← Акыда

Акыда · id 7259

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (253 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الطريقة الأخرى: الاستدلال عليه بالإمكان والوجوب. ومعنى هذه الطريقة أن الموجودات منقسمة إلى قسمين، إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته. وهذا الدليل مبني على مقدمات: أولها: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح. ثانيها: بيان أن هذه الحاجة حاصلة في حال الحدوث أو في حال البقاء. ثالثها: أن ذلك المرجح يجب أن يكون موجوداً. رابعها: أنه يجب أن يكون موجوداً حال حصول الأثر. خامسها: أن الدور ١باطل. سادسها: أن التسلسل ٢ باطل. ثم عند تمام الكلام في تقرير هذه المقدمات الست يحصل الجزم بأنه لابد من الاعتراف بوجود موجود واجب الوجود لذاته. ثم إذا تبين أن هذا العالم المحسوس يمتنع أن يكون واجب الوجود لذاته، فعند ذلك نعلم أن هذا العالم المحسوس يحتاج في وجوده إلى وجود موجود واجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى. وقد قال بهذه الطريقة الرازي ٣. وهاتان الطريقتان هما من أهم الطرق عند هؤلاء المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى.

стр. 107

الرد على المتكلمين في مسلكهم لإثبات وجود الله :- إن المسلك الذي سلكه المتكلمون لإثبات وجود الله لاشك مسلك باطل، بل محرم. والدليل على بطلانه وتحريمه ما يلي: أولاً - إن وجود الله يثبته جل بني آدم، ولم ينكره إلا طائفة قليلة من الملاحدة١، الذين هم أتباع فرعون إمام الملاحدة ومن أخذ بقوله وقولهم من السابقين واللاحقين، وهؤلاء لا يشكلون إلا نسبة قليلة من مجموع بني آدم، أما الغالبية العظمى من بني آدم من أصحاب الأديان كاليهود والنصارى والهنود ومشركي العرب فضلاً عن المسلمين فيثبتون وجود الله . كما أن الله حكى عن فرعون أنه كان في قرارة نفسه مقراً بوجود الله وربوبيته، وإنما جحد ذلك تكبراً وعلواً. قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل١٣, ١٤] . وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء١٠٢] . فإذا كان الأمر كذلك فهل يسوغ الاشتغال بتلك الطرائق التي يزعم المتكلمون أنهم يريدون أن يثبتوا بها وجود الله وإرغام أنوف الملاحدة؟! . ثانياً - إن أعظم الدعاة إلى الله وأشدهم نصحاً للخلق هم الأنبياء ﵈، وقد جادلهم أقوامهم فأقاموا الحجة عليهم بأوضح عبارة وأبين مقال، وما رأيناهم دعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله ، وإنما دعوهم إلى عبادة الله وحده، مما يدل على أن من جاء إليهم الأنبياء ودعوهم كانوا يقرون بوجود

стр. 108

الخالق، بل يقرون أنهم مربوبون له ومخلوقون، وإنما نازعوا في عبادة الله وحده لاشريك له. فإذا كان أنبياء الله لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله فمعنى ذلك أن وجود الله أمر مسلم لا خلاف فيه. ثالثاً - إن الإقرار بوجود الله أمر فطري فطر الله عليه الناس. قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] . بل إن المشركين كانوا يقرون بربوبية الله فضلاً عن وجوده، كما قال الله عن المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥] فعلى ذلك فلا حاجة إلى إتعاب النفس في أمر قد فطر عليه بنو آدم. رابعاً - إن من أنبياء الله ﵈ من واجه الملحدين وأقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يستدلوا بتلك الأدلة التي استدل بها المتكلمون، فهذا إبراهيم ﵇ فيما حكى الله لنا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة٢٥٨] . وهذا نبي الله موسى ﵇ واجه زعيم الملاحدة وإمامهم فرعون حين أنكر وجود رب العالمين، ورد عليه وأفحمه كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ

стр. 109

اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء٢٣ – ٢٩] فلم يستطع فرعون أن يدفع الدليل وتحير في الإجابة، حتى اضطر إلى إخفاء خزيه وفضيحته بالتهديد بالسجن. فلا شك أن الدليل الذي استخدمه كل من إبراهيم وموسى ﵉ كان كافياً بدليل أن الطغاة لم يستطيعوا أن يردوه. خامساً - إنا نعلم قطعاً ويقينا أن النبي ﷺ لم يدع الناس إلى الاستدلال على وجود الله بدليل حدوث الأجسام أو دليل الإمكان، بل ولا أثر عن أحد من الصحابة حرف واحد في ذلك. وهذا فيه واحد من أمرين: - إما أنه دليل باطل غير صحيح. - أو أنه دليل ضعيف لا يوصل إلى الغاية منه بالدرجة والسرعة المطلوبة. سادساً - إن الأجسام والجواهر والأعراض وكذلك الإمكان مصطلحات فلسفية مختلف في إثباتها وتعريفها وتحديدها إلى أقوال عديدة ١، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل الذي أراد المتكلمون أن يجعلوه دليلاً على وجود الله مختلف فيه، فكيف يستدل بشيء مختلف فيه على شيء المقصود من إثباته الوصول إلى اليقين.

стр. 110

سابعاً – إن لتلك المقدمات التي استدل بها المتكلمون، -والتي سبق ذكرها- لإثبات حدوث العالم مقدمات طويلة مختلف فيها، فقد عارضها معارضون وأنكرها منكرون، فقد ذكر الرازي في "الأربعين" إثبات حدوث العالم وذكر له ست حجج، وذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض"، ثم ذكر معارضات أبي الثناء الأرموي في كتابه "لباب الأربعين" عليها فاستغرقت أكثر من خمسين صفحة في كتابه "درء التعارض" ١، ثم ذكر الحجج الأخرى والاعتراضات عليها فاستغرقت قرابة الثلاثين صفحة ٢. وبعد أن ذكر شيخ الإسلام قدح المتكلمين بعضهم في بعض في استدلالهم بتلك المقدمات على حدوث الأجسام قال: " ... وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية، ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها".٣ أما الاستدلال بالإمكان فقد ذكره الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي" كما سبق ذكر ذلك إلا أنه حين أراد تقرير ذلك الدليل ذكر الاعتراضات والشبه حول الدليل، واستغرق ذلك حوالي مائة صفحة في كتابه المذكور ٤. فهل من المقبول عقلاً أو شرعاً أن يكون إثبات وجود الله بهذا العسر الشديد، وهل يمكن أن يحصل القطع واليقين بوجود الله تعالى بمثل تلك الحجج الضعيفة؟ لاشك أن المعتمد على مثل تلك الحجج لن يجد في قلبه سوى الحيرة والشك وتخلخل اليقين، وهي الحالة التي وصل إليها كثير من أهل الكلام،فظهرت حسرة

стр. 111

جرت على ألسنتهم لفوات ما فوتوا من برد اليقين، ورسوخ الاعتقاد، استعاضوا عنه بقيل وقال، كما هو ظاهر في كلام الرازي: نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال وكذلك قول أبي المعالي الجويني: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنه يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به". وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وهاأنذا أموت على عقيدة أمي. أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور". ١ ويظهر لنا من ذلك كله عظيم نصح أئمة الإسلام حين نهوا عن الكلام وحذروا منه، فهذا أبو يوسف ﵀ يقول: "من طلب العلم بالكلام تزندق" ٢. وقال الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" ٣. وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب الكلام" ٤. وقال: "لا يكاد أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" ٥. وغيرهم كثير.

стр. 112

ثامناً –إن الاستدلال بحدوث الأجسام وحدوث الأعراض ونحوها من الأدلة هي أدلة محرمة، لأن المتكلمين لما استدلوا بها جعلوها قواعد مطردة ليست خاصة بالمخلوق، بل عمموها فأدخلوا فيها الخالق والمخلوق، فما جعلوه دليلاً لحدوث المخلوق وإيجاده من العدم جعلوه من وجه آخر دليلاً على وجود الخالق وإيجاده لهذا الكون، وقطعوا بأن ما ثبت به الخلق والحدوث لا يصح أن يوصف به الخالق بوجه من الوجوه، فأداهم هذا إلى إنكار أمور مقطوع بها شرعاً ونصوصها وأدلتها من أوضح الأدلة والبراهين، ومع ذلك فقد أنكروها وردوها حتى يسلم لهم الاستدلال بتلك البراهين على وجود الله ، وخلقه لهذا العالم. فقد أنكر المعتزلة سائر الصفات بدعوى أن إثباتها يدل على الحدوث والجسمية، وأنكر الأشاعرة والماتريدية الصفات الذاتية مثل الوجه واليد والعلو وغيرها بدعوى أن ذلك يدل على الجسمية، ونفوا أيضاً الصفات الفعلية مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان والكلام بحرف وصوت بدعوى أن ذلك يدل على الحدوث، وليس لهم حجة على نفي ذلك إلا هذه المسالك التي استدلوا بها على إثبات وجود الله. فهذا يدل على أنه مسلك محرم إذ أوصل القائلين به إلى تعطيل الباري جل وعلا، وإبطال النصوص الشرعية أو ردها وعدم قبولها. وكفى بهذا دليلاً على التحريم.

стр. 113

منهج المتكلمين في إثبات الوحدانية في الربوبية: بعد أن ذكرنا موقف المتكلمين من إثبات وجود الله يجدر أن نذكر دليلهم على وحدانية الخالق.

стр. 114

دليل التمانع: المتكلمون أثبتوا وحدانية الخالق جل وعلا بما يسمونه دليل التمانع، وهو أنه لا يمكن وجود خالقين، وذلك لأنا لو فرضنا وجود خالقين، ثم أراد أحدهما تحريك شيء وأراد الآخر تسكينه، فإن الأمر لا يخرج عن واحد من ثلاثة أمور: إما أن يتم ما أرادا جميعا، وهذا مستحيل، لأن الضدين لا يجتمعان، وإما أن لا يتم مرادهما، وهذا دليل على عجزهما، أو يتم مراد أحدهما ويمتنع مراد الآخر، فيكون من تم مراده هو الإله، والآخر ليس إلهاً لأنه عاجز، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً. وزعموا أن الله أشار الى هذا الدليل وذلك في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . [.الأنبياء٢٢] وهذا الدليل الذي استدل به المتكلمون هو من جنس أدلتهم السابقة في إثبات وجود الخالق حيث أنها قد توصل للمراد ولكن بعسر وصعوبة، مع أن ما استدلوا له وأتعبوا أنفسهم في إقامة الحجة عليه مستقر في فطر بني آدم، كما أنه من المعلوم أنه لم يقل أحد أنه رب العالمين وأنه موجد لهذا الكون وخالقه سوى الله ، وقد قامت الأدلة في الأنفس والآفاق، وكذلك الآيات المنزلة في الكتب، وعلى ألسنة أنبياء الله على صدق ذلك، بل لا يوجد ما يعارض ذلك معارضة صحيحة، بل لا يوجد إلا ما يتفق مع ذلك. فإذا لم يكن هناك معارض أصلاً في هذا، فلا حاجة لإقامة الدليل. ومن المعلوم أن من ادعى أنه رب وهو فرعون، فدعواه تلك خاصة بقومه ومن أظهر الدعوى بينهم، وليست عامة، ولم يقل أنه رب العالمين أو خالق هذا الكون أو موجده، مع أن دعواه السابقة بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات٢٤] دعوى ظاهر لكل عاقل بطلانها. أما من عدا فرعون فإنه لم يدع أحد أنه الرب الأعلى، ولا خالق السموات والأرض ولا خالق الناس، وإنما قد يرد ذلك على ألسنة الناس اعتقاداً في بعض من

стр. 115

يعبدونه، كما يدعي النصارى شيئاً من ذلك للمسيح ﵇ بقولهم: "إن الأب خلق السموات والأرض بواسطة الابن الذي عندهم هو المسيح". فهذه دعوى يدعيها النصارى بدون أن يكون المسيح ﵇ ادعاها لنفسه، ولا وردت على لسانه ﵇. فبان بذلك كله أن رب العالمين وخالق السموات والأرض والكون كله هو الله ، ولا معارض له في هذا، ولا حتى بالباطل من بني آدم. فإقامة الحجة على أن الخالق واحد لا ثاني له هو إقامة للحجة والدليل في شيء غير مختلف فيه ولا معارض فيه. كما أن الآية التي زعموا أنها شاهد لدليل التمانع الذي ذكروه ليست صريحة فيما قالوا، لأن الآية في نفي الألوهية عن غير الله . ومعنى الآية كما ذكر ابن جرير ﵀: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد مع الله حقيقة لفسدت السموات والأرض، وعدم فسادهما واتساق خلقهما ونظامهما دليل على أنه لا يوجد فيهما معبود بحق إلا هو .١ ويوضح معناها قول الله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون٩١] وذلك يعني أنه لو كان يوجد آلهة مع الله لكان لكل إله خلق وعبيد، ولذهب كل إله معبود بعبيده وخلقه، ولاجتهد كل معبود أن يعلو على غيره، ولما لم يحصل شيء من ذلك دل ذلك على أنه لا يوجد آلهة مع الله .٢ ولو كان ما استدل به المتكلمون متفقاً مع الآية لوجب أن تكون الآية واردة في نفي الربوبية، وذلك بأن يقول: "لو كان فيهما أرباب". ولما لم يقل الله تعالى ذلك،

стр. 116

تبين أنه يدلل على نفي الألوهية عن غيره سبحانه. والذي يدخل ضمن ذلك نفي الربوبية عن غيره وإثباتها لنفسه . موقف المتكلمين من توحيد الألوهية: إذا بحثت في كتب المتكلمين عن التوحيد ستقف على ثلاثة أنواع من التوحيد: أولها: توحيد الذات، وثانيها: توحيد الصفات، وثالثها: توحيد الأفعال، أو اعتقاد أن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله وستجد الأدلة على ذلك. وقد سبق النقل عن المتكلمين في ذلك. ومما يؤسف له أن كتبهم التي زعموا أنها قواعد العقائد والإرشاد إلى قواطع الأدلة وأصول الدين، إلى غير ذلك من المسميات لا يوجد فيها ولا كلمة واحدة عن توحيد الألوهية أو توحيد العبادة،وهو التوحيد الذي شغل الحيز الأكبر من أدلة آيات القرآن الكريم، حيث أقام الله عليه الحجة تلو الحجة،واستدل بتوحيد الربوبية عليه،وكل دليل أقامه بشأن التوحيد في القرآن إنما هو دليل صريح لتوحيد الألوهية،أما الربوبية والأسماء والصفات فإنها قد تكون عرضا أو ضمنا أو تكون مستدلا بها على توحيد الألوهية ٠ كما أن دعوة الأنبياء وجدالهم لأقوامهم كان منصبا على هذا النوع من التوحيد، الذي خلق الناس من أجله وانحرف الناس عنه وأخلوا به، وهو التوحيد المتعلق بالعمل وهو العبادة التي تتضح بها عبودية الإنسان لربه وهو أول أمر في القرآن الكريم حيث أمر بتوحيد العبادة مستدلا عليه بتوحيد الربوبية وذلك في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة٢١]

стр. 117

وهو ظاهر في سورة الفاتحة التي يكررها المسلم كل يوم سبع عشرة مرة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة٥] . فكيف غفل المتكلمون عن هذا الأصل الأصيل والمنار المنيف في الشرع الشريف؟! هذا أمر يحار له المسلم وينذهل له ويدهش أشد الدهش، مع دعوى هؤلاء المتكلمين أنهم حماة العقيدة وناصروها ومقيموا الحجة على أعدائها ومخالفيها، فإذا بهم يهملون الغاية التي من أجلها خلق الإنسان،والأمر الذي نزلت الكتب وأرسلت الرسل وقام سوق الجهاد من أجل الالتزام به والدعوة إليه وإخلاصه لله وحده لا شريك له، وهو الذي كان ديدن أنبياء الله ورسله من أولهم إلى آخرهم، ويستبدل به المتكلمون الكلام عن أصول لم يكن فيها كبير خلاف، مع أنهم في نفس الوقت سلكوا في تقريرها مسالك صعبة وعرة عسرة، وهم في ذلك كما قيل: "لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولاسمين فينتقل". فتلك المسالك على قلة الحاجة إليها صعبة عسرة، لم توصل إلى المراد إلا بأرتال من الضلالات والانحرافات الدينية. فعلى هذا نقول: إن المتكلمين لم يعرفوا توحيد الألوهية ولم يعرجوا عليه في قليل ولا كثير، وحينما أشاروا إلى شيء من ذلك فإنهم أخطأوا في تلك الإشارات على ندرتها وقلتها. ويتضح ذلك من خلال بيان ما يلي: أولاً: معنى الإله:- الإله في اللغة: هو المعبود. والله: اسم علم على الإله المعبود بحق، أصله إله، دخلت عليه أل، فصار الإله، ثم حذفت همزته وأدغم اللامان فصار "الله".١ هذا ما ذكره أهل اللغة في معنى الإله، وأصل كلمة الله عند من يرى أنها مشتقة.

стр. 118

إلا أن المتكلمين خالفوا ذلك لهوى في نفوسهم، فزعموا أن الإله هو القادر على الاختراع. قال الشهرستاني: "إن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيه غيره، ومن أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين". ١ وقال البغدادي: "واختلف أصحابنا – يعني الأشاعرة – في معنى الإله، فمنهم من قال: إنه مشتق من الإلهية وهي قدرته على اختراع الأعيان. وهو اختيار أبي الحسن الأشعري.٢ فهذا ما أوردوه في معنى ألإله، حيث فسروا معنى الإله بما يدل عليه معنى الرب، وتركوا ما دلت عليه اللغة من أن الإله هو المعبود والرب هو الخالق. ثانياً: معنى "لا إله إلا الله":- "لا إله إلا الله" كلمة التوحيد ورأس الإسلام،ومع ذلك لا يجد الناظر للمتكلمين فيها كلام ولا بيان إلا النزر اليسير، وقد أخطأوا في هذا النزر اليسير. فأبو حامد الغزالي يقول: "أن كلمتي الشهادة – يعني لا إله إلا الله محمداً رسول الله – على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله، وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول ﷺ " ٣ وفسر السنوسي الشهادة بأحد معنيين: أحدهما: أن المراد بالإله المعبود الحق، وعلى هذا يكون معنى الشهادة: لا مستحق للعبودية في الوجود إلا الفرد الذي هو خالق العالم جل وعلا.

стр. 119

وإن شئت قلت في معنى "الإله" هو المستغني عن كل ما سواه، والمفتقر إليه كل ما عداه، وعلى هذا يكون معنى "لا إله إلا الله" لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله تعالى. وهو أظهر من المعنى الأول وأقرب منه، وهو أصل له، لأنه لا يستحق أن يعبد أي يذل له كل شيء إلا من كان مستغنياً عن كل ما سواه مفتقراً إليه كل ما عداه، فظهر أن العبارة الثانية أحسن من الأولى.١ بهذا فسر السنوسي كلمة "لا إله إلا الله" وهو وإن كان أحسن في القول الأول بأن "لا إله إلا الله" لا مستحق للعبودية إلا الله، فإنه أخطأ في تفسير معنى الله بأنه خالق العالم. كما أخطأ في القول الذي رجحه وحسنه وهو أن "لا إله إلا الله" تعني لا مستغني في الوجود عما سواه إلا الله، وهذا معنى الربوبية الذي كان يقر به المشركون، فلو كان هذا معنى لا إله إلا الله لما أنكرها المشركون، ولا رضوا بأن تسفك دماؤهم وتسبى نساؤهم في الوقت الذي كانوا يقرون بما طلب منهم ودعوا إليه. ولاشك أن هذا من الخلل في فهم نصوص الشرع وسوء الأصول التي بنوا عليها أقوالهم في العقيدة، فأعرضوا عن المعنى الشرعي في تفسير الإله، وتفسير لا إله إلا الله حتى يستقيم لهم الدعاوى التي ادعوها وجادلوا عنها من إثبات وجود الله تعالى وإثبات ربوبيته، بدعوى أنهم شرحوا بما قالوا أصل الدين ورأس الإسلام وهو شهادة التوحيد.

стр. 120

موقف المتكلمين من الشرك: كما سبق أن ذكرنا أن موقف المتكلمين من توحيد الألوهية هو الإهمال والإعراض، فذلك موقفهم من الشرك أيضاً، فلا تجد في كتبهم ذكراً للشرك في الألوهية بدعاء غير الله أو الاستغاثة به أو الطواف بالقبور أو اللجوء لأصحابها والذبح أو النذر عندها، إلى غير ذلك من أنواع الشرك التي حذر الله منها، وحذر الرسول ﷺ منها ومن الطرق الموصلة إليها، فكان في ذلك وقاية وحماية للمسلمين من الوقوع في هذا الانحراف، إلى أن جاء المتكلمون فأهملوا بيان توحيد الألوهية، كما أهملوا التحذير من ضده وهو الشرك، فجهل المسلمون توحيد الألوهية ووقعوا في ضده وهو الشرك، حتى صار لدى كثير من المسلمين في بلدانهم قبوراً أوثاناً يعكفون عندها، ويدعون عندها وينذرون ويذبحون لها، وهم يظنون أن ذلك قربة إلى الله ، وأن هؤلاء الموتى واسطة شرعية ووسيلة مقبولة عند الله . وما ذلك إلا لإعراض المتكلمين عن بيان الشرك والتحذير منه. مما جعل المسلمين يجهلونه فيقعون فيه، ظناً منهم أن ذلك ليس شركاً، وأن الشرك إنما هو في اعتقاد أن خالقاً مع الله أوجد هذا الكون كما أوعز إلى ذلك المتكلمون بتركيزهم على إثبات الوحدانية في الذات، والوحدانية في الأفعال. أما الوحدانية في العبادة فقد أهملوها، ولم يذكروها، فصار المسلم يظن أن لا شرك فيها، مع أن الشرك الذي حذر منه الله إنما كان في هذا النوع، وهو بلية بني آدم ومصيبتهم التي حذرهم منها رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

стр. 121

المجلد الثاني منهج السلف في صفات الله عزوجل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد سبق أن ذكرنا منهج السلف في العقيدة وارتكازهم على الكتاب والسنة لا يقدمون عليهما رأياً ولا هوىً ولا كشفاً, ولا يسومونهما بالتحريف والتلاعب عسفاً وخسفاً، وإنما التسليم والإيمان والاقرار مع الفهم والالتزام والتعقل. منهج السلف في صفات الله : السلف ﵏ التزموا بما ألزمهم الله به وألزمهم به رسوله ﷺ , من الاعتماد على كتابه وسنة نبيه ﷺ في سائر شؤونهم ومما التزموا به في ذلك ما يتعلق بصفات الله . فمن نظر في كتبهم المصنفة في هذا مثل: كتاب "السنة" للإمام أحمد و"خلق أفعال العباد" للبخاري, و"الشريعة" للآجري, و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي, و"السنة" لابن أبي عاصم النبيل، و"السنة" للطبري، و"النزول" و"الصفات" و"الرؤية" للدارقطني، و"الرد على الجهمية" لابن منده، و"الرد على الجهمية" و"الرد على بشر المريسي" للدارمي، و"عقيدة أصحاب الحديث" للصابوني، و"الحجة في بيان المحجة" لأبي إسماعيل التيمي الأصبهاني، وغيرها كثير، يرى الناظر فيها أن السلف ﵏ أثبتوا كل ما ورد في كتاب

стр. 122

الله من صفاته وما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، كما ثبت عنهم الكثير من الروايات التي تحدد موقفهم ومنهجهم في صفات الله . من ذلك ما روي عن الإمام أحمد أنه قال: "يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول" وقال: "المشبهة تقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه". وقال نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه" ١ وعن الأوزاعي أنه قال: "سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها على ما جاءت". وقال الوليد بن مسلم: "سألت الأوزاعي ومالكا وسفيان وليثا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا: أمروها بلا كيف". وعن عباد بن العوام قال: "قدم علينا شريك بواسط فقلنا له: إن عندنا قوماً ينكرون هذه الأحاديث، الصفات، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث من جاءنا بالسنة عن رسول الله ﷺ ، الصلاة والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث". وقيل لسفيان بن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الصفات فقال: "حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه نمرها كما جاءت بلا كيف" ٢. وقال الصابوني في عقيدته: "أصحاب الحديث - حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم - يشهدون لله بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالة ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له ﷻ ما أثبت

стр. 123

لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه ... " ١. وقال الخطابي: "إن مذهب السلف إثباتها - يقصد الصفات - وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه" ٢. فمن هنا يمكن لنا أن نحدد أن للسلف ﵏ في إثبات الصفات ثلاث قواعد هي: القاعدة الأولى: "الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى نفياً وإثباتاً". القاعدة الثانية: "نفي الممثالة بين الخالق والمخلوق في الصفات". القاعدة الثالثة: "قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات" ٣. وسنذكر بإيجاز ما يتعلق بكل قاعدة من القواعد السابقة بذكر أدلتها وما يتعلق بها من المعاني الواجب التزامها فيها.

стр. 124

القاعدة الأولى الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله نفياً وإثباتاً. قد دلت الأدلة الكثيرة الموجبة للالتزام والأخذ بكل ما ورد في الكتاب والسنة في هذا الباب وغيره من أبواب التوحيد والدين ومن هذه الأدلة العامة: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧] ،وقوله : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف٣] ، وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام١٥٥] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء٥٩] . ومما يؤكد وجوب الالتزام بما ورد في الكتاب والسنة في هذا الباب خصوصاً وغيره من أبواب الدين عموماً عدة أمور: ١ - أن الله غيب عنا فلم نره ولم نر شبيهاً له ولا مماثل فبالتالي سبيل معرفته سبحانه المعرفة الصحيحة التامة مسدودة إلا من طريق الوحي، فحاجتنا للوحي في هذا الباب من أعظم الحاجات، وقصور عقل الإنسان في الوصول إلى العلم التام الصحيح في هذا الباب ظاهر واضح, ويكفي أن ينظر الإنسان ويطلع على شيء من أقوال الفلاسفة١ في هذا فيجد كيف ضلوا في هذا الباب وأتوا بكلام هو غاية في السفه والتناقض, وصدق الله القائل: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه١١٠] . ٢ - أنه لا يخبر عن الله أصدق من الله ولا أعلم وأحكم. قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء١٢٢] , ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء٨٧] .

стр. 125

كما ولا يخبر عن الله أصدق من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم كما قال ﷺ : "وأوتيت جوامع الكلم" ١, فلا يمكن بالتالي أن يعبر أحد من الناس أصح من عبارته ﷺ ولا أدل على المراد بأكمل وجه وأقرب طريق. ٣ - أن دلالة الألفاظ الشرعية على المعاني دلالة قطعية لأن الله قد أقام الحجة بها على العباد، قال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان١] ، وقال سبحانه ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء١٦٥] ، وقال أيضاً: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام٩٢] . فهذه النصوص, وغيرها كثير فيه دلالة واضحة على أن نصوص القرآن والسنة قطعية الدلالة لأنها لو لم تكن كذلك لما قامت بها الحجة على الناس ولو كانت نصوص الوحي لا تفيد العلم واليقين وغير قطعية الدلالة كما يزعم المتكلمون, لكان هذا الوصف غير متحقق فيها, وكانت الحجة غير قائمة على الخلق, وحاشا كلام الله وكلام رسوله ﷺ عن التناقض والبطلان. ٤ - أن الإيمان بالصفات وفق ما ورد بالكتاب والسنة هو من لوازم الإقرار بالشهادتين، فمن أقر لله بالألوهية والربوبية، وأقر للنبي ﷺ بالرسالة لزمه التسليم لكلام الله وخبره وخبر رسوله ﷺ عن صفاته جل وعلا وأفعاله، وإلا كان واقعاً فيما حذر الله من الوقوع فيه وذلك في قوله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء٦٥] ، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب٣٦] .

стр. 126

٥ - أن الالتزام بمدلول الآيات والنصوص الشرعية لا يتوقف على موافقة العقل, فإن الله قد أمر أمراً جازماً غير مشروط بموافقة العقل فمن ادعى موافقة العقل فقد افترى على الله وفرَّغ النصوص من معانيها وأبطل دلالتها وقيدها بقيد من عنده، وهذا حال المتكلمين الذين زعموا أن دلالة النصوص على الصفات لا تقبل إلا إذا وافقت العقل. وفي هذا يقول الغزالي: "وكل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزاً له وجب التصديق به... وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب تأويل ما ورد السمع به "١. ويقول السنوسي في شرح أم البراهين: "وأصول الكفر ستة, ثم قال...: سادساً: التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية "٢. فلا شك أن هذه الدعاوى باطلة ظالمة فيها افتراء على الله, وتقييد لكلامه بغير ما لم يشرعه الله ولم يقله, وإبطال لمعنى ودلالة النصوص الشرعية مما يفقدها قيمتها الدينية, ويجعلها كلمات جوفاء لا معنى تحتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قواعد متعلقة بالصفات وفق القاعدة الأولى: ١ - إثبات جميع ما ثبت في الكتاب والسنة من صفات الله سواء ما كان مثبت أو منفي عن الله وكل ذلك صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. والصفات المثبتة لله كثيرة منها الوجه واليدان والعلو والعلم والكلام والسمع والبصر والقدرة والإرادة والرضى والغضب والرحمة وغير ذلك. والله موصوف بها على صفة الكمال الذي لا يلحقه فيها نقص بوجه من الوجوه لأنه سبحانه الكامل من كل وجه وقد دلت الآيات الكثيرة على ذلك فمن ذلك قوله : ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات١٥٩] التي تدل على تنزيه الله

стр. 127

عز وجل عن كل نقص وعيب، وقوله : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة٢٥٥] فهذا في كمال العلو له سبحانه، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة٢٨٢] وهذا في كمال العلم، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك١٩] وهذا في كمال البصر ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة٢٨٤] ويكفي في الدلالة على ذلك قوله : ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل٦٠] . كما ينفى عن الله كل ما نفاه عن نفسه سبحانه أو نفاه عنه رسوله ﷺ مثل قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر٤٤] ، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة٢٥٥] ، ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ [الجن٣] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص٤] ونحو ذلك. وكل صفة منفية عن الله فهي دليل من وجه آخر على الكمال فنفي العجز دليل على كمال القدرة ونفي السنة والنوم دليل على كمال الحياة والقيومية ونفي الصاحبة والولد دليل على كمال الغنى وكمال الوحدانية ونفي المكافئ والمماثل دليل على وحدانيته في الصفات سبحانه. ومن الصفات الثابتة في القرآن ما يكون كمالاً في حال دون حال فلا تنسب لله بإطلاق ولا تنفى بإطلاق وإنما تثبت في الحال الذي تكون كمالاً كما في الكيد والمكر والخداع والاستهزاء، فهذه الصفات لم يثبتها الله لنفسه إلا في مقابل فعل أعدائه فيكون معاملتهم بجنس فعلهم من الكمال في الانتقام منهم وعقوبتهم وذلك في مثل قوله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران٥٤] ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء١٤٢] ، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق١٥, ١٦] . ٢_ ما لم يرد إثباته ولا نفيه في الكتاب والسنة فلا يجوز إطلاق القول به لأنه من باب القول على الله بلا علم وقد حرم ذلك كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا

стр. 128

بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف٣٣] .وإنما الواجب في مثل ذلك التوقف ومعرفة المعنى المراد فإن أراد به معنى حقاً قبل وغير اللفظ إلى ما يتفق مع الشرع حتى يؤمن اللبس وإن أريد معنى باطل رد لفظه ومعناه وهذا مثل ما ينفيه المتكلمون من الجهة والمكان والجسم ونحوها، فإن أريد بالجهة والمكان جهة السفل أو مكان يحوي الله فهذا معنى باطل مردود، وإن أريد بالجهة العلو أو المكان فوق العرش فهذا معنى ثابت لله ولكن يغير اللفظ إلى العلو والاستواء على العرش ليؤمن اللبس، وكذلك الجسم إن قصد به جسم مركب من الأعضاء فهذا معنى باطل وإن أريد به الذات الموصوفة بالصفات فهذا حق ثابت لله بالأدلة فيثبت المعنى وينفى اللفظ حتى يؤمن اللبس١. ٣ - أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فلا يفرق بين صفات الله فيثبت منها شيء وينفى منها شيء كما هو الحال بالنسبة للمتكلمين يثبتون ما يتفق مع قواعدهم المبتدعة وينفون ما عداها، بل الواجب إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة بأجمعها ومن أثبت شيئاً ونفى شيئاً آخر فقد آمن ببعض الكتاب وكفر بالبعض الآخر والحجة قائمة عليه فيما أثبت على ما نفى. ٤ - أن الواجب في نصوص القرآن والسنة خاصة في الصفات إجراؤها على ظاهرها اللائق بالله وعدم تحريف معناها بما يمنع وصفه بها سبحانه لأنه لا مجال للرأي فيها. وقد سبق أن بينا أن الله غيب عنا فمعرفته سبحانه متوسطة بالوحي، والوحي من هذا قد أتى بأكمل العلم وأتمه فقد ورد فيه من التعريف بالله من ناحية صفاته وأفعاله الشيء الكثير جداً مما لم يحوجنا إلى قول أحد بعد قوله سبحانه وقول رسوله ﷺ ، وهذا الوحي جاء للتعليم والبيان والإيمان ومن صفاته اللازمة له الوضوح والظهور فليس فيه ألغاز ولا تعمية إلى ما نحن نحتاج إليه من ديننا قال جل

стр. 129

وعلا: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود١] ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت٣] ، وقال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] . فعلى هذا كل صفة لله في القرآن أو السنة تثبت لله سبحانه على ظاهر النص اللائق بالله ولا يحرف معناها أو تفهم خطأ ثم تحرف كما هو حال أهل الضلالة من المتكلمين.

стр. 130

القاعدة الثانية: نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق في الصفات. مما يجب اعتقاده في هذا أن الله ﵎ موصوف بالصفات على صفة تليق بجلاله وعظمته وأن المخلوق موصوف بالصفات على صفة تليق بضعفه وعجزه وحاجته فلا تماثل صفات الخالق صفات المخلوق بل إن الله لا يماثله سبحانه شيء في صفاته. وقد دلت الأدلة على ذلك وهي قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] ، وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص٤] , وقوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم٦٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل٧٤] . فهذه الأدلة دالة على أن الله سبحانه لا يماثله ولا يشابهه ولا يكون مساوياً له بحال من الأحوال أحد من خلقه وهذه هي وحدانيته سبحانه في الصفات فلا يماثله فيها أحد. ولأهمية هذه القاعدة نفصل القول فيها في نقاط: ١- أن القول في الصفات كالقول في الذات, وذلك أن ذات الله تعالى لا يماثلها ذات من ذوات المخلوقين, فكذلك صفاته جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين. ٢- أن كل موصوف بصفة فصفاته تلائم ذاته. وذلك أن الموجودات كلها موصوفة بالصفات, ولكن كل موصوف صفاته نلائم ذاته, فالدواب والطير والشجر والإنسان توصف كلها بأن لها ذاتاً وحياة وسمعاً وبصرا, ولكن كل منها صفاته تختلف عن الآخر بما يتناسب مع ذاته, فإذا كانت صفات المخلوقين غير متماثلة ومتباينة ومتفاوتة, فإذاً صفات الخالق أولى أن

стр. 131

تتباين فيما بينها وبين صفات المخلوق ولا تتماثل، وأن صفاته جل وعلا تليق بذاته العلية. ٣ - أن التماثل في الأسماء لا يلزم منه التماثل في المسميات. وذلك أن الله تعالى قد وصف نفسه بصفات وصف بها المخلوقين وجعلها من صفاتهم, مثل السمع والبصر والعلم والحلم ونحو ذلك, ولكن لا يلزم من هذا التماثل في الأسماء التماثل في المسميات. وهذا ظاهر يدل عليه أن في الجنة عسلاً وخمراً ولبناً وماءً, وفي الدنيا مثل ذلك، ولكن خمر الدنيا وعسلها ولبنها وماءها يختلف عن خمر الآخرة ولبنها وعسلها ومائها, بل قال ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء" ١. فإذاً كان هذا في المخلوقات فلا شك أن عدم التماثل بين الخالق والمخلوق أعظم وأكبر. ٤ - أن كل موصوفين بصفة بينهما قدر مشترك من الصفة،فمثلاً الإنسان موصوف بالبصر والنملة والفيل موصوف بالبصر, فبينهما قدر مشترك من أجله وصف كل منهم بالبصر. ولله المثل الأعلى فالله ﵎ موصوف بالقدرة والإنسان موصوف بالقدرة فهناك قدر مشترك من أجله صح وصف الإنسان بذلك, وإلا لما صح اتصافه به, إلا أن قدرة الخالق تليق بكماله وجلاله وعظمته, والمخلوق قدرته وسائر صفاته تليق به, وليس في هذا شيء من التمثيل أو التشبيه, لأن التماثل والتشابه إنما يصح لو كان هناك تماثل وتشابه في مقدارالصفة وهيئتها, فإذا لم يكن هناك تشابه في هذا, فالقدر المشترك الذي من أجله صح الوصف بالصفة لا يلزم منه تشابه ولا تماثل, إنما يفيد فقط صحة الوصف بالصفة.

стр. 132

٥ - أن الغلو في نفي التشبيه تعطيل. مما يجب أن يحذر في هذا الباب ما عليه أهل التعطيل من الفلاسفة والمتكلمين، الذين غلوا في نفي التشبيه, حتى اعتبروا أن إثبات الصفات لله تعالى وهي موجودة في الإنسان أن ذلك تشبيه, ولاشك أن هذا من أبطل الباطل, ومن الاعتداء والغلو الممقوت, وبناءً عليه عطلوا النصوص وأبطلوا دلالتها, وزعموا أن الله تعالى لا يوصف بالصفات على تفاوت منهم في ذلك. مع أن الحق أن الواجب الشرعي في ذلك هو القصد والتوسط, فلا غلو في الإثبات يوصل إلى التمثيل والتشبيه, ولا غلو في التنزيه يوصل إلى التعطيل والتحريف, وإنما إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.

стр. 133

القاعدة الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات مما يؤمن به السلف في باب صفات الله أنهم يثبتونها ويؤمنون بها وهم في نفس الوقت يجهلون كيف يتصف الباري بها. وذلك لأن الله قد أخبرنا بالصفات ولكنه جل وعلا لم يخبرنا بالكيفية كما أخبرنا جل وعلا بأنه سبحانه لا يمكن أن يحاط به علما فقال جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه١١٠] وقال جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام١٠٣] . فمن هنا كثر كلام السلف في أن الواجب على المسلم أن يؤمن بصفات الله بلا كيف كما سبق أن ذكرنا ذلك عن العديد منهم وكما هو مشهور عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة".١ وعن شيخه ربيعة أنه قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول".٢ فذهبت هذه المقولة أصلا من أصول أهل السنة وهي أن الاستواء معلوم معنىً لأن الاستواء في اللغة العلو والارتفاع، أما كيفية استواء الخالق على العرش فهي مجهولة ولا نعقل كيف يكون ذلك، والإيمان بالاستواء واجب شرعا لورود النصوص العديدة به. ونزيد هذه القاعدة المهمة توضيحا بما يلي: ١_ أن العقل قاصر عن إدراك ومعرفة كيفية صفات الله وذلك أن العقل لا يمكن أن يتخيل ولا أن يتصور إلا ما رآه أو رأى شبيها له، والله غيب عنا فلم نره ولم نر شبيها له فلا يمكن أن نكيف صفاته كما أنه جل وعلا لم يخبرنا بذلك فبالتالي لا سبيل لنا إلى معرفة ذلك في هذه الحياة الدنيا.

стр. 134

٢ - أن عدم العلم بكيفية الصفات لا ينفي الصفات ولا يقدح في الإيمان بها وإثباتها. لأن الله أخبرنا بالصفة ولم يخبرنا بالكيفية وطلب منا الإيمان بها ولا تنافي في ذلك لأن هناك أشياء عديدة نؤمن بها من مخلوقات الله ونحن لا نعرف كيفيتها، منها الروح التي في الإنسان فإن الإنسان عاجز عن معرفة كنهها وحقيقتها مع أن الإنسان يحس بها ويشعر بها وقد أخبرنا الله بها في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء٨٥] فأخبرنا عن الروح ولم يعطنا عن كيفيتها علما فنحن نؤمن بها بدون أن نعرف كيفيتها وهذا لا يقدح في إيماننا بها. فكذلك ولله المثل الأعلى صفات الله فجهلنا بكيفيتها لا ينفيها ولا يقدح في إيماننا بها. ٣ - أن من تكلم في الكيفية فقد افترى على الله . وذلك أن الله أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها فبالتالي من كيّف صفات الله فقد افترى على الله وقفا ما ليس له به علم، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء٣٦] . ٤ - أن من زعم أن السلف فوضوا علم المعنى فقد أخطأ عليهم. من النصوص السابقة يتبين لنا أن السلف أثبتوا الصفات إثباتا تاما وفوضوا علم الكيفية ونهوا عن الكلام في الكيفية فمن زعم أنهم مفوضة في الصفات بمعنى أنهم فوضوا علم معنى الصفة فقد كذب عليهم وافترى عليهم كما هو دعوى كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة الذين ينسبون إلى السلف تفويض معنى الصفات بمعنى أن تكون الآية والحديث الواردة في ذكر صفة من الصفات من الكلام الذي لا يعرفون معناه بل يفوضون علمه إلى الله , وهذا خطأ عليهم وكلامهم السابق والكتب المصنفة في ذلك ظاهرة الدلالة على أن التفويض إنما هو في الكيفية وليس المعنى.

стр. 135

مناهج المخالفين للسلف في الصفات أولا: الممثلة ... مناهج المخالفين للسلف في الصفات خالف السلف في الصفات فرقتان: الممثلة والمعطلة. وسنفرد الحديث عن كل واحدة منهما: أولا: الممثلة الممثلة هم كل من قاس صفات الله بصفات خلقه بأن جعل ذات الله أو صفاته مثل صفات المخلوقين أو نص على التشبيه بأن يقول بصر كبصري وسمع كسمعي ونحو ذلك. هذا هو مراد السلف في إطلاق هذا الوصف وهو التمثيل. قال الإمام أحمد ﵀: "المشبهة تقول بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه" ١. وقال نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه" ٢. وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله، فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم".وقال: "علامة جهم وأصحابه: دعواهم على أهل السنة والجماعة ما ألهموا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة" ٣، فعلى هذا يكون مراد السلف بالممثلة والمشبهة هم من نص على التشبيه والتمثيل. وهذا لا يعرف مذهب لمشهورين بعلم وديانة، وليس عليه فرقة معلومة، وإنما يعزى لأناس من غلاة الشيعة أو من المغمورين المجهولين، وممن يعزى إليهم ذلك:

стр. 136

هشام بن الحكم وهو من الرافضة الإمامية: فيعزى إليه أنه قال: إن الله جسم ذو أبعاض، وله مقدار هو سبعة أشبار بأشبار نفسه. وهشام بن سالم الجواليقي وهو من الرافضة ويعزى إليه القول: بأن الله ﵎ جسم على صورة الإنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت١. كما يعزى التشبيه والتمثيل إلى الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني. ولا يتضح في قوله التشبيه، وإنما يظهر فيما نقل عنه من الأقوال خطأ لا يصل إلى حد التشبيه والتمثيل. ومن ذلك أنه نسب إليه القول: بأن الله جسم كالأجسام وليس ذلك ممتنعا دائما، وإنما الممتنع أن يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع. كما يعزى إليه وصف الله بالصفات الفعلية التي تتعلق بها المشيئة والإرادة إلا أنه يزعم أن الله يوصف بها بعد أن لم يكن موصوفا بها وفي هذا يقولون: إن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلما٢. هؤلاء هم الممثلة على العموم في عرف السلف وهم من أطلقوا وصف التشبيه ونصوا عليه. وهذا خلاف مراد المعطلة من هذا الوصف: فإن المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية يطلقون هذا الوصف على كل من خالفهم في إثبات ما ينكرونه من الصفات. فالمعتزلة يصفون كل من أثبت شيئا من الصفات أو أثبت الرؤية أو لم يقل بخلق القرآن أنه مشبه ٣، فيدخل في ذلك السلف الذين يثبتون سائر الصفات، كما يدخل فيه أيضا الأشعرية الذين يثبتون بعض الصفات.

стр. 137

أما الأشعرية والماتريدية فيطلقون هذا الوصف على كل من أثبت شيئا من الصفات الذاتية التي ينكرونها مثل الوجه واليد والقدم. وكذلك الصفات الفعلية التي ينكرونها أيضا جملة وتفصيلا وذلك مثل العلو والاستواء والإتيان والغضب والرضى ونحو ذلك، ويزعمون أن من وصف الله بشيء من ذلك فقد جسم الله ومثله وشبهه ووصفه بصفات الحدوث والنقص١. ولا شك أن كل ذلك من الضلال والانحراف: لأن الله قد أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ , ونفى الله عن نفسه التمثيل في مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] فعلم أن المثبت إنما وافق القرآن ثم إنه إذا صرح بنفي التمثيل والتشبيه بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فبأي وجه يطلق عليه أنه مشبه أو ممثل وهو ينفيه ويرده ويبطله، كما نفاه الله وأبطله. لا شك أن ذلك من الكذب على مثبتة الصفات من السلف ومن وافقهم ومن الاعتداء والظلم لهم بوصفهم بهذه الصفات الشنيعة، وهذا إنما هو من التشنيع عليهم بالباطل والمعطلة أحق بهذا التشنيع والوصف كما قال أبو حاتم الرازي ﵀: "وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الأثر وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة" ثم قال: "ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء" ٢. منهج الممثلة: يتضح من منهج الممثلة على العموم أنهم يرون أن ما ورد عن الله أو عن رسوله ﷺ من النصوص الدالة على الصفات إنما هو على ظاهرها الذي يعرف عن المخلوقات. فاعتبروا الصفات من جنس صفات المخلوقين فقالوا

стр. 138

بالتمثيل. وبطلان هذا ظاهر واضح فإن الله قد نص على إثبات الصفات ونفي التمثيل، فلا يسع المسلم غير ذلك. كما أن المخلوق صفاته ناقصة فتشبيه الخالق ﵎ بالمخلوق هو تنقص للخالق وطعن فيه سبحانه وتعالى عما يصفون.

стр. 139

ثانيا المعطلة: المعطلة هم كل من ينفي عن الله صفاته كلها أو بعضها فهم معطلة بحسب ما ينفون من صفات الله . وهذا يصدق على الجهمية والفلاسفة والمعتزلة والأشعرية والماتريدية ومن أخذ بقولهم مثل الرافضة والزيدية والإباضية، لأن كل فرقة من هؤلاء عطلوا صفات الله وأبطلوا دلالة النصوص على الصفات إما مطلقاً أو أثبتوا بعضاً وأنكروا بعضاً كما سيأتي: وقبل أن ندخل في تفصيل أقوال المعطلة نشير إلى أن منهجهم العام الذي التزموه في صفات الله . وهو: اعتقادهم أن الله ﵎ ليس له صفة في حقيقة الأمر, أو اعتقاد بعضهم عدم اتصافه ببعض الصفات, وهي التي لايثبتونها, ثم هم بناء على ذلك نفوا المعاني الصحيحة لنصوص الصفات كلها, عند من ينفي كل الصفات, أو بعضها عند من ينفي بعض الصفات.١ بمعنى أن المعطلة اعتمدوا نفي صفات الله كلها أو بعضها ثم جاءوا على نصوص الصفات الواردة في الشرع فأبطلوا دلالتها على الصفات. المعطلة أصناف: الصنف الأول:غلاة المعطلة. وهم: نفاة الصفات، وهم الفلاسفة والجهمية والمعتزلة. أما الفلاسفة فهم على قولين: ١ - الفارابي وابن سينا ونحوهم:

стр. 140

هؤلاء ينفون صفات الله ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً خال عن كل وصف١ يقول الفارابي: "وإذا وصف بوصف من الصفات فإنها لا تدل على المعاني التي جرت العادة أنها تدل عليها وإنما هي صفات مجازية لا يدرك كنهها إلا بالتمثيل وليس هو شيئاً من الأشياء بعده" ٢. ومثله ابن سينا يقول عن الله : "إنه لا جنس له ولا ماهية ٣ ولا كيفية ولا كمية ولا أين، وهو يوصف بسلب المشابهات عنه وبإيجاب المضافات كلها إليه وليس هو شيئاً من الأشياء بعده"٤. ٢ - ومن الفلاسفة أيضاً: الباطنية كالإسماعيلية والقرامطة، الذين ينفون سائر الصفات إلا أنهم يزيدون عن الفلاسفة الآخرين فساداً بزعمهم نفي النقيضين عن الله فيقولون: لا نقول موجود ولا ليس موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا موصوف ولا ليس بموصوف٥. أما الجهمية فالمنقول عنهم نفي صفات الله , فجهم يرى أن الله تعالى: لا يجوز أن يوصف بصفة عليها خلقه٦.كما يقول: إن الله لا يقال إنه شيء لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل. وهو ينفي سائر أسماء الله ولا يثبت إلا الخالق

стр. 141

والقادر لأن المخلوق عنده لا يوصف بالقدرة إلا مجازاً لأنه كان جبرياً يعتقد أن الإنسان لا قدرة له على الحقيقة ١. أما المعتزلة فيثبتون الأسماء لله كما أنهم يثبتون لله الذات وينفون عنه سائر الصفات فيقولون إن الله يسمى عالماً لا بعلم وقادراً لا بقدرة وسميعاً لا بسمع. وعلى هذا إجماعهم ويصفونه بصفات السلوب فيقولون ليس بجسم ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا يتحرك وليس بذي جهات ولا يحيط به مكان وهو شيء لا كالأشياء٢. فهذه الفرق الثلاث هي أهم فرق غلاة المعطلة الذين ينكرون وصف الباري ﵎ بالصفات،ومنهم من ينفي الذات بما يدعونه من وصفه بالوجود المطلق،الذي هو الوجود الذهني فقط, وهؤلاء هم الفلاسفة والجهمية، ومنهم من يثبت الذات وينفي الصفات وهم المعتزلة. وغالبهم على قولين فيما ينسبونه إلى الله وهما: ١ - السلب: وهو نفي ضد الصفة عنه مثل قولهم: ليس بجاهل ولا عاجز ولا طويل ولا جسم وليس له مكان ونحوها، وهذا هو الذي عليه جل الفلاسفة وجل المعتزلة. ٢ - الإضافة: بمعنى أن ما يضاف إلى الله ليس على اعتبار أنه صفة وإنما على اعتبار أن الله علة وجوده وسبب وجوده مثل أن يقال إن الله علة العالم أي سبب جوده ٣، وهو مثل قولك هذا ولدك فلا يعني أنه صفة لك وإنما يعني أنك سبب

стр. 142

وجوده، ومن هذا الباب عندهم إذا قيل: علم الله فيعني, أن الله سبب وجود العلم وليس بمعنى أن الله موصوف بالعلم، وهذا القول مما يقول به بعض الفلاسفة. الصنف الثاني: الأشاعرة والماتريدية. الذين يثبتون بعض الصفات وينفون البعض الآخر وهم: الأشاعرة والماتريدية: حيث يثبتون سبع صفات هي العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام النفسي١. ويسمونها الصفات العقلية نسبة إلى مصدر ثبوتها وهو العقل عندهم أما بقية الصفات وهي الصفات الخبرية والصفات الفعلية فينفونها عن الله ويوجبون فيها إما: التأويل أو التفويض، وسنبين المراد بهما في الفقرات التالية:

стр. 143

مسلك المعطلة في نصوص الصفات . إن كل من نظر في القرآن الكريم أو السنة النبوية يجد أنهما يزخران بالنصوص الدالة على الصفات مما لا يدع للمسلم عذراً في الإعراض عنها أو تجاهلها وذلك من كثرتها ووضوحها. ولكن الشيطان قد تمكن من أهل الكلام حتى أعرضوا عن النصوص في هذا الباب ولم يحفلوا بها لأن بدعة التعطيل التي تمكنت من نفوسهم جعلتهم يظنون أن الله ﵎ لا يصح أن يوصف بالصفات١،بل اعتقدوا انحراف بل كفر من وصف الله بالصفات التي ينكرونها مع ورودها في القرآن والسنة. يقول الرازي: إن من يثبت كونه تعالى جسماً متحيزاً مختصاً بجهة هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان: أحدهما أنه كافر وهو الأظهر, هذا لأن

стр. 144

مذهبنا أن كل شيء يكون مختصاً بجهة وحيز فإنه مخلوق محدث, وله إله أحدثه وخلقه.١ وصار العقل هو مصدرهم في إثبات الصفات ومعرفة الله وقد سبق ذكر قول عبد لجبار المعتزلي: "إن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل "٢، وقول الغزالي: "وكل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزاً له وجب التصديق به... وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب تأويل السمع به "٣ وغيرهما. كما سبق بيان بطلان دعوى التعارض بين العقل الصحيح والنقل الصحيح دعوى تقديم العقل على النقل. ولأن مقصد المعطلة عموماً من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية بالبراهين العقلية هي التخيلات العقلية والتصورات الذهنية التي وضعها فلاسفة اليونان الوثنيين وزعموا بناءً عليها أن الله لا يصح أن يوصف بصفة ثبوتية،صار معتقد المتكلمين أن الله لا يوصف بالصفات، أو يوصف ببعض الصفات وينفى عنه البعض الآخر إلا أن المأخذ في ذلك واحد وهو العقل غير المؤسس على الشرع. وبناءً عليه صار لهم في نصوص الشرع الكتاب والسنة إذا تعارضت مع أدلتهم ونتائجهم مسلكان هما: ١ - رد المعنى وذلك بالتأويل أو التفويض. ٢ - رد النص وعدم قبوله.

стр. 145

قال الرازي: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك: إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها؛ ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى "١، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك. فهذا هو موقف عموم الفلاسفة المنتسبين للإسلام والمتكلمين من جهمية ومعتزلة وأشعرية وماتريدية من نصوص الصفات، فإن كانت من القرآن الكريم مما لا يستطيعون الطعن في ثبوته أولوه وغيروا معناه ليتفق مع مقصدهم وهو نفي دلالته على الصفة،أو توقفوا عن التأويل، وفوضوا علم المعنى إلى الله مع القطع بعدم دلالة النص على الصفة. وإن كانت الصفات واردة في شيء من الأحاديث النبوية زعموا كذباً وزوراً أنها مردودة بدعوى أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد أو أن العقائد لا تثبت بأحاديث الآحاد. المسلك الأول: رد المعنى: يرد المعطلة معنى النص بطريقتين: إما التأويل أو التفويض وبيان ذلك فيما يلي: أولاً: التأويل. التأويل في اللغة يتردد بين معنيين: الأول: مرجع الشيء ومصيره وعاقبته، الثاني: التفسير والبيان. وأضاف المتأخرون معنى آخر وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى محتمل مرجوح لعلة٢.
следующие страницы →