أفنوا شبابهم في خدمة بلغاريا. حدث في مدينة "مدان" أن وضعت امرأة مسلمةٌ في أحد المستشفيات الحكومية, وطلب منها رسميًّا أن تختار لطفلها اسمًا غير إسلاميّ, فرفضت أن تستجيب لطلبهم, فأخبروها أن هذا أمرٌ حكوميّ, ولابد أن تنفذه, فعند ذلك رمت طفلها بين أيديهم وتركته لهم.. في كثير من مناطق المسلمين حطموا المساجد, وكانوا في الماضي قد منعوا الشباب من دخول المساجد, والآن قد منعوا الشيوخ, وكانوا ينتظرون موت أئمة المساجد فيقفلوها بحجة أن إمام المسجد قد تُوفِيَ, إلى غير ذلك من الحوادث الشنيعة في مطاردة المسلمين وإذلالهم, ويختتم البيان بما يلي: إننا نناشد إخواننا المسلمين والعرب أن يمدوا لنا يد العون, وأن لا يكتفوا فقط بالاحتجاج؛ إذ أن هذا الأمر يحدث على سمع العالم ومرآه, إننا نطالب وقف هذه الحملة ضدنا دون ذنب ارتكبناه, ونطلب من الدول العربية التي لها علاقات اقتصادية مع بلغاريا أن تتدخل في الأمر, وكذلك مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية, ونرجو أن يرفع هذا الأمر للأمم المتحدة, ولجنة حقوق الإنسان؛ إذ أننا لا نستطيع الاتصال بهم. ونسأل الله أن يش من أزرنا. وموعدنا الصبح أليس الصبح بقريب. المسلمون البلغار

стр. 136

رابعًا: من ألبانيا وننتقل هنا عن اتحاد الطلبة المسلمون في شرق أوربا: إذ كانت هنالك معانٍ كثيرةٍ ومختلفةٍ توصف بها حالة شعب من الشعوب؛ لكي تترجم معاني التضحية والصبر ومعاناة الاضطهاد, وتحمل كل ذلك بنوع كبير من التحدي لكل شيء، وإن شعب ألبانيا المسلم لجديرٌ بأن تطلق عليه تلك المعاني والصفات. وهنا نبدأ بنظرةٍ سريعةٍ مختصرةٍ لتاريخ ألبانيا القريب, وذلك إلى ما قبل خمسين عامًا, كانت ألبانيا في حوالي العشرينات من هذا القرن تحكم بواسطة أحمد زوقر؛ حيث كان ملكًا عليها، وكان الشعب في ذلك الوقت يمارس طقوسه الدينية بحريةٍ؛ سواء المسلمين أو المسيحيين، وفي هذا التاريخ بدأت عواصف الشَّرِّ تَهُبُّ من بعد؛ حيث وقعت ألبانيا تحت الحكم الإيطالي في عهد "فكتور أمناولي" وانتدب "دوتشه موسيليني" ليحكم ألبانيا, أما الملك أحمد زوقو, فقد نقل إلى إيطاليا. ثُمَّ بدأت الحرب العالمية الثانية, وكانت ألبانيا مثل جارتها يوغسلافيا, ترزح تحت السيطرة الألمانية، ولأسباب الحرب مع الألمان, فقد اندمجت كلٌّ من يوغسلافيا وألبانيا تحت قيادة واحدة, برئاسة "تيتو" وكان من ضمن القادة البارزين في حرب العصابات كل من "أنور خوجه" و"محمد شيخو" الألبانيين اللذين هما الآن يسيطران على الحكم في ألبانيا, استمر الاتحاد الائتلافي بين يوغسلافيا وألبانيا من عام ١٩٤٤ إلى ١٩٤٨، حيث ظهرت سياسة تيتو المعتدلة مع الشيوعيين, والتي لم ترق للقادة الألبانيين, فانفصلوا عن يوغسلافيا, وتبنوا الحكم الشيوعي الماركسي المتطرف. تلك نظرة سريعة، الهدف منها الوصول إلى معرفة الوسائل التي أوصلت الحكم إلى ما هو عليه الآن.

стр. 137

ألبانيا يبلغ تعداد سكانها المليونين, نسبة المسلمين ٨٠-٩٠%, وباقي السكان مسيحيون، ويتركز السكان المسلمون في وسط ألبانيا, ورغم أن المسلمين نسبتهم كبيرة, إلّا أنهم يلاقون أشد المصاعب والاضطهاد من عنت الحكم الشيوعي الحاقد. حيث قام الحكام الحاقدون بهدم المساجد, ومنع المسلمين من أداء شعائر دينهم، كما أن مواليدهم الجدد لا يتم تسجيلهم وإعطاؤهم الجنسية إلّا بأسماءٍ غير إسلامية, وكذلك الموتى لا يتركونهم لأهليهم لميارسوا عليهم الشعائر الإسلامية، من غسلٍ وكفنٍ وصلاة، كذا لا يدعونهم يدفنونهم في مقابرهم الخاصة, بل يجبرونهم بدفنهم في المقابر العامة مع الشيوعيين, أما عند عقد الزواج فيستحيل ذكر الديانة, ويتم العقد تحت اسم مواطن ألباني فقط، وأما بالنسبة للمناهج الدراسية فهي حقلهم الخصب في زرع الإلحاد في نفوس الأطفال الصغار, منذ نعومة أظفارهم إلى أن يستوي عودهم, وذلك بمختلف الوسائل التعليمية، والإعلامية. وقد حدثنا أحد أولئك الذين اشتغلوا بمهنة التدريس حيث يقول بأن الوزارة أمرت المدرسين بأن يهتموا بغرس فكرة عدم وجود الله في عقول الأطفال، وقد حدث مرةً أن سأل طالب عن الله, هل هو موجود؟ فأجاب الأستاذ: نعم, إن الله موجود، وبسبب هذه الإجابة قضى الأستاذ ستة أشهر في السجن، ثم طرد من مهنة التدريس بتهمة أنه يعلِّم الأطفال أشياء تضر بمستقبلهم، ويذكر الأستاذ بأن الإجابة المتعارف عليها عن الله ورسوله، هي أن الله والعياذ بالله هو "أنور خوجه" ربهم ومالك نعمتهم، وأن "محمد شيخو" رسوله والمتصرف بأمره. هذا جزء بسيط، وقطرة من بحر عميق مما يلاقيه المسلمون في ألبانيا المسلمة.

стр. 138

خامسًا: من الصومال أعلن زعيم الانقلاب العسكريّ محمد زياد برى الاشتراكيةَ العلميةَ -الماركسية, ثم أصدر بعض النصوص القانونية التي تسوي بين الرجل والمرأة في الميراث, وصَرََّ تعليقَا على ذلك لأحدى المجلات المصرية١ ولأن الإسلام دين ثوريّ, فقد قامبحلِّ بعض المشاكل حلولًا فوريةً ثوريةً, وكتب شيخ الجامع الأزهر يقول: أنه تثبت من قتل بعض علماء الإسلام الذين كتبوا لرئيس الانقلاب, يوضحون حكم الله في الموضع, لقد قتلهم أشنع قتله؛ لأنهم بينوا حكم الله. أما الذي لم يفصح عنه الإمام الأكبر, فهو أنهم قتلوا حرقًا١ ليعيد للأذهان قصة أصحاب الأخدود. ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٢.

стр. 139

المبحث الثالث: كيف يعملون الآن في العالم الإسلاميّ ؟ وننتقل هنا عن مجلة "كومونيست" السوفيتية, الصادرة في أول يناير سنة ١٩٦٤. أن بين الاشتراكية العلمية والأديان السماوية صراعًا مستمرًا, لقد أوصانا لينين منذ البدء, بأنَّ إعادة التنظيم الفكريّ للعقيدة الدينية ومفاهيمها, إنما هي بمثابة "التنقيح للدين" وتحدياته للاشتراكية العلمية. ثم تقول: ستظل العقيدة الاشتراكية في نزاعٍ مع العقيدة الدينيةٍ, ولن يستقرَّ التحول الاشتراكي الصحيح إلّا بسيادة الاشتراكية على الدين. ثم تقول: وإذا اقتضت مراحل التحويل الاشتراكي تعايشًا مع العقيدة الدينية, أو إظهار الاهتمام بها في بعض الحالات، كما هو الحال في المناطق الإسلامية، فإن الاهتمام هو من قبيل التدبير المؤقت. ثم تقول: وفي بعض النظم الاشتراكية الجديدة نجد جماعاتٍ من أصحاب المسؤوليات, وهم اشتراكيُّون فكرًا واقتناعًا, يمارسون الفروض الدينية ويشجعونها, وهم يفعلون ذلك للسيطرة على زمام المعاقل الدينية؛ لئلَّا تتحداهم, وترى مرحلة التحويل الاشتراكي مرحلة قاسية، ونحن في الاتحاد السوفيتي لجأنا إلى هذا الأسلوب أيضًا في مناطقنا الإسلامية, كما يلجأ إليه أقطاب الحزب الشيوعيّ في إيطاليا الكاثوليكية. وتضيف المجلة:

стр. 140

ففي مثل هذه المناطق الإسلامية وجدنا أن ممارسة الطليعة الاشتراكية للفروض الدينية يساعدنا كثيرًا على مراحل التحويل الاشتراكي هناك١؛ لأن العبادة العلنية في الوسط الإسلاميّ تعبر عن احترام الطليعة الاشتراكية للمشاعر المحلية، وبالتالي, تنتزع هذه الطليعة من هذا الوسط الإسلاميّ الاحترام والطاعة للقيادة الاشتراكية. وتضيف: ولكن من الضروري أن يأتي وقتٌ تقرر فيه القيادة الاشتراكية قرارًا حازمًا بألّا مبرر بَعْدُ للهدنة مع الميراث الدينيّ وأصحابه, وإلّا أدت هذه المهادنةُ إلى بعثٍ دينيٍّ فيه خطر على التجربة الاشتراكية. وفي النهاية: مكافحة الدين وروابطه لا تكون بنسف الدين ومعابده كليًّا من حياة الناس, فلا تحطم الفأس ما في الضمير٢. ولكن مهمة الإلحاد العلميّ أن تتركز الدعوة الاشتراكية على الترويج لشعار الثورة, والتركيز على خلق وعيٍّ ماديٍّ؛ كالدعوة إلى العلم في نفوس الجماهير؛ لينفروا من الدعوة الروحية التي هي من طبيعة الإيمان, وليس من الضروريّ أن تهزأ من قصص الإنجيل والقرآن, والكتب الدينية التقليدية, وأن تقول: المواعظ والصلوات بضاعةٌ لا تصلح إلّا للأطفال, فهذا النوع من الدعاية الاشتراكية ضد الأديان لا يفيد كثيرًا، وإنما علينا أن نعيد تفسير قصص الدين وسيرة رجاله ومواعظهم وأحاديثهم أقوالهم بقالب اشتراكيّ، فإذا قلنا: أن يسوع ثائر يطلب الحق للفقراء, فهذا تفسير اشتراكيّ.. وبمثل هذا تقول عن محمد وغيره:

стр. 141

وحسبنا ذلك بغير تعليق١. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وعن كتاب صدر في موسكو سنة ١٩٦٧, وأعيد طبعه عام ١٩٧٤م. عن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمية العلوم الاجتماعية, التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعيّ السوفيتيّ٢, يشير إلى بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين. نقتطف منها جزءًا لنرى أيّ حرب توجه ضد الدين, رغم الدعاية الكاذبة بتعايش الشيوعية مع الدين, ولنرى أن وسائل الإلحاد هي وسائل التبشير القديمة, تعيد نفسها مرةً أخرى, وإن حاولت أن تتجنب أخطاء التبشير, واقتربت من وسائل التغيير الاجتماعيّ, يقول كتاب نشر الإلحاد الصادر في روسيا.. "والآن مَنْ ذا الذي يعتبر أهلًا للقيام بنشر الإلحاد بين معتنقي الإسلام؟ ذلكم سؤال هام وخطير, إذا كان الداعية الملحد الذي سيحاور المسلم لا تربطه بالإسلام أي رابطة مشتركة من الناحية القومية, ففي إمكان المؤمن أن يفترض أنه إنما ينقد الإسلام خاصة, ولا يتعرض لدينه هو بشيء, لذلك كان من السهل على الداعية الذي ينتمي, والمؤمن إلى قومية واحدةٍ أن يجري معه حوارًا، وخاصةً إذا بدأ الحوار بينهما باللغة القومية المشتركة، وإن كان هذا لا يعني: أن علاقة المسلم بمن ينتمي إلى قومية أخرى قائمةً بالضرورة على عدم الثقة.. وأيًّا كانت قومية الداعية, فلابد له من معرفةٍ جيدةٍ بالدين والعادات والتقاليد التي يتمسك بها المؤمن، فخلال العمل بين المسلمين تعد مراعاة السن والجنس عند المؤمنين على جانب كبير من الأهمية، ومن ثَمَّ كان

стр. 142

الحديث إلى كبار السن أيسر بالنسبة لداعية متقدم في السن، والغالبية العظمى من المسلمات يرفضن الحوار مع الأجنبيّ, أما مع المرأة التي تقوم بالدعاية فإنهن أفضل سلوكًا إلى حدٍّ كبير. أضف إلى ذلك أن نموذج المرأة النشيطة يؤثر تأثيرًا على كثير من النساء, فالمؤمنات يتجهن إلى محاكاة الصديقة الأكثر ثقافةً, أو ذات الشخصية الأكثر استقلالًا. ويعين الداعية إلى الإلحاد في عمله, الرأي العام الإلحادي, الذي هو مدعو لِأَنْ يقوم بتشكيله, ومن المعروف على سبيل المثال أن كبار السن يكتسبون نفوذًا غير عاديٍّ بين المسلمين, وهذه الخاصية يستغلها كذلك الداعية حين يلجأ إلى مساعدة الشيوعيين المتقدمين في السن, والذين يكونون موضع الإجلال في المنطقة؛ إذ يصغي الناس في العادة إلى كلماتهم بإهتمام خاصٍّ, وباستعداد لتنفيذ أي رجاء يصدر منهم, وتمارس لجان الكبار التي تؤسس في مناطق السكنى والمؤسسات تأثيرا قوميًّا في تكوين رأي عام إلحاديّ؛ ففي كولخوز "مير" في منطقة أشخاباد "عشق آباد" امتنع والد طالبة بالصف العاشر, اسمها: جولينا عطاييف, عن إرسالها إلى المدرسة, وحاول إرغامها على الزواج, وتكلّم أعضاء لجنة الكبار عن الكلوخوز مع والدي الفتاة أكثر من مرة, وتوصلوا إلى إعادة الطالبة إلى المدرسة, وفي كولخوز "كيناس" يقوم أعضاء لجنة الكبار بعمل كبيرٍ؛ إذ يزورون بانتظام البيوت التي يقيم فيها المؤمنون، وقد توصل هؤلاء الأعضاء الذين اضطلعوا بمسؤولية دفن الموتى, إلى أن جعلوا تأثير الشيوخ الرسميين وغير الرسميين يتضاءل في هذه العملية إلى حَدٍّ كبيرٍ, وفي نشر الإلحاد بين المسلمين في دار الإلحاد العلميّ بموسكو, يعمل الشيوعيون المتقدمون في السن مثل: م. ش. شاجي أحمدوف, وس. خ إسماعيلوف, وج. م. اختيافوف، وكثير غيرهم، وهم يزورون مساكن المؤمنين ويحادثونهم ويسدون إليهم النصيحة. ويساعد الدعاة مساعدة كبيرة في صراعهم ضد التأثير الدينيّ، ارتداد إنسان ذي شهرة في قضايا الدين يصلح مثالًا بالنسبة لبعض المؤمنين, وقد حقق الملحد قادربرزنيسوف من كولوخوزكيسيل بولدوزاخ جمهورية تركمانيا نجاحًا كبيرًا في نشاطه الإلحادي, عندما دعا جماعةً من أكثر المؤمنين تعصبًا, ثم ارتدوا عن الدين ليخطبوا أمام غيرهم من المؤمنين

стр. 143

وصار الذين ارتدوا عن الإسلام في هذا الكولوخوزعونا للداعية يمارسون نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين. ويكتسب العاملون في ميدان الطبِّ نفوذًا كبيرًا بين المسلمين, وفي نقط العلاج الطبيّ يستقبل الأطباء مرضاهم للعلاج الصحيّ والاجتماعيّ، وهكذا يقدِّم الأطباء المساعدة الطبية, ثم يدور الحديث حول موضوعات العلوم الطبيعية, وقد حققت نقط العلاج الطبيّ هذه, فوائد جمة لقضية تربية السكان تربيةً إلحاديةً في مدن أوزبكستان وقراها, ولذا، فإن الطبيب ومساعده من أجود المرشحين لممارسة الإلحاد بين أفراد المسلمين. ويختص المعلمون في المدارس بدورٍ كبيرٍ في الدعاية إلى الإلحاد؛ فالبداية الأولى للتعرف إلى الطفل تجعل في إمكان المعلم تحديد التأثير الدينيّ للعائلة, ومهمته الأولى حينئذ, هي إقناع الآباء بالامتناع عن تربية الأولاد تربيةً دينيةً, ويمكنه في الوقت نفسه أن يؤثِّر تأثيرًا إلحاديًّا كبيرًا على الآباء أنفسهم, بإقامة اتصال مباشر بينه وبين أسرة التلميذ. كثير من المعلمين لا يقصرون دورهم على تنشئة تلاميذهم بحيث يشبون غير متدينين, بل إنهم يربون فيهم رسوخ العقيدة في الإلحاد, والقدرة على مساعدة المؤمنين على التحرر من أغلال الدين, وقد نشرت صحيفة الكوسمولي الأوزبكستاني واقعةً طريفةً عن رجل عميق الإيمان, اسمه: غلام أكا, أحْضرَ إلى طشقند ماء مقدسًا من بخارى, وكم حاول أقاربه أن يقنعوه بأن هذا الماء لا يحوي أيّ شيء مقدَّس, فلم يقتنع العجوز, غير أن ابنته كانت تلميذة في الصف العاشر, وضعت نقطة من الماء المقدَّس تحت الميكروسكوب, ودعت أباها أن.. يحدق النظر، فقال الرجل في دهشة, ما هذه الديدان؟ إن نقطة الماء أكبر بمئات المرات، يا إلهي, لم أكن أتصور على الإطلاق أن في الماء المقدَّس يمكن أن يوجد مثل هذا العدد من الميكروبات, إنها معدية.. ميكروبات.. ألقي هذا الماء يا ابنتي على الأرض في الحال, هذه تجربة بسيطة قامت بها تلميذة أدت النتيجة المرجوة, ولم يفلح في تحقيقها محاولات الإقناع والشروح المسهبة. وتؤدي اللجان النسائية دورًا كبيرًا في ممارسة نشر الإلحاد بين الأفراد من النساء المؤمنات, وقد أثَّرت تأثيرًا طيبًا في كثير من مناطق سمرقند, حين نظمت اللجان النسائية في نهار رمضان حفلات الشاي

стр. 144

للنساء الصائمات في الشقق والنوادي، ولم يكن المؤمنات يرفضن الإفطار في مثل هذه الأحوال, وبذلك كن يخطون الخطوة الأولى في سبيل الانعتاق من الدين. ومن الأمور التي لها أهمية في نشر الإلحاد بين النساء, تكوين رأي عامٍّ ضد الحجاب, وضد تزويج صغار السن من البنات، وضد المعاملة المهينة للمرأة، ففي كولخوزالاتو في جمهورية كيرغيزيا, يتحدث الملحدون إلى الرجال أمام الزوار الآخرين, قبل بداية أي اجتماع, أو عرض سينمائيّ, يقولون لهم: على سبيل المثال يا حسن, قل للناس لماذا أتيت إلى الحفل بدون زوجتك, وأنت ياموزا أيضًا, بَيِّنْ للناس لم فعلت ذلك؟؟ وهنا كان بعض الرجال يصمتون, ولكن كثيرًا منهم كانوا يخرجون, ثم يعودون ومعهم زوجاتهم, وهكذا استطاع الملحدون أن يجعلوا كل الرجال يحضرون إلى أماكن الاجتماعات العامة ومعهم زوجاتهم. وربما كان عميق الإيمان من المسلمين أكثر عزوفًا عن حضور الأمسيات والمحاضرات والمحادثات الإلحادية من أتباع أيِّ نظام دينيٍّ آخر, ذلك أن القرآن يستنكر تناول الدين بالنقد؛ لذلك كانت المناقشات المضادة للدين, والكلمات العامة عنه لا تجدي نفعًا، ذلك أن أيَّ طعن على الإسلام يعتبر إهانةً صارخةً لإنسان رضع من لبن أمه التصورات الدينية التي يشاركه إياها أجداده وأجداد أجداده, وفي مثل هذه الأحوال نجد مثل هذا الإنسان إما أن ينغلق على نفسه, وإما أن يعبئ كل إرادته وعقله من أجل المقاومة, ولكنه لن يميل إلى قبول حديث عن الإلحاد, فليس سهلًا على الإنسان أن يتخلى عن العقيدة التي نشأ عليها. لهذا كله لا يمس الدعاة المجربون الدين مسًّا مباشرًا في محادثاتهم أثناء ممارستهم نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين, ولكنهم بعد أن يمهدووا بإثارة فضول المؤمن, يتحولون إلى نقد الدين, وها هو ذا مثال نسوقه للمعلمة ب. وليفا من كولخوز "أكتوبر" في ضواحي سمرقند؛ ففي المنزل عندما تجري هذه المعلمة محادثات مع المتدينات حين يفدن عليها كل مساءٍ لشرب الشاي والاسترواح, وذلك دون أن تشعر أيًّا من المشتركات في الحديث أنها دعو ة لكي تنبذ دينها, ويدور الحوار في يسر, وبلا تكلُّفٍ عن أحداث العالم, وأنباء الكولوخوز, لكن ربة المنزل هي التي تحدد لون الحديث, ثم توجه الكلام تدريجيًّا ودون أن تلحظ الأخريات إلى الموضوع

стр. 145

المقصود, فتطرح الأسئلة ثم تتولى هي بنفسها الإجابة, وحينما يستولي موضوع الحديث على ألباب المؤمنات, حنيئذ فقط, تبدأ في الكلام بحرارةٍ وإقناعٍ عن ضرر الرواسب الدينية. وهذه قصةٌ يرويها ملحد من موسكو يسمى: ل. خ. جوميروف، تمكن من إخراج العاملة رحيمة بارنجلوفا من دينها، يقول الملحد: "أخذت بصفتي ملحدًا أزور العاملة المتدينة رحيمة, وكنت أحادثها طويلًا, وأقرأ الكتب جهرًا, وكانت رحيمة تصمت في أكثر الحالات, ولكنها كانت تصغي إليَّ بإهتمام, وكان واضحًا أن هذه القصص تجذب اهتمامها, من العسير أن تتصور الأمر, لقد سمعت مني لأول مرةٍ عن الأبطال من النساء السوفيت, وعرفت لأول مرةٍ أسماء المشتغلات بالعلم من السوفيت, وتكلمنا معها عن غزو السوفيت للفضاء, وقد أزعجها كثيرًا هذا الموضوع, وأذهلها على وجه الخصوص, أن رجال الفضاء لم يخافوا الله, بل ربما خافهم الله ما دام لم يحل بينهم وبين أن يصعدوا إلى مثل هذا الارتفاع, وكان على ل. ح جوميروف أن يحادثها طويلًا إلى أن خلعت رحيمة ربقة الدين من عنقها نهائيًّا. ومن الأيسر على الداعية إلى الإلحاد أن يحقق النجاح عندما يكون الرأي العام بين المجموع مكيفًا على نحوٍ لا يفخر فيه الناس بتعليق آيات القرآن في منازلهم, بل يكون مدعاةً للخجل أن يعلقوا الآيات, أو أن يقسموا المنزل نصفين؛ نصف للرجال ونصف للنساء, أو أن يرفضوا الغذاء في نهار رمضان، أو أن يقوموا بختان أولادهم.. إلخ. والملحد نفسه يشكل الرأي العام إلى حدٍّ كبيرٍ, يقص علينا أ. ب. أفكسينتوف, وهو أحد الملحدين في شمال القوقاز, أن عليمه جاجير زونفا شيبزوخوفاو وهي من المشاركات في النشاط الاجتماعيّ, كانت أول من امتنع عن إقامة المراسم الدينية في زواج ابنتها, وقد وجدت لها في الحال أتباعًا, ويدلنا هذا على أن تلك المراسم قد فات أوانها منذ زمن بعيد, وما أسرع ما انتشرت الأنباء في المنطقة عن زيجات جديدةٍ تتم بمشاركة الأوساط الاجتماعية, وبدون مراسم دينية، وهكذا انتهت مثل هذه الزيجات الدينية في اركينخالكي وغيرها من المناطق. ولابد في العمل على نشر الإلحاد بين المؤمنين المسلمين, من أن تستغل في براعة اللهفة إلى المعرفة، ذلك أن الإسلام إذ يقوم على أساس
следующие страницы →