← Общие книги

Общие книги · id 7258

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (260 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فما يتكون البناء المتكامل الذي يشد بعضه بعضًا. وما يكون نصيب الجزء الذي بُنِيَ إلّا أن تعشش فيه الغربان, وتأوي إليه الحشرات, فلا يلبث أن يبدو بعد حين كريها لكل ناظر.. والإسلام أعز من ذلك وأكرم, إذن فأين الطريق؟؟

стр. 212

المبحث الثاني: أين الطريق مدخل ... المبحث الثاني: أين الطريق؟ من ابتغى نباتًا طيبًا, فلابد له من أمرين رئيسيين: تربة طيبة, وبذرة طيبة, والباقي عوامل مساعدة. والتربة الطيبة في رأينا هي الإنسان كله, والبذرة الطيبة -في رأينا- هي شريعة الله كلها؛ فإذا أحسن زرع البذرة الطيبة في الأرض الطيبة كان نبات طيب؛ كانت حضارةً ونهضةً يسعدان الإنسان, ويسعدان العالم كله. ونتحدث عن كل عنصر بما يسمح به المقام.

стр. 213

أولًا: الإنسان كله: أشرنا من قبل إلى أنه إذا كانت حضارات القرن العشرين, أو بالأصح, جاهلياته, قد لجأت إلى الآلة, وإلى المصنع, وجعلت الإنسان في الدرجة الثانية, فإن حضارة الإسلام تجعل الإنسان في الدرجة الأولى, صانعًا لها, ثم هدفًا لها, والإنسان بلا شكٍّ, هو أكرم المخلوقات في هذا الوجود. ومن ثَمَّ كانت حضارة الإسلام باعتبار الإنسان صانعًا لها, ثم هدفًا لها, أكرم حضارة في الوجود, وقضية تكريم الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات قد تبدو قضية بديهية، بالنسبة لعصرنا, لكنه قد أتى حين من الدهرلم يكن فيه الإنسان شيئًا مذكورًا. حتى لقد استعبد في فترةٍ, وخضع للبيع والشراء في سوق النخاسة.

стр. 214

واستبعدت المرأة في فترةٍ, وكان ينظر إليها على أنها متاع؛ كسائر المتاع في البيت, وكانت تورّث من بين ما يورث من الأشياء. ولا تزال المرأة في حضارات كثيرة مستعبدة, وإن علقوا على رأسها لافتة الحرية, لا تزال تباع وتشترى في سوق الرقيق الأبيض, ولا تزال تعرض سلعة رخيصة في كثير من الأماكن, تبيع النظرة وتبيع البسمة, وتبيع ما وراء ذلك بالدرهم والدولار!! وفي زمانٍ نظر الناس إلى الملائكة على أنهم الجنس الأكرم, ونظر آخرون إلى الجن, وجاءت كلمة الإسلام قاطعةً ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ١. وقصة سجود الملائكة لآدم التي حكاها القرآن, ليست للتسلي ولا للتلهي ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ ٢. لكن البعض قال فيها بغير علم، وتأول صريح ألفاظها، ودلالاتها، بما يخرجها عن معناها وهدفها.. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٣. وتكررت في أماكن أخرى بألفاظ أخرى لكنها كلها من الوضوح بما لا يصرفها عن معناها الظاهر إلى معنى خفيٍّ أو ملتو, الله أمر الملائكة بالسجود لآدم, والملائكة كلهم سجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر, وكان من الكافرين. وسجود الملائكة على هذا النحو فعل حدث وتَمَّ, وهو يعني: التكريم الذي أشارت إليه آيات أخرى, بل هو أبلغ درجات التكريم.. وتكريم الإسلام لآدم وبنيه, ينصرف بلا شكٍّ إلى الجنسين, ولذا كانت صيانة دمه وعرضه وماله, بل يبلغ التكريم والصون

стр. 215

غايته ومنتهاه, حين يقول رسول الله ﷺ ناظرًا لبيت الله المحرم, الذي زاده الله تشريفًا وتكريمًا: "ما أعظمك وأعظم حرمتك" لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة بيته المحرم. حضارة القرن العشرين شهدت على أيدي بعض أدعيائها ممن جعلوا حرمة المؤمن دون حرمة الكلاب, فأهدروا جسده، ودمه، وماله، وعرضه, وحرموه من أدنى الحقوق, بل أدنى الضرورات, حرموه أن يقضي حاجته، وحرموه أن يسد رمقه!! قد يقال: وكل حضارات الدنيا لم تقم, ولا يمكن أن تقوم بغير الإنسان, ونقول: ولكنها لا تجعله من الدرجة الأولى, ولا تنظر إليه نظرة الإسلام كلًّا لا يتجزأ, أشرف ما فيه قلبه, الإنسان كله: في هذا تفترق حضارة الإسلام عن سائر الحضارات, إنها لا تنظر للإنسان كجسد وحسب, كما تفعل الحضارة المادية شرقية وغربية, نزوعًا إلى ذلك المستوى الهابط الذي صوّر به فرويد الإنسان مجموعة غرائز تتحرك, أو نزوعًا إلى ذلك الأصل الهابط الذي تدرج به دارون إلى أن يجعل أصل الإنسان قردًا, أو ما وراء ذلك. حضارة الإسلام لا تغفل واقع الإنسان أنه جسد, لكنها لا تغفل الجانب الآخر من الواقع, إن له روحًا, إن له عقلًا وقلبًا. وهي تبدأ مع الإنسان, وفي هذا تفترق عن سائر الحضارات, من أعز مكان فيه وأشرفه, من قبله؛ فتودع فيه العقيدة والإيمان, وبهذا تكون نقطة التحول للإنسان. بهذا يبدأ الإنسان معراجه إلى حضارة المثل والقيم والأخلاق, ولا تغفل بعد ذلك بقية القوى فيه. إن لربك عليك حقًّا, وإن لبدنك عليك حقًّا, وإن لنفسك عليك حقًّا.

стр. 216

فأعط كل ذي حقٍّ حقه. ويتحقق في الإنسان المسلم التوازنُ المفقودُ عند غيره؛ فلا الجسد ولا حاجاته يطغى, فينقلب الإنسان إلى حيوان تسيره غرائزه, ولا العقل ومنطلقاته يطغى؛ فينقلب الإنسان إلى خيالٍ بعيد عن الواقع والحياة, ولا القلب وأشواقه يطغى؛ فينقلب الإنسان إلى راهبٍ ينقطع عن الدنيا وما فيها, وإنما كل يسير بقدر, كما أن كلًّا خلق بقدر. كلٌّ يسير في فلكه المرسوم, كما تسير الكواكب في فلكها المرسوم. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١. أما القدر الذي يسير قوى الإنسان, وأما الفلك المرسوم الذي يسير فيه, فهو هذه الشريعة التي أنزلها الله له, وفيها هذا النظام الرائع المحبوك الذي لا يقل روعةً عن نظام هذا الكون المتناسق الغريب.. وحين تختل القوى أو تطغى؛ ففي توجيهات هذه الشريعة وأوامرها ونواهيها, ما يرد الأمر إلى توازنه؛ ليعود كلٌّ يسير بقدر, وليعود كلٌّ إلى فلكه المرسوم بغير طغيان ولا خسران, بغير إفراط ولاتفريط..

стр. 217

ثانيًا: الشريعة كلها الإنسان هو التربة الطيبة, والشريعة هي البذرة الطيبة, ومنها: يكون النبت الطيب بإذن ربه, ومنهما: تكون حضارة المثل والقيم والأخلاق.. ومحاولات النهضة الإسلامية السابقةلم تؤت ثمارها المرجوة, إما لأنها اقتصرت على جانب في الإنسان تقيمه وتزكيه، وأهملت بقية الجوانب, وكما قدمنا, فالإنسان كلٌّ لا يتجزأ, ومخاطبة جانب فيه يخل بالتوازن الذي أودعه الله في هذا الإنسان, كما أودع التوازن في الكون كله.. ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ١. والذين اقتصروا على النسك, اقتصروا على أعمدةٍ, وتركوا بقية البناء, والذين اقتصروا على التعليم, أخذوا جانبًا وتركوا بقية الجوانب, وشريعة الله بناءٌ متكاملٌ يشدُّ بعضه بعضًا؛ أساسه: عقيدة, وأخلاق, وعمده: شعائر ونسك, وبقية أركانه وجوانبه: أوامر ونواهٍ وتوجيهاتٍ تشمل جميع الحياة. ونشير في إيجاز لهذه الجوانب, ثم نشير إلى أنها لا تقبل التجزئة, ولا التفرقة, ثم نختم بحثنا بتساؤل: كيف نقيم بناء الشريعة في النفس وفي الناس؟؟ هذا ما نجب عليه -بمشيئة الله- في الفصل الثالث, تحت عنوان: جوانب شريعة الله.

стр. 218

الفصل الثالث: جوانب شريعة الله مدخل ... الفصل الثالث: جوانب شريعة الله كان من نتائج إبعاد شريعة الله عن حياة المسلمين، وإبعادهم عنها, أن اختلفت نظرة الكثيرين إليها, حتى المخلصين الراغبين إليها. وكان كلُّ مَنْ قبس منها قبسًا, ظن ذلك هو الإسلام, أو ذلك هو الشريعة؛ فراح يعكف عليه وحده, ويدعو إليه وحده, بيد أن شريعة الله كلًّا لايتجزأ, قد نقبس منها قبسًا, لكننا لا نقف عنده, بل نحاول أن نحيط بالنور كله؛ ليكون فيه الخير كله. ولسوف نرى فيما بعد -إن شاء الله- أن تجزئة شريعة الله قد تكون فتنةً تمامًا كمنعها كلها, بل ربما أشد. من هنا كانت أهمية محاولة الإحاطة بجوانب هذه الشريعة, وأولى هذه الجوانب وأشرفها هو البعقيدة, وثانيها المكمل لها, هو الأخلاق. ومن هذين يصطبغ المسلم بصبغة الإيمان, لكن لابد من صقله, وتنمية هذا الإيمان بالشعائر والنسك, ثم باتباع سائر أوامر الله في سائر جوانب الحياة, ونشير لكل جانب بكملة:

стр. 219

المبحث الأول: العقيدة والأخلاق والشعائر أولًا: جانب العقيدة العقيدة أشرف جوانب الشريعة, ولذا كانت تخاطب أشرف جزءٍ في الإنسان, تخاطب قلبه, وبقيامها في قلوب الناس يقوم أساس هذه الشريعة متينًا قويًّا. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ ١.. وقد أشرنا -في معرض الحديث عن الاتجاهات القاصرة- إلى أن عقيدة الإسلام متمثلة في الكلمة الطيبة: لا إله إلّا الله, وهي بهذا -كما أشرنا- تتمضن نفيًا ثم إثباتًا. نفيًا يقتضي إسقاط كل صفات الألوهية والربوبية عن سوى الله من طواغيت؛ بشرًا كانت أو حجرًا.. ولا نحسب الإنسانية -بعد أن شبت عن طفولتها- تَرْتَدُّ مرةً أخرى إلى جاهليتها الأولى؛ لتعطي بعض صفات الألوهية أو الربوبية لوثنٍ أو صنمٍ, لكنها لا تزال -حتى اليوم- تتردَّى في إعطاء بعض هذه الصفات للبشر؛ فتعترف لهم بحق وضع "منهاج الحياة". كما اعترف الماركسيون بهذا الحق لماركس ومَنْ جاء بعده.

стр. 220

ليفسروا لهم الكون، والتاريخ، والاقتصاد, ويضعوا لهم منهج السياسة والاجتماع والاقتصاد. وكما اعترف غيرهم بهذا الحق لبشر مثلهم, يشرعون لهم قيمهم ومثلهم, وقواعد مجتمعاتهم, وسائر جوانب حياتهم. وتردت من ورائهم الأمم الإسلامية تأخذ عن هؤلاء القيم والمثل والأخلاق والسلوك وسائر مناهج التعامل بين الناس, وفي مقدماتها القوانين. ونسيت هذه الأمم أنها بهذا تتخذ أربابًا من دون الله, تعطيها بعض صفات الله وبعض حقوقه, تزعم أنها آمنت بالله, وهي تتحاكم إلى هذه الطواغيت؛ من قيمٍ ومبادئَ وقواعدَ وتشريعاتٍ, وإيمانها يقتضي أولًا إسقاط هذه الطواغيت. عقيدتها تقتضي أولًا إسقاط هذا الحق عن تلك الطواغيت, وإثباتًا يقتضي الإقرار بكل صفات الربوبية والألوهية لله وحده. وبذا تقوم عقيدة الإسلام واضحة قوية في قلوب المسلمين, يقوم الأساس متينًا؛ ليصح من بعده ومن فوقه بقية البناء.

стр. 221

ثانيًا: جانب الأخلاق وهذا جنب يغفل عنه الكثير من المصلحين ومن الدعاة, مع أنه في ميزان الإسلام يقف إلى جانب العقيدة؛ ليقيم الأساس, وكيف لا؟ والرسول يجعلها غايةً لابتغاثه "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١. وكيف لا؟ وقد ظل الرسول ﷺ يربِّي المسلمين عليها مع العقيدة أكثر من نصف حياته الرسالية.

стр. 222

وكيف لا؟ وبها انتشرت دعوة الإسلام في أكثر من نصف الأرض التي فتحها الله على المسلمين؛ لما رأى الناس من أخلاق تجار المسلمين في معاملاتهم. وكيف لا؟ وبها يصير المسلمون مثلًا تتحرك وقيمًا تسعى على الأرض, ويسعى نورها بين أيديها وبأيمانها. وكيف لا؟ وقد كان خُلق رسول الله ﷺ القرآن، وكان بهذا الخلق أشرف من خُلِقَ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ ١, ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٢. وأمرنا أن نقتدي بهذا الرسول في خلقه العظيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٣. ولئن اختلفت مذاهب العالم في الأخلاق, واختلفت فيها اهتماماتهم, فإن السمة الواضحة في هذه المذاهب وتلك الاهتمامات أنهم لا يضعونها في المنزلة التي يضعها الإسلام, أساسًا مع العقيدة للبناء كله, ثم هي عندهم ليست نابعةً عن عقيدةٍ ولا متصلةً بعبادة, بينما هي في الإسلام كذلك, فأما نبعها من العقيدة, فهناك أمثلة منها: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" ٤. "والله لا يؤمن" "ثلاثًا" قيل من يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه" ٥.

стр. 223

"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ . ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل﴾ . ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ..﴾ ١. وأما إتصالها بالعبادة: فإن إتيانها نفسه والاستمساك بها عبادة, اسمع إن شئت قول رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ٢. "أقربكم مني منازل يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا".. "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" ٣. ثم إنها بعد ذلك تزكو بالعبادة وتربو, فالصلاة من بين غايتها تنمية النظام، والطاعة، والطهر والنظافة, والعفة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٤ "لو أن بباب أحدكم نهرًا يغتسل منه في اليوم خمس مرات أيبقي من درنه شيء" ٥. وأداؤها في جماعة ينمي روح التعاون والتراحم والود والألفة؛ فيتحقق قول الرسول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.." ٦.

стр. 224

والصيام يزكي خلق الصبر، والاحتمال، والإحساس بالفقير والعطف عليه, وينمي في الوقت نفسه مراقبة الله في السر كمراقبته في العلانية, مما يولد التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ..﴾ ١. والزكاة تطهير للنفس من شحها, وتطهير للمجتمع من الأحقاد, وتزكيةٌ لأخوة الإسلام والمحبة في الله بين الغنيّ والفقير ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..﴾ ٢. وهي حقٌّ في مال الغنيّ، وليست مجرد إحسان، ومن ثَمَّ ينتفي فيها ما قد يجرح الفقير ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم﴾ ٣ وفي المال -بعد ذلك- حقٌّ سوى الزكاة. والحج فيه صبر وتطهر من الرفث والفسوق والجدال, وفيه تنمية لروابط الأخوة بين المسلمين, وتزكية للوحدة على الله الواحد, والقبلة الواحدة, والغاية الواحدة. ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى..﴾ ٤.

стр. 225

وهكذا, وهذه مجرد نماذج. وأخلاق الإسلام بعد ذلك فيها الثبات, فهي لا تتغير بتغير الأزمنة, ولا تتأثر بالظروف ولا المصالح, وهي ترتفع بالمسلم إلى مستوى من "المثل" لا تدانيه أية قيم أرضية أخرى, ومن هنا وجب أن يربى عليها المسلمون، كما يربون على تقوى الله سواءً بسواء.

стр. 226

ثالثًا: جانب الشعائر العقيدة والأخلاق أساس, ويأتي بعد الأساس: العمد, والشعائر هي العمد. من هنا كانت صلتها وثيقةً بالعقيدة وبالأخلاق, فهي كذلك استمدادٌ من العقيدة. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ١. ثم إن العقيدة تربو بالشعائر وتزكو, ومن هنا كان قول السلف: الإيمان يزيد بالطاعات, وينقص بالمعاصي, وبينها وبين الأخلاق تأثير متبادل؛ فحسن أدائها تزكو به الأخلاق وتربو على نحو ما أشرنا. كذلك الأخلاق تؤدي إلى حسن أدئها, فمن كان ذا وفاءٍ فهو مع الله أوفى, ومن كان ذا صدق, فهو مع الله أصدق, ومن كان ذا أمأنة؛ حفظ أمانة الله أول ما يحفظ, وهكذا..

стр. 227

المبحث الثاني: بقية الجوانب مدخل ... المبحث الثاني: بقية الجوانب وهي ما تعالج بعد العقيدة، والأخلاق, والشعائر, جوانبَ الحياة توجيهًا وتشريعًا, ابتداءً من الفرد, ثم الأسرة, ثم المجتمع, وفي المجتمع كل نواحيه سياسية واقتصادية واجتماعية, ولئن فصل الإسلام في ثبات ووضوح جوانب العقيدة والأخلاق والشعائر, فإنه في بقية الجوانب فصل ما لا يتغير, وأجمل ما يتغير. فمن أمثلة ما لا يتغير جوهر الإنسان وما يتصل به من زواجٍ وطلاقٍ وميراثٍ, فقد فَصَّلَ كل ذلك تفصيلًا وافيًا, يعترف فيه بالواقع, ثم يعرج بعد ذلك إلى معراج المثل والقيم التي يحرص عليها, وما يثيرونه حول هذه القضايا, إنما هي شبهات يثيرها جَهْلٌ بالإسلام, أو حقد عليه, وليس هنا مكان العرض لها. ومن أمثلة ما يتغير: الظروف السياسية والاقتصادية, ولذا رسم الإسلام فيها الخطوط الرئيسية, وليس معنى ذلك -كما يتفوه البعض- أن ليس للإسلام نظامٌ سياسيٌّ أو نظام اقتصاديٌّ, فإن الإسلام يرسي المبادئ والإطار العام, ويضع الخصائص العامة المميزة لهذا النظام الربانيّ, ثم يدع لاجتهاد الإنسان تبعًا لتغير الظروف تفصيلَ بقيةِ الأحكام. ولنأخذ النظام الاقتصاديّ والنظام السياسيّ كمثلين نؤيد بهما قولنا السابق، ونرد بهما ردًّا عمليًّا على أولئك الذين يستوردون لنا النظم السياسية والاقتصادية, بمقولة: إن الإسلام لا يتضمنهما.

стр. 228

النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ: قد يحتاج النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ إلى حديث طويل, وقد يحتاج إلى مقارنةٍ مع أنظمةٍ متعددةٍ؛ شرقية وغريبة, ليس من قبيل مقارنة المثيل بالمثيل, ولكن قريبًا من مقارنة الظلام والنور، والظل والحرور, وبضدها تتميز الأشياء, لكن حسبنا في هذا المقام أن نرسم الخطوط العريضة لندع للدراسة الواسعة المتأنية التفصيل بمشيئة الله. ويكتفي بالحديث عن أمرين: ١- خصائص النظام الإسلاميِّ الاقتصاديِّ. ٢- الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ. وإن كان الفصل بين الأمرين مجرد فصل نظريٍّ. أولًا: خصائص النظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ. ١- نظام ربانيٌّ: بمعنى: أن مصدره هو الله سبحانه, بما جاء في كتابه, أو في سنة رسوله, أو ما أجمع عليه العلماء المسلمون, أو ما كان سابقهً ناجحةً في نظام الحكم الإسلاميِّ؛ لأنها مستقاة أولًا من معين ربانيٍّ، ولأنها ثانيًا اجتهاد صحابةٍ أو تابعين لهم بإحسان, يغني عنها اجتهادنا لو بلغنا إلى أفضل مما بلغوه, وربانية النظام تجعل له سحرًا آخر. أولًا: أنه يستثير في النفس وازعًا لحفظه وحمايته أقوى من كل وازع, فلا تحتاج إلى كثير من الأجهزة الثقيلة المعقدة التي أثقلت بها كواهل الشعوب، وأثقلت بها ميزانيات الدول، وثقلت بها صدور الناس! ومن هنا ندرك الفارق بين حصيلة الزكاة على عهد عمر بن عبد العزيز

стр. 229

التي وفت كل المحتاجين من الفقراء والمساكين، ثم العاملين عليها، ثم بقية المصارف الأخرى, حتى بلغت إلى الغارمين، فسددت الدولة عن المدينين ديونهم. ندرك الفارق بين مثل هذه الحصيلة, ومجموع حصيلة الضرائب كلها, المتعددة التي لا تكاد تسد مصرفًا واحدًا من هذه المصارف! ثانيًا: تجعل احترامه والخضوع له من المحكوم ومن الحاكم على السواء؛ لأنه من مصدر فوق هذا وذاك وأعلى وأسمى. ثالثًا: يتحقق التكامل بين النظام الاقتصاديّ والنظام الاجتماعيّ والنظام السياسيّ؛ لأن الكل من مصدر واحد, والتجزئة بينها غير جائزة! ٢- انتقاء الندرة: مشكلة المشاكل في النظم الاقتصادية المعاصرة هو ما يتناولونه تحت عنوان: الندرة, ويقصدون به قلة الموارد بالنظر إلى تزايد الناس, أو ما يصطلحون عليه بالانفجار السكانيّ, وهذه المشكلة لا وزن لها, بل لا وجود لها في النظام الإسلاميّ. أولًا: لأن هذا النظام تقوم عقيدة أصحابه على ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ ١ وعلى أنه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢ وعلى أن الله قسم الرزق كما قسم الأجل، وإن الرزاق ليطلب المرء كما يطلبه أجله. ومن ثَمَّ فلا يمكن أن يأتي وقت, أو يوجد مكان, تحقق فيه الندرة, اللهم إلّا أن يكون الأمر عقابًا من عند الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ٣ وكلما أقبلت الأمة على الله, كلما زاد لها في رزقها ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤.

стр. 230

﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ١. أضف إليها بعد ذلك قول الحكيم الخبير: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ٢ فنعمة الله ليست نادرةً, بل هي أعظم من أن تحصى. ثانيًا: من ناحية الواقع فإن واقع الأمة الإسلامية يؤكد أمرًا هامًّا, أنها إن عادت أمة واحدة، وعادت إلى ربها, فلا يمكن أن تتحقق فيها ندرة أبدًا.. - إن المنطقة الإسلامية أخصب بقاع الأرض زراعيًّا.. - وأغنى بلاد الأرض بالمواد الأولية، وفي مقدمتها أنفسها، الذهب, واليورانيوم, والبترول. - وهي أوسط بلاد العالم موقعًا تجاريًّا واستراتيجيًّا؛ إذ تشرف على منافذ البحار والمحيطات, ويمكن لها أن تتحكم فيها، وهي من ناحيةٍ أخرى تقع في مكان وسط بين قارات العالم, وهي من ناحيةٍ ثالثةٍ أكثر البلاد اعتدالًا وصلاحيةً لكل أنواع الإنتاج. ومن ثَمَّ, فإن صح أن توجد الندرة في الشرق أو في الغرب بذنوب أهله وعصيانهم، وبافتقاد المكان الذي حبا الله به أمة محمد ﵊. - فإنه لا يصح بالنسبة للأمة الإسلامية إذا عادت مرة أخرى أمة الإسلام؟ ٣- ابتغاء الآخرة: وقد كان يصح أن تكون هذه هي الخصيصة الثانية, لكنَّا فضلنا أن نشير إلى الربانية, ثم إلى الندرة باعتبار الأولى صبغة هامة عامة, وباعتبار أهمية الثانية عند أهل العصر, ومخالفة الإسلام لها..

стр. 231

أما ابتغاء الآخرة فهي خصيصة هامة, وتأخيرها لا يقلل من أهميتها, وابتغاء الآخرة يخفف كثيرًا من غلواء الأنظمة القائمة التي تتعامل وكأنه ليس في الحياة إلّا المادة, وكأن ليس بعد الدنيا آخرة يحاسب فيها المرء ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ١. الدنيا.. إنما تصير الدنيا وسيلةً لا غايةً، مرتقًى وليست منتهًى، طريقًا إلى هدف, وليست هدفًا في ذاتها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. وهكذا يتضح وضع الاقتصاد, إن الاهتمام به واجب, لكنه لا يلهي عن الأخرة؛ لأنه نفسه طريق إلى الآخرة, وإذا ابتغى الإنسان الآخرة في اقتصاده؛ فردًا كان أو دولةً, وسار على الطريق الذي رسمه الإسلام, فإنه بلا شكٍّ يؤدي إلى عبادة من أجَلِّ العبادات؛ لأن العبادات ليست قاصرةً على النسك والتعبد, إنما تشمل كل أنشطة الحياة وكل مجالاتها٣.

стр. 232

٤- التوازن: وهذه الخصائص المتقدمة تفضي إلى ما يسمى بالتوازن الاقتصادي, وقد كان ذلك يكفي لتقول إن النظام الإسلاميّ الاقتصاديّ يقوم على التوازن, لكن الإسلام أكد هذه الخاصية بأكثر من سبيل: فجعل التوازن أمرًا ملزمًا للفرد ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ١. وجعلها بعد ذلك صفةً للجماعة لازمةً ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" ٢. ثم جعلها أخيرًا صفةً للأمة التي أضفى عليها الخيرية في مكان آخر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٣. وهكذا تكتمل حقلة التوازن أمرًا وتوجيهًا, ومن قبل ذلك نتيجةً لازمةً لخصائص أخرى! وبهذا ينفرد النظام الاقتصاديّ عن أنظمةٍ كثيرةٍ تعاني انعدام التوازن! ٥- النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ يرفض الترف: قد كان يكفي أن نقول أنه متوازن, فهو يعنيأنه يرفض الإسراف، والترف قَمَتَه١, لولا أن الله ينص على الترف؛ جعله قرين الفسق, أو جعل الفسق نتيجةً, وجعل الهلاك والدمار عاقبته ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ٤ ومعنى الآية الكريمة

стр. 233

أمرنا مترفيها أن يرجعوا ويلتزموا, لكنهم أبوا وفسقوا, فكان الهلاك والدمار. وفي القراءة الأخرى بتشديد الميم, تعني معنى آخر، إنه إذا كان الأمر إلى المترفين, فسلام على الأمة, إنها لابد هالكة؛ لأنه إذا اجتمعت السلطة مع الترف, فإنها لا تنتج غير الفسق، ولا ينتج الفسق إلّا الهلاك والدمار١. ولقد يكون الهلاك والدمار في صورة آيةٍ من آيات الله التي أهلك بها أممًا من قبل, قال فيها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ ٢. كما قد يكون بتسليط أعداء الله عليها ليذيقوها ألوانًا من العذاب والهوان والإذلال, أو لتتقلب من الرأسمالية الطاغية التي يتحكم فيها الترف والمترفون, إلى النقيض من ذلك, إلى جحيم الشيوعية التي يتحكم فيها السفلة والكافرون! إن الشيء إذا زاد عن حَدِّهِ انقلب إلى ضده! الترف يؤدي إلى ضرر اقتصاديّ هامٍّ, أنه إذا شاع أدى إلى زيادة الاستهلاك على الإنتاج, وأدى إلى التضخم, وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن الاقتصاديّ، وحدوث الأزمات الاقتصادية, وذلك كله فوق الأضرار الاجتماعية الخطيرة التي يؤدي إليها, وفوق الأضرار السياسية, وفي مقدمتها تمكن الشيوعية الكافرة من بلاد المترفين! وجماع هذه الأضرار أو نتيجتها هو ما أكده القرآن: الهلاك والدمار، فليحذر المترفون, وليحذر الساكتون على المترفين.

стр. 234

إن الهلاك والدمار يقترب منهم, فوق هلاك ودمار أشد وأكبر, إنه الجحيم يوم القيامة! وخير للمترفين أن يضحكوا بشيء قبل أن يحرموا كل شيء, وخير لهم أن يملأوا أنصاف بطونهم, قبل أن تملأها الزقوم وشراب الجحيم ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ١. وحسبنا هذه الخصائص الخمس لننتقل إلى الحديث عن الخطوط العريضة للاقتصاد الإسلاميّ, فإنها إذا أزلنا الحاجز النظريّ, كذلك خصائص! ثانيًا: الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديّ الإسلاميّ تنبع هذه الخطوط من التوازن الاقتصاديّ, وصبغ الأنشطة الاقتصادية المختلفة بالصبغة الربانية, ونكتفي بخطوط ثلاثة رئيسية: ١- ملكية متوازنة. ٢- حرية اقتصادية متوازنة. ٣- نظام مصرفيّ متوازن. ونتناولها بإذن الله على التوالي. ١- ملكية متوازنة: تَمَلُّكُ الإنسان أمرٌ فطريٌّ, حتى عدها علماء النفس إحدى غرائزه, والغريزة في علم النفس لا تقتل، ولكن يتسامى بها, ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى قتل حب التملك في النفوس, والنظام الذي يفعل ذلك يقتل نفسه!

стр. 235

ومن هنا كان الخطأ الرئيسيّ في النظام الشيوعيّ النظريّ الذي لم يستطع حتى الآن أن يطبق نظريته تطبيقًا عمليًّا كاملًا، وإن انتحل التعلات والمعاذير! لكن إطلاق العنان لهذه الغريزة شأن إطلاق العنان لأية غريزة أخرى, يهلك الإنسان ويحطمه، كما يهلك النظم كله ويحطمها, ومن هنا كان خطر الرأسمالية الطاغية التي تطلق العنان للملكية, حتى تغدو لونًا من الإقطاع يسلب الناس ويستبعدهم, ويأكل أو يشرب ثمرات جهودهم، وقطرات جبينهم, بل ويمتد إلى قطرات دمائهم١, ومن ثَمَّ كان خطأ الرأسمالية أو المذهب الفرديّ.. وبين هذا وذاك, كان نظام الإسلام قوامًا، وكان كذلك قوَّامًا, والأمر أوسع من أن نعرض له في هذه العجالة. إن الملكية في الإسلام معترف بها؛ لأن ذلك يؤدي قدرًا كبيرًا من إنجاح النظام الاقتصاديّ, فإن سُلِبَ العامل ثمرات جهوده بحرمانه من التملك, يجعله والخامل سواء, ومن ثَمَّ يركن النشاط الاقتصاديّ إلى الركود, ويضعف الإنتاج, ويتهدد البلد البطالة والمجاعة, ومن بعدها الانهيار والهلاك! وروسيا الاشتراكية مثل قريب, فإن إنتاج روسيا لم يزد طوال خمسين عامًا من الحكم الشيوعيّ القائم على إضعاف الملكية الفردية, والمنادى بإلغائها, لم يزد عما كان عليه في العهد القيصريّ أكثر من ٤%, فقد كان إنتاجها في العهد القيصريّ ٤٦% من الإنتاج الأمريكيّ، وصار إنتاجها في العهد الشيوعيّ, وبعد خمسين عامًا من حكمه ٥٠% من الإنتاج الأمريكيّ. فهل تستحق الـ٤% الزيادة, كل هذا الفناء والإفناء الذي أحدثه الحكم الشيوعيّ الغاشم؟! وبلوغ الإنتاج الروسيّ مثل الإنتاج الأمريكي, حلم قصرت دون

стр. 236

تحقيقه برامجها الاقتصادية المختلفة, وخططها الخمسية والعشرية, رغم الأمانيّ التي كانت تداعب ساستها وقادتها, وكانوا يدغدغون بها عواطف الشعوب اللهثى والجوعى, التي شقيت بفردوس الشيوعية الكاذب! لكن هذه الملكية المعترف بها للفرد في النظام الإسلاميّ, ليست طليقةً من كل قيد, بل إن كثيرًا من القيود تحوطها مما يحقق انضباطها، وبما يحقق أداءها لرسالة في المجتمع, يتحقق بها التوازن بين الفردية والجماعية, ولذا فالملكية تؤدي وظيفتين: وظيفة فردية, بما تحقق للفرد من إشباع, ووظيفة اجتماعية, بما تحقق للمجتمع من فائدة. وأول قيود الملكية ما أشرنا إليه سلفًا من تحريم الترف. إن الملكية المترفة مذمومة, وإذا بلغت هذا الحد, فإما انتهى صاحبها من نفسه، وإلّا كان لوليِّ الأمر أن يقوَّمه, والسوابق الإسلامية في ذلك كثيرة, ودفع المفسدة في الإسلام مقدم على جلب المصلحة, وتلك بعض غايات التشريع الإسلاميّ الحكيم. ويلحق بالترف أمور أخرى حرمها الإسلام؛ كالاحتكار، والغش، والتطفيف في الكيل والميزان, ويلحق به كذلك الربا, وهو آفة نفرد لها الحديث عند تناولنا للمصارف بإذن الله, وهذه كلها فيها آثار كثيرة ومشهورة. وثاني هذه القيود: ما أقامه الإسلام من ألوان الملكية الجماعية, وهي مرافق كان الإسلام أسبق في تقدير جعل ملكيتها في يد الجماعة لا الفرد؛ لأن خيرها يعم الجميع، وضرر تركها أو منعها كذلك يعم الجميع، ومن ثَمَّ كانت الجماعة -ممثلة في أولي الأمر فيها- أقدر على إدارتها لتحقيق غايتها.

стр. 237

والمثل التقليدي في ذلك قول رسول الله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: "الماء والكلأ والنار" لكن علماء المسلمين قاسوا عليه كل مرفق تظهر حاجة الجماعة إليه, وأهمية ملكيتها له. وثالث هذه القيود: نظام الميراث الذي قد يبدو لأول وهلة, أنه نظام رأسماليّ؛ إذ يعتد بالملكية وينقلها إلى ورثة صاحبها, لكن المتأمل فيه يجده قيدًا على الملكية؛ إذ يجري توزيعها وفق نظام دقيق يكفل: ١- تفتيت هذه الثروة وانتقالها إلى أيدٍ متعددةٍ بدلًا من احتواء يد واحدة لها. ٢- أنه يجري توزيعه تبعًا للحاجة؛ فإذا كانت حاجة الأولاد أشد من حاجة الآباء باعتبار أولئك مقبلين وهؤلاء مدبرون, كان نصيب الأولاد أكبر, وإذا كانت حاجة الذكر أشد من حاجة الآنثى؛ إذ يقوم هو على عائلةٍ, بينما تكون الأنثى من بين عائلةٍ يُقَامُ عليها, كان كذلك نصيب الذكر أكبر. ٣- فوق أن النظرة الاقتصادية السليمة تجعل وضع الملكية في يد الأبناء وهم أنشط -أولى من وضعها في يد الآباء, والأغلب أنهم طاعنون في السن- كذلك وضعها في يد الذكر أجدى النشاط الاقتصاديّ, من وضعها في يد الأنثى. وهكذا يمضي نظام الميراث حكيمًا ليؤدي وظيفة اقتصاديةً عظيمةً, عجز البعض عن إدراكها, فراح يبدل كلام الله، وينتهك حدود الله, ويسوي بين الذكر والأنثى في الميراث؛ ليحقق بذلك الظلم, وهو يحسب أنه يحقق العدل، فليس البشر مهما كان بأعدل من الله, ولا هو أحنى على البشر من رب البشر, الحنَّان المنَّان، الرحمن الرحيم، الكريم الودود!

стр. 238

ورابع هذه القيود ما يجعله من حق في المال: الزكاة بأنواعها, ولو أخذت هذه الزكاة ممن تجب عليهم، ووزعها ولي الأمر على من تجب لهم؛ لحققت لونًا من العدل الاجتماعيّ لم يبلغه نظام آخر, ولحققت كذلك لونًا من التقارب والتآخي, بل ولاقتربت بالنظام من التوازن الذي يحبه الله في كل شيء. وقديمًا غطت حصيلة الزكاة -مع حياة الضمائر- غطت الفقراء والمساكين والعاملين عليها, وأعتقت الرقاب، وغطت كذلك المدينين الغارمين, وفي المال حق سوى الزكاة, قد يتمثل فيما يفرضه ولي الأمر المسلم من ضرائب, وقد يتمثل فيما يراه علاجًا للوضع الاقتصاديّ, قد يبلغ في بعض الظروف الاقتصادية الاستثنائية ألَّا يملك أحد شيئًا, وفي الذين كانوا إذا سافروا أرملوا, وفي امتداح الرسول ﷺ لهم مَثَلٌ عظيم! وخامس هذه القيود منع الضرر: فملكيتك حق, وللآخرين حق, وحتى لا يطغى حق على حق, وجب أن يمتنع المسلم عن الضرر أو الضرار, حتى يقف عند حدود حقه, فلا يعتدي على حق الآخرين, وبهذا يمتنع تجاوز استعمال الحق. لكن داخل استعمال الحق نفسه يمتنع لون من الأضرار كذلك, هو ما اصطلح على تسميته: بإساءة استعمال الحق, ويوم اكتشفت هذه النظرية في مطلع القرن العشرين التفت العالم

стр. 239

كله إلى مكتشفها, ونسي الناس -في غيبة الدعوة وغفلة الدعاة- أن الإسلام صاحبها الأول, فقد نَصَّ رسول الإسلام على قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" وهو أساسها القانونيّ, وطبق الإسلام صورًا عديدة لمنع إساءة استعمال الحق, في مقدمتها: حق الشفعة الذي يؤكد هذا القول تأكيدًا عمليًّا. وبهذه القيود تتحقق الملكية وظيفتها الجماعية إلى جانب وظيفتها الفردية, فكأن الملكية عملة ذات وجهين؛ أحدهما فرديّ, والثاني جماعيّ. وهذا غير ما تتابع١ فيه بعض الكتاب جريًا وراء التعبيرات الحديثة؛ من أن الملكية في الإسلام ذات وظيفة اجتماعية, أن لها الوظيفتين الفردية والجماعية؛ ليتحقق بذلك التوازن لهذا اللون من النشاط. ٢- حرية اقتصادية متوازنة: تحدث الاقتصاديون عن الحرية الاقتصادية, فزعم أبناء الغرب أنها تتحقق في النظام الفرديّ, وأن هذا النظام أجدى لتحقيق وفرة الإنتاج وجودته، وأن القيود التي تفرض على الحرية الاقتصادية لا يجني أصحابها إلّا قلة الإنتاج ورداءته, وهرب رأس المال وبحثه عن أوطان أخرى غير وطنه، ومن ثَمَّ يتأثر الاقتصاد القوميّ تأثرًا بإلغاء بالاجراءات التي ترد قيدًا على الحرية الاقتصادية. وزعم أبناء ماركس أن الحرية الاقتصادية في الغرب أورثت أزمات البطالة, والدورات الاقتصادية والاحتكار, وغيرها من المساوئ. ومن ثَمَّ فلا سبيل إلّا بالقيد الثقيل الذي فرضوه, وهو أن تكون الحرية للجماعة لا للفرد, وللفرد قدر حاجته، ومنه قدر قدرته". والحق أن الغرب أخطأ؛ إذ أطلق الحرية, والشرق أخطأ؛ إذ جعل القيد أصلًا, وفي الإسلام تتوازن الحرية الاقتصادية بين الفرد والجماعة

стр. 240

بما يحول دون طغيان طرف على طرف, وبما يحقق للنظام الاقتصاديّ أمثل ما يتمناه، مع نبذ مساوئ كل طرف غالى في الحرية, أو غالى في القيود! ٣- نظام مصرفيّ متوازن: في الغرب شاع النظام المصرفيّ القائم على سعر الفائدة, وهو تعبير آخر عن الربا, وأدرك الناس متأخرين أن اليهود كانوا وراء هذا النظام, وأن بيوت المال قد تجمعت مقاليدها في أيديهم, لما صارت النقود تلد النقود بغير جهد وبغير عمل! وأدرك علماء الغرب ما في الربا من خطر, وراح البعض يحصي أثر الربا وغيره من ألوان الاحتكار على الجريمة في أمريكا, حتى قالوا: إن أربعة ملايين ونصف مليون جريمة خطيرة تقع كل عام. - جريمة قتل كل ٢٩ دقيقة. - جريمة اغتصاب "زنا بالإكراه" كل ١٧ دقيقة. - جريمة سرقة بإكراه كل دقيقتين. - جريمة سرقة سيارة كل ٤١ ثانية. - جريمة سرقة منزل كل ١٧ ثانية. وهكذا.. وصدق الله سبحانه ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ١. إلى أن حمل لنا الوعيد رعيبًا بعدها بآية:

стр. 241

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ . ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ١. ومع هذه الصراحة, راح البعض يتأول قول الله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٢. بما يخرج عن مراد الآية الكريمة, ويفرِّق بين ربا الاستهلاك وربا الإنتاج, والبعض الآخر راح يُحِلُّ الربا للدولة, ويحرمه على الأفراد بحجة احتياج الدولة للخروج من أزمتها, بينما قادتها يرفلون في ترف داعرٍ، ونعيم حرام. واشترى هذا الفريق من العلماء رضى الناس بغضب الله, واستحق ومَنْ وافقوه أو حرضوه أو سكتوا عنه حرب الله ورسوله, وبدلًا من أن يأمر بتحريم الحرام من ذلك الترف الداعر, راح يأمر بتحليل الحرام من الربا علاجًا لأوضاع أوجدوها هم, ولم يوجدها أحد غيرهم!! ولقد كانت.. توصيات مجمع البحوث الإسلامية صريحة٣: ١- الفائدة على أنواع القروض كلها ربًا مُحَرَّمٌ، لا فرق في ذلك بين مايسمى بالقرض الاستهلاكيّ, ولا ما يسمى بالقرض الإنتاجيّ؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين. ٢- كثير الربا وقليله محرم, لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلّا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته. ٣- أعمال المصارف من الحسابات الجارية وصرف الشيكات

стр. 242

وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والمصارف في الداخل, كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا. ٤- الحسابات ذات الأجل, وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة, كلها من المعاملات الربوية, وهي محرمة. ٥- أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية, فقد أجل النظر فيها إلى أن يتم بحثها. ٦- ولما كان للنظام المصرفيّ أثر واضح في النشاط الاقتصادي المعاصر، ولما كان الإسلام حريصًا على الاحتفاظ بالنافع من كل مستحدث, مع اتقاء أوزاره وآثامه, فإن مجمع البحوث الإسلامية بصدد درس بديل إسلاميّ للنظام المصرفيّ الحالي, ويدعو علماء المسلمين, ورجال المال والاقتصاد, إلى أن يتقدموا بمقترحاتهم في هذا الصدد١. وفي مؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض, ذي القعدة سنة ١٣٩٦, ٢ أصدر في صدد الفائدة ما يلي: - العمل على إلغاء المعاملات الربوية, ومنها الفوائد المحددة؛ لأنها ربًا صريح, وهي ضارة بالنشاط الاقتصاديّ؛ حيث لا يتم التوازن الاقتصاديّ إلّا بإلغائها. - التوسع في إنشاء مؤسسات مصرفية غير ربوية, ودعم القائم منها، والعمل على تشجيع بقية المؤسسات المصرفية العاملة في البلاد الإسلامية على تطوير نظمها بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.

стр. 243

النظام السياسيّ الإسلاميّ: لا ينتظرن أحد أن نقدم له منهجًا مفصلًا لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ, فذاك لا يمكن قبل أن تقوم دولة الإسلام، ولا ينتظرن أحد أن نقدم صورًا من التاريخ الإسلاميّ, فذاك موضع دراسة أخرى. إنما نقدم -بمشيئة الله- تخطيطًا لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ, يحوى خطوطه الرئيسية التي لا يصح -إن تخلفت كلها أو بعضها- أن يقال عن نظامٍ ما, أنه نظام إسلاميٌّ. ونحن في هذا -بإذن الله -نقدم شيئًا بدون دليل, وفي اعتقادنا, أنه يلزم لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ ثلاثة خطوط: أولها: شرعية الإسلام تظله. ثانيها: أمة تحمله. ثالثها: سلطة تحميه. ونتناول كلًّا بكلمة: أولًا: الشرعية الإسلامية قد يظن أن هذا اللفظ مستعار من أنظمة أجنبية, لكن المتأمل يجد أنه في الأصل لفظ إسلاميّ من ناحية اشتقاقه, ثم من ناحية دلالته؛ فنحن أسبق من غيرنا إلى الشرعية، وأرسخ قدمًا والحمد لله, فالشرعية اشتقاق من فعل شرع, وبين الشرعية والشريعة جناس كامل من ناحية اللفظ, وكذلك من ناحية المعنى. ففي فقه الإسلام لا شرعية بغير شريعة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١, ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢. وحتى تظل الشرعية الإسلامية نظامًا ما لابد من ثلاثة شروط: أولها: أن يكون لله الشرع ابتداءً: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ

стр. 244

وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١. وألّا يشاركه هذا السلطان أحدٌ من البشر, وإلّا كان الشرك والكفر ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢. ورَدُّ الشرع إلى الله ابتداءً لا يعني الجمود عن الاجتهاد فيما سكت عنه الشرع رحمة بنا غير نسيان، أو فيما جاء ظنيّ الدلالة، وذاك أمر الله إلينا ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٣. والاجتهاد, وإن لم يكن شرعًا ابتداءً, إلّا أنه شرع ابتناءً لا ابتداءً, أي: استمدادًا من شرع الله, واستنباطًا منه, ومن ثَمَّ, ففي ظل دائرة الاجتهاد نحن كذلك في ظلال الشرعية الإسلامية. الشرط الثاني: أن تكون شريعة الله هي العليا وشريعة الله لا تكون عليا إلّا حين لا تكون معها شريعة أخرى, ولا تكون فوقها شريعة أخرى, وليست الشريعة -كما أشرنا من قبل- قاصرةً على مجال الأحكام, وإنما تمتد إلى كل المجالات, وتشمل جميع الأنشطة. ولقد حرص الكتاب على التنويه بجعل شريعة الله هي العليا في أكثر من موضع, فقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ ٤ تعني: أن تكون شريعة الله هي العليا؛ لأن لفظ "كلمة" اسم جامع لكلمات الله, وبكلماته نزلت شريعته. وقول رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا, فهو في سبيل الله" ٥ تعني: نفس الشيء.

стр. 245

وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ١. الآية الأولى تعني: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله, أي: لا يمكن لكم رأي ولا شرع ولا نظام فوق شرع الله ورسوله, وهو ما عنيناه بأن تكون شريعة الله هي العليا. أما الثانية: فهي تحرم رفع الصوت فوق صوت النبيّ, وليس من المعقول أن يحرم رفع الصوت ماديًّا فوق صوت النبيِّ, ويجوز رفعه معنويًّا بجعل شرع أو رأيٍ فوق شرع النبيِّ ﷺ , بل يمكن أن نقول: إن صوت النبيِّ هو الشرع ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢. ولقد يكون هذا الشرط غريبًا على من قبلوا تطبيق شريعة الله, لكن يبدو لازمًا بالنسبة لقومٍ نصوا في بعض دساتيرهم على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسيّ؛ فأجازوا بذلك أن تكون معها شرائع أخرى, أو آخرون جعلوا الشريعة الإسلامية مصدرًا ثالثًا بعد التشريع الوضعيّ والعرف, فجعلوا فوق شريعة الله شرائع أخرى, كذلك بالنسبة لمن يطبقون, فقد يجعلون مع شريعة الله شرائع أخرى في بعض المجالات التي يظنون أن الشريعة سكتت عنها, وفي الحقيقة أنها لم تسكت، مثل النظم المصرفية, وكثير من النظم الاقتصادية والاجتماعية, بل والسياسية! من هنا كان لابد من التنويه بهذا الشرط لنقول: إنه إذا لم تكن شريعة الله هي العليا, لا شريعة معها, ولا شريعة فوقها, فإنه لا شرعية للنظام الذي يزعم لنفسه أنه إسلاميّ.

стр. 246

الشرط الثالث- أن تطبق شريعة الله شاملةً غير مجزأة: وشريعة الله شاملة العقيدة والأخلاق، وشاملة الشعائر والمعاملات, وهي بهذا الشمول لا تقبل التجزئة: فطرة: لأنها بناء متكامل يشد بعضه بعضًا، وبتر بعض الشريعة كهدم بعض البناء, إن لم يؤد إلى هدمه كله, فعلى الأقل يعجزه عن أداء وظيفته كاملة. أو هي شفاء متكامل، وترك بعض الدواء بؤدي إلى عدم الشفاء, إن لم يؤد إلى تفاقم المرض. وهي لا تقبل التجزئة شرعًا؛ لأن الله جعل الإسلام هو هذه الشريعة المتكاملة, وبتر جزء, أو استبدال غيره به, لا نستطيع معه أن نقول إنه هو الإسلام الذي رضيه لنا الله! فضلًا عن أن الله سبحانه حذَّرَنَا هذه الفتنة, فقال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ١. وعقَّب على هذه التجزئة بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢. فالذي يأخذ كل نظامه من عند غير الله؛ كالذي يأخذ بعض نظامه من عند غير الله, قد رضي حكم الجاهلية, وأعرض عن حكم الله. وقال رسول الله ﷺ : "من حالت شفاعته دون حَدٍّ من حدود الله, فقد ضاد الله في حكمه "٣ فجعل تعطيل حَدِّ واحدٍ من حدود الله, مضادة لله في حكمه، ومحادة له في أمره, فكيف بمن عطل أكثر من حَدٍّ، ومنع أكثر من حكم؟ وهكذا كانت تجزئة شريعة الله فتنةً.

стр. 247

وجاهلية, ومحادة لله ورسوله, ومن ثَمَّ كانت مرفوضة غير مقبولة. وهكذا تكتمل للشريعة شروطها, إذا كان لله الشرع ابتداءً, إذا كانت شريعة الله هي العليا, إذا طبقت شاملة غير مجزأة. قَدِمَ سليمان بن عبد الملك المدينة, فأرسل إلى أبي حازم, فكان مما قاله سليمان: - يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟ - لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.. - فقال: يا أبا حازم: كيف القدوم على الله؟ - قال يا أمير المؤمنين: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء، فكالآبق يقدم على مولاه. - فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لي عند الله؟ - قال أبو حازم: أعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ . - فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.. - ثم سأله بعد ذلك؟ ما تقول فيما لحن فيه؟ - قال أو تعفيني؟ ثم قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين, ولا رضًى منهم١.

стр. 248

وقيام الشرعية الإسلامية على هذاالنحو، أو تطبيق الشريعة الإسلامية بهذه الشروط, يستتبع ويستلزم للنظام الإسلاميّ أن توجد أمة تحمله, وأن توجد سلطة تحميه, ولهذا وتلك من السمات والشروط ما يحتاج لشيء من التفصيل. ثانيًا- أمة تحمل الحق: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ١. وهذه الأمة التي جعل الله لها الخيرية على سائر الأمم, جعلها بحقها وشروطها, وهي إن قامت فيها هذه الشروط كتب الله لها الخلود, ولقد بقيت الأمة الإسلامية رغم المحن والأزمات، ورغم تقلبات الحكم والحاكم, بقيت -بحمد الله- حافظة لكتاب الله, محفوظة بعناية الله, حتى لقد صح ما قاله أحد الأئمة من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام، وصحَّ ما نقوله: من أن الأمة الإسلامية كانت بعد الكتاب العزيز من أكبر آيات الله العزيز الحميد. فلو أن أمة أخرى تعرضت لما تعرضت له الأمة الإسلامية؛ من كيد وبطش وعسف, لما كان لها اليوم وجود. وإن الأمة التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعمر بن عبد العزيز من الحكام، وأخرجت من العلماء العاملين: أبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ وأحمد بن حنبل, ومن بعدهم الذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ٢. وحج الرشيد عامًا فلقيه عبد الله العمريّ في الطواف, فقال: يا هارون, قال: لبيك يا عم، قال: كم ترى هنا من الخلق لا يحصيهم إلّا الله, قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم, فانظر كيف تكون, فبكي هارون وجلس, فجعلوا يعطونه منديلًا للدموع, ثم قال له: إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه, فكيف بمن أسرع في مال المسلمين٣.

стр. 249

والأمة الإسلامية, وإن كانت اليوم تبدو مفككة ضعيفة, فإنها تحمل عناصر الابتعاث, وهي في ابتعاثها لا تحتاج إلى وقت طويل! وقد أدرك ذلك بعض المستشرقون فقاله وحذر منه. ونحن بحاجة في هذه العجالة, أن نشير إلى سمات هذه الأمة, وتكملها أخرى أشرنا إليها في مكان آخر. فهي أولًا: آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ولا يمكن أن تأمر بمعروف ولا تأتيه، أو أن تنهى عن منكر وتأتيه، ففاقد الشيء لا يعطيه, فأمرها ونهيها يعني: أنها تقيم هذا المعروف, وتلفظ ذلك المنكر, وكل ما أمر به الله ورسوله معروف, بل هو أعرف المعروف, وكل ما نهى عنه الله ورسوله منكر, بل هوأنكر المنكر. وهي ثانيًا: تؤمن بالله وإيمانها بالله يعني: أنها تقوم على التوحيد, ولا تقارب بين توحيد وتثليث, ولا تقارب يبن توحيد وشرك, ولا تقارب بين توحيد وغيره من العقائد الفاسدة. وهي ثالثًا: تقوم مع التوحيد على الوحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ١. وهذه الجنسيات، وهذه الحدود دخيلة عليها, ليست من أمر الله في شيء, والأمة الواحدة هي التي انتصرت من قبل, ولقد رفض الله ﷺ عصبية الجاهلية, وقال: دعوها فإنها منتنة، ورفض المناداة بالعصبية بين الأنصار والمهاجرين.

стр. 250

حين نادى أحدهم: يا للأنصار, ونادى آخر: يا للمهاجرين, فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا, وقال: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ونزل الكتاب العزيز يؤكد قول الرسول الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ ١. وهكذا كانت الفرقة والجنسيات والحدود جاهليةً أو كفرًا, وكانت الوحدة أخت الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ٢. وامتدح الرباط الذي وحد الأمة في كتابه، فقال عن المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٣. وقال عن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٤. وهكذا قامت دولة الإسلام الأولى, تضم كل من قال: لا إله إلّا الله, بغير تفرقة لوطن, أو جنس, وبغير اعتراف بحدودٍ أو جنسية؟ وهكذا ينبغي أن نقوم مرة أخرى! ثالثًا- سلطة تحمي الحق: قلنا: لابد من أمة تحمل الحق, والسلطة تحمي الحق, هذه السلطة لابد لها من أمرين تقوم بهما: ١- إقامتها شريعة الله: وهذه أساس شرعيتها الأولى.
следующие страницы →