← Общие книги

Общие книги · id 7258

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (260 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد جاهر حاخام إسرائيل في الحفل الوضع الحجر الأساسيّ للمحفل الماسوني في تل أبيب سنة ١٣٧٧ هـ, بقوله: "إننا نعمل جميعًا لهدفٍ واحدٍ, هو العودة لكل الشعوب إلى أول دين محترم أنزله الله على ظهر هذه الأرض، وما عدا ذلك فهي أديان باطلة، أديان أوجدت الفرقة بين أهل البلد الواحد، وبين أيِّ شعب وشعب، ونتيجة لمجهوداتكم سيأتي يومٌ يتحطم فيه الدين المسيحيّ والدين الإسلاميّ، ويتخلص المسلمون والمسيحيون من معتقداتهم المتعفنة، ويصل جميع البشر لنور الحق والحقيقة". وينبغي ألّا ننسى أن الحاخام يوجه خطابه, ويوعز بتحريضه إلى أعضاء المحفل الماسوني الذي تزعم تقاليده أنه بنجوة من التعصب الدينيّ، وأنه يتحلى بالحياد تجاه العقائد.

стр. 177

محاربة الصهيونية للإسلام: حرصت دولة إسرائيل على محاربة الدين الإسلاميّ في نطاقها المحليّ، تطبيقًا للمبادئ التي نَصَّ عليها البروتوكولان السابقان، فعمدت إلى إجبار التلاميذ المسلمين على دراسة اللغة العبرية والديانة اليهودية وحفظ التوراة، ومنعتهم من حفظ القرآن الكريم ودراسة التاريخ الإسلاميّ. وتطاولت إسرائيل على القرآن الكريم؛ فطبعت في عامي ١٣٨٠ و١٣٨٨هـ نسخًا مزورةً من المصحف الشريف, أسقطت منها بعض الألفاظ, أو بعض الآيات, وأحيانًا سورةً بحذافيرها، أو تناولت بعض الألفاظ بالتحريف -تبتغي بذلك تحريف بعض المعاني القرآنية, والتشكيك في سلامة كتاب الله- بيد أن المسلمين كانوا بالمرصاد, حريصين على تعقب كل ما يصدره أعداء الله من طبعاتٍ محرفةٍ من المصحف, والحيلولة دون تداولها. ودأب اليهود، منذ ظهور الإسلام على محاولة إفساد شرائعه، وتشويه مصدر أحكامه، فدسوا كثيرًا من البدع المضللة، ومنهم من انتحل الإسلام نفاقًا ورياءً ليفتري على الإسلام مزاعم ما أنزل الله بها من سلطان؛ ليكيد بها الإسلام, ويثير الفتنة بين جمهرة المسلمين،

стр. 178

وقد عرفت هذه الزيوف عند المسلمين بالإسرائيليات، وهي كل ما دَسَّه اليهود على تفسير القرآن الكريم, أو الحديث النبويّ؛ من تأويلات فاسدة, وأساطير خرافية, فيها أغراب وزيغ عن المعنى المقصود، قصد بها التضليل والإرجاف والبلبلة, وإثارة الشبهات بتشويه حقائق الإسلام الناصعة١. ومن دهاة اليهود عبد الله بن سبأ الحميريّ "ابن السوداء" الذي ترجع إليه طوائف غلاة الشيعة، وهو القائل بمذهب الرجفة, ومذهب الحلول, يزعم أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليًّا، وإنما المقتول شيطان تصور للناس في صورة عليّ، أما عليّ ﵁, فقد صعد إلى السماء, على أن يرجع إلى الأرض بوصفه -المهديّ المنتظر؛ حيث ينتقم من أعدائه, ويقيم العدل والحق.

стр. 179

الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية مدخل ... الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية جاء في التوراة أن الله أوحى إلى موسى ﵇ أن يتخذ مجلسًا من سعبين شيخًا من شيوخ بني إسرائيل١ ويسمونه: "مجمع السهندرين"، وهو يتألف من حاخاماتهم بزعامة الكاهن الأكبر, وقد ظل مجمع السهندرين قائمًا حتى انفض عام ٧٠ بعد الميلاد، بعد تدمير هيكل سليمان، وتمزق اليهود وتشتتهم في شعاب الأرض, ولكن حلت محله هيئات سرية ترعى شئون اليهود، وتعمل مستخفية. وفي عام ١٨٠٧م حاول نابليون بونابرت إحياء السنهدرين القديم في هيئة تضم الحاخامات والعلمانيين؛ لجمع شمل اليهود تحت لوائه، بغيه الإفادة منهم في تحقيق مشروعاته الاستعمارية في الشرق خاصةً، غير أن إخفائه في تحقيق أطماعه أحبط تلك المحاولة. وأخيرًا تولت الكيهيلا قيادة اليهود -ومعناها في العبرية: المحكمة العليا- وهي تضم أقطاب اليهود من رجال الدين والفكر والمال والسياسة، وتشرف على كافة الأنشطة اليهودية التي تقوم بها المنظمات المختلفة في العصر الحديث، فتتلقى منها ما تستجمع من بياناتٍ ومعلوماتٍ, وتتولى التنسيق بينهما, ومتابعتها واستغلالها، وتعرف هيئة الكيهيلا حاليًا بالمؤتمر اليهوديّ العالميّ، الذي يعمل على احتواء اليهود في أقطار الأرض, والتوفر على تحقيق ما وعدت به التوراة من سيادة اليهود لشعوب العالم، وسيطرتهم على أرجاء المعمورة باعتبارهم شعب الله المختار. ويعترف الحاخام دراهما بانتظام الهيئات اليهودية السرية المختلفة تحت شعار واحد، وهدف موحد، أيا كان نشاطها، وأينما باشرته؛ حيث يقول في كتابه "التناسق": "إن جميع الجمعيات السرية موسومة بطابع واحد، إذ كلها تعمل بقيادتنا٢".

стр. 180

منظمات يهودية علنية: بعد أن ظفر اليهود بحقوق المواطنين في القرن الثالث عشر-الثامن عشر والتاسع الميلاديين- سارعوا بإنشاء جمعياتٍ يهوديةٍ سافرةٍ في عدة أقطار، مثلًا جمعية عشاق صهيون, التي أنشئت في أوديسا سنة ١٨٨٢م -١٢٩٨هـ، وحركة التنوير "الهاسكالاه" في ألمانيا، والتي أنشأها موسى مندلسون، وجمعية الاستعمار اليهوديّ التي أنشأها البارون أدموند دي هيرش، وجمعية كاديناح النمسوية, التي كان يرأسها ناتا بيرنباوم، وجمعية صهيون النمسوية, التي تولى رئاستها تيودور هرتزل. وبمجهود هرتزل التأم أول مؤتمر عالميّ في مدينة بال بسويسرا في ٢٩ أغسطس ١٨٩٧، يضم أقطاب اليهود من أقطار الدنيا؛ حيث توفروا على توحيد جهودهم، والسعي لتحقيق آمالهم. وبالنظر لنجاح هذا المؤتمر من وجهة النظر الصهيونية, فقد تقرر عقده بصفة دورية، وأنشئت المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا تنفيذًا لقرار ذلك المؤتمر، وهذه المنظمة هي أعلى سلطة تشرف على النشاط الصهيونيّ بمختلف صوره وأدواته، وتتولاه بالتوجيه والتمويل والمتابعة، دعمًا لإسرائيل, باعتبارها محور هذا النشاط وهدفه الأول. وإلى جانب هذ المنظمة يقوم الؤتمر اليهوديّ العالميّ, ويمثل الهيئة العليا التي تتولى شتات اليهود بالرعاية، وتهيئ لهم السيطرة على أنحاء المعمورة، وتعمل على إنشاء الحكومة اليهودية العالمية. وقد باشرت المنظمة الصهيونية مهمتها إلى عام ١٣٤٨هـ-١٩٢٩م؛ حيث تكونت الوكالة اليهودية في فلسطين وحلت محلها، فلما أعلن قيام دول إسرائيل سنة ١٣٦٧هـ-١٩٤٨م, تكونت الحكومة اليهودية من بين أعضاء الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية. ومن المنظمات اليهودية السافرة: منظمة بنادي بريث ومهمتها

стр. 181

الدعوة الصهيونية, وجمع التبرعات لإسرائيل، ومنظمة الهداسا النسائية الصهيونية, ومقرها نيويورك, ولها فرع في مدينة القدس، ويشمل نشاطها الشئون الطبية, وتقوم بالإشراف على جمع التبرعات لتمويل النشاط الصهيونيّ، ومثلها المنظمة الصهيونية النسائية العالمية, المعروفة باسم: "ويرز" التي تنتشر فروعها في شتى أنحاء العالم, والمجلس القوميّ لجماعة شباب إسرائيل, وقد اعتمدته هيئة الأمم المتحدة بوصفه منظمة غير حكومية للشباب اليهوديّ، ويمتد نشاطه إلى الأمريكتين فضلًا عن إسرائيل, واتحاد عمال إسرائيل "الهستادورت" ومنظمة سندات إسرائيل في نيويورك؛ لتمويل المشروعات الصهيونية.

стр. 182

المنظمات السرية المحافل الماسونية ... المنظمات السرية: من المنظمات الصهيونية السرية الخطيرة التي اكتشف أمرها: الماسونية والبهائية، وجمعية شهود يهود، ونادي الصلبان, والمزدهرة، ونوادي الروتاري, ونكتفي بالإلمام بالمحافل الماسونية. المحافل الماسونية: هي من أقدم المنظمات اليهودية التي بثها اليهود أينما حلُّوا في أقطار الأرض، لتكون مثوى اجتماعاتهم التي يتناقشون فيها ويتبادلون الرأي والمعلومات, ويكفي لبيان الصلة الوثيقة بين الماسونية والصهيونية أن بروتوكولات صهيون -الدستور الصهيوني- قد صدرت مذيلةً بإمضاء ثلاثمائة من كبار الماسونيين الحائزين للدرجة الثالثة والثلاثين الماسونية. ولا يزال منشأ الماسونية طي الكتمان، بل لغزًا من الألغاز الغامضة١, ورغم ذلك, فإن تاريخ الماسونية الذي تتداوله معارف الماسونيين ينبئ عن أصالتها الدينية لليهودية، فهم يزعمون أن الملك سليمان ﵇, كان الأستاذ الأعظم في محفل القدس، كما عثر على مخطوطة يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر الميلاديّ

стр. 183

يستدل منها على أن الماسونية دخلت انجلترا على يد اليهود في مصر والقدس١. شعار الماسونية: والمساونية أو جمعية البنائيين الأحرار, منظمة اجتماعية عالمية, شعارها الذي يتسم بها نشاطها الظاهر: العدل, الإخاء, الحرية, وهدفها: التعاون الإنسانيّ بين أفرادها على أوسع مدى، وقد اتخذت من صناعة البناء وأدواته كثيرًا من شعاراتها ورموزها، فالبركار والزاوية هما الرمز العام للماسونية, وعلامة الأستاذ الأعظم: البركار والقوس وصورة العين المشعة داخل مثلث, وعلامة المنبهخ الأول الأعظم: ميزان البناء, وعلامة المنبه الأعظم: خيط الشاقول, وعلامة المهندس الأعظم: البركار. ويشار إلى الله باسم: مهندس الكون الأعظم, ويسمى كل تنظيم ماسونيّ محفلًا، يجتمع فيه الأعضاء، ويضم المحفل الأكبر مجموعة من المحافل, وتتبع المحافل المقامة في مجموعة من الدول محفلًا عامًّا يسمى: شرقًا, وتتكون الماسونية من طبقات ثلاثة متدرجة: الطبقة الأولى: وتعرف بالماسونية الرمزية العامة، وهذه الطبقة متاحة لجميع الأجناس والأديان، ويُقَسَّمُ أعضاؤها إلى ثلاث فئات: المتبدئين أو الأخوة, ثم الأساتذة، ثم الأساتذة الأعاظم الذين يرأسون محافلها, وتتكون المراتب المساونية في هذه الطبقة الرمزية من ٣٣ درجة, تتدرج صعودًا حتى مرتبة الأستاذ الأعظم.

стр. 184

الطبقة الثانية: وتعرف بالماسونية الملوكية, أو العقد الملكي, ويسمى العضو فيها رفيقًا كما يعرف رئيس المحفل بالرفيق الأعظم, وكان أعضاؤها جميعًا من اليهود، ثم سمح للأساتذة العظام للمحافل الماسونية الرمزية العامة بالاندماج فيها، على ألّا يتجاوزوا فيها مرتبة الرفيق، وهي أدنى مراتبها. الطبقة الثالثة: وتعرف بالماسونية الكونية، وتتكون من رؤساء محافل العقد الملوكيّ، وهي محفل واحد, جميع أعضائه من اليهود، ولا يعرف مقره ولا رئيسه الملقب بالحاخام الأعظم، غير أن المشهور أن الماسونية الكونية يديرها المحفل الأمريكيّ المؤلف من اليهود الصهيونيين الرومانيين. ولكل درجة من درجات الماسونية رموز خاصة، وشارة خاصة، وتحية معينة، وأسرار محددة تتسع دائرتها كلما ارتقى العضو إلى درجة أعلى، وتختلف باختلاف طبقات المحافل، ولا يجوز لدرجة أن تطلع على أسرار وتعاليم الدرجة تعلوها. ولا يقبل العضو الجديد في أدنى درجات الماسونية إلّا بعد تزكية عضوين له، وثبوت جدراته بما يجري حوله من التحريات السرية التي تبعث على الاطمئنان إليه، ونجاحه في اختيار نفسيٍّ عسير, يجري في غرفة مظلمة رهيبة؛ حيث يمكث فترةً طويلةً في تابوتٍ من توابيت الموتى بين الجماجم والهياكل العظمية، ثم يتم قبوله في حفل تكريس تجرى فيه طقوس غريبة على مشهد من جميع أعضاء المحفل. ولا يرقى الماسونيّ إلى درجة أعلى حتى يَمُرَّ باختبارات وتجارب قاسية, تثبت جدارته بالترقية, وتلقي أسرار الدرجة الجديدة، وتتفاوت هذه الاختبارات في الدقة والقسوة بتفاوت الدرجات المكرس لها العضو؛ بحيث تمعن في القسوة كلما علت الدرجة, والقصد من ذلك التأكد من قدرة العضو على تحمل أنواع التعذيب والأذى الذي قد يتعرض له في سبيل كتمان أسرارها.

стр. 185

وقد اتخذت الماسونية ستارًا لأغراضها الحقيقية -وهي خدمة الصهونية- تلك النشاطات الإنسانية والاجتماعية، باعتبارها تعمل للبِرِّ والتعاون الاجتماعيّ, وتنفي عن نفسها التعرض للمباحث الدينية والأمور السياسية, فالماسونيّ يلقى دائمًا من صنوف المعونة والمساعدة ما قد يحتاج إليه، سواءً كان ذلك في وطنه أو البلاد الأخرى، حيث يقابل من إخوانه الماسونيين المنتشرين في جميع الأقطار بمزيد البشر والترحاب، والاستعداد لخدمته، والعمل على راحته، حالما يلتقي بهم, ويتعرف إليهم بمقتضى الإشارات المصطلح عليها فيما بينهم، وكلمات السر المضنون بها على غيرهم, بل يزيد الدعاة في نشر الدعوة الماسونية بقولهم: إن الموظف الماسونيّ لابد أن يلقى من عناية الرؤساء الماسونيين بأمره ما تقرَّ به عينه؛ حيث تكون ماسونيته خير مؤهل للترقي وتخطي الأقران, وإذا أجرم الماسونيّ, ثم حوكم أمام القاضي الماسوني, فإن البراءة مضمونة له، حالما يظهر له الإشارة الماسونية, وهكذا التاجر ورجل الأعمال١. ومعلوم أن الماسوني يقسم عند التحاقه بالعشيرة الماسونية أمام الرئيس المحترم -خليفة الملك سليمان- أن يتخذ من إخوانه الماسون أولياء له في جميع أموره وأحواله، وأن يأتمنهم كذلك على أعراضه، وأن يتخذ القومية الماسونية دون سواها شعارًا له مدى الحياة٢. وقد أفصح البروتوكول الثالث من بروتوكولات صهيون عن الدور الجديّ للمحافل الماسونية في سبيل إنشاء الدولة اليهودية العالمية التي يدين لها سكان المعمورة، ويخضعون لسلطانها حيث يقول: إن المحافل الماسونية تقوم في العالم أجمع -دون أن تشعر- بدور القناع الذي يحجب أهدافنا الحقيقية، على أن الطريقة التي ستستخدم بها هذه القوة في خطتنا، بل في مقر قيادتنا, لازالت مجهولة من العالم بصفة عامة. وفصَّل البروتوكول الحادي عشر الأهداف التي ترمي إليها الصهيونية؛ من إفساح المجال لغير اليهود للانضمام إلى المحافل

стр. 186

الماسونية العالمية، فقد جاء فيه: ماهو السبب الذي دفعنا إلى أن نبتدع في سياستنا، ونثبت أقدامها عند غير اليهود، لقد رسخناها في أذهانهم دون أن ندعهم يفقهون ما تبطن من معنى، فما هو السر الذي دفعنا إلى أن نسلك هذا المسلك، اللهم إلّا أننا جنس مشتت, وليس في وسعنا بلوغ غرضنا بوسائل مباشرة، بل بوسائل غير مباشرة فحسب, هذا هو السبب الحقيقيّ لتنظيمنا "الماسونية" التي لم يتعمق هؤلاء الخنازير من غير اليهود في فهم معناها، أو الشك في أهدافها، إننا نسوقهم إلى محافلنا التي لا عداد لها ولا حصر، تلك المحافل التي تبدو ماسونية فحسب، ذرًّا للرماد في عيون رفاقهم. وفي البروتوكولات نصوص كثيرة تبين دور المحافل الماسونية في العمل لخدمة الصهيونية؛ منها ما جاء في البروتوكول الخامس عشر: "يلتحق غير اليهود بالمحافل الماسونية مدفوعين بمجرد الفضولية, أو أملًا منهم في الحصول على المزايا التي توفرها لهم، ويلتحق بعضهم بها لكي يتمكنوا من مناقشة أفكارهم السخيفة أمام جمهور المستمعين، ويتوق غير اليهود إلى ضروب الانفعالات التي يهيئها النجاح والهتافات، وها نحن نوزعها عليهم دون حساب، ولذلك نتركهم يحرزون نجاحهم، ونفيد من الرجال الذين يتملكهم الغرور، والذين يستسيغون أفكارنا, وكلهم ثقة في عصمتهم, وفي أنهم وحدهم قادرون على التفكير وغير خاضعين لغيرهم. وهكذا كان الماسونيون أكبر معوانٍ للحركة الصهيونية في شتَّى الأقطار, يعملون على تحقيق أهدافها السياسية والاستعمارية بحماس ودأب، ومنهم على سبيل المثال "ونستون تشرشل" الذي عمل على تأييد الحكومة الإنجليزية للمطامع الصهيونية في فلسطين، وكان "هاري ترومان" رئيس الولايات المتحدة ماسونيًّا أعظم, وقد أكدت ذلك مجلة "شيكاغو أفنجر" في عددها الصارد في ١٣ يوليو ١٩٥٥م، وهو الذي سارع إلى الاعتراف بدولة إسرائيل ساعة ولادتها المشؤومة. وتعزي الحركات الثورية العاتية، والفتن المخربة التي اندلعت في شتَّى الدول في العصر الحديث إلى النشاط الماسونيّ الهدام؛ كالثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، والانقلاب العثمانيّ

стр. 187

سنة ١٣٢٧هـ-١٩٠٨م" والثورة الشيوعية في روسيا سنة ١٣٣٦هـ-١٩١٧م, وغيرها١.

стр. 188

الباب الرابع: اتجاهات إسلامية مدخل ... الباب الرابع: إتجاهات إسلامية اتجاهات إسلامية: نحن نتحدث عن العالم المعاصر, ومن ثَمَّ فإننا نتحدث عن القرن العشرين, ولئن كنَّا أوغلنا قرنًا أو بعض قرنٍ حين تحدثنا عن الاتجاهات الدخيلة: غربية وشرقية, فذلك لنبين جذورها ليعلم قومنا أن ما هم فيه ليس قصدًا إلى تمدينهم ولا إلى رقيهم, إنما هو عروةٌ من عرى حربٍ ضروسٍ شنها أعداؤهم عليهم, فلمَّا لم تفلح حرب السلاح, لجأوا إلى حرب الفكر والعقيدة. وكانوا في الثانية أخبث وأنجح, بيد أنهم وإن نجحوا, فإن نجاحهم محدود..محدود كمًّا, فلا تزال القاعدة العريضة من المسلمين بعيدة عن تأثيرهم, لا تزال الفطرة في البادية وفي الريف هي الغالبة, برغم كل ما بذله الغرب والشرق من فساد وإفساد. وهو كذلك محدود كيفًا: فإن ما غيروه قليلٌ إلى جوار ما بقي, حتى في نفوس أتباعهم, ولا يزال الإسلام في كلِّ يومٍ يضم إلى صفوفه كثيرين ممن كانوا عندهم روادًا, وهذا محمد حسين هيكل يعلن عودته لحظيرة الإسلام, وهذا طه حسين يتجه في أخريات حياته إلى الإسلام, وإن بقي فكره مشوبًا بكثير من المؤثرات الأولى.

стр. 189

وهذا جلال كشك، ومصطفى محمود, وغيرهم كثير. يفتح الإسلام ذراعيه فرحًا بهم, أشد فرحًا من فرحة الأم بعودة وحيدها الغائب, أو أشد فرحًا من ظاعنٍ بالصحراء وجد بعد لأي بعيره الشارد, وهذا النجاح لا يأمن بعد ذلك رد الفعل إن لم ينتهوا ويتركوا أرض الإسلام وأبناء الإسلام, وبعض الذي سنقدم إن لم يكن أكثره كان رد الفعل, وقد بدأ, أو بدا أثره قاصرًا, لكنه يوشك بإذن الله أن يعرف طريقه, وأن يبلغ غايته؛ ليتم الله نوره ولو كره المشركون. ونحن نكتفي في الحديث عن الاتجاهات الإسلامية بما كان منها في هذا القرن الرابع عشر الهجريّ؛ لأن هذا هو معنى المعاصرة الذي نقصد إليه, ولن نشغل أنفسنا, ولا نشغل الناس بالحركات التي لبست ثياب الإسلام وهي تضمر له الشر, وتحمل له الحقد, فإن صبغها بصبغة الإسلام خطأ كبير١. لكنا قد نشغل أنفسنا, ونشغل الناس بالحركات والاتجاهات القاصرة؛ لأنها وإن كانت لا تمثل الإسلام الصحيح, فإنها خطوات إليه, حَسْبُ أصحابها منها حسن النية، وحسبهم اجتهادهم, وإن أخطأوا فلهم الأجر -إن شاء الله, ثم لابد من دراستها لنتبين ما فيها من خير فنستثمره, وما فيها من سوء فنرفضه, ثم لندعوا أصحابها أن هلموا إلى الإسلام الصحيح ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ٢. ونبدأ -بإذن الله- بهذه الاتجاهات, ثم نثني -بإذن الله- بالاتجاه الصحيح, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم.

стр. 190

الفصل الأول: إتجاهات قاصرة مدخل ... الفصل الأول: اتجاهات قاصرة مقدمة: وفي حديثنا عن الاتجاهات القاصرة قد نغفل تسمية أصحابها, ليس خوفًا منها, ولا ملقًا لغيرها, فيعلم الله أن خوفنا منه, ورجاءنا إليه. ولكنه أدب علَّمَنا إياه الرسول ﷺ حين كان يصعد المنبر فيقول: "ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا", ثم هو بعد ذلك دعوة لأولئك الذين أحبوا الإسلام وإن لم يفهموه الفهم الصحيح أو المتكامل, دعوة إليهم من غير جرح لمشاعرهم, فهم أقرب إلينا من الذين شردوا, وهم أعز علينا منهم, بل قد يكونون أعز علينا من أنفسنا. وأول هذه الاتجاهات القاصرة: ما اقتصر على العقيدة وغالى فيها. وثاني هذه الاتجاهات القاصرة: ما اقتصر على النسك وغالى فيه. وثالثها: ما اقتصر على محاولة إصلاح بعض المؤسسات, ولم يستطع, حتى أن يغالي فيه, ونكتفي بهذه الاتجاهات لتجمع تحتها كثيرًا من الحركات التي ظهرت في هذا القرن, ولنجمع تحتها كذلك كثيرًا من الجمعيات التي حملت اسم الإسلام, أو جزءًا من اسمه. وكل ذلك بغير تسميةٍ كما أشرنا..

стр. 191

المبحث الأول: اتجاهات نحو العقيدة أولا: صواب البدء بالعقيدة ... المبحث الأول: اتجاهات نحو العقيدة لا شك أنها نقطة بداية صحيحة أن نبدأ من العقيدة, فإنها الأساس, لكن الخطأ والخطر أن نقف عندها, أو أن نتغالى فيها. وقبل أن نبين الخطأ والخطر فيها نبين الصواب فيها, مشيرين إلى ظروف نشأتها, فهذان بحثان بإذن الله. أولًا: صواب البدء بالعقيدة البدء بالعقيدة عين الصواب؛ لأن الإسلام يقيم بناءً له أساس, وأساسه العقيدة, وبناء الإسلام ليس من حجارةٍ ولا من صخور, وإن كان بعد قيامه أثبت من الرواسي, وأصلب من الصخور. إنه بناء معنويّ, بناء قيم ومُثُل, بناء شريعة أساسها عقيدة, وهذا البناء لا يقام في فراغ.

стр. 192

ولا يقام كذلك على جماد, لكنه يقام على أكرم ما خلق الله, على الإنسان, ثم هو يقام في أعز مكانٍ في الإنسان, وأغلى قطعة فيه, أنه يقام في قلبه. "التقوى ها هنا وأشار النبيّ ﷺ إلى قلبه"١. "ألا وأن في الجسد مضغة, إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب"٢. والذين أقاموا الحضارات غير الإسلامية أخطأوا نقطة البدء, بل أخطأوا مكان البناء نفسه؛ فأقاموا بناء الحضارة خارج الإنسان؛ من الآلة, والمصنع, وناطحات السحاب, وهم حتى حين نظروا إلى الإنسان, نظروا إلى أحطِّ شيء فيه؛ غرائزه, فكانت حضارتهم إشباعًا لهذه الغرائز, وإثارةً لها, حتى شقي الإنسان بحضارتهم أيَّما شقاء. وأهملوا في الإنسان أعزَّ شيء فيه, وأغلى قطعة منه, أهملوا قلبه, وهذا هو الفارق بين حضارتهم وحضارة الإسلام! والظروف التي دعت للنداء بالعقيدة: قريبة من الظروف التي دعت الإسلام للنداء بها أول مرة, فكثير من المجتمعات الإسلامية خلال القرنين الثاني عشر والثالث

стр. 193

عشر، وبعضها لا يزال حتى القرن الرابع عشر الحالي, يتنازعها تقاليد وأفكار, إن لم تكن هي الشرك فهي قريبة منه, بل إن بعض هذه المجتمعات أو شك يومًا أن يعبد شجرةً, أو مكانًا حاطه البعض بشيء من التقديس. ولا يزال كثير مما يحدث حتى اليوم فيما يسمى بالموالد, له شكل الشرك, ولا ينقصه إلّا النية, والله أعلم بالنوايا. وبرغم أن أصحاب هذه الموالد برءاء مما أحدث الناس, بل إن بعضهم لو كان على الحياة لحرق كثيرًا من أولئك الضالين, كما فعل عليّ بن أبي طالب ﵁ بمن ألهوه من دون الله . وبرغم ما يقال من أن إحياء هذه الموالد, إحياءٌ لمبادئ وقيم أصحابها وتذكير بها, فإن ما غلب عليها من بدع, وما يرتكب فيها, أو باسمها من آثام, كفيل بالانتهاء عنها. فإن من أسباب تحريم الخمر والميسر, قول الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ . فضلًا عن أن درء المفسدةِ مقدَّمٌ على جلب المصلحة, وسَدُّ الذرائع كفيلٌ بترك ما لا بأس به, خشية أن يكون به بأس. طواغيت: والطواغيت التي أمرنا الله أن نكفر بها ليصحَّ إيماننا, ليست ولم تكن الأوثان والأصنام فحسب, إن تلك الأوثان والأصنام مجرد صورةٍ واحدةٍ، أو مَثَلٍ واحدٍ, لكن صور الطواغيت كثيرة: معتقدات..مبادئ..

стр. 194

أفكار..أشخاص..عواطف ومشاعر..سلوك..صور للتنسك. وجماع هذه جميعًا أن تعطيها, أو تعطي شيئًا منها, بعض صفات الله, أو بعض أفعاله التي اختص بها وحده سبحانه. ولا يَهِمُّ أن تفردها بهذا العطاء, أو أن تشركها مع الله فيه, فمن أعطى شخصًا, أوهيئًة مبدأ صفة "الحكم" أي: وضع القواعد والتشريعات ابتداءً, وهذا خالص حق الله, سواءً في مجال العقيدة، أو الأخلاق، أو العبادات أو المعاملات: اقتصادية، وسياسية، واجتماعية, فقد اتخذ الشخص أو الهيئة أو المبدأ طاغوتًا. فإن أفرده بهذه الصفة, فقد اتخذه طاغوتًا من دون الله, وإن أشركه مع الله في هذه الصفة, فقد اتخذه طاغوتًا مع الله, وفي الحالين إن توافرت له الإرادة, فقد انتفى عنه الإيمان.. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ .. إلى قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.

стр. 195

فلينظر الذين يقولون: "أنا مسلم العقيدة, ماركسيّ المذهب". فإن العقيدة لا تصح حتى يسقط كل طاغوتٍ يعطيه الإنسان بعض حق الله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١ ولذا, كان النفي في شهادة التوحيد سابقًا على الإثبات: لا إله إلّا الله! العقيدة الصحيحة: والعقيدة الصحيحة ليست قاصرةً على نطق اللسان: لا إله إلّا الله, محمد رسول الله, إنها قبل ذلك علم القلب وعمله, وهي ليست قاصرةً بعد ذلك على عمل الجوارح, إنها إن اقتصرت على الأولى: شهادة اللسان, وانتفت الثانية, كانت نفاقًا, وإن اقتصرت على الثانية دون الأولى, كانت كفرًا, وإن اقتصرت على الأولى والثانية دون الثالثة, كانت فسقًا, ثم إنها ليست قاصرةً على جانب من صفات الله دون الجانب الآخر, إنها كما تشمل الاعتقاد بأن الله خالق, تشمل كذلك الاعتقاد بأنه رزاق, تشمل كذلك الاعتقاد بأنه: حكم أو حاكم.. والإخلال في جانب من هذه, كالإخلال بالجانب الآخر, سواءً بسواء٢.

стр. 196

ثانيًا: خطأ وخطر: الذين نادوا بالعقيدة على ذلك النحو أصابوا كل إصابة, لكنهم أخطأوا من جانبين: إنهم وقفوا عندها, أو أنهم غالوا فيها, أو فعلوا الخطأين معًا: أما خطؤهم في الوقوف عندها: فإن العقيدة أساس لايقوم بناء بغيره, وهذه أهميتها, لكن, أيصح لعاقلٍ أن يقيم الأساس ويكتفي؟ فلا يقيم بعده البناء؟.. وما يجديه الأساس إن أصابته حرارة الصيف, أو مسَّه برد الشتاء؟ وأما خطأ المغالاة فيها: فقد جاء من اعتبارهم الائتمار بالأمر, والانتهاء عن النهي, جزء من العقيدة، وترتيبهم نفس النتيجة التي تترتب على تخلف الأجزاء الأخرى؛ كشهادة اللسان, أو اعتقاد القلب, واعتبار العمل -بتفصيله السابق- جزءًا من الإيمان صحيح.

стр. 197

لكن الترتيب نفس النتيجة عليه غير الصحيح, ذلك أن للإيمان درجات, كما أن في الجنة درجات, وللكفر دركات, كما أن في جهنم دركات١ أو هو كالكائن الحيّ, لا يستوي فصل رأسه مع فصل رجله أو يده, ومن ثَمَّ فلا يستوي في شرع الله تارك الشهادة: لا إله إلّا الله, مع تارك إطعام المسكين, ولا يستوي من داس مصحفًا, أو أنكر شيئًا ما فيه, مع مَنْ اغتاب، أو سعى بالنميمة، أو حتى قتل!. والقرآن يسمي تارك الهجرة: "مؤمنًا" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. وسمى من قاتل أخاه: "مؤمنًا" ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٢. وتداعي الناس وتتابعهم في المعاصي, لا يدفعنا إلى خطأ آخر, هو تكفيرهم, إنما ينبغي على المسلم أن يمسك في أحلك الظروف بالميزان الدقيق, يزن به الأفعال والأشخاص ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ ٣.

стр. 198

المبحث الثاني: الاقتصار على النسك لا شك في فضل شعائر الله, ولا شك أنها عمد هذا الدين, لا يقوم بغيرها, ولا شك أن تعظيمها وتوقيرها من تعظيم الله وتوقيره, من تقوى القلوب ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ١. لكن هل نستطيع أن نقتصر عليها فقط, ونقول هي الدين؟ الرسول يرفض محاولة الاقتصار, أو محاولة التغالي: بعض الذين يقتصرون اليوم على الشعائر يقولون: أنهم يشبهون بالصحابة، وأصحاب رسول الله ﷺ برءاء مما يقولون؛ فمنهجهم هو منهج الرسول ﵊, الذي شجب مثل هذه المحاولات ليوضح سنته, حين قال بعض أصحاب النبيّ ﷺ , أين نحن من النبيّ ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا, فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا, فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا, أما والله, إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, ولكني أصوم وأفطر, وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء..

стр. 199

فمن رغب عن سنتي فليس مني"! ١ وهذا حنظلة الكاتب التميميّ، يقول: كنا عند رسول الله ﷺ ، فذكرنا الجنة والنار, حتى كأنها رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت, قال: فذكرت الذي كنّا فيه, فخرجت فلقيت أبا بكرٍ ﵁ فقلت: نافقت، نافقت, فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبيّ ﷺ , فرد عليه رسول الله ﷺ رد المعلم الرؤوف الرحيم: "يا حنظلة: "لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فراشكم، "أو على طرقكم"، يا حنظلة, ساعة وساعة"٢. وحين علم رسول الله ﷺ أن رجلًا قد انقطع للعبادة, قال: ومن يطعمه ويسقيه, قالوا: أخوه, قال: أخوه أعبد منه, ثم أعطى معنى العبادة حقها, حين جعل "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" ٣. وحين قال: "إن من الذنوب ذنوبًا لا تكفرها الصلاة ولا الصوم ولا الحج, ويكفرها الهم في طلب المعيشة"! وفي لفظ: "عرق الجبين" ٤. الاستعمار يشجع فرق المتنطعين: وحين جاء الاستعمار الأوربيّ إلى أرض الإسلام حارب الدين, وكل ما هو دينيّ, إلّا فرق المتنطعين, رافعي الرايات, وضاربي الدفوف, والهائمين على وجوههم, زاعمين أنهم من أهل الله, يتكففون الناس.

стр. 200

وكان من بين ما شجعه المستشرقون "التصوف"١. التصوف بهذا المعنى القاصر؛ لأننا لا نود أن نظلم المتصوفة كلهم, وإن كنا نود لهم ما ارتضاه رسول الله ﷺ : "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, ولكني أصوم وأفطر, وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني"! هل صحيح بعد ذلك الاقتصار على النسك؟ أظنه ليس بحاجة إلى جواب, إلّا أن تقول بصلاحية أعمدة تقوم؛ لأن تؤوي أسرة فتقيها حر الصيف وبرد الشتاء, وإلّا أن تقول بغير ما قال محمد ﵊. أما المغالاة: فلئن كان الاقتصار خاطئًا, فالمغالاة أشد خطأ, حتى ولو كانت بقصد كريم شريف, فلابد مع القصد من الاتباع؛ لأن الإفراط في شيءٍ تمامًا كالتفريط فيه, كلاهما طرفا نقيض مذموم من الله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٢. وفي موضعنا نصوص كثيرة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ٣.

стр. 201

عليكم من الأعمال ما تطيقون, فإن الله لا يمل حتى تملوا١. "إن هذا الدين متين, فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن لا أرضًا قطع, ولا ظهرًا أبقى"٢. "إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا, فأعط كل ذي حقٍّ حقه٣". وبعد ذلك, فإن الإغراق في جانبٍ واعنات النفس فيه, يؤدي بغير شكٍّ إلى الملل والسأم, مما يفضي بعد ذلك إلى الانقطاع! أو يرتد بالنفس إلى النقيض الآخر, أو يؤدي إلى خلل في الجسم أو العقل أو المال.

стр. 202

المبحث الثالث: مدارس العقل والعقلاء مدارس العقل والعقلاء, نشأ أكثرها في فترة الاحتلال الأجنبيّ, وفي أوجِّ قوته. لها فلسفتها: إننا لسنا بقادرين على مجابهة قوة الاستعمار العسكرية, ومن ثَمَّ فلنؤجل الجهاد, ولنعمل العقل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, أو باستعارة التعبير: "ما لا يدرك كله لا يترك كله". إتهام ننفيه: ونحن -على عكس كثير غيرنا- نحسن الظن بأصحاب هذه المدارس, ولا نقبل أن نسميهم: "عملاء"١. وإن بدا منهم لون من الاتصال, أو التعاون, مع العدو المستعمر لهم عن ضعف استشعروه, فالاستعمار قهرهم, وقهر من كان أشد منهم قوةً وأعز نفرًا! فيكف بهم أن يقفوا في وجهه؟ سذاجة: لكننا, وإن نفينا عنهم العمالة, فلا نستطيع أن ننفي عنهم السذاجة, إنهم ظنوا أنهم يستطيعوا أن يضحكوا على الاستعمار, ويمكروا به, فإذا به أشد مكرًا.

стр. 203

ظنوا أنهم يستطيعون أن يمتطوه؛ ليسخروه لصالح الإسلام, وامتطاهم الاستعمار ليسخرهم لصالح التغريب، والتغيير الاجتماعي! فبعضهم ظن أنه يستطيع أن يقنع الإنجليز بإصلاح التعليم الدينيّ "إن أعظم فاعل في نفوس المصريين أن يقال لهم: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم, وأنكم مأمورون ببعضه" ثم يقول: "الدين الإسلاميّ الحقيقيّ ليس عدو الألفة، ولا حرب المحبة, ولا يحرم المسلمين من الانتفاع بعمل من يشاركهم في المصلحة، وإن اختلف عنهم في الدين، والجملة, فهو أفضل كافلٍ لجعل الرعية صالحةً لأن تكون بدنًا في رأسٍ, أو آلة لعامل١. وبهذه النية التي نحسن الظن بها, ألف صاحب مدرسة العقل جمعية التقريب بين الأديان, فيها المسلمون, والنصارى, واليهود, ولعله لم يكن قد اطلع على توصيات المبشرين والمستشرقين في التقريب بين الأديان, ولعله كذلك لم يدرك أن التقارب بين الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن يكون إلّا على حساب الإسلام؛ لأنه الوحيد الدين الصحيح, وغيره مُحَرَّفٌ, ولابد في التقريب من تنازلٍ, وتنازل المحرف لا يضيره! أما تنازل الصحيح, فإنه يضيره, ويضره كل الضرر!! ولعله لم يدرك أن المشركين حاولوا مع رسول الله ﷺ ذلك التقارب, حين قالوا له: نعبد إلاهك يومًا، وتعبد آلهتنا يومًا, فأنزلها رب السماء والأرض قاطعةً حاسمةً ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ٢

стр. 204

وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ١ ولا أدري, هل قرأ "سيد العقلاء" ما كتبه أحد أعضاء جمعيته تحت عنوان: "الإسلام والمدارس المحمدية" التي جاء فيها: "وإحسان المسلمين لمواليهم، وإشفاقهم على البهائم التي ترجع أيضًا إلى الرب، وإنفاقهم في سبيل الخير، والسذاجة التي هي من خصال المؤمنين الصادقين, أحرى بأن تميلنا إليهم، من أن تصبح النبيّ الكاذب". وما أحسن عمل مبشرينا لو جاهدوا في التوفيق بين الإسلام والمسيحية, توفيق أختين من أم واحدة"٢ وهكذا أعطى الإمام من "السذاجة" ما يرغب فيه المبشرون!! وقفة: ولسنا نحاسب "الإمام" بعد ذلك على انضامه للمحفل الماسونيّ الفرنسيّ, فنحسب أنه في ذلك التاريخ لم يكن من الناس كثير يدرك حقيقة الماسونية، وحقيقة الدور الذي تلعبه، ولم يكن نيلوس قد نشر "بروتوكولات حكماء صهيون" التي صرحت باستخدام الماسونية لتحقيق أهداف اليهود، وإن إدراك نشرها في روسيا, فربما لم يدرك نشرها في إنجلترا, ولم تكن بالقطع قد ترجمت إلى اللغة العربية؛ لأن هذه الترجمة لم تتم إلّا بعد ذلك بكثير. لا نحاسب الرجل على هذه النقطة, خاصةً وأن الماسونية لا تكشف عن حقيقتها لأعضائها إلّا في درجة سحيقةٍ من درجات الثلاثة والثلاثين.

стр. 205

ولا نحسب الرجل أشد حذرًا من رئيس عربيّ ظل ينتسب لمحفلٍ ماسونيٍّ حتى بعد أن صار زعيم ثورة, ورئيس دولة, فلمّا فاحت, أمر بحلِّ كل المحافل الماسونية في بلده, وأما الذي نأخذه على الرجل العالم: أولًا: اقتصاره من الإسلام على الإصلاح عن طريق التعليم, فالإسلام -كما سنشير- ليس مجرد ثقافةٍ فقط, لكنه منهاج تربية، ومنهاج حياة, وليته في هذا الجانب استطاع أن يصلح!! ثانيًا: أن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ الكافرين الذين غصبوا الديار, وما بعد الديار! وإنكار القلب أن كنا نكتفي به من الشيخ الإمام, يفرض مع الإنكار الاعتزال, وإلّا فَقَدَ السلامة من الإثم, والبراءة من الذنب, فليس وراء ذلك النوع من الإنكار حبة خردلٍ من الإيمان. ولا ندري.. هل كان الإمام يحفظ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ١. وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى, أم أن له فيه تأويلًا كتأويله في الملائكة, أو في سجودهم, أو في معصية آدم, أو في خلق عيسى ﵇, أو في السجن، أو في السحر, أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله الكبير؛ ليقول بالرأي في كتاب الله؟ !! ". لقد مضى الرجل إلى ربه, فنترك له حساب سره وعلانيته, لكننا إزاء الظاهر.

стр. 206

وعمره الذي أفني في محاولة إصلاح التعليم, بلوغًا إلى مقاومة الاستعمار, أو إلى النهوض بالإسلام, لا نملك إلّا أن نتلو قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ١. ونترك من قبل ذلك, ومن بعد ذلك, حسابه على الله, لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولوا الأبصار, ويتذكر أولوا الألباب, فلا تتكرر الصورة مرةً أخرى!

стр. 207

الفصل الثاني: محاولة لخطٍّ إسلاميٍّ أصيل المبحث الأول: ضلال وقصور أولًا: ضلال الاتجاهات الدخيلة لقد نقل البعض عن الغرب علمانيةً في التعليم والإعلام, وفي القانون, ونقلوا منه تحرير المرأة من بيتها ومن زيها, ونقلوا عنه إضعاف دور الدين, وإضعاف رجاله, وظنوا ذلك طريق المدنية والتحضر والنهضة, فهل تحقق لهم ذلك؟ إن المنطق أولًا يرفض ذلك النقل الآليّ. إن شخصين قد يمرضان بمرض واحدٍ, ومع ذلك يعرضان على طبيب واحد, فيقضي لكل مريضٍ منهم بدواءٍ مختلف عن الآخر. وإن نباتًا واحدًا, قد يزرع في أرضين كلاهما خصبة, فتنبت الواحدة وترفض الأخرى, وإن شخصين في سنٍّ واحدة, ودرجة ثقافة واحدة, قد يلقنان علمًا أو عقيدةً, فيورث أحدهما جهلًا والآخر علمًا, ويورث أحدهما إيمانًا والآخر كفرًا!! إن الشعوب تمامًا كالأشخاص؛ لأنها مجموعة أشخاص, ما يطبُّ شعبًا, قد يمرض شعبًا آخر, وما يعلِّمُ شعبًا.. قد يورث الآخر جهلًا.

стр. 208

وما يدفع شعبًا إلى الإيمان, قد يدفع الآخر إلى الكفر والفسوق والعصيان! بل إن النبات ليأخذ بالاختيار, فيتخير من عناصر التربة ما يصلح له؛ فما يختاره النخيل, قد لا يختاره شجر البرتقال, وهكذا.. فهل يؤتى النبات فطرة الاختيار, ويفقد الإنسان الذي أوتي الإرادة قدرة الاختيار؟؟ ثم إن الأصالة ترفض ذلك النقل؛ فالشعوب الأصيلة تستمسك بما لديها من تراث, باعتباره أحد عناصر استقلالها, بل أهم عناصره, وهي -حتى تحت الهزيمة- قد تستمسك به, ولدينا مَثَلٌ من الأمة الإسلامية الأولى حين غلبت على أمرها أمام زحف التتار, رفضت أن تأخذ بالياسق الذي وضعه الغالبون جزءًا من شريعة جنكيزخان, وجزءًا من شريعة الإسلام, وأجزاء من شرائع أخرى. ومَثَلٌ من الأمة الألمانية, والأمة اليابانية, لم يفقدا برغم الهزيمة المرة العناصر المميزة لشعوبهما, ولم يذهبا إلى نقل كل وارد من غير تمحيص, وها هي الأمتان تعودان أقوى مما كانتا, تعودان لتقرضا أغنى دول العالم، ولتنشرا على مستوى العالم كله منتجاتهما!! والإسلام بعد ذلك يرفض ذلك النقل الأعمى؛ لأنه هو الأعلى, والأعلى لا يمد اليد لما هو أدنى. لأنه الطيب؛ والطيب لا يستبدل به الخبيث؛ لأن عنده ما ينفع الناس, ولا يستبدل بما ينفع الناس الزبد أو الغثاء.

стр. 209

ولا يتسع المجال لندلل من النقل والعقل أن الإسلام هو الأعلى, وهو الطيب, وأن عنده ما ينفع الناس. فنحسب أنه لا ينكر على الإسلام ذلك إلّا معاندٌ, أو جاهل, وفي الإعراض عن كليهما خير, أيّ خير. والماركسية في منهجها الأخير تحاول أن تقيم صلحًا بينها وبين الإسلام، والكفر والإيمان لا يصطلحان, والشر والخير لا يتقاربان, ولا يجتمعان. ومن ثَمَّ كانت دعوةً مرفوضةً غير مشكورةٍ, ولتبحث لها عن دين آخر, يقبل الصلح أو التقارب أو الاجتماع. فلقد شب أبناء الإسلام عن طوقهم, ولم يعودوا يقبلون ذلك التغفيل أو التضليل, والماركسية بتراجعاتها الكثيرة في مجال النظرية: في التفسير الماديّ للتاريخ, وفي مفهوم المادة ذاته, وتراجعاتها الأكثر في مجال التطبيق العمليّ, بعد عدولها الجزئيّ عن إلغاء الملكية, وبعدولها المرحليّ عن إلغاء الأسرة, وبعدول بعض أجزائها الأوربية عن مبدأ دكتاتورية البروليتاريا, وبعدولها المرحليّ "التكتيكيّ" عن الهجوم على الدين, وبأخذها عن "الرأسمالية" نظرة الحوافز, وبمهادنتها للنظم الرجعية, بل إعلانها الوفاق مع بعضها..

стр. 210

كل ذلك, لم يعد معه من المقبول -علمًا ومنطقًا- ان نقول بوجود النظرية الماركسية. وأخيرًا.. فماذا فعلت الماركسية حين أعطيت لها القيادة في بعض البلاد الإسلامية, هل حققت تقدمًا اقتصاديًّا؟ الواقع الأليم يحكم على الاشتراكية والاشتراكيين بالخراب, كل الخراب, هل حققت تقدمًا سياسيًّا؟ في ظل توجيهاتها العليا كانت أكبر محنة للشعب المسلم في المنطقة حين استذلته واستعمرت أرضه أذل أمة في الوجود. هل حققت تقدمًا اجتماعيًّا؟ ليس سوى التمزق بين أبناء البلد الواحد، بل بين أبناء الأسرة الواحدة؛ من اتهامات باليمينية، والإمبريالية. وغيرها من الألفاظ والمصطلحات الرنانة. ثانيًا: قصور بعض الاتجاهات الإسلامية: ماذا فعلت بنا الاتجاهات الإسلامية التي عرضنا لها, من اقتصار على العقيدة, إلى اقتصار على النسك، إلى اقتصار على محاولة إصلاح التعليم؟؟ كلها باقتصارها على جانبٍ واحدٍ, أشبه بجيش جرار معه سلاحه وذخيرته, لكنه يقف مكانه يحرك رجليه, وليس له ثمة تقدم يذكر. إنه يسير مكانه, والعالم كله يسير إلى الإمام, أو هي من ناحيةٍ أخرى. تقيم جزءًا من البناء, وتهمل الباقي.

стр. 211

فما يتكون البناء المتكامل الذي يشد بعضه بعضًا. وما يكون نصيب الجزء الذي بُنِيَ إلّا أن تعشش فيه الغربان, وتأوي إليه الحشرات, فلا يلبث أن يبدو بعد حين كريها لكل ناظر.. والإسلام أعز من ذلك وأكرم, إذن فأين الطريق؟؟

стр. 212

المبحث الثاني: أين الطريق مدخل ... المبحث الثاني: أين الطريق؟ من ابتغى نباتًا طيبًا, فلابد له من أمرين رئيسيين: تربة طيبة, وبذرة طيبة, والباقي عوامل مساعدة. والتربة الطيبة في رأينا هي الإنسان كله, والبذرة الطيبة -في رأينا- هي شريعة الله كلها؛ فإذا أحسن زرع البذرة الطيبة في الأرض الطيبة كان نبات طيب؛ كانت حضارةً ونهضةً يسعدان الإنسان, ويسعدان العالم كله. ونتحدث عن كل عنصر بما يسمح به المقام.

стр. 213

أولًا: الإنسان كله: أشرنا من قبل إلى أنه إذا كانت حضارات القرن العشرين, أو بالأصح, جاهلياته, قد لجأت إلى الآلة, وإلى المصنع, وجعلت الإنسان في الدرجة الثانية, فإن حضارة الإسلام تجعل الإنسان في الدرجة الأولى, صانعًا لها, ثم هدفًا لها, والإنسان بلا شكٍّ, هو أكرم المخلوقات في هذا الوجود. ومن ثَمَّ كانت حضارة الإسلام باعتبار الإنسان صانعًا لها, ثم هدفًا لها, أكرم حضارة في الوجود, وقضية تكريم الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات قد تبدو قضية بديهية، بالنسبة لعصرنا, لكنه قد أتى حين من الدهرلم يكن فيه الإنسان شيئًا مذكورًا. حتى لقد استعبد في فترةٍ, وخضع للبيع والشراء في سوق النخاسة.

стр. 214

واستبعدت المرأة في فترةٍ, وكان ينظر إليها على أنها متاع؛ كسائر المتاع في البيت, وكانت تورّث من بين ما يورث من الأشياء. ولا تزال المرأة في حضارات كثيرة مستعبدة, وإن علقوا على رأسها لافتة الحرية, لا تزال تباع وتشترى في سوق الرقيق الأبيض, ولا تزال تعرض سلعة رخيصة في كثير من الأماكن, تبيع النظرة وتبيع البسمة, وتبيع ما وراء ذلك بالدرهم والدولار!! وفي زمانٍ نظر الناس إلى الملائكة على أنهم الجنس الأكرم, ونظر آخرون إلى الجن, وجاءت كلمة الإسلام قاطعةً ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ١. وقصة سجود الملائكة لآدم التي حكاها القرآن, ليست للتسلي ولا للتلهي ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ ٢. لكن البعض قال فيها بغير علم، وتأول صريح ألفاظها، ودلالاتها، بما يخرجها عن معناها وهدفها.. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٣. وتكررت في أماكن أخرى بألفاظ أخرى لكنها كلها من الوضوح بما لا يصرفها عن معناها الظاهر إلى معنى خفيٍّ أو ملتو, الله أمر الملائكة بالسجود لآدم, والملائكة كلهم سجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر, وكان من الكافرين. وسجود الملائكة على هذا النحو فعل حدث وتَمَّ, وهو يعني: التكريم الذي أشارت إليه آيات أخرى, بل هو أبلغ درجات التكريم.. وتكريم الإسلام لآدم وبنيه, ينصرف بلا شكٍّ إلى الجنسين, ولذا كانت صيانة دمه وعرضه وماله, بل يبلغ التكريم والصون

стр. 215

غايته ومنتهاه, حين يقول رسول الله ﷺ ناظرًا لبيت الله المحرم, الذي زاده الله تشريفًا وتكريمًا: "ما أعظمك وأعظم حرمتك" لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة بيته المحرم. حضارة القرن العشرين شهدت على أيدي بعض أدعيائها ممن جعلوا حرمة المؤمن دون حرمة الكلاب, فأهدروا جسده، ودمه، وماله، وعرضه, وحرموه من أدنى الحقوق, بل أدنى الضرورات, حرموه أن يقضي حاجته، وحرموه أن يسد رمقه!! قد يقال: وكل حضارات الدنيا لم تقم, ولا يمكن أن تقوم بغير الإنسان, ونقول: ولكنها لا تجعله من الدرجة الأولى, ولا تنظر إليه نظرة الإسلام كلًّا لا يتجزأ, أشرف ما فيه قلبه, الإنسان كله: في هذا تفترق حضارة الإسلام عن سائر الحضارات, إنها لا تنظر للإنسان كجسد وحسب, كما تفعل الحضارة المادية شرقية وغربية, نزوعًا إلى ذلك المستوى الهابط الذي صوّر به فرويد الإنسان مجموعة غرائز تتحرك, أو نزوعًا إلى ذلك الأصل الهابط الذي تدرج به دارون إلى أن يجعل أصل الإنسان قردًا, أو ما وراء ذلك. حضارة الإسلام لا تغفل واقع الإنسان أنه جسد, لكنها لا تغفل الجانب الآخر من الواقع, إن له روحًا, إن له عقلًا وقلبًا. وهي تبدأ مع الإنسان, وفي هذا تفترق عن سائر الحضارات, من أعز مكان فيه وأشرفه, من قبله؛ فتودع فيه العقيدة والإيمان, وبهذا تكون نقطة التحول للإنسان. بهذا يبدأ الإنسان معراجه إلى حضارة المثل والقيم والأخلاق, ولا تغفل بعد ذلك بقية القوى فيه. إن لربك عليك حقًّا, وإن لبدنك عليك حقًّا, وإن لنفسك عليك حقًّا.
следующие страницы →