وحسبنا ذلك بغير تعليق١.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وعن كتاب صدر في موسكو سنة ١٩٦٧, وأعيد طبعه عام ١٩٧٤م.
عن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمية العلوم الاجتماعية, التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعيّ السوفيتيّ٢, يشير إلى بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين.
نقتطف منها جزءًا لنرى أيّ حرب توجه ضد الدين, رغم الدعاية الكاذبة بتعايش الشيوعية مع الدين,
ولنرى أن وسائل الإلحاد هي وسائل التبشير القديمة, تعيد نفسها مرةً أخرى, وإن حاولت أن تتجنب أخطاء التبشير, واقتربت من وسائل التغيير الاجتماعيّ, يقول كتاب نشر الإلحاد الصادر في روسيا..
"والآن مَنْ ذا الذي يعتبر أهلًا للقيام بنشر الإلحاد بين معتنقي الإسلام؟ ذلكم سؤال هام وخطير, إذا كان الداعية الملحد الذي سيحاور المسلم لا تربطه بالإسلام أي رابطة مشتركة من الناحية القومية, ففي إمكان المؤمن أن يفترض أنه إنما ينقد الإسلام خاصة, ولا يتعرض لدينه هو بشيء, لذلك كان من السهل على الداعية الذي ينتمي, والمؤمن إلى قومية واحدةٍ أن يجري معه حوارًا، وخاصةً إذا بدأ الحوار بينهما باللغة القومية المشتركة، وإن كان هذا لا يعني: أن علاقة المسلم بمن ينتمي إلى قومية أخرى قائمةً بالضرورة على عدم الثقة..
وأيًّا كانت قومية الداعية, فلابد له من معرفةٍ جيدةٍ بالدين والعادات والتقاليد التي يتمسك بها المؤمن، فخلال العمل بين المسلمين تعد مراعاة السن والجنس عند المؤمنين على جانب كبير من الأهمية، ومن ثَمَّ كان
стр. 142
الحديث إلى كبار السن أيسر بالنسبة لداعية متقدم في السن، والغالبية العظمى من المسلمات يرفضن الحوار مع الأجنبيّ, أما مع المرأة التي تقوم بالدعاية فإنهن أفضل سلوكًا إلى حدٍّ كبير.
أضف إلى ذلك أن نموذج المرأة النشيطة يؤثر تأثيرًا على كثير من النساء, فالمؤمنات يتجهن إلى محاكاة الصديقة الأكثر ثقافةً, أو ذات الشخصية الأكثر استقلالًا.
ويعين الداعية إلى الإلحاد في عمله, الرأي العام الإلحادي, الذي هو مدعو لِأَنْ يقوم بتشكيله, ومن المعروف على سبيل المثال أن كبار السن يكتسبون نفوذًا غير عاديٍّ بين المسلمين, وهذه الخاصية يستغلها كذلك الداعية حين يلجأ إلى مساعدة الشيوعيين المتقدمين في السن, والذين يكونون موضع الإجلال في المنطقة؛ إذ يصغي الناس في العادة إلى كلماتهم بإهتمام خاصٍّ, وباستعداد لتنفيذ أي رجاء يصدر منهم, وتمارس لجان الكبار التي تؤسس في مناطق السكنى والمؤسسات تأثيرا قوميًّا في تكوين رأي عام إلحاديّ؛ ففي كولخوز "مير" في منطقة أشخاباد "عشق آباد" امتنع والد طالبة بالصف العاشر, اسمها: جولينا عطاييف, عن إرسالها إلى المدرسة, وحاول إرغامها على الزواج, وتكلّم أعضاء لجنة الكبار عن الكلوخوز مع والدي الفتاة أكثر من مرة, وتوصلوا إلى إعادة الطالبة إلى المدرسة, وفي كولخوز "كيناس" يقوم أعضاء لجنة الكبار بعمل كبيرٍ؛ إذ يزورون بانتظام البيوت التي يقيم فيها المؤمنون، وقد توصل هؤلاء الأعضاء الذين اضطلعوا بمسؤولية دفن الموتى, إلى أن جعلوا تأثير الشيوخ الرسميين وغير الرسميين يتضاءل في هذه العملية إلى حَدٍّ كبيرٍ, وفي نشر الإلحاد بين المسلمين في دار الإلحاد العلميّ بموسكو, يعمل الشيوعيون المتقدمون في السن مثل: م. ش. شاجي أحمدوف, وس. خ إسماعيلوف, وج. م. اختيافوف، وكثير غيرهم، وهم يزورون مساكن المؤمنين ويحادثونهم ويسدون إليهم النصيحة.
ويساعد الدعاة مساعدة كبيرة في صراعهم ضد التأثير الدينيّ، ارتداد إنسان ذي شهرة في قضايا الدين يصلح مثالًا بالنسبة لبعض المؤمنين, وقد حقق الملحد قادربرزنيسوف من كولوخوزكيسيل بولدوزاخ جمهورية تركمانيا نجاحًا كبيرًا في نشاطه الإلحادي, عندما دعا جماعةً من أكثر المؤمنين تعصبًا, ثم ارتدوا عن الدين ليخطبوا أمام غيرهم من المؤمنين
стр. 143
وصار الذين ارتدوا عن الإسلام في هذا الكولوخوزعونا للداعية يمارسون نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين.
ويكتسب العاملون في ميدان الطبِّ نفوذًا كبيرًا بين المسلمين, وفي نقط العلاج الطبيّ يستقبل الأطباء مرضاهم للعلاج الصحيّ والاجتماعيّ، وهكذا يقدِّم الأطباء المساعدة الطبية, ثم يدور الحديث حول موضوعات العلوم الطبيعية, وقد حققت نقط العلاج الطبيّ هذه, فوائد جمة لقضية تربية السكان تربيةً إلحاديةً في مدن أوزبكستان وقراها, ولذا، فإن الطبيب ومساعده من أجود المرشحين لممارسة الإلحاد بين أفراد المسلمين.
ويختص المعلمون في المدارس بدورٍ كبيرٍ في الدعاية إلى الإلحاد؛ فالبداية الأولى للتعرف إلى الطفل تجعل في إمكان المعلم تحديد التأثير الدينيّ للعائلة, ومهمته الأولى حينئذ, هي إقناع الآباء بالامتناع عن تربية الأولاد تربيةً دينيةً, ويمكنه في الوقت نفسه أن يؤثِّر تأثيرًا إلحاديًّا كبيرًا على الآباء أنفسهم, بإقامة اتصال مباشر بينه وبين أسرة التلميذ.
كثير من المعلمين لا يقصرون دورهم على تنشئة تلاميذهم بحيث يشبون غير متدينين, بل إنهم يربون فيهم رسوخ العقيدة في الإلحاد, والقدرة على مساعدة المؤمنين على التحرر من أغلال الدين, وقد نشرت صحيفة الكوسمولي الأوزبكستاني واقعةً طريفةً عن رجل عميق الإيمان, اسمه: غلام أكا, أحْضرَ إلى طشقند ماء مقدسًا من بخارى, وكم حاول أقاربه أن يقنعوه بأن هذا الماء لا يحوي أيّ شيء مقدَّس, فلم يقتنع العجوز, غير أن ابنته كانت تلميذة في الصف العاشر, وضعت نقطة من الماء المقدَّس تحت الميكروسكوب, ودعت أباها أن.. يحدق النظر، فقال الرجل في دهشة, ما هذه الديدان؟ إن نقطة الماء أكبر بمئات المرات، يا إلهي, لم أكن أتصور على الإطلاق أن في الماء المقدَّس يمكن أن يوجد مثل هذا العدد من الميكروبات, إنها معدية.. ميكروبات.. ألقي هذا الماء يا ابنتي على الأرض في الحال, هذه تجربة بسيطة قامت بها تلميذة أدت النتيجة المرجوة, ولم يفلح في تحقيقها محاولات الإقناع والشروح المسهبة.
وتؤدي اللجان النسائية دورًا كبيرًا في ممارسة نشر الإلحاد بين الأفراد من النساء المؤمنات, وقد أثَّرت تأثيرًا طيبًا في كثير من مناطق سمرقند, حين نظمت اللجان النسائية في نهار رمضان حفلات الشاي
стр. 144
للنساء الصائمات في الشقق والنوادي، ولم يكن المؤمنات يرفضن الإفطار في مثل هذه الأحوال, وبذلك كن يخطون الخطوة الأولى في سبيل الانعتاق من الدين.
ومن الأمور التي لها أهمية في نشر الإلحاد بين النساء, تكوين رأي عامٍّ ضد الحجاب, وضد تزويج صغار السن من البنات، وضد المعاملة المهينة للمرأة، ففي كولخوزالاتو في جمهورية كيرغيزيا, يتحدث الملحدون إلى الرجال أمام الزوار الآخرين, قبل بداية أي اجتماع, أو عرض سينمائيّ, يقولون لهم: على سبيل المثال يا حسن, قل للناس لماذا أتيت إلى الحفل بدون زوجتك, وأنت ياموزا أيضًا, بَيِّنْ للناس لم فعلت ذلك؟؟ وهنا كان بعض الرجال يصمتون, ولكن كثيرًا منهم كانوا يخرجون, ثم يعودون ومعهم زوجاتهم, وهكذا استطاع الملحدون أن يجعلوا كل الرجال يحضرون إلى أماكن الاجتماعات العامة ومعهم زوجاتهم.
وربما كان عميق الإيمان من المسلمين أكثر عزوفًا عن حضور الأمسيات والمحاضرات والمحادثات الإلحادية من أتباع أيِّ نظام دينيٍّ آخر, ذلك أن القرآن يستنكر تناول الدين بالنقد؛ لذلك كانت المناقشات المضادة للدين, والكلمات العامة عنه لا تجدي نفعًا، ذلك أن أيَّ طعن على الإسلام يعتبر إهانةً صارخةً لإنسان رضع من لبن أمه التصورات الدينية التي يشاركه إياها أجداده وأجداد أجداده, وفي مثل هذه الأحوال نجد مثل هذا الإنسان إما أن ينغلق على نفسه, وإما أن يعبئ كل إرادته وعقله من أجل المقاومة, ولكنه لن يميل إلى قبول حديث عن الإلحاد, فليس سهلًا على الإنسان أن يتخلى عن العقيدة التي نشأ عليها.
لهذا كله لا يمس الدعاة المجربون الدين مسًّا مباشرًا في محادثاتهم أثناء ممارستهم نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين, ولكنهم بعد أن يمهدووا بإثارة فضول المؤمن, يتحولون إلى نقد الدين, وها هو ذا مثال نسوقه للمعلمة ب. وليفا من كولخوز "أكتوبر" في ضواحي سمرقند؛ ففي المنزل عندما تجري هذه المعلمة محادثات مع المتدينات حين يفدن عليها كل مساءٍ لشرب الشاي والاسترواح, وذلك دون أن تشعر أيًّا من المشتركات في الحديث أنها دعو ة لكي تنبذ دينها, ويدور الحوار في يسر, وبلا تكلُّفٍ عن أحداث العالم, وأنباء الكولوخوز, لكن ربة المنزل هي التي تحدد لون الحديث, ثم توجه الكلام تدريجيًّا ودون أن تلحظ الأخريات إلى الموضوع
стр. 145
المقصود, فتطرح الأسئلة ثم تتولى هي بنفسها الإجابة, وحينما يستولي موضوع الحديث على ألباب المؤمنات, حنيئذ فقط, تبدأ في الكلام بحرارةٍ وإقناعٍ عن ضرر الرواسب الدينية.
وهذه قصةٌ يرويها ملحد من موسكو يسمى: ل. خ. جوميروف، تمكن من إخراج العاملة رحيمة بارنجلوفا من دينها، يقول الملحد: "أخذت بصفتي ملحدًا أزور العاملة المتدينة رحيمة, وكنت أحادثها طويلًا, وأقرأ الكتب جهرًا, وكانت رحيمة تصمت في أكثر الحالات, ولكنها كانت تصغي إليَّ بإهتمام, وكان واضحًا أن هذه القصص تجذب اهتمامها, من العسير أن تتصور الأمر, لقد سمعت مني لأول مرةٍ عن الأبطال من النساء السوفيت, وعرفت لأول مرةٍ أسماء المشتغلات بالعلم من السوفيت, وتكلمنا معها عن غزو السوفيت للفضاء, وقد أزعجها كثيرًا هذا الموضوع, وأذهلها على وجه الخصوص, أن رجال الفضاء لم يخافوا الله, بل ربما خافهم الله ما دام لم يحل بينهم وبين أن يصعدوا إلى مثل هذا الارتفاع, وكان على ل. ح جوميروف أن يحادثها طويلًا إلى أن خلعت رحيمة ربقة الدين من عنقها نهائيًّا.
ومن الأيسر على الداعية إلى الإلحاد أن يحقق النجاح عندما يكون الرأي العام بين المجموع مكيفًا على نحوٍ لا يفخر فيه الناس بتعليق آيات القرآن في منازلهم, بل يكون مدعاةً للخجل أن يعلقوا الآيات, أو أن يقسموا المنزل نصفين؛ نصف للرجال ونصف للنساء, أو أن يرفضوا الغذاء في نهار رمضان، أو أن يقوموا بختان أولادهم.. إلخ.
والملحد نفسه يشكل الرأي العام إلى حدٍّ كبيرٍ, يقص علينا أ. ب. أفكسينتوف, وهو أحد الملحدين في شمال القوقاز, أن عليمه جاجير زونفا شيبزوخوفاو وهي من المشاركات في النشاط الاجتماعيّ, كانت أول من امتنع عن إقامة المراسم الدينية في زواج ابنتها, وقد وجدت لها في الحال أتباعًا, ويدلنا هذا على أن تلك المراسم قد فات أوانها منذ زمن بعيد, وما أسرع ما انتشرت الأنباء في المنطقة عن زيجات جديدةٍ تتم بمشاركة الأوساط الاجتماعية, وبدون مراسم دينية، وهكذا انتهت مثل هذه الزيجات الدينية في اركينخالكي وغيرها من المناطق.
ولابد في العمل على نشر الإلحاد بين المؤمنين المسلمين, من أن تستغل في براعة اللهفة إلى المعرفة، ذلك أن الإسلام إذ يقوم على أساس
стр. 146
القرآن, إنما يضيق اهتمامات معتنقيه, ويحددها لكي يثبت الجهل, ولا بد أن نضع الإسلام من ناحية, والعلم والحضارة من ناحية أخرى؛ كطرفي نقيض؛ إذ أن العلم والحضارة وحدهما هما الكفيلان بحق تبلبية رغبات السوفيت في المعرفة.
وليس من قبيل المصادفة تلك النتائج الإيجابية التي حققتها أحاديث الملحد قادر بيرنييسوف, وهو من كولخوز كيزيل يولدوز, في جمهورية تركمانيا مع المتدينين, لقد استطاع أن يستخدم إنجازات العلم في تفنيد التصورات الدينية, أما الملحد رحمن خوجا ميردييف -وهو مدير مدرسة كيرفا, في جمهورية أوزبكستان, فقد سمع مرةً أحد عمال الكولخوز, واسمه رسول جمعاييف- يقول في حوار معه: "لا قدر الله علينا بنزول البرد, وهكذا تبين مدير المدرسة أن المتحدث إليه رجل مؤمن, أدرك هذا ولكنه لم يعر الأمر اهتمامًا, وأجرى الحديث معه لا عن الله, بل عن ظواهر الطبيعة, وعن ماهية المطر والبرد, وكان يتكلم بطريقةٍ مشوقةٍ جذبت انتباه عامل المزرعة, فأخذ هذا يرجو أن يزوره ضيفًا, وشرع الملحد يزور عائلة جمعاييف، وكان يبرهن للعائلة باستعمال أمثلةٍ من الحياة بسيطةٍ سهلة الفهم, على عدم وجود قوة ما فوق الطبيعة تمنح الإنسان خيرات الحياة, وأن الإنسان نفسه هو خالق سعادته, وهكذا قطع "رسول" علائقه بالدين, وقد أجرى ب. خوجا ميردييف أحاديث مع أحد المشايخ, واسمه "تور" كانا يتقابلان عشرات المرات, وفي هذه اللقاءات كان يحدثه عن سفن الفضاء, كما كان يحدثه عن المجتمع الشيوعيّ, ثم إن الملحد أطلعه على الجوهر الطبقيّ للإسلام, وفي مصلحة مَنْ كانت عقيدة القضاء والقدر, وهنا أعلن الشيخ "تور" في اجتماعٍ عامٍّ لعمال الكولخوز أنه لا يريد بعد الآن أن يعيش هذه الحياة الطفيلية, وأنه بالرغم من كبر سنه, يود أن يعمل في الكولخوز.
وهكذا تعمل الماركسية ضد الدين في روسيا وفي خارج روسيا, وإن زعمت غير ذلك.
стр. 147
الباب الثالث: الصهيونية "اليهودية العالمية "
الفصل الأول: التعريف بالصهيونية ومنشؤها
المبحث الأول: التعريف بالصهيونية
لا جرم أن الصهيونية أخطر المذاهب الدينية والسياسية التي منيت بها البشرية، بما تفرض من قهرٍ سياسيٍّ، وقسر فكريٍّ، وتمايز عنصريٍّ، واحتكار للقوى المادية والفكرية على مستوى البسيطة، وبما تنزغ بين البشر أبدًا بالشحناء والبغضاء، تنزع بهم كل منزع في الإحن والكيد والملاحاة، وترين على الكون غاشيات مدلهمة تنبهم في قتامها معالم الإنسانية، وتستغشي القيم الأخلاقية التي تواضعت عليها الديانات السماوية، والمذاهب الفكرية، والفطرة البشرية على السواء. فهي ليست قاصرةً على افتعال دولةٍ يهوديةٍ في فلسطين كافة، وإنما هي تستدف سيادة الدنيا بأقطارها قاطبة, واسترقاق شعوبها كافةً, وإخضاعها لنير اليهود والشرائع اليهودية.
فالصهيونية في جوهرها ومناطها: عقيدة دينية متطرفة، يذعن لها أشياعها، يسوقهم التعصب والغرور العنصريّ قسرًا، بلا وعيٍ ولا إرادةٍ، وأساسها -في زعمهم- تعاليم التوراة التي تنص على أن الله قد وعد اليهود بملك عالميٍّ أبدىٍّ, واستخلفهم في الأرض خالصةً لهم من دون الناس.
وطريقهم إلى تحقيق السيطرة على العالم مخوفة منكرة، كما رسمتها مناهجهم العملية في بروتوكولات صهيون، فهي تعتمد أساسًا على تقويض أركان المجتمع العالميّ، وبَثِّ عناصر الانحلال تعبث في خلاله, وتستشري في أوصاله، وإشاعة الفوضى الاجتماعية والفكرية الغامرة، حتى إذا تداعت قيمه، وفقد مقوماته، فتهاوى خائرًا مستسلمًا في خواء فكريٍّ وفراغٍ سياسيٍّ.
انبعث اليهود من غمار الفوضى التي يتردى فيها العالم ليمسكوا
стр. 148
بزمام حكمه، ويقيموا دولةً عالميةً تضم أطراف الدنيا, يكون قوامها من طبقتين:
اليهود: الشعب المختار, يتربعون على عرش السيادة, وفي يدهم صولجان الحكم، ومن دونهم من الناس قاطبةً عبيد لليهود يخضعون لحكمهم..
تلك هي الصهيونية, الداء الوبيل الذي يهدد العالم ويقض مضاجعه، وليست الصهيونية فكرةً حديثةً, وإن لم تتكشف سماتها وتتضح للعالم إلّا في القرن الماضي, تحت اسم: اليهودية العالمية، بل هي عقيدةٌ قديمةٌ, ما برحت تجول في أفكار اليهود منذ العصور اليهودية الباكرة، ويتناقلونها جيلًا بعد جيلٍ, في كتمانٍ شديدٍ، خورًا وقصورًا وتحينًا للفرص، ويعملون لها مصابرين مستوفزين، لا يفتأ أحبارهم وكهتهم يذكون جذوتها آنًا فآنًا، فلا تخبو بين جوانحهم ولا تفتر.
وفي مطلع هذا القرن الرابع عشر الهجريّ -أواخر القرن التاسع عشر الميلاديّ- واتتهم الفرصة، فدعا "هرتزل" لعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٧-١٣١٥هـ, بمدينة بال بسويسرا, وكانت مقرراته هي الدستور العمليّ لهذه المرحلة من الآمال الصهيونية، ثم حدد هرتزل في كتابه "الدولة اليهودية" فلسطين باعتبارها أرض الميعاد، وقد عمل الصهيونيون على تحقيق حلمهم في خطوات ومراحل زمنية, يتم من خلالها استيعاب أطراف أرض الميعاد التي تشمل المناطق الممتدة من النيل إلى الفرات، وتضم إقليم الوجه البحريّ من مصر, وسيناء, وفلسطين, وشطر العراق الغربيّ, وسوريا, ولبنان, وبادية الشام, والأردن, وشمال الحجاز حتى المدينة المنورة.
وفي عام ١٣٦٧هـ-١٩٤٨م, أعلن اليهود -بالتواطؤ مع الدول الكبرى- قيام دولة إسرائيل، وقال بن غوريون حين ذاك: "إن الصهيونية قد حققت هدفها في ١٤مايو سنة ١٩٤٨ ببناء دولة يهودية أكبر مما كان متفقًا عليه, وبفضل قوات "الهاجاناه", وليست هذه نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم قد بدأنا، وعلينا أن نمضي لتحقيق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها من النيل إلى الفرات" ويعني بن غوريين أن الدولة إسرائيل قامت على مساحاة أكبر مما منحتها مشروعات التقسيم لفلطسين بين العرب واليهود.
وقد استمرت إسرائيل في الإعداد لتحقيق توسعها, واستغلت انشغال الدولة العربية عنها حتى تمكنت من احتلال سيناء والجولان وجميع أراضي فلسطين.
стр. 149
المبحث الثاني: منشأ الصهيونية
تنسب الصهيونية Zionism إلى جبل صهيون بفلسطين، وهو أحد جبالٍ أربعةٍ أقيمت عليها دولة أورشليم -أي: مدينة السلام, وهو الاسم القديم لبيت المقدس, ويعتقد اليهود أن إلاههم "يهوه" يقيم في جبل صهيون، وفي رحابه يظهر "المسيح المخلص" الذي ينتظره اليهود، بشيرًا بغفران الله وتوبته عليهم، وخلاصهم مما يقاسون من بأس وأعنات، بعد تطهرهم من أدران الموبقات والمعاصي التي ظلوا عليها عاكفين أمدًا طويلًا.
والصهيونية مذهبٌ دينيٌّ استعماريٌّ متطرفٌ جدًّا, يتمذهب به غلاة اليهود، تهدف إلى السيطرة السياسية على العالم بتقويض النظم السياسية للمجتمع الدولي بأسره، وإخضاعه لنير اليهود وحكمهم، ويزعم اليهود أن الله استخلفهم في الأرض, وأروثهم أقطارها وشعوبها حقًّا مقدسًا مقضيًا، وأن الدول القائمة كافة دعية مغتصبة, وأن على اليهود المجاهدة لاسترداد حقهم في فلسطين أرض الميعاد، تحت امرة ملك من نسل داود، فإذا استتب لهم الأمر فيها, عملوا على تنفيذ الشق الثاني من الوعود الإلهية، واتخاذهم ملكهم في فلسطين قاعدة لملكهم, والاستسلام لمشيئتهم المستمدة من مشيئة الله, ينتهي الأمر بظهور المسيح المنتظر الذي أفاضت التوراة في ذكره.
ويستند اليهود في دعواهم العودة إلى أرض الميعاد فلسطين, بأن ذلك ثابت من أحداث التاريخ في:
محاولة موسى ﵇ دخول فلسطين مع الأسباط الهاربين من مصر, ثم غزوة يوشع لتخوم فلسطين, ثم تأسيس مملكة اليهود الأولى في عهد شاؤول, ثم عودة اليهود من بابل بعد السبي بزعامة زرو بابل.
стр. 150
ثم ثورات اليهود في فلسطين ضد حكم البطالسة والرومان, ثم محاولات اليهود في العصور الحديثة شراء أراضٍ في فلسطين يمارسون فيها حياة الاستقرار, ويزعمون أن هذه كلها حركات صهيونية خالصة.
وبالنسبة للشقِّ الثاني من الوعود الإلهية -على زعم اليهود- فإن من الحركات الصهيونية البحتة حركة سبتاي زيفي, الذي قام في سالونيك عام ١٦٦٦م, مدعيًا المسيح المنتظر، ابتغاء تجميع اليهود تحت زعامته لتحقيق نبوءات التوراة.
وعلى هذا, فإن جذور الصهيونية تمتد إلى أعماق التاريخ اليهوديّ، والطابع الدينيّ هو السمة الأصلية لنظرية الصهيونية، ويعترف الدكتور سلوموز شختر١ بهذه الحقيقة حيث يقول: "حيثما يكون الصهيونيون عاملين نشيطين, تكون اليهودية حيةً عاملةً".
وعلى أثر الثورة الإسلامية العربية في فلسطين عام ١٣٥٥هـ-١٩٣٦م, ضد المؤتمرات الاستعمارية والصهيونية فيها، شكلت حكومة الانتداب البريطانيّ اللجنة الملكية البريطانية لعلاج مشكلة فلسطين, وكان هدفها تقسيم البلاد بين العرب واليهود، وقد صرَّح زعيم الصهيونيين "وايزمن" أمام هذه اللجنة, أن مبنى حق اليهود في فلسطين إنما هو وعد الله بأرض إسرائيل، وهذا هو سند اليهود الوحيد الذي لا سند سواه, لجأ إليه وايزمن بعد أن خذلته سائر المزاعم والأسانيد المنطقية والقانونية, وتأييدًا لذلك يقول "دافيد بن غوريون" مؤسس دولة إسرائيل: "إن الصهيونية الحقيقية لم تبدأ بهرتزل ومؤتمر بال، ولا بوعد بلفور، ولا بقرارات الأمم المتحدة عام ١٩٤٨م، لكنها بدأت يوم وعد الله أبانا إبراهيم وعده".
وقد ظلت دعوة اليهود لإحياء آمالهم في العودة إلى أرض الميعاد مستخفيةً طوال ثمانية عشر قرنًا، إلّا ما كان من بعض حاخاماتهم مثل: "سبتاري زيفي" الذي سبقت الإشارة إلى حركته في ظلال ما أتاحه الحكم الإسلاميّ المتسامح لليهود في سالونيك, التي كانت مدينةً تابعةً لدولة الخلافة العثمانية.
стр. 151
وفيما يلي وثيقة نشرتها مجلة "فرنسا القديمة", تكشف عن طرفٍ من نشاط اليهود وتدبيرهم الخفيّ١:
"في عام ١٨٨٠ نشرت مجلة الدروس اليهودية التي تتقاضى نفقاتهامن جيمس روتشيلد استنادين, يوضحان أن حكماء صهيون يعملون منذ القرن الخامس عشر -التاسع الهجري, في سبيل الفتح اليهوديّ.
ففي ١٣ كانون الثاني سنة ١٤٨٩م, كتب شامور رباني مدينة أرل -من أعمال مقاطعة البروفنس الفرنسية- إلى المجمع اليهوديّ العالميّ القائم في الأستانة -وهي إسلامبول عاصمة العثمانيين- يستشيره في بعض حالات حرجة، قال: إن فرنساويى أكس, وآرل ومارسيليا، يتهددون معابدنا فماذا نعمل؟ فورده الجواب الآتي:
أيها الأخوة الأعزاء بموسى، تلقينا كتابكم، وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا، فكان وقع هذا الخبر شديد الوطأة علينا، وإليكم رأي المرازبة -الحكام, والربانيين:
* بمقتضى قولكم أن ملك فرنسا يجبركم أن تعتنقوا الدين المسيحيّ فاعتنقوه، فإنه لا يسعكم أن تقاوموا، غير أنه يجب عليكم أن تبقوا شريعة موسى راسخةً في قلوبكم.
* بمقتضى قولكم أنهم يأمرونكم بالتجرد من أملاككم، فاجعلوا أولادكم تجارًا ليتمكنوا رويدًا رويدًا من تجريد المسيحيين من أملاكهم.
* بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم, فاجعلوا أولادكم أطبَّاء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم.
* بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم, فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى، وكتبه عدل، وليتداخلوا دومًا في مسائل الحكومة ليخضعوا المسيحيين لنيركم, فتستولون على زمام السلطة العالمية، وبذلك يتسنى لكم الانتقام.
سيروا بموجب أمرنا هذا, فتتعلمون بالاختيار أنكم من ذُلِّكُم وضعفِكم تتوصلون إلى ذروة القوة والعظمة.
في ٢١ كاسلو "تشرين ثاني" ١٤٨٩.
التوقيع: أمير اليهود.
V. S. S. V. F. F.
стр. 152
الفصل الثاني: مقومات الصهيونية
المبحث الأول: المقومات الدينية
أولًا: امتلاك فلسطين والأقطار المجاورة لها
يعتقد اليهود أن مُلْكَ فلسطين حقٌّ مشروع لهم، حيث وعد الله به ذرية إبراهيم ﵇ في التوراة: "واجتاز إبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حنيئذٍ في الأرض، وظهر الرب لإبرام، وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحًا للربِّ الذي ظهر له١".
ثم وجه هذا الوعد، ولما يتحقق بعد، إلى إسحق بن إبراهيم، ﵉: "وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحق إلى أبي مالك ملك الفلسطينيين إلى جرار، وظهر له الرب وقال: لا تنزل إلى أرض مصر، اسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض، فأكون معك، وأباركك، لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد، وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك٢".
ومفهوم هذا النص أن الله قد اختص اسحق ﵇, ونسله بجماع ما وعد به أباه إبراهيم ونسله، فيما عدا مصر التي أمره بعدم النزول فيها، والتي ينبغي أن تؤول بناءً على هذا إلى إسماعيل ﵇، لولا أن الله قد استثناه من ذرية إبراهيم ﵇ فيما وعد به -كما يزعم محرفو التوراة.." وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك، فقال الله: بل أمراتك تلد لك ابنًا وتدعو
стр. 153
اسمه إسحق، وأقيم عهدي معه أبديًّا لنسله من بعده, وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًّا, اثني عشر رئيسًا بلد، وأجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية١".
ثم وجَّه هذا الوعد مرةً أخرى إلى يعقوب, ثم إسحق ﵉, في صورة حلمٍ تراءى ليعقوب وهو نائم في أرض حاران، وورد ذكر تمليك أرض كنعان لموسى وهارون -عليهما السلام٢, وبعد وفاة موسى وجَّه الله وعده إلى خليفته يوشع بن نون في صورة أكثر تفصيلًا: "موسى عبدي قد مات، فالآن قم اعبر هذا الآردن، أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم -أي: لبني إسرائيل, كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى، من البرية ولبنان, هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحيثيين, وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخومكم٣".
وجاء الوعد الإلهيّ أخيرًا إلى داود ﵇, ونسله, على لسان ناثان النبيّ٤، وتكرر ذكر الوعد الإلهيّ في أسفار شتَّى، كما أوردته المزامير في أكثر من موضع، ومن ذلك: "لأن الله يخلص صهيون، وبين مدن يهوذا، فيسكنون هنالك ويرثونها، ونسل عبيده يملكونها، ومحبو اسمه يسكنون فيها٥".
هكذا تكررت الوعود الإلهية بملك اليهود لفلسطين، وكأنما وجهت متتالية لمجرد التشويق والإثارة لا للتنفيذ، فهي توجه لهذا تارةً ولآخر تارةً أخرى, من غير أن تتحقق لا لهذا ولا لذاك.
стр. 154
ثانيًا: فكرة المسيح المنتظر:
يعتد اليهود أن عودتهم إلى أرض الميعاد سوف تتم على يدي المسيح المنتظر، Paraclet ويقصد به المنقذ أو المخلص؛ إذ سوف يبعثه الله من صهيون من نسل داود، لينقذهم من المحن والشدائد والهوان، جزاء عصيانهم أوامر الله، ومروقهم عن طاعة أنبيائه، وإمعانهم في الآثام والموبقات، وينتقم لهم من جميع الشعوب، ويفرض عليها سلطان اليهود.
وجا في التوراة١: إنه ظهر في مملكة إسرائيل في عهد الملك أخاب ابن عمري النبيّ إيليا التشبي, داعيًا إلى تطهير البلاد من أدران الوثنية والمفاسد الخلقية التي تَرَدَّى فيها المجتمع الإسرائيلي، إلّا أن دعوته صادفت أزورارًا وإنكارًا, فصعد إلى السماء في غمار عاصفةٍ عاتيةٍ، مستقلًا مركبةً ناريةً, تجرها خيل من نار كذلك.
ويعيش اليهود على أمل هبوط النبيّ إيليا من السماء، بشيرًا بمقدم المسيح المنتظر هاديًا ومخلصًا.
стр. 155
ثالث: اخضاع العالم لسلطان اليهود-شعب الله المختار
...
ثالثًا: إخضاع العالم لسلطان اليهود -شعب الله المختار
حرص اليهود على إخفاء أطماعهم الاستعمارية الخيالية، وتكتموا الأسباب التي يعزون إليها حقهم في حكم العالم وسيادة البشر، فلا يتناجون بها إلّا في خاصة مجالسهم ومجتمعاتهم، متخافتين حتى لا يستثيروا السخط العالميّ، ويوجهوا عداوة, ولهذا بادر الصهيونيون إلى إنكار دستور اليهودية العالمية "بروتوكولات صهيون"، متبرئين منها فور إماطة اللثام عنها، وحاولوا إحراق الطبعات الأولى منها قبل تداولها وذيوعها، ولكنهم فشلوا؛ إذ تكرر طبعها في أنحاء العالم بمختلف اللغات.
وقد سار الصهيونيون في تحقيق أهداف البروتوكولات الخطيرة -رغم إنكارهم لها- مترسمين تعاليمها ومناهجها بدقة وإصرار ودأب متصل، وكان الزعيم الصهيونيّ الكبير "هرتزل" قد صرح في عدة بيانات أصدرتها اللجنة الصهيونية في عام ١٩٠١م-١٣١٩هـ, أن بعض الوثائق الخطيرة قد سرقت من قدس الأقداس، وما كان ينبغي لها أن تنشر قبل الأوان، مشيرًا بذلك إلى تلك البروتوكلات دون ريب، وكان أمرها قد افتضح للعالم, مما أثار الرأي العام العالميّ ضد اليهود.
ويستند اليهود في ادعائهم حق السيطرة على العالم إلى ما جاء
стр. 156
في التوراة من أنهم شعب الله المختار الذي فضَّلَه الله على العالمين، واستخلفه في الأرض، ومن ثَمّ كان من حقه السيطرة على شعوب الأرض, والقوامة على حكوماتها، ومما جاء في التوراة: "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما أنتم فتدعون كهنة الرب, تسمون خدام إلاهنا، تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون١".
وفي التوراة أيضًا: "إني أخبر من جهة قضاء الرب، قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وأقاصي الأرض ملكًا لك، تحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزف تكسرهم٢".
وقد كان الكاهن "عزرا" يعتقد أن العالم قد خُلِقَ من أجل بني إسرائيل -شعب الله المختار، وأن مآله إلى الخضوع لحكمهم، وأن بني إسرائيل يمرون في ذلك الوقت من عصر عزرا بمرحلة تمهيدية ضرورية للوصول بهم إلى الملك العالميّ الموعود.
والعجيب أن هذه المرحلة التمهيدية لم تنته بعد، رغم مرور أكثر من أربعةٍ وعشرين قرنًا من الزمان.
ونكتفي بالرد على أوهام الصهيونية بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
стр. 157
التعاليم السرية في التلمود والكبالا:
هذا, ولا تقتصر النصوص الدينية لدى الصهيونيين على أسفار التوراة فحسب، فالصهيونية تنتمي بعقيدتها إلى طائفة اليهود الربانيين الذين يؤمنون بالتلمود كتابًا مقدسًا، ويعتقدون أنه منزل من عند الله على موسى ﵇, كالتوراة سواء بسواء، ولا يختلف عن التوراة إلّا في أنه أنزل على موسى مشافهة، بينما كتبت نصوص التوراة على لوحين حجريين بيد القدرة الإلهية، وأكمل موسى ﵇ تدوينها في كتاب.
стр. 158
ولئن نسب كثير من تعاليم التلمود إلى حاخامات اليهود الربيين، فإن ذلك مما يؤكد قداستها في عرفهم؛ لأن كلام الحاخامات كما يقول التلمود هو كلام الله, وله عند الله المقام الأسمى، حتى أنه يستشيرهم كلما أعضلته مشكلة مستعصية١. -تعالى الله عما يقولون..
ومبنى تعاليم التلمود, أن بني إسرائيل صفوة الخلق، اصطفاهم الله على العالمين، واستخلفهم في الأرض يتملكونها ويسودون أهلها، حقًّا مقضيًّا لهم, وقد بشَّر التلمود اليهود بملك العالم في قوله: "كل مكان تطؤه أقدامكم يكون لكم، كل الأماكن التي تحتلونها فإنها لكم، فأنتم سترثون الجوييم -أي: الكفرة والأنجاس غير اليهود- المستكبرين في الأرض، وبعد ذلك كل مكان بعد أرض إسرائيل التي يجب أن لا تكون نجسة تحت أقدام الجوييم، إنكم بعد أن تحتلوا أرض إسرائيل يحق لكم أن تحتلوا غيرها".
وجاء في التلمود أيضًا: "يجب على كل يهوديٍّ أن يسعى لأن تظل السلطة على الأرض لليهود دون سواهم، وقبل أن يحكم اليهود نهائيًا باقي الأمم, يجب أن تقوم الحرب على قدمٍ وساقٍ، ويهلك ثلثا العالم، وسيأتي المسيح الحقيقيّ ويحقق النصر المرتقب، وحينئذٍ تصبح الأمة اليهودية غايةً في الثراء؛ لأنها تكون قد ملكت أموال العالم جميعًا، ويتحقق أمل الأمة اليهودية بمجيء إسرائيل، وتكون هي الأمة المتسلطة على باقي الأمم عند مجيء المسيح".
ويحلق بالتلمود -وهو كتاب اليهود السريّ المقدس- كتاب سريّ آخر, يعرف "بالكبالا" لا يقل عنه خطورةً، بما يثير من التعصب العنصريّ العنيف، ويروج له بغلظة ووحشية.
والكبالا كتاب يتوارثه اليهود منذ القدم، يعالج التصويف اليهوديّ عن طريق السحر الذي يمثل شطرًا من الطقوس الدينية التي يمارسونها خفيةً, خشية اطلاع أحدٍ من الشعوب الأخرى عليها، لما فيها من التفنن في الكيد لتلك الشعوب, والتحريض على اغتيالها لاستنزاف دمائها، واستخدامها في ممارسة هذه الطقوس، ويحقق الكبالا لليهود الأهداف التالية:
стр. 159
١- الحفاظ على مباديء اليهود العدوانية المتطرفة حيال الشعوب الأخرى، بإيجاد المناخ النفسيّ الملائم لتعيش هذه المبادئ، وذلك بإشعال نار الحقد والتعصب العنصريّ في صدور اليهود, بما تتضمنه من فنون الكيد والانتقام التي تحضهم عليها كشعائر دينية مقدسة.
٢- إشباع ثائرة اليهود العدوانية، وشفاء غليلهم باستنزاف دماء أعدائهم، واستخدامها في الطقوس السحرية الدموية.
٣- يحس اليهود في ممارسة تعاليم الكبالا طمأنينةً وراحةً نفسيةً عميقةً, ويستشعرون أنهم إنما يمارسون شعائر مقدسة تقربهم من الله, وترفع عنهم ما حاق بهم من غضبٍ إلهيٍّ منذ الحقب الخالية.
وقد كانت تعاليم الكبالا نواةً للنشاط السري الهدَّام, الذي توفر عليه اليهود دائبين, متمثلًا في مختلف الجمعيات والمؤتمرات التي سعوا من خلالها إلى تحقيق آمالهم وأطماعهم، كما كان لتلك التعاليم تأثير مباشر في صياغة أفكار اليهود الصهيونيين على الصورة الشائعة القائمة، والأسلوب الدمويّ الجانح الذي يمارسه الصهيونيون الآن١.
стр. 160
المبحث الثاني: المقومات السياسية
لم يفصح اليهود عن نواياهم الاستعمارية؛ لأن مقوماتها دينية محضة، ومبناها على نصوص التوراة وتعاليم التلمود والكبالا، كما رأينا، ومن تلك المصادر الدينية، وضعت الصهيونية الحديثة قواعد دستورها المعروف بـ بروتوكولات حكماء١ صهيون, وقد كانت هذه التعاليم من أسباب تألب الرأي العام الأوربيّ على اليهود، وما أصابهم من اضطهادٍ وتعذيبٍ، لما تضمنته من أطماعٍ عدوانيةٍ, وتعاليم فاسدة جانحة, تثير الحقد والبغضاء, وتعيث في الأرض بالفساد والخراب.
وفي القرن الماضي استغل اليهود رواج النظريات القومية, وتفجر الحركات الاستقلالية في أوربا، فالتمسوا الذرائع التي توسلت بها الشعوب لتحقيق مطالبها القومية، وقد ساعد اليهود في الوصول إلى هدفهم ما ظفروا به من حريةٍ في ظلال الحكومات الكبرى؛ كبريطانيا وفرنسا، أسوةً بسائر الشعوب المهضومة الحقوق، وبذلك تمكَّن اليهود من الجهر بمطالبهم، واستدرار الشفقة والعطف عليهم, بعد ما عانوه من صنوف الذل والاضطهاد.
وقد استهدف الصهيونيون في حركتهم العلنية مطلبًا يعتبر بالنسبة لأطماعهم الأصلية متواضعًا محدودًا؛ إذ اقتصر على السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين باعتبارها وطنًا قوميًّا لهم، يماسرون فيه حقوقهم القومية بمنجاة من ويلات الاضطهاد والتعذيب.
وقد استندوا في تبرير هذا المطلب إلى دعوى القومية اليهودية الخاصة التي يزعمون أنهم يتمتعون بها، ويدين بها كافة اليهود في بقاع الأرض، وأن من حق هذه القومية اليهودية التوطن في فلسطين بالذات؛ لما لهم فيها من حقوق دينية وتاريخية رددتها كتبهم المقدسة، ومن
стр. 161
شأن هذا الوطن القوميّ أن يعصمهم مما يحيق بهم من اضطهادٍ عنصريٍّ لا حقهم على مدى التاريخ.
وكان موسى هيس١ اليهوديّ الألمانيّ أول من نادى بالقومية اليهودية، يحاول أن يربط بها بين أشتات اليهود أينما استقروا، وجعل منها الدعامات السياسية للحركة الصهيونية.
والمسوغات الاجتماعية والسياسية التي استحدثها اليهود الصهيونيون للاستيلاء على فلسطين, تتلخص في ثلاثة أنواعٍ رئيسية من الحقوق:
١- حق القومية اليهودية في التوطن في صعيد واحد يجمع شمل اليهود.
٢- حق اليهود التاريخيّ في العودة إلى فلسطين, وطن أسلافهم الذين شُرِّدُوا منه.
٣- الحق الإنسانيّ في تجنيب اليهود ما يلاقون من اضطهادٍ عنصريٍّ أينما استقر المقام بأوزاعهم في فجاح الأرض.
والأسباب السياسية والاجتماعية التي يدَّعيها اليهود الصهيونون, لم تكن هي دعامة النظرية الصهيونية وعمادها، وإنما هي تعللات محدثة, ومسوغات طارئة غير أصلية, ابتدعوها تكأةً يعتمدون عليها في الإسفار عن دعوتهم, وقناعًا تبدي به للعيان ظاهرة الجرم, مستخفية المعالم المريبة, تموه به أطماعها الخفية, وقد استمدت المسوغات السياسية والاجتماعية اعتمادًا على:
١- ما قررته الثورتان الأمريكية والفرنسية من حقوقٍ طبيعية للإنسان, حفز اليهود على المطالبة بحقوقهم الفردية والجماعية المسَّلَّمِ بها, والتي تواتر اعتراف الدول بها لمواطنيها، تلك الحقوق التي منحتهم حرية الرأي, وشجعتهم على إنشاء الجمعيات الخاصة, وتنظيم الحملة الدعائية المركزة التي وطأت لهم أذهان العالم, والضمير العالميّ, واستمالت الرأي العام على أوسع نطاق.
стр. 162
٢- نشاط الحركات القومية خلال القرن التاسع عشر الميلادي -الثالث عشر الهجريّ, وتقرير حق المصير للقوميات المختلفة، مما وجدت فيه الصهيونية مسوغًا لادعاء حقوق قوميةٍ لهم, أسوة بالقوميات الناهضة.
٣- قيام المذابح اليهودية في شرق أوربا وفي روسيا القيصرية خاصة، وانتهاز فرصة انفعال الرأي العام في أوربا عطفًا وإشفاقًا على اليهود، مما أتاح لهم المبرر لطلب التجمع في وطن قوميٍّ يلوذون به.
ولم تكن الأهداف الاقليمية اليهودية مرتبطة بفلسطين بالذات، فقد كان هدف اليهود المضطهدين تجميعهم في دولةٍ يهوديةٍ بمتنعون فيها، ويمارسون فيها حياتهم العنصرية بمنجاة من الاضطهاد، أيًّا كانت هذه الدولة، دون التقيد بأقليمٍ معيّن، غير أنهم ما إن استشعروا تعاطفًا من المجتمع الدوليّ حتى ظهرت رغبتهم الدفينة في امتلاك فلسطين، وفشلت كل المشاريع والعروض في جعل وطنهم القوميّ في الأرجنتين أو كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو جنوب أفريقيا أو استراليا أو أوغندا.. إلخ.
وكان تيودور هرتزل, قد اقترح أن يجمع شتات اليهود من أرجاء العالم في الأرجنتين أو في فلسطين، ولكن المؤتمر الصهيونيّ الأول الذي انعقد في مدينة بال بسويسرا عام ١٨٩٧م, قرر تخصيص فلسطين، وقد حاول هرتزل عام ١٩٠١م, إغراء الخليفة العثمانيّ, السلطان عبد الحميد, ببيع فلسطين لليهود، ولكن السلطان رفض التنازل عنها بأيِّ ثمنٍ، وأصدر أمر بحظر دخول اليهود إلى فلطسين، ولما كرر الصهيونيون المحاولة برئاسة هرتزل, وبَّخَ السلطان عبد الحميد رئيس ديوانه لسماحه بدخول هرتزل عليه، وطرده شر طردة.
وبعد سنواتٍ قليلةٍ قام أعوان اليهود من ضباط حزب الاتحاد والترقي بالانقلالب على السلطان عبد الحميد كما هو معروف, وقام الحكام الذين خلفوا عبد الحميد من الاتحاديين -ومعظمهم من أعضاء المحفل الماسوني أو من الدونمة١ بفتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين, وعملوا على الإسراع في تصفية الدولة العثمانية, وإلغاء منصب الخلافة..
стр. 163
الفصل الثالث: مناهج الصهيونية ووسائلها
المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية
السيطرة الفكرية
...
الفصل الثالث: مناهج الصهيونية ووسائلها
المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية
يعتمد اليهود في تنفيذ سياستهم الاستعمارية على ركائز أربعة:
١- السيطرة الفكرية:
وسبيلها الدعاية العريضة المنظمة عن طريق أجهزة الإعلام الفعالة؛ لتهيئة الأذهان وتطويعها لأهوائهم، سواء كانت هذه الأجهزة منظمات يهودية سافرة، أم منظمات اجتماعية مموهة، سريةً كانت أم علنيةً، كالجمعيات الماسونية، وفرسان المعبد, وجماعات الصليب الورديّ, وشهود يهوه والكبالا, وغيرها من الهيئات والمنظمات والجمعيات التي بثوها في أقطار العالم مكامن لهم، يعملون فيها على وأد الشعور الدينيّ والوطنيّ لدى المنتمين إليها من شتى الأجناس والأديان، ومباءات لعملائهم الذين سخروهم عيونًا لهم وإرصادًا، ثم سائر وسائل الإعلام الصحفية والدعائية؛ كالإذاعة والسينما ووكالات الأنباء التي أخضعوها لنفوذهم الماليّ، يشنون بها على أعدائهم حربًا نفسيةً شعواء، توهينًا لقواهم، وتصديعًا لشملهم، وإضعافًا لروحهم المعنوية، بإثارة الفتن، وإشاعة الفوضى الفكرية، والبلبلة الذهنية، وإفساد العقائد، وإفقاد الثقة بالنفس، وبالقيم الأخلاقية.
وهم يمارسون نشاطهم الإعلاميّ بدهاءٍ وحذقٍ، فلا يكتفون بإذاعة وجهات نظرهم في إطار مغر مدو، وإنما يترصدون شديد ما يذاع في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى, فيحولون بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة -من ضغط وتشهير ورشوة وإغراء- دون إذاعة مايسيئ إليهم, أو يخالف وجهة نظرهم، أو ما يفيد منه أعداؤهم بوجه عامّ.
стр. 164
ويعتمد الصهيونيون اعتمادًا كبيرًا على وسائل الإعلام، ويرون في الدعاية الصاخبة المدوّية مفاعلًا أبلغ تأثيرًا وأقوى نفاذًا، يقول هرتزل في مذكراته: "الضجة هي كل شيء، والحق أن الضجيج يؤدي إلى الأعمال الكبيرة" وذلك لأنها تستلفت الأنظار، وتعبئ الأنصار، وتضعف الأعداء، وتنقل المعركة إلى جوٍّ عالميٍّ تتوفر لها فيه مزايا ماضية حاسمة.
стр. 165
٢- السيطرة المالية:
وتتحقق عن طريق البنوك وبيوت المال، التي يهيمن عليها اليهود، ويوجهون بها النشاط الصناعيّ والتجاريّ لمصلحتهم, ويتحكمون في الاقتصاد الفرديّ والاقتصاد الجماعيّ بما يدعم نفوذهم السياسيّ، فيبتزون بها الثروات الخاصة والعامة، ويمتصون الأموال من المجالات الحيوية، وهي عصب الحياة في المجتمع حتى يتحطم وينهار, وذلك عن طريق الاحتكار والمضاربات المالية والإقراض بالربا الفاحش، وإشاعة الفقر والدمار والإفلاس، وشراء ضمائر الساسة والحكام توصلًا إلى ما يبتغون من مآرب وأطماع.
ووسيلتهم إلى احتكار الأسواق العالمية إغراق الأسواق الجديدة بالمنتجات بسعرٍ يقل عن سعر التكلفة, على أن يعوضوا خسارتهم برفع الأسعار في الأسواق التي تَمَّ لهم احتكارها من قبل, مما يعرض منافسيهم للكساد والإفلاس، حتى إذا ما خلا لهم الجوّ الاحتكاريّ في السوق الجديدة، رفعوا الأسعار فيها إلى درجة فاحشة تجزل لهم الربح أضعافًا مضاعفة.
والمال اليهوديّ سلاحٌ خطيرٌ, فإن سيطرتهم على مصادره وموارده مكنتهم من مخانق الاقتصاد والسياسة معًا، كوسيلةٍ للتهديد والإفلاس وانهيار الاقتصاد الخاص والعام, مما يؤثِّر على كيان الدولة ذاته, وهو من ناحيةٍ أخرى سبيلٌ للإغراء تستمال به الدول عن طريق القروض, إبَّان الأزمات والحاجة إلى تمويل المشروعات الاقتصادية والحربية، وأخيرًا فالمال في أيدي اليهود أداةٌ فعالةٌ لشراء الذمم والضمائر والأصوات في المجتمعات المحلية والمحافل الدولية.
стр. 166
٣- السيطرة السياسية:
وسبيلهم إليها التغلغل في الأوساط السياسية، واكتساب التأييد الدوليّ، وضم كبار الساسة والمسؤولين إلى صفوفهم بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، فتراهم في الدول الرأسمالية يمالئون النظام الرأسماليّ ليكونوا من دعائمه وزعمائه, ثم هم في روسيا الشيوعية دعاتها المتحمسون, رواد الثورة البلشفية الحمراء.
ورغم حرص اليهود على اعتزال الحياة الاجتماعية والسياسية واقتصار نشاطهم على شؤون المال والاقتصاد التي توفروا عليها، وتخصصوا فيها، وملكوا زمامها، فإنهم لا يظهرون على مسرح الحياة الدولية العامة إلّا في وظائف السلطان التي يتسللون إليها بدهاءٍ خارقٍ، وفقًا لسياسة مرسومة، حتى تتاح لهم السيطرة على دفة الحكم فيوجهوها الوجهة التي يبتغون, والتي تحقق مناهجهم الصهيونية، سواءً بتسخير سلطات الدولة لتأمين الحياة الرخية لليهود، وتوفير الطمأنينة لهم، أو بإفساد مجتمع الجوييم، وإشاعة الانحلال في أوصاله، تمهيدًا لسيطرة اليهود وسيادتهم، فكانوا يتسللون عبر التاريخ الطويل إلى المناصب الإدارية العليا، والمراكز السياسية المرموقة, سواء في الدولة الإسلامية أو المسيحية، في المشرق والمغرب، فكان منهم خواص الأطباء الماليون.. وقد استطاعوا عن طريق رجالهم الذين وصلوا إلى المناصب الدولية الهامة أن يحصلوا من الحكومة البريطانية على وعد بلفور, بقيام وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين، وأن يهيئوا لأنفسهم في ظل احتلال بريطانيا فلسطين الدعامات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قامت عليها دولة إسرائيل.
واستطاعوا بعد ذلك أن يحصلوا -وعن طريق رجالهم وعملائهم أيضًا- على تأييد الولايات المتحدة الأمريكية لكل مشروعاتهم وسياساتهم, وأن يظفروا بأصوات الكثرة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة, حين طرح عليها الاعتراف بدولة إسرائيل المغتصبة.
стр. 167
٤- السيطرة العسكرية:
وهي المرحلة الأخيرة في مناهج الحركة الصهيونية، ومؤداها العمل
على إعداد جيش يهوديٍّ مزود بأحدث الأسلحة والعتاد الحربي لحماية دولتهم، والتوسع العدوانيّ بالغزو المسلح.
وقد بدأت الصهيونية بالإعداد لتكوين الجيش إبَّان الحرب العالمية الأولى, عندما شكلت فيلقًا يهوديًّا من تسعمائة جنديّ, انضم إلى فرق النقل في الجيش البريطانيّ, وعرف باسم فرقة البغّالة الفلسطينية, واشتركت في عملية غاليبولي في تركيا, ثم سرحت سنة ١٣٣٥هـ-١٩١٦م, وعلى إثرها انضم آلايات من اليهود إلى فرقة حملة البنادق الملكية البريطانية، كما انضمت فصائل من اليهود إلى جيوش اللورد اللبني, التي غزت فلسطين في نهاية الحرب العالمية الأولى.
وكانت الظروف مواتيةً لهم أثناء الحرب العالمية الثانية, حين غزا الجيش الألمانيّ الشرق الأدنى بقيادة روميل، فشكل اليهود سنة ١٣٦٠هـ-١٩٤١م فرقة عسكرية من عصابة هاجاناه, وأطلق على الفرقة اسم البالماخ -أي: الصاعقة؛ لتساعد في المقاومة خلف خطوط القتال في حالة احتلال الألمان لفلسطين، وينتسب إلى هذه الفرقة كثير من زعماء إسرائيل مثل: موسى ديان، وإسحق رابين، وحاييم بارلييف, كمنا ساهمت القوات اليهودية مع الجيوش الإنجليزية والفرنسية الموالية للحلفاء في غزو سورية ولبنان, وأنشئت فرقة يهودية أخرى ألحقت بالجيش البريطانيّ واشتركت في غزو إيطاليا.
وهكذا أتيح لليهود المبرر الرسمي لتكوين كتائب عسكرية مدربة تدريبًا حديثًا، ومزودة بالسلاح والعتاد، وتمكنوا في ظلال الاحتلال الإنجليزيّ لفلسطين, من تحويل مستعمارتهم فيها إلى ثكنات عسكرية يحميها حرس يهوديّ، وسمح الإنجليز لليهود بتشكيل منظماتٍ عسكريةٍ تحمل طابعًا اجتماعيًّا أو رياضيًّا أو كشفيًّا، مثل: المكابي، والترميلد، وشباب إسرائيل، والطلائع، وأبناء صهيون, بالإضافة إلى المنظمات العسكرية: هاجاناه، وأرجون زفافي ليومي١ وشترن٢.
وحين انسحبت بريطانيا من فلسطين سنة ١٣٦٧هـ-١٩٤٨م, وأعلن اليهود قيام دولة إسرائيل، كان لديهم جيش مدرب، ومستعمرات محصنة، وعصابة من الدول الاستعمارية تؤيدهم وتعترف بهم، ومازال
стр. 168
الجيش الإسرائيلي موضع الحدب والرعاية من دول الغرب -وخاصة أمريكا, تمده بأحدث الأسلحة, وبكميات ضخمة جدًّا، بحيث يتفوق بمعداته على الدول العربية المحيطة بإسرائيل مخجتمعة, كما تمده روسيا الشيوعية بالطاقة البشرية من المحاربين والخبراء ممن يرغب في الهجرة من اليهود المقيمين في روسيا.
стр. 169
المبحث الثاني: وسائل تنفيذ المناهج الصهيونية
مدخل
...
المبحث الثاني: وسائل تنفيذ المناهج الصهيونية
من أبرز خصائص الصهيونية الالتزام بوصايا التوراة التزامًا حرفيًّا، والإيمان المطلق بتعاليم التلمود، ولهذا فهي تمعن في الشر، وتعرف في العنف والتنكيل والولوغ في الدماء بضراوة ووحشية، تبتغي من ذلك أولًا القضاء على كل مقاومة، وإبادة أعدائها، ثم إشاعة الهلع, وبث الرعب في القلوب؛ لتفتيت القوى المعنوية، ودفعها للاستسلام، فإن عجزت الصهيونية عن ممارسة هذا الأسلوب من العنف، اصطنعت الختل والنفاق والغدر والغيلة، وهي أسلحة خبيثة لا يلجأ إليها إلّا الضعيف المخذول.
واليهود هم أول من وضع قواعد الفلسفة الميكافيلية الوصولية، التي تبرر كل وسيلة تحقق الهدف، دون اعتداد بالقيم الخلقية أو الفضائل الإنسانية، كما يظهر ذلك من مطالعة تاريخ اليهود في أسفار التوراة، فالصفة المميزة لهم هي الاجتراء على كل قيمة مشروعة في سبيل مصالحهم، وكل وسيلة مهما كانت داميةً، أو ملتويةً، أو مشينةً مزريةً، فهي مشروعة, يمطئن إليها الضمير اليهوديّ, بل يسبغ عليها البركة.
ولقد تبلورت قاعدة الغاية تبرر الوسيلة في البروتوكولات التي سنعرض لها قريبًا، وكان الإغراء النسائيّ أقدم الوسائل التي سجلت التوراة -المحرفة طبعًا- على العبرانيين استغلالها لتحقيق مآربهم، ونسبت إلى إبراهيم ﵇ -وحاشاه -استغلالها, فقد روت التوراة مع التأييد والإعجاب في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، كيف تخلى إبراهيم ﵇، عن شهامته وغيرته عن طيب خاطر، لقاء أجر؛ إذ قدَّم زوجته سارة إلى فرعون مصر، وأغراها بقبول التضحية بعرضها, وأمرها أن: "قولي إنك أختي؛ ليكون لي خير
стр. 170
بسببك، وتحيا نفسي من أجلك.. فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبراهيم خيرًا بسببها, وصار له غنم وبقر وحمير وإماء وأتن وجمال".
وينسب اليهود فيما سطروه في التوراة إلى أنبيائهم كل مخزية من الصفات والأعمال، مما هو معروف، كما تضمنت التوراة نصوصًا تدعوا إلى البطش بأعدائهم والتنكيل بهم، والتخلي عن الرحمة والشفقة في معاملتهم, ولو كفّوا أيديهم عنهم واستسلموا لحكمهم: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد لك, وإن لم تسالمك, بل عملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلاهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك, وهكذا تفعل بجميع المدن البعيدة جدًّا التي لست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيها الرب إلاهك نصيبًا, فلا تستبق منها نسمة ما١"..
ولا يتسع المقام لذكر فظائع اليهود التي سجلها التاريخ، ويكفي أن نشير إلى ما قام ويقوم به اليهود من العدوان الصهيونيّ على الفلسطينيين، الذين طردوهم من ديارهم شر طردة، ونهبوا أموالهم، وانقضوا عليهم غيلة وغدرًا في مجازر مروعةٍ في دير ياسين سنة ١٣٦٧, التي ذبح بها مائتان وخمسون من الرجال والنساء والأطفال، وفي قرى: ناصر الدين, وبلد الشيخ, وسكرير، وعيلوط, وغيرها, وفي سنة ١٣٧٤ أعادوا الكرة في مدينة غزة، وفي سنة ١٣٨١ أباد الصهيونيون قرية التوافيق بمن فيما, وقرية السموع, وبعد ذلك استمرت الغارات الصهيونية على الجليل، والجولان، ومدن منطقة قناة السويس, وعلى معسكرات اللاجئين الفلسطينيين؛ حيث فتكت بهم ودمرت أكواخهم، وبعثرت أشلاءهم, مستخدمةً أشد الأسلحة الحديثة فتكًا٢.
стр. 171
بروتوكولات صهيون:
أشرنا فيما سبق إلى البروتوكولات التي تعتبر دستور الحركة الصهيونية العمليّ، ويه تمثل المبادئ الصهيونية المبعثرة مصاغة في تبويب موضوعيّ مركز، وذلك هو القدر المتيقن من أمر البروتوكولات الذي لا مجال للجدل أو الشك فيه، بعد أن ظهر تنفيذه في خطوات الصهيونية التي نفذتها بعد المؤتمر الصهيونيّ الأول، وحتى الآن, وهذه خلاصة ما جاء في البروتوكولات:
١- إشاعة الفوضى الشاملة:
جاء في البروتوكولات الخامس: "إننا نقرأ في قاموس الأنبياء أن الله اختارنا لحكم العالم، وقد وهبنا الله العبقرية لنقوم بهذا العمل"، وقد تركزت هذه العبقرية -مع الأسف- في الافتتان في وسائل الفساد والتخريب، وفساد الحكومات والمجتمعات، وتخريب الدول والنفوس، وعلى هذا الأساس, فصَّلَت البروتوكولات المناهج العملية لتقويض الحكم القائم في شتّى الدول، وإقامة حكومة يهودية جامعة على أنقاضها: "أروع النتائج التي يمكن الحصول عليها في سبيل حكم العالم, يتحقق باستخدام العنف والتهديد لا بالمناقشات الأكاديمية", "وإن الذي يحكم، يجب أن يلجأ إلى الحيلة والنفاق، وفي السياسة تستحيل الصفات الإنسانية من أمانة وصدق إلى رذائل تؤدي إلى سقوط الملك عن عرشه", "يجب أن يكون شعارنا: جميع وسائل القوة والنفاق يتحتم أن يكون البطش هو المبدأ، والحيلة والنفاق هما القاعدة لدى الحكومات التي لا تريد أن تضع تاجها تحت أقدام أعوان أيّ حكم جديد, وهذا الشر هو السبيل الوحيد لبلوغ الخير، فعلينا أن لا نتردد أمام شراء الذمم والغدر والاحتيال إذا كان ذلك يخدم قضيتنا".
وتنشأ عن هذه الخطط والوسائل الصهيونية إشاعة الفوضى في العالم, والتسلل اليهوديّ من خلالها، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم: فوضى عاتية جائحة؛ سياسية وفكرية وروحية واجتماعية واقتصادية.
٢- إثارة الفتن والوقيعة بين شعوب العالم ودوله:
كشف الحاخام عمانوئيل رابينوفتش عن خطة الصهيونية في خطابه بمؤتمر الربانيين بمدينة بودابست سنة ١٩٥٤م-١٣٧٣هـ, حيث
стр. 172
قال: "هل تذكرون حملاتنا الدعائية الناجحة عام ١٩٣٠، لقد أثارت الحقد على الأمريكيين في ألمانيا, والألمانيين في أمريكا، وهذا هو ما أدى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، وقد شرعنا في شن حملات مماثلة في سائر أنحاء العالم، فأثرنا في روسيا موجة من الحقد ضد الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت أثرنا في الولايات المتحدة شعورًا بالخوف والتوجس إزاء الشيوعيين، وتؤدي هذه الحملات إلى دفع الدول الصغيرة إلى تحديد موقفها, إما مع روسيا, وإما مع أمريكا".
وهذا تطبيق لما رسمته البروتوكولات صراحة، ففي البروتوكول العاشر: "يجب بث الاضطرابات بصفة مستديمة في العلاقات القائمة بين الشعوب والحكومات، وإشاعة الأعمال العدوانية والأحقاد، وحتى عذاب الجوع والحاجة والأمراض، لدرجة لا يرى معها غير اليهود مخرجًا للأرزاء التي تحل بهم سوى الالتجاء إلى أموالنا وإلى سيادتنا المطلقة".
وفي البروتوكول الحادي عشر: "غير اليهود كقطيع من الأغنام, أما نحن فإننا الذئاب، وهل تعلمون ما تفعل الأغنام إذا اقتحم الذئاب حظيرتها؟ إنها تغمض عينيها، وسندفعهم إلى ذلك".
ويتضح في البروتوكول الخامس عشر كيف يعمل الصهيونيون لتحقيق أهدافهم: "وإذا ما تولينا السلطة بما نكون قد أعددناه من انقلابات تحدث في جميع الدول في وقت واحد -بمجرد أن يعلن رسميًّا عجز حكومات تلك الدول عن حكم الشعب، وقد يمضي على ذلك وقت طويل, ربما يبلغ قرنًا- سنبذل كل جهدنا لمنع المؤامرات ضدنا".
وإعمالا لهذه التعاليم نلاحظ أن اليهود دائمًا ضالعون مع كل حركة تخريب في العالم، فقد كانوا وراء الحرب العالمية الأولى، يظاهرونها ويذكرون أوارها انتقامًا من روسيا التي تصدت لليهود وانتقمت منهم, وقد استغل اليهود تلك الحرب الضروس لفائدتهم المالية، بإقراض الدول بالربا الفاحش، وترويج تجارتهم في مواد القتال التي يحتكرونها، والقضاء على شعوب أوربا وتقويض دولها.
كما حاول اليهود استغلال الثورة البلشفية في روسيا, وفرضوا وصايتهم عليها، لتحقيق مآربهم العنصرية التي فشلوا في تحقيقها في عهد القياصرة.
стр. 173
وقد نجحت العناصر الصهيونية في حكومة البلاشفة في ممالأة اليهود, والتستر على ما قد يسيء إليهم ويفضح نواياهم، فلما طبعت البروتوكولات في روسيا سنة ١٩١٧ باللغة الفرنسية, صودرت هذه الطبعة رسميًّا ولم يسمح بطبعها بعد ذلك.
٣- الإرهاب الفكريّ وإفساد الرأي العام:
يشرح البروتوكول الخامس كيفية إفساد الرأي العام وبلبلة الأفكار, فيقول: "ولكي نطمئن إلى الرأي العام يجب أن نربكه تمامًا، فنسمعه من كل جانب، وبشتّى الوسائل آراء متناقضة, لدرجة يضل معها غير اليهود الطريق" ويوصي بـ: "مضاعفة الأخطاء التي ترتكب, والعادات والعواطف والقوانين الوضعية في البلاد لدرجة يتعذر معها على الناس التفكير تفكيرًا سليمًا وسط تلك الفوضى, وهكذا يكف الناس عنفهم بعضهم بعضًا, وسوف تساعدنا تلك السياسة على بَثِّ الفرقة بين جميع الأحزاب، وعلى حل الجماعات القوية، وعلى تثبيط عزيمة كل عمل فرديٍّ يمكن أن يعرقل مشروعاتنا".
وفي البروتوكول السابع: "يجب أن نقوم بالتأثير على الحكومات غير اليهودية عن طريق ما يسمونه الرأي العام الذي هيأناه عن طريق أعظم قوة, وهي الصحافة التي -فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية التي لا قيمة لها- توجد كلها في قبضتنا".
وفي البروتوكول الثامن: "لا يتيسر إسناد المناصب الرئيسية في الحكومة إلى إخواننا اليهود، فإننا سنسند المناصب الهامة إلى أناسٍ من ذوي السمعة السيئة حتى تنشأ بينهم وبين الشعب هوة سحيقة، أو إلى أناس يمكن محاكمتهم, والزج بهم في السجون إذا ما حالوا دون تنفيذ أمرنا".
ولقد بلغ من جرأة اليهود أن استباحوا جلال العالم لإشباع حقدهم ونزواتهم، بإفساد العقول والأخلاق، والعبث بالقيم والفضائل الإنسانية؛ فابتدعوا نظرياتٍ علمية تسوغ لهم ما يبيتون من مكر وكيد, وما ينفثون من آراء هدَّامة؛ فاليهود وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية, وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإنساني؛ فاليهوديّ: كارل ماركس, وراء الشيوعية التي تهدم قواعد الأخلاق والأديان..
стр. 174
واليهوديّ دركيم, وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهوديّ سارتر, وراء الوجودية التي جنح بها إلى حيوانيةٍ تصيب الفرد والجماعة بآفات السقوط والانحلال١.
وفي البروتوكول الثاني: ".. نحن الذين هيأنا دارون وماركس ونيتشه، ولم يفتنا تقدير الآثار السيئة التي تركتها هذه النظريات في أذهان غير اليهود".
٤- إشاعة الفوضى والفساد في المجتمع:
رسم البروتوكول الأول لليهود كيف يكيدون لسائر شعوب الأرض، ويبذرون الفوضى والانحلال فيقول: "إن الشعب لدى المسيحيين أضحى متبلد الذهن تحت تأثير الخمر، كما أن الشباب قد انتابه العته لانغماسه في الفسق المبكر الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والمربيات اللاتي يعملن في بيوت الأثرياء، والموظفين والنساء اللواتي يعملن في أماكن اللهو, ونساء المجتمع المزعومات اللواتي يقلدونهن في الفسق والترف".
وفي البروتوكول التاسع: "لقد أتلفنا الجيل الحاضر من غير اليهود, وأفسدنا خلقه بتلقينه المبادئ والنظريات التي نعلم أنها مبادئ ونظريات فاسدة, وعملنا على ترسيخها في ذهنه، ودون أن نعمل على تعديل القوانين القائمة فعلًا أمكننا التلاعب بها, وتفسيرها التفسير الذي لم يخطر على بال واضعيها للحصول على نتيجة فعالة".
٥- افتعال الأزمات الاقتصادية:
يُفَصِّلُ البروتوكول الثالث السلاح الاقتصاديّ الذي يستعين به اليهود على تقويض الحكومات: "وسنعمد إلى خلق أزمة اقتصادية عالمية بكافة الطرق الملتوية الممكنة, بواسطة الذهب الذي يجري بين أيدينا".
وفي البروتوكول الرابع: "يجب أن نقيم التجارة على أسس
стр. 175
المضاربة، ويكون نتيجة ذلك منع غير اليهود من الاحتفاظ بالثروات التي انتجتها الأرض, وعن طريق المضاربة تدخل تلك الثروات خزائننا".
ويوضح البروتوكول السادس كيف يعمل اليهود على الإضرار بالإنتاج: "وسنعمل على تقويض الإنتاج من أساسه, عن طريق نشر الفوضى بين العمال, وتحريضهم على شرب الخمر، كما أنه لابد من استخدام جميع الوسائل الممكنة لطرد الأذكياء من غير اليهود من وجه البسيطة".
٦- القضاء على الأديان:
في البروتوكول الرابع عشر: "عندما نصبح أسياد الأرض لا نسمح بقيام دين غير ديننا, من أجل ذلك يجب علينا إزالة العقائد، وإذا كانت النتيجة التي وصلنا إليها مؤقتًا قد أسفرت عن خلق الملحدين، فإن هدفنا لن يتأثر بذلك، بل يكون ذلك مثلًا للأجيال القادمة التي ستستمع إلى دين موسى، هذا الدين الذي فرض علينا مبدأه الثابت النابه وضع جميع الأمم تحت أقدامنا"..
وفي البروتوكول السابع عشر: "لقد عنينا عنايةً خاصةً بالعيب في رجال الدين غير اليهود، والحَطِّ من قدرهم في نظر الشعب، وأفلحنا كذلك في الإضرار برسالتهم التي تنحصر في تعويق أهدافنا, والوقوف في سبيلها, حتى لقد أخذ نفوذهم ينهار مع الأيام..
وإن حرية العقيدة معترف بها اليوم في كل مكان, ولا يفصلنا عن إنهيار المسيحية إلّا بضع سنوات، وسيكون القضاء على الأديان الأخرى أيسر من ذلك، ولكن الوقت لم يحن بعد لمناقشة هذه المسألة..
وسنعمل على أن يكون دور رجال الدين وتعاليمهم تافهًا، ونجعل تأثيرهم في نفوس الشعب فاترًا إلى حَدٍّ يجعل أثر تعاليمهم عكسيًّا".
ومن هنا كان الإسلام بعد المسيحية المجال الرئيسيّ الذي كرست له الصهيونية نشاطها للنيل منهما بدأب حثيث، وكانت محاربتهما هدفًا لليهود منذ أزمان سحيقة، ففي التلمود: "حيث إن المسيح كذاب, وحيث إن محمدًا اعترف به، والمعترف بالكذاب كذاب مثله، فيجب أن نقاتل الكذاب الثاني كما قاتلنا الكذاب الأول١".
стр. 176
وقد جاهر حاخام إسرائيل في الحفل الوضع الحجر الأساسيّ للمحفل الماسوني في تل أبيب سنة ١٣٧٧ هـ, بقوله: "إننا نعمل جميعًا لهدفٍ واحدٍ, هو العودة لكل الشعوب إلى أول دين محترم أنزله الله على ظهر هذه الأرض، وما عدا ذلك فهي أديان باطلة، أديان أوجدت الفرقة بين أهل البلد الواحد، وبين أيِّ شعب وشعب، ونتيجة لمجهوداتكم سيأتي يومٌ يتحطم فيه الدين المسيحيّ والدين الإسلاميّ، ويتخلص المسلمون والمسيحيون من معتقداتهم المتعفنة، ويصل جميع البشر لنور الحق والحقيقة".
وينبغي ألّا ننسى أن الحاخام يوجه خطابه, ويوعز بتحريضه إلى أعضاء المحفل الماسوني الذي تزعم تقاليده أنه بنجوة من التعصب الدينيّ، وأنه يتحلى بالحياد تجاه العقائد.
стр. 177
محاربة الصهيونية للإسلام:
حرصت دولة إسرائيل على محاربة الدين الإسلاميّ في نطاقها المحليّ، تطبيقًا للمبادئ التي نَصَّ عليها البروتوكولان السابقان، فعمدت إلى إجبار التلاميذ المسلمين على دراسة اللغة العبرية والديانة اليهودية وحفظ التوراة، ومنعتهم من حفظ القرآن الكريم ودراسة التاريخ الإسلاميّ.
وتطاولت إسرائيل على القرآن الكريم؛ فطبعت في عامي ١٣٨٠ و١٣٨٨هـ نسخًا مزورةً من المصحف الشريف, أسقطت منها بعض الألفاظ, أو بعض الآيات, وأحيانًا سورةً بحذافيرها، أو تناولت بعض الألفاظ بالتحريف -تبتغي بذلك تحريف بعض المعاني القرآنية, والتشكيك في سلامة كتاب الله- بيد أن المسلمين كانوا بالمرصاد, حريصين على تعقب كل ما يصدره أعداء الله من طبعاتٍ محرفةٍ من المصحف, والحيلولة دون تداولها.
ودأب اليهود، منذ ظهور الإسلام على محاولة إفساد شرائعه، وتشويه مصدر أحكامه، فدسوا كثيرًا من البدع المضللة، ومنهم من انتحل الإسلام نفاقًا ورياءً ليفتري على الإسلام مزاعم ما أنزل الله بها من سلطان؛ ليكيد بها الإسلام, ويثير الفتنة بين جمهرة المسلمين،
стр. 178
وقد عرفت هذه الزيوف عند المسلمين بالإسرائيليات، وهي كل ما دَسَّه اليهود على تفسير القرآن الكريم, أو الحديث النبويّ؛ من تأويلات فاسدة, وأساطير خرافية, فيها أغراب وزيغ عن المعنى المقصود، قصد بها التضليل والإرجاف والبلبلة, وإثارة الشبهات بتشويه حقائق الإسلام الناصعة١.
ومن دهاة اليهود عبد الله بن سبأ الحميريّ "ابن السوداء" الذي ترجع إليه طوائف غلاة الشيعة، وهو القائل بمذهب الرجفة, ومذهب الحلول, يزعم أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليًّا، وإنما المقتول شيطان تصور للناس في صورة عليّ، أما عليّ ﵁, فقد صعد إلى السماء, على أن يرجع إلى الأرض بوصفه -المهديّ المنتظر؛ حيث ينتقم من أعدائه, ويقيم العدل والحق.
стр. 179
الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية
مدخل
...
الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية
جاء في التوراة أن الله أوحى إلى موسى ﵇ أن يتخذ مجلسًا من سعبين شيخًا من شيوخ بني إسرائيل١ ويسمونه: "مجمع السهندرين"، وهو يتألف من حاخاماتهم بزعامة الكاهن الأكبر, وقد ظل مجمع السهندرين قائمًا حتى انفض عام ٧٠ بعد الميلاد، بعد تدمير هيكل سليمان، وتمزق اليهود وتشتتهم في شعاب الأرض, ولكن حلت محله هيئات سرية ترعى شئون اليهود، وتعمل مستخفية.
وفي عام ١٨٠٧م حاول نابليون بونابرت إحياء السنهدرين القديم في هيئة تضم الحاخامات والعلمانيين؛ لجمع شمل اليهود تحت لوائه، بغيه الإفادة منهم في تحقيق مشروعاته الاستعمارية في الشرق خاصةً، غير أن إخفائه في تحقيق أطماعه أحبط تلك المحاولة.
وأخيرًا تولت الكيهيلا قيادة اليهود -ومعناها في العبرية: المحكمة العليا- وهي تضم أقطاب اليهود من رجال الدين والفكر والمال والسياسة، وتشرف على كافة الأنشطة اليهودية التي تقوم بها المنظمات المختلفة في العصر الحديث، فتتلقى منها ما تستجمع من بياناتٍ ومعلوماتٍ, وتتولى التنسيق بينهما, ومتابعتها واستغلالها، وتعرف هيئة الكيهيلا حاليًا بالمؤتمر اليهوديّ العالميّ، الذي يعمل على احتواء اليهود في أقطار الأرض, والتوفر على تحقيق ما وعدت به التوراة من سيادة اليهود لشعوب العالم، وسيطرتهم على أرجاء المعمورة باعتبارهم شعب الله المختار.
ويعترف الحاخام دراهما بانتظام الهيئات اليهودية السرية المختلفة تحت شعار واحد، وهدف موحد، أيا كان نشاطها، وأينما باشرته؛ حيث يقول في كتابه "التناسق": "إن جميع الجمعيات السرية موسومة بطابع واحد، إذ كلها تعمل بقيادتنا٢".
стр. 180
منظمات يهودية علنية:
بعد أن ظفر اليهود بحقوق المواطنين في القرن الثالث عشر-الثامن عشر والتاسع الميلاديين- سارعوا بإنشاء جمعياتٍ يهوديةٍ سافرةٍ في عدة أقطار، مثلًا جمعية عشاق صهيون, التي أنشئت في أوديسا سنة ١٨٨٢م -١٢٩٨هـ، وحركة التنوير "الهاسكالاه" في ألمانيا، والتي أنشأها موسى مندلسون، وجمعية الاستعمار اليهوديّ التي أنشأها البارون أدموند دي هيرش، وجمعية كاديناح النمسوية, التي كان يرأسها ناتا بيرنباوم، وجمعية صهيون النمسوية, التي تولى رئاستها تيودور هرتزل.
وبمجهود هرتزل التأم أول مؤتمر عالميّ في مدينة بال بسويسرا في ٢٩ أغسطس ١٨٩٧، يضم أقطاب اليهود من أقطار الدنيا؛ حيث توفروا على توحيد جهودهم، والسعي لتحقيق آمالهم.
وبالنظر لنجاح هذا المؤتمر من وجهة النظر الصهيونية, فقد تقرر عقده بصفة دورية، وأنشئت المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا تنفيذًا لقرار ذلك المؤتمر، وهذه المنظمة هي أعلى سلطة تشرف على النشاط الصهيونيّ بمختلف صوره وأدواته، وتتولاه بالتوجيه والتمويل والمتابعة، دعمًا لإسرائيل, باعتبارها محور هذا النشاط وهدفه الأول.
وإلى جانب هذ المنظمة يقوم الؤتمر اليهوديّ العالميّ, ويمثل الهيئة العليا التي تتولى شتات اليهود بالرعاية، وتهيئ لهم السيطرة على أنحاء المعمورة، وتعمل على إنشاء الحكومة اليهودية العالمية.
وقد باشرت المنظمة الصهيونية مهمتها إلى عام ١٣٤٨هـ-١٩٢٩م؛ حيث تكونت الوكالة اليهودية في فلسطين وحلت محلها، فلما أعلن قيام دول إسرائيل سنة ١٣٦٧هـ-١٩٤٨م, تكونت الحكومة اليهودية من بين أعضاء الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية.
ومن المنظمات اليهودية السافرة: منظمة بنادي بريث ومهمتها