← Акыда

Акыда · id 7259

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (253 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والقادر لأن المخلوق عنده لا يوصف بالقدرة إلا مجازاً لأنه كان جبرياً يعتقد أن الإنسان لا قدرة له على الحقيقة ١. أما المعتزلة فيثبتون الأسماء لله كما أنهم يثبتون لله الذات وينفون عنه سائر الصفات فيقولون إن الله يسمى عالماً لا بعلم وقادراً لا بقدرة وسميعاً لا بسمع. وعلى هذا إجماعهم ويصفونه بصفات السلوب فيقولون ليس بجسم ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا يتحرك وليس بذي جهات ولا يحيط به مكان وهو شيء لا كالأشياء٢. فهذه الفرق الثلاث هي أهم فرق غلاة المعطلة الذين ينكرون وصف الباري ﵎ بالصفات،ومنهم من ينفي الذات بما يدعونه من وصفه بالوجود المطلق،الذي هو الوجود الذهني فقط, وهؤلاء هم الفلاسفة والجهمية، ومنهم من يثبت الذات وينفي الصفات وهم المعتزلة. وغالبهم على قولين فيما ينسبونه إلى الله وهما: ١ - السلب: وهو نفي ضد الصفة عنه مثل قولهم: ليس بجاهل ولا عاجز ولا طويل ولا جسم وليس له مكان ونحوها، وهذا هو الذي عليه جل الفلاسفة وجل المعتزلة. ٢ - الإضافة: بمعنى أن ما يضاف إلى الله ليس على اعتبار أنه صفة وإنما على اعتبار أن الله علة وجوده وسبب وجوده مثل أن يقال إن الله علة العالم أي سبب جوده ٣، وهو مثل قولك هذا ولدك فلا يعني أنه صفة لك وإنما يعني أنك سبب

стр. 142

وجوده، ومن هذا الباب عندهم إذا قيل: علم الله فيعني, أن الله سبب وجود العلم وليس بمعنى أن الله موصوف بالعلم، وهذا القول مما يقول به بعض الفلاسفة. الصنف الثاني: الأشاعرة والماتريدية. الذين يثبتون بعض الصفات وينفون البعض الآخر وهم: الأشاعرة والماتريدية: حيث يثبتون سبع صفات هي العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام النفسي١. ويسمونها الصفات العقلية نسبة إلى مصدر ثبوتها وهو العقل عندهم أما بقية الصفات وهي الصفات الخبرية والصفات الفعلية فينفونها عن الله ويوجبون فيها إما: التأويل أو التفويض، وسنبين المراد بهما في الفقرات التالية:

стр. 143

مسلك المعطلة في نصوص الصفات . إن كل من نظر في القرآن الكريم أو السنة النبوية يجد أنهما يزخران بالنصوص الدالة على الصفات مما لا يدع للمسلم عذراً في الإعراض عنها أو تجاهلها وذلك من كثرتها ووضوحها. ولكن الشيطان قد تمكن من أهل الكلام حتى أعرضوا عن النصوص في هذا الباب ولم يحفلوا بها لأن بدعة التعطيل التي تمكنت من نفوسهم جعلتهم يظنون أن الله ﵎ لا يصح أن يوصف بالصفات١،بل اعتقدوا انحراف بل كفر من وصف الله بالصفات التي ينكرونها مع ورودها في القرآن والسنة. يقول الرازي: إن من يثبت كونه تعالى جسماً متحيزاً مختصاً بجهة هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان: أحدهما أنه كافر وهو الأظهر, هذا لأن

стр. 144

مذهبنا أن كل شيء يكون مختصاً بجهة وحيز فإنه مخلوق محدث, وله إله أحدثه وخلقه.١ وصار العقل هو مصدرهم في إثبات الصفات ومعرفة الله وقد سبق ذكر قول عبد لجبار المعتزلي: "إن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل "٢، وقول الغزالي: "وكل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزاً له وجب التصديق به... وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب تأويل السمع به "٣ وغيرهما. كما سبق بيان بطلان دعوى التعارض بين العقل الصحيح والنقل الصحيح دعوى تقديم العقل على النقل. ولأن مقصد المعطلة عموماً من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية بالبراهين العقلية هي التخيلات العقلية والتصورات الذهنية التي وضعها فلاسفة اليونان الوثنيين وزعموا بناءً عليها أن الله لا يصح أن يوصف بصفة ثبوتية،صار معتقد المتكلمين أن الله لا يوصف بالصفات، أو يوصف ببعض الصفات وينفى عنه البعض الآخر إلا أن المأخذ في ذلك واحد وهو العقل غير المؤسس على الشرع. وبناءً عليه صار لهم في نصوص الشرع الكتاب والسنة إذا تعارضت مع أدلتهم ونتائجهم مسلكان هما: ١ - رد المعنى وذلك بالتأويل أو التفويض. ٢ - رد النص وعدم قبوله.

стр. 145

قال الرازي: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك: إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها؛ ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى "١، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك. فهذا هو موقف عموم الفلاسفة المنتسبين للإسلام والمتكلمين من جهمية ومعتزلة وأشعرية وماتريدية من نصوص الصفات، فإن كانت من القرآن الكريم مما لا يستطيعون الطعن في ثبوته أولوه وغيروا معناه ليتفق مع مقصدهم وهو نفي دلالته على الصفة،أو توقفوا عن التأويل، وفوضوا علم المعنى إلى الله مع القطع بعدم دلالة النص على الصفة. وإن كانت الصفات واردة في شيء من الأحاديث النبوية زعموا كذباً وزوراً أنها مردودة بدعوى أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد أو أن العقائد لا تثبت بأحاديث الآحاد. المسلك الأول: رد المعنى: يرد المعطلة معنى النص بطريقتين: إما التأويل أو التفويض وبيان ذلك فيما يلي: أولاً: التأويل. التأويل في اللغة يتردد بين معنيين: الأول: مرجع الشيء ومصيره وعاقبته، الثاني: التفسير والبيان. وأضاف المتأخرون معنى آخر وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى محتمل مرجوح لعلة٢.

стр. 146

أما في القرآن والسنة واستخدام السلف فلم يرد لفظ التأويل إلا على المعنيين الأولين وذلك مثل قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف٥٣] والمراد بتأويله هنا ظهور حقيقته وذلك يوم يأتيهم الجزاء يوم القيامة، ومن ذلك قوله ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ١ فعلم التأويل هو علم التفسير. ومن ذلك قول ابن جرير في تفسيره: "القول في تأويل الآية ... " ومراده تفسير الآية وبيان معنى ألفاظها وأحكامها ٢. فهذان المعنيان هما الاستخدام الصحيح لكلمة التأويل ولكنها صارت في عرف المتأخرين خاصة بالمعنى الأخير وهو تحريف المعنى من معناه إلى معنى غير ظاهر لعلة وهذه العلة لا تعود في الغالب لمعنى شرعي؛ وإنما تعود إلى رأي وهوى، وهذا حقيقته تحريف كما يقول شيخ الإسلام: "فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل "٣، وقال ابن القيم: "والتأويل الذي يخالف ما دلت النصوص، وما جاءت به السنة هو التأويل الفاسد" ٤. أمثلة من التأويل الفاسد لدى المتكلمين: من الأمثلة التي استخدم المتكلمون التأويل فيها: تأويل الآيات المتضمنة للصفات. فالمعتزلة يؤولون سائر الصفات ويمنعون اتصاف الله بصف ثبوتية، ويقولون إن اتصاف الله بصفة من الصفات يؤدي إلى إثبات آلهة معه وإثبات الجسمية له وما إلى ذلك من الدعاوى فكل صفة من الصفات يؤولونها حتى لا

стр. 147

يقعون في التشبيه أو نحو ذلك، فيقولون إن المراد بالآيات الدالة على الصفات مثل الاستواء هو الاستيلاء،والرحمة هي إرادة الثواب،واليد القدرة، والعلم الإدراك والسمع والبصر هو الإدراك وهكذا سائر الصفات. أما الأشاعرة والماتريدية فاستخدموا التأويل أيضاً بنفس الطريقة التي استخدمها به المعتزلة إلا أنهم أكثر إثباتاً للصفات من المعتزلة, إلا أن ما يخالف قواعدهم فإنهم يؤولونه مثل قولهم في الاستواء الاستيلاء، واليد القدرة، والرحمة إرادة الثواب، والغضب إرادة العقاب، والوجه الذات، ونحو ذلك من التأويلات التي هي في الأصل تأويلات المعتزلة نفسها. بيان بطلان التأويل عند المتكلمين: المتكلمون عموماً تصوروا في أنفسهم تصوراً بالنسبة لله ثم بناءً عليه أرادوا تطبيق هذا التصور على كلام الله وكلام رسوله ﷺ الذي لا يشك عاقل أنه لا ينطبق على تصور المتكلمين وآرائهم وإنما هم في وادِ والشرع في واد آخر، فأرادوا أن يجمعوا بين الثرى والثريا ويطبقوا تصوراتهم على الشرع بتأويلاتهم الفاسدة، وقد نهى السلف ﵏ عن تأويل نصوص الصفات بل قد أجمعوا على إثباتها من غير تأويل وتحريف ومن ذلك قول الترمذي ﵀ في كلامه عن حديث: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" ١ قال: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات في الصفات ونزول الرب ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف، هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعن ابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه

стр. 148

الروايات وقالوا هذا تشبيه وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع لا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] ١. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن فما ذكره الله تعالى في القرآن من الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة،وهو قول أهل القدر والاعتزال, ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" ٢. ونقل الإجماع على عدم التأويل ابن عبد البر ﵀ حيث قال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز "٣. فهذا دليل على بطلان التأويل وضلال المؤولة ومخالفتهم لمنهج السلف. كما أن للتأويل الذي هو التحريف لوازم كثيرة باطلة تتضح لكل من تأمل تأويل هؤلاء المعطلة. ومن هذه اللوازم:

стр. 149

١ - أن القرآن والسنة ليسا كتابي هداية بل ضلال على زعمهم وذلك أنهم زعموا أن جميع ما فيها من الصفات ليس على ظاهره مما يؤدي إلى انحراف الخلق لعدم إدراك كثير من الناس للتأويل الذي يصرف الكلام عن ظاهره، حتى أتى المتكلمون فبينوا لهم أوجه التأويل التي تبطل دلالة اللفظ الظاهر. ٢ - يلزم من قولهم بالتأويل عجز الله ﵎ ورسوله ﷺ عن التعبير الصحيح حيث تكلم بما ظاهره خلاف الحق. وذلك أن آيات وأحاديث الصفات لا تكاد تحصر كثرة وعلى زعم المتكلمين أنها ليست على ظاهرها، فكان الأولى عدم تركها بدون بيان، وتركها هكذا بدون بيان وتحذير من الأخذ بظواهرها إما دليل على العجز عن التعبير الصحيح أو عدم الرغبة في الهداية وكلاهما منتف عن الله ورسوله ﷺ . ٣ - أن دعوى أن نصوص الصفات ظاهرها باطل, وأن الحق هو في تأويلات المتكلمين وتخرصاتهم مؤد إلى أن ترك الناس بدون وحي في هذا أسلم لهم من أن يكون الوحي مضلاً لهم ومبعداً لهم عن الحق. ٤ - يلزم من دعواهم في التأويل أن يكون الصحابة وأهل القرون الفاضلة إما جهلوا تلك التأويلات أو كتموها وذلك أنه لم يرد عن أحد منهم تلك التأويلات التي زعمها المتكلمون. ويلزم من هذا إما أنهم جهلوا تلك التأويلات ولم يعلموها ولازم هذا أن يكونوا اعتقدوا بظاهر تلك الصفات فاعتقدوا في الله الباطل، وإما أنهم علموا بها ولكنهم كتموها ولم يبينوها للأمة فيكونوا بذلك قد خانوا الأمة وكتموا علماً يحرم عليهم كتمانه خاصة أنه يتعلق بالتعريف بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك لا شك منتف عن خير الأمة وأئمتها وأفضل قرون أهل الإسلام. ٥ - أن المتأول من هؤلاء المتكلمين لا يمكنه أن يبين الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ تأويله من الآيات والأحاديث.

стр. 150

وذلك أن التأويل مبني على قواعد عقلية مخالفة للشرع، ولكل من المتكلمين من المعتزلة والأشعرية والماتريدية فضلاً عن الفلاسفة رأيهم ومنهجهم، فاختلفوا بناء على ذلك فيما يؤولونه ويحرفونه, فأول المعتزلة الصفات كلها وأول الأشعرية والماتريدية بعضها وأول الفلاسفة والباطنية الصفات والأفعال وحتى المعاد وأسماء الملائكة فبالتالي لا يستطيع أحد منهم أن يبين الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ تأويله. ٦ - أن المؤول لا يمكنه الرد على منكري البعث ولا على منكري الربوبية من الملاحدة الباطنية وذلك لأن آيات وأحاديث الصفات التي تسلط عليها المتكلم الضال بالتحريف الذي يسميه تأويلاً أكثر وأظهر من آيات البعث وآيات الربوبية ,كما أن المتكلم لا يرجع في تأويله إلى دليل شرعي إنما إلى نظر عقلي يعود إلى مشركي اليونان الوثنيين، فبالتالي لا يستطيع أن يقيم الحجة على منكري البعث ومنكري الربوبية الذين يرجعون في دعاويهم إلى القوم نفسهم. ٧ - أن المتكلمين لم يرجعوا فيما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة وإنما رجعوا إلى قوانين الصابئة والمشركين من الفلاسفة الوثنيين وجعلوا القرآن والسنة وراءهم ظهرياً وزعموا أنهم يريدون أن يوفقوا بين العقل والقرآن وصدق فيهم قول الله : ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء٦٠ - ٦٢] ٨ - أن التأويل الذي يزعمه المتكلمون للصفات مراعاة لما يسمونه التقديس أو التنزيه يلزم منه لازم مثله في الضلالة أو ربما أكثر منه،وذلك أن المتكلمين إنما أولوا الصفات التي يلزم منها عندهم الجسمية أو نحو ذلك, إلا أنه يلزمهم من

стр. 151

الباطل فيما أولوا أشد وأعظم مما فروا منه, فصفة العلو مثلاً نفوها فراراً من التجسيم, وقالوا: هو لا داخل العالم ولا خارجه, فإذا بهم ينفون وجود الله لأن كل ما لم يكن داخل العالم ولا خارجه فلا وجود له أو يلزمهم أن يقولوا هو في كل مكان, فيلزم لذلك عدم تنزيهه عن مكان من الأماكن القبيحة والمستقذرة, وكذلك نفيهم للكلام, وزعم الأشاعرة أنه الكلام النفسي, فإن لازم ذلك وصفة سبحانه بالخرس الذي هو صفة نقص أما الكلام فهو صفة كمال،ولاشك أن هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة بأن يبتلى بضد ما قصد،,وماذا بعد الحق إلا الضلال١.

стр. 152

ثانيا: التفويض: يقصد به: اعتقاد عدم صحة دلالة ظاهر النص على الصفة وتفويض علم معنى النص إلى الله . مثال ذلك:اليد والوجه والقدم ونحوها من الصفات فهي ألفاظ ليس لها معنى معلوم عندهم، وإنما الله ﵎ هو الذي يعلم مراده منها، مع الحذر من اعتقاد أنها تتضمن إثبات صفة اليد أو الوجه أو القدم، ويضيفون أيضاً أن هذا هو مذهب السلف. وهذا الذي رجع إليه الجويني في كتابه "العقيدة النظامية" وأوجبه١, مع أنه في كتابه "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" يوجب تأويل الصفات حذراً من اللبس ووقوع الشبهات في الدين٢. والغزالي جعل التفويض هو الذي يصار إليه مع العوام،فيزجروا عن تعلم معاني الصفات ويفهموا فقط أن الله ليس كمثله شيء٣، وزعم أن هذا الموقف من العوام هو مذهب السلف وأنهم كانوا لا يطلعون العوام على علم معاني الصفات مع أنهم كانوا يعلمون ذلك, وبنى على ذلك كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام"٤.

стр. 153

أما المتأخرون من الأشاعرة فصاروا إلى أن كل نص فيه إثبات صفة لا يثبتونها، فعلى المسلم أ، يعتقد عدم ثبوتها أولاً, ثم بعد ذلك إما أن يؤول وإما أن يفوض إلى الله علم المعنى ١. الرد عليهم في دعوى التفويض. الأشاعرة والماتريدية الذين يدعون التفويض وينسبون ذلك إلى السلف جمعوا بين تجهيل السلف والكذب عليهم كما أنهم متناقضون في هذه الدعوى وهذا يتبين مما يلي: ١ - إن ادعاء أن السلف كان مذهبهم تفويض المعنى تجهيل لهم وذم, لأن معنى ذلك أنهم كانوا كالأعاجم والأميين الذين لا يفهمون معاني الصفات, وإنما يقرؤون آيات القرآن ولا يدرون ماذا تعني, وهذا خلاف الحق الظاهر المشهود, فإن الثابت أن الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا لفظ القرآن وتفسيره ونقلوه إلى من بعدهم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "والذي لا إله إلا غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت, ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته". وعنه ﵁ أيضاً أنه قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن". وعن مجاهد قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها "٢.

стр. 154

فهذه النصوص تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا أميين جهلاء لا بالنسبة لنصوص القرآن ولا بالنسبة لآيات الصفات ومن ادعى أنهم يجهلون معاني النصوص فقد افترى عليهم. ٢ - إن ادعاء أن السلف كانوا مفوضة للمعنى كذب عليهم أيضاً لأن كل من اطلع على النصوص عنهم أدرك أنهم اثبتوا معاني الصفات على الوجه اللائق بالله ومن ذلك ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت في أمر الإفك: "لشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى "١. وكذلك قولها ﵂ الذي رواه البخاري: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" ٢. وكذلك قول زينب بنت جحش ﵂ تفخر على أزواج النبي ﷺ الأخريات: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات" ٣. وقول ابن عباس ﵁ لما دخل على عائشة ﵂ وهي في الموت: "كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيباً وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات" ٤. وقال الأوزاعي إمام أهل الشام: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته "٥. وقال الإمام الشافعي ﵀: "السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان الثوري ومالك وغيرهما

стр. 155

الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء" ١. فهذا غيض من فيض في الدلالة على أن السلف كانوا يثبتون معنى الصفة ويفوضون في الكيفية وهذا ظاهر بحمد الله. ٣ - إن المفوضة يستدلون لقولهم بالوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران٧] .ويزعمون أن الصفات من المتشابه, وفي ذلك خطأ من أربعة أوجه: أولاً: أن نسبة التفويض إلى الشرع خطأ ظاهر لما سبق بيانه. ثانياً: ادعائهم أن الصفات من المتشابه وهذا لم يقل به أحد من السلف٢. ثالثاً: أنهم يجعلون التفويض أحد الموقفين من النصوص،والموقف الآخر والذي عليه جلهم هو التأويل، فكيف ادعوا إسناد العلم إلى الله في هذا ثم يؤولون. رابعاً: أنهم يمنعون إطلاق الصفة الواردة في الآية وهذا معنى متعلق بالآية وهو عدم القول بالمعنى الظاهر، فادعاء أن هذا تفويض وتوقف في معنى الآية تناقض،لأنهم حددوا المراد إجمالاً إلا أنهم لم يحددوه تعييناً بمعنى أنهم نفوا المراد ثم لم يحددوا المراد، وهذا تناقض. ولو نظرنا في موقف العلماء من فواتح السور ممن لم يفسرها قالوا الله أعلم بمراده منها، فهم لم يحددوا أي مفهوم لها لا إجمالي ولا تفصيلي فهذا هو التفويض الصحيح للمعنى أما المتكلمون فدعوى التفويض عندهم متناقضة في نفس الصفة لما ذكرنا. ٤ - إن ادعاء تفويض علم معنى الصفة إلى الله فيه تفريغ لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والسنة عن معانيها الظاهرة وإبطال لدلالتها على المعاني،وفي هذا

стр. 156

من الطعن في القرآن والسنة ما فيه, لأن معناه أن الله خاطبنا بكلام لا معنى له عندنا،ولا فائدة لنا فيه،بل هو كلام خال من أي فائدة،بل في زعمهم مضر لنا في ديننا، وحاشا كلام الله وكلام رسول الله ﷺ أن يكون كذلك بل الأولى بهذه الأوصاف كلام المتكلمين وأضرابهم. ثانيا: ردهم للأحاديث النبوية في الصفات المعطلة لما اعتدوا على آيات الكتاب العزيز بالتحريف والتعطيل تسلطوا على أحاديث النبي ﷺ بالإلغاء والرد والإبطال فزعموا أنها أحاديث آحاد لا تقبل في العقائد، وفي هذا يقول عبد الجبار المعتزلي عن خبر الواحد: "يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه، فأما قبوله فيما طريقته الاعتقادات فلا" ١. ويقول الرازي: "أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز "٢. وهذا لاشك من الظلم والاعتداء والبغي والضلال ورد الحق لشبه عقلية وتصورات ذهنية ليست بشيء ولا على شيء، وقد رد ذلك علماء الإسلام وبينوا بطلانه وبينوا أن حديث الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملاً به وتصديقاً له يفيد اليقين عند جماهير الأمة٣. ومما يبين بطلان دعوى المتكلمين أشياء عديدة منها: ١ - أن الصحابة ﵁ وكذلك التابعين وأئمة الإسلام لم يفرقوا بين الأحاديث كما فعل المتكلمون،إنما كانوا إذا صح الحديث أخذوا به في العقائد والأحكام وإذا لم يصح ردوه في العقائد والأحكام، فعلى من زعم التفريق أن يثبت أن الصحابة أو التابعين كانوا يفرقون بين ذلك.

стр. 157

٢ - أن الله أرسل للناس رسلاً أفراداً فلو كان التواتر مشروطاً في إقامة الحجة ما قامت الحجة على الناس بإرسال أفراد من الرسل. ٣- أن الله قال: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦] ،فعلل الرد بالفسق ومفهوم ذلك أنه إذا جاء العدل قبل قوله. ٤- أن النبي ﷺ أرسل رسله بكتبه إلى الملوك حول الجزيرة وهم أفراد،وقد قامت الحجة على أولئك بتلك الرسائل،كما أرسل أصحابه معلمين وولاة وقضاة مثل أبي موسى الأشعري ثم معاذ بن جبل ثم علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، كما أرسل قبل ذلك مصعب بن عمير إلى المدينة فدخل بدعوته كثير من أهلها، كما أرسل أبو عبيدة بن الجراح إلى نجران، فلو كانت العقائد لا تثبت بأخبار الآحاد لما صح ذلك من النبي ﷺ ولما أقره الله عليه. ٥- قول النبي ﷺ : "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ١ فدعا للنفر الواحد بنقل الرواية ولم يفرق في ذلك بين عقيدة وشريعة وفي هذا كفاية والله أعلم.

стр. 158

الأصول التي بنى عليها المتكلمون نفيهم للصفات المتكلمون عموماً كما سبق بيانه اعتمدوا على أصول وقواعد سموها أدلة وبراهين عقلية زوراً وبهتاناً، وإنما هي تصورات ذهنية وخيالات وأوهام مستوردة من فلاسفة اليونان الوثنيين, ألبسها المتكلمون لباس الإسلام, وأدخلوها في صلب طريقتهم في معرفة الله فأثمرت لهم نتائج فاسدة باطلة مخالفة لكلام الله وكلام رسوله ﷺ بل مخالفة للعقل السليم. ومن أهم القواعد التي قعدوها في باب معرفة الله هو: اعتمادهم على العقل في معرفة الله وبناء عليه جعلوا الشرع تابعاً له لا متبوعاً, وهذا منهم التزام بمسلك الفلاسفة الذين راموا التعرف على الله بالعقل, فتوصلوا بناءً على النظر في المخلوقات إلى أن الكون مكون من مادة وصورة, وأنها قديمة أزلية وأن هناك موجودا أعلى هو الذي تولى ترتيبها وانبثاق المخلوقات منها وهذا الموجود يزعمون بأنه: "عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك" وهو أزلي لا بداية لوجوده. فدرج المتكلمون على هذا المدرج فراموا إثبات وجود الله من خلال النظر في مخلوقاته بالطريقة التي سلكها الفلاسفة, وقالوا بما قال به الفلاسفة من تقسيم المخلوقات إلى مادة وصورة إلا أنهم جعلوا بدل المادة الجوهر أو الجسم وبدل الصورة العرض، وخالفوهم بأن قالوا: بحدوث الجواهر والأعراض، بخلاف دعوى الفلاسفة الذين قالوا بقدمها. وحتى يثبت المتكلمون وجود الله استخدموا مايسمونه: دليل حدوث الجواهر والأجسام والأعراض, وحتى يقرروا ذلك قدموا بست مقدمات - وقد سبق ذكرها في الفصل الأول - توصلوا من خلالها إلى إثبات حدوث الأجسام،ثم قرروا بناء على ذلك أن لها محدثا هو الله , إلا أن هذا الطريق أوصلهم إلى أن نفوا عن الله كل ما جعلوه دليلا على حدوث الأجسام أو الأعراض فأداهم ذلك إلى أن قالوا بمثل دعوى الفلاسفة في الله من أنه: عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك, وهم وإن لم يعبروا بهذا التعبير نفسه فإنهم التزموا مدلوله وهو أن الله لا يمكن أن يكون جسماً.

стр. 159

وهذا يتفق مع قول الفلاسفة: إنه عقل, كما أنه لا يمكن أن يفعل الشيء متى شاء, وهذا يتفق مع قول الفلاسفة: إنه لا يتغير ولا يتحرك, كما أن المعتزلة منهم أنكروا صفاته بناءً على أنه واحد وهو قول الفلاسفة إنه أوحد, وهذا كله حتى يسلم لهم الدليل الذي استدلوا به على وجود الله وحدوث العالم١, فالتزموا حيال هذا الدليل التزامات صارت من أهم شبههم في نفي صفات الله , نذكر بعضاً منها وهي: ١ - أن إثبات الصفات يلزم منه التعدد أو ينافي الوحدانية. ٢ – أن إثبات الصفات يلزم منه التجسيم. ٣ – أن إثبات الصفات يلزم منه وصف الله بالحدوث أو حلول الحوادث في ذاته ﵎. ٤ - أن إثبات الصفات يلزم منه المماثلة بين الخالق والمخلوق. وسنشير بإ شارات مختصرة إلى هذه الشبه ونبين بطلانها: الشبهة الأولى: أن إثبات الصفات ينافي الوحدانية ويلزم منه التعدد. هذا الشبهة أخذ بها المعتزلة،حيث زعموا أن وحدانية الله تعني أنه واحد في ذاته وحدانية مطلقة, وهذه الوحدانية عندهم تتنافى مع إثبات الصفات, يعني أن كل صفة ذات مستقلة, فيلزم من ذلك وجود ذوات بعدد الصفات, وهذا منتف عن الله ،فبالتالي لابد من نفي الصفات حتى لا تتعدد الذوات بتعدد الصفات٢. الرد عليهم: هذا قول باطل وتصور باطل من عدة أوجه وهي: ١ - أن هذه الدعوى باطلة،لأن من البديهي أن كل ذات لابد لها من الصفات وأنه ما من موجود إلا وله صفات والذي ليس له صفة هو ما ليس بموجود وهو المعدوم.

стр. 160

٢ - أن المعتزلة أثبتوا صفة الوجود لله فيلزمهم في ذلك إثبات ذات معه تسمى الوجود. ٣ - أن الوحدانية التي ذكروها وهي الذات الخالية من الصفات هو توحيد الفلاسفة, الذين زعموا أن الله لا يصح أن يوصف بأي صفة لأنه واحد من كل وجه، لا عقلي ولا شرعي وإنما هو قول مبني على وهم وخيال. ٤ - أن الله أثبت الوحدانية وأثبت الصفات في آياته المنزلة ووحيه إلى رسوله ﷺ ، كما أن آيات الله في الكون تلجئ اضطراراً إلى إثبات خالق موصوف بصفات الكمال حتى يتأتى إيجاد هذا الكون وإلا امتنع وجود الكون، وهذا ظاهر واضح فكل دعوى تنفي ذلك فهي وهمية باطلة. الشبهة الثانية: نفي الجسمية. المتكلمون عموماً ردوا كثيراً من الصفات الذاتية مثل العلو والوجه واليد والقدم وغيرها،وزعموا أن إثبات هذه الصفات إما دليل على الجسمية أو من خصائص الأجسام فبالتالي لا يمكن إثباتها لله ﵎ لأن الله عندهم ليس بجسم ولا يقوم به ما هو من خصائص الأجسام١. الرد عليهم: ١ - أن دعوى أن الله ليس بجسم هو وصف لله أو هو قاعدة أساسية عندهم في صفات الله لأنه بني عليها اعتقادات عديدة متعلقة بصفات الله , ومع ذلك

стр. 161

فلم ترد في الكتاب ولا في السنة، حيث لا يوجد فيهما نص واحد ينفي عن الله الجسمية، واستدلال الرازي لنفي الجسم عن الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص١] , وزعمه بأن لفظة "أحد" تعني ليس بجسم١،هو استدلال سخيف يتنافى مع اللغة والشرع فإن "أحد" في اللغة هو: الواحد وهو الأول في العدد وهو المنفرد, وبالنسبة لله فالواحد والأحد ذو الوحدانية٢. ووحدانية الله ثابتة له جل وعلا،كما أثبتها الشرع من جميع النواحي فهو واحد في ذاته ﵎ وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا معين له وواحد في عبادته لا شريك له. ٢ - أن نفي الجسم عن الله هو دعوى الفلاسفة الذين زعموا أن الله ﵎ "عقل" ومرادهم بذلك أنه لا ذات له سبحانه، لأن مرادهم بالعقل هو الفكر أو الشيء المعقول، وهذا إذا تمعن فيه العاقل أدرك أنه حديث خرافة لا شرع ولا عقل، فأخذ المتكلمون بهذا وجعلوه قاعدة أساسية وكأنما هو تنزيل من حكيم حميد، وحقيقته دعوى فلسفية ظنية وهمية تخرصية. ٣ - أن التجسيم إثباتا أو نفيا لم يرد في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظ مبتدع فأول من ابتدعه إثباتا هشام بن الحكم الرافضي بقوله إن الله جسم، وأول من نفاه عن الله الجهم ابن صفوان٣ الترمذي، أما السلف فلا يثبتونه ولا ينفونه، فليس لأحد أن يتهمهم به كما أنه ليس لأحد من الناس أن ينفي ما ثبت بالشرع من الصفات بلفظ مبتدع مختلف في معناه إلى ثلاث عشرة مقالة كما ذكر أبو الحسن الأشعري٤.

стр. 162

٤ - أن نفي التجسيم على الكيفية التي يطلقها المتكلمون أدى إلى نفيهم سائر صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة ,وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على كذب هذه الدعوى وبطلانها لأنها معارضة لما ثبت في القرآن والسنة, فإما أن نثبت دعوى المتكلمين بنفي الجسم فننفي صفات الله وهذا أعظم الضلال، وأما أن نثبت ما في القرآن والسنة من الصفات وننفي تلك الدعوى ونبطل الكلام فيها نفيا وإثباتا، وهذا هو الحق. الشبهة الثالثة: نفي حلول الحوادث. المتكلمون عموماً نفوا الصفات الفعلية عن الله , وذلك مثل الكلام والنزول والاستواء والإتيان والضحك والرضى والغضب، وغير ذلك من الصفات المتعلقة بمشيئة الله وإرادته وأنه يفعلها متى شاء، وحجتهم في ذلك أن هذا يؤدي إلى حلول الحوادث بمعنى أنه فعل فعلاً بعد فعل وهذا حدوث وتغير عندهم وكل متغير حادث والله منزه عن الحوادث كما أنه مؤد إلى أن الله تحل به الحوادث والله منزه عن ذلك١، هكذا على العموم زعموا. الرد عليهم: ١ - إن دعوى أن الله لا يفعل الشيء بعد الشيء أو لا يفعل متى شاء وهو ما يسمونه نفي الحوادث دعوى لا دليل عليها من الكتاب ولا من السنة بل الأدلة كلها على خلافها, واستدلال بعض المتكلمين بقصة إبراهيم الخليل ﵇ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام٧٦]- فزعموا أن الأفول معناه: التغير والتحرك وهو منفي عن الله بدلالة هذه الآية - هو استدلال خاطئ ظاهر البطلان، لأن الأفول في اللغة الاحتجاب والمغيب٢، وليس التغير

стр. 163

والحركة، وإبراهيم ﵇ كان يحاجهم في الألوهية وليس في صفات الله ولا في وجوده. ٢ - أن دعوى المتكلمين نفي حلول الحوادث هو عين دعوى الفلاسفة في أن الله: "لا يتغير ولا يتحرك" أخذها المتكلمون وسموها: نفي حلول الحوادث, وهي دعوى باطلة شرعاً كما أنها باطلة عقلاً، إذ لازمها أن الله جماد أو ميت فإن الجماد والميت هو الذي لا يتأتى منه الفعل أو الحركة. ٣ - أن إثبات أن الله هو الخالق والمتصرف في هذا الكون ينفي تماماً هذه الدعوى ويبطلها لأن لازم ذلك أنه يفعل ما يشاء وقت ما يشاء وهذا حدوث, فمن نفى الأفعال المتعلقة بالمشيئة والاختيار، على اعتبار أنها حوادث فعليه أن ينفي الخلق والتدبير, ومن قال بذلك فقد كفر. ٤ - إن دعوى المتكلمين إن حدوث الحوادث تغير والتغير على الله محال تلاعب بالألفاظ غير صحيح، لأن التغير هو أن ينقلب حال الإنسان من حال إلى حال بأن يكون صحيحاً فيصبح مريضاً أو يكون صالحاً فيصبح عاصياً أو يكون عاصياً فيصبح صالحاً. هذا غالب ما يطلق عليه التغير في اللغة والشرع, أما إذا كان الإنسان مصلياً فصلى الصبح ثم صلى الظهر لا يقال تغير أو كان متكلماً ثم سكت ثم تكلم لا يقال لهذا تغير١. فيثبت من هذا أن دعوى المتكلمين بأن حلول الحوادث تغير كلام باطل وتحميل للألفاظ فوق ما تحتمل. ٥ - إن دعوى نفي الحوادث دعوى لم ترد في الكتاب ولا في السنة فهي مبتدعة بل إن الكتاب والسنة على خلافها، ومن يدعي نفي حلول الحوادث عن الله ينفي عنه بذلك سائر صفاته الفعلية الاختيارية مثل الاستواء والنزول والرضى والفرح والمجيء ونحو ذلك فكيف يصح لمسلم أن ينفي ما ثبت قطعاً في الكتاب والسنة بألفاظ مبتدعة.

стр. 164

الشبهة الرابعة: نفي مشابهة المخلوقات. المعطلة تصوروا أن إثبات صفات الله يلزم منه مشابهة الخالق للمخلوق فأداهم هذا التصور إلى نفيها زاعمين أن إثباتها تشبيه. الرد عليهم: ١ - أن إثبات الصفات ليس فيه مماثلة ولا مشابهة وقد سبق أن بينا ذلك عند ذكر قواعد السلف في الصفات. ٢ - أن ما أثبته المعتزلة من الوجود والذات وما أثبته الأشاعرة والماتريدية من الصفات مثل السمع والبصر ونحوها، يلزمهم فيه مثل ما نفوا لأن المخلوقات توصف بتلك الصفات فيلزمهم نفي ما أثبتوا،فإذا قالوا إن وصف الله بتلك الصفات على صفة لا تشبه المخلوق،فكذلك ما يتعلق بتلك الصفات التي نفوها فإن إثباتها على صفة لا تشبه صفة المخلوق. ٣ - أن الله ﵎ هو الذي ذكر الأمرين عن نفسه, وهما الإثبات ونفي التمثيل والمشابهة في قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] . فلا يسع المسلم إلا إثبات الصفات ونفي التمثيل، ومن أخذ بجزء من الآية ونفى الجزء الآخر بلا دليل شرعي كان هذا إيمانا ببعض الكتاب وكفرا بالبعض الآخر. ٤ - أن دعوى نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق،مع الغلو فيها هي دعوى الفلاسفة الذين نفوا عن الله ﵎ كل الصفات حتى الوجود الحقيقي من أجل نفي المماثلة وهي دعوى وهمية تخرصية كما أنهم متناقضون فيها لأنهم زعموا: أن العقل الأول وجد على شبه الموجود الأول الذي هو الله وأن الشيء لا يوجد إلا شبيهه وهذا تناقض واضح، فنفي وجود الله من أجل نفي المشابهة ثم إثبات التشابه التام بين الله وما يسمونه: العقل الأول،كلام متناقض تافه.

стр. 165

حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مدخل ... حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة الذنوب عند أهل السنة صغائر وكبائر. والكبيرة عند أهل السنة: هي كل ذنب ختم بعذاب أو لعن أو عقوبة في الدنيا. وقيل: إنها ما أوجبت حداً في الدنيا أو حداً في الآخرة. والصغائر: ما لم يكن فيها ذلك. وعند أهل السنة أن الكبائر لا تنقض الإيمان ولا تنافيه فعليه فمرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، وقد سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن تعريف الإيمان عند السلف. أما حكمه في الآخرة فإن مرتكب الكبيرة إذا مات وهو مصر على شيء من الكبائر فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ولا يخلد في النار أحد من أهل الإسلام. والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] , فجعل الله ما دون الشرك تحت المشيئة. وكذلك حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا،ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم, ولا تعصوني في معروف, فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له" ١. فهذه النصوص تدل على أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب فهو تحت المشيئة وقد وردت كذلك النصوص العديدة تبين أن الله ﵎ يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان:

стр. 166

منها حديث أنس بن مالك ﵁ قال،قال رسول الله ﷺ : "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير, ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " ١. وفي رواية إيمان بدل خير. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فيخرجوا منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية" ٢. فهذه النصوص وغيرها كثير تدل على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار في الآخرة.

стр. 167

التكفير عند أهل السنة تعريف الكفر والتكفير: الكفر لغة: مأخوذ من الستر والتغطية. والكفر شرعاً: ضد الإيمان.١ والتكفير: هو الحكم على أحد من الناس بأنه قد خرج من الإسلام, ووصفه بوصف الكفر, لإتيانه بما يوجب كفره. خطورة التكفير: والتكفير أمره عظيم وخطره جسيم, وهو بغي شديد. يقول ابن أبي العز الحنفي: "فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار".٢ فالحكم على معين بالكفر يترتب عليه أمور في الدنيا وأمور في الآخرة: أما أمور الدنيا فيترتب عليه قطع الأخوة الدينية بينه وبين إخوانه المسلمين, وفسخ نكاحه, ومنع التوارث بينه وبين قرابته المسلمين, كما يوجب شرعاً قتله للردة, لقوله ﵊: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة".٣ أما أمور الآخرة فهي أخطر وأعظم, وهي حرمان الإنسان من رحمة الله تعالى والخلود في النار, وقطع رجائه من الخروج منها, وعدم استحقاقه للشفاعة. كما قد ورد الوعيد الشديد لمن وصف أحداً من المسلمين بالكفر, وهو ليس بكافر، وذلك كما في حديث ابن عمر ﵁: "أيما امريء قال لأخيه يا كافر فقد

стр. 168

باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت إليه". وفي حديث آخر: "من قال لأخيه كافر أو عدو الله ثم لم يكن كذلك إلا حار عليه".١ فهذا وعيد شديد لمن وصف أحداً من الناس بالكفر وليس بكافر. ومذهب أهل السنة في ذلك أنهم لا يكفرون بالذنوب، فقد روي أن رجلاً سأل جابر بن عبد الله:هل كنتم تدعون أحداً من أهل القبلة مشركاً؟ قال: معاذ الله. ففزع من ذلك. قال: هل كنتم تدعون أحداً منهم كافراً؟ قال: لا ". ٢ كما قال الطحاوي ﵀:"ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله".٣ بمعنى أن الذنوب التي هي الوقوع فيما حرم الله من شرب الخمر أو القذف أو الزنا لا توجب الكفر إلا في حالة أن يستحله الإنسان, فيرى أنه حلال له ذلك, فهذا يخرج من الإسلام, لأن استحلاله يعني تكذيبه لكلام الله ورسوله ﷺ في تحريمه، وهو أعظم جرماً من الفعل نفسه.

стр. 169

أقسام الكفر الوارد في الكتاب والسنة: الكفر الوارد ذكره في الكتاب والسنة على قسمين: كفر أكبر, وكفر أصغر. أنواع الكفر الأكبر: يمكن تقسيم مواقف الناس الكفرية من الدين الحق إلى خمسة أنواع من الكفر: ١ - كفر التكذيب والجحود. وذلك يعم كل من كذب الرسل في الباطن, وهو حقيقة المكذب. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام٢١] .

стр. 170

أما من كذب الرسل في الظاهر, وهو يعلم صدقهم في الباطن, فهذا هو الجاحد, وهذا حال كثير من المكذبين للرسل, خاصة ممن عاينوا آيات الأنبياء.قال تعالى عن فرعون وملائه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل١٤] .وقال عن مشركي مكة: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣] . ٢ - كفر الإباء والاستكبار. وذلك بأن يعلم الحق ويعرفه, ويتكبر عن الانقياد والاذعان. وذلك مثل كفر إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَر﴾ [البقرة٣٤] . ٣ - كفر الشك. الذي يناقض التصديق واليقين, ومن هذا الجنس كفر صاحب الجنة. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً﴾ [الكهف٣٥] , وقد جعل الله الريب, وهو الظن والشك ١من الكفر الموجب دخول النار. قال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق٢٤، ٢٥] , ومنه قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ٥٤] . ٤ - كفر الإعراض. وهو أن يعرض عن الحق فلا يسمعه ولايقبله. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة٢٢] . ٥- كفر النفاق. وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون ١ - ٣] .

стр. 171

فهذه الأقسام الخمسة التي ينقسم إليها كفر الكفار من ناحية موقفهم من الشرع والدين الحق. أما كفرهم من ناحية انتماءاتهم الدينية،فكل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر، ويمكننا أن نقسمهم من ناحية مذاهبهم إلى ثلاثة أقسام: ١ - مشركون: وهم كل من عبد غير الله تعالى من الأصنام والأوثان وغيرها. ٢ - أصحاب ملة: وهم كل من انتمى إلى ملة غير ملة الإسلام, كاليهودية والنصرانية أو المجوسية أو البوذية بعد بعثة نبينا محمد ﷺ ٣ - ملاحدة: وهم كل من لم يؤمن بدين, وإنما يعتقد الإلحاد. فهؤلاء كلهم كفار, والواجب تكفيرهم. وهذا من المعلوم المجمع عليه, لدلالة الآيات في ذلك وصراحتها. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران٨٥] , وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران١٩] . نواقض الإسلام: ما سبق ذكره هو في الكفار الأصليين, أما من كان مسلماً فإن إسلامه ينتقض بكل فعل أو اعتقاد أو قول أطلق الله تعالى أو رسوله ﵊ على من صدر منه الكفر, مع أن حقيقة الفعل يناقض أصل الدين أو يضاده, أو يتضمن تكذيب الله تعالى أو تكذيب رسوله ﷺ , أو الاستهزاء أو السب لله تعالى أو رسوله ﵊ ونحو ذلك. وجل ذلك مجتمع في نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها كثير من العلماء. وهي:

стр. 172

١ - الشرك بالله. الشرك بالله ناقض من نواقض الإسلام, سواء كان شركاً في الربوبية بادعاء أن أحداً يتصرف في الكون, أو ادعاء علم الغيب, وما إلى ذلك. أو شركاً في الأسماء والصفات باعتقاد أن الله تعالى له مثيل أو شبيه, أو شركاً في الألوهية بصرف شيء من العبادة لغير الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر٦٥] . ٢ - من جعل بينه وبين الله وسائط. وذلك بأن يجعل بينه وبين الله واسطة في الدعاء, أو الاستغاثة من ملك أو قبر ونحوه. فهذا شرك مخرج من الملة, لأنه من جنس شرك المشركين, كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر٣] . ٣ - من لم يكفر الكافرين أو شك في كفرهم. هذا ناقض للإسلام, من ناحية أنه تكذيب لخبر الله فيهم, ورد لحكمه في كفرهم. ٤ - من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه أو أحسن من هديه. وهذا ناقض للإسلام لاعتقاده نقص الشريعة, وكمال غيرها, والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] . وقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] .وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] .

стр. 173

٥ - من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فقد كفر. البغض لشرع الله ناقض للدين،لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد ٩] .والكره يتنافى مع المحبة المطلوبة شرعاً لله ولدينه. ٦ - من استهزأ بالله أو رسوله أو يشيء من دينه أو ثوابه أو عقابه. الاستهزاء بالله أو رسوله كفر مخرج من الملة, كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة٥٥, ٦٦] وأشد منه من سب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو دينه, فمن قال ذلك فهو كافر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [الأحزاب ٥٧] . ٧ - السحر. السحر كفر مخرج من الملة, لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢] . ٨ - مظاهرة المشركين وموالاتهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١] وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران ٢٨] . قال الطبري في معنى الموالاة هنا: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين, وتدلونهم على عوراتهم,

стр. 174

فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء, يعني بذلك, فقد برىء الله منه بارتداده عن دينه, ودخوله في الكفر. ١ فالموالاة التامة المتضمنة للمحبة والتعظيم والنصرة, هي التي يكفر بها الإنسان. قال شيخ الإسلام: ومن تولى أمواتهم وأحياءهم بالمحبة والتعظيم والموافقة فهو منهم".٢ ٩ - من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ . الرسول ﷺ مبعوث لعموم البشر. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ ٢٨] . فمن اعتقد أن إنساناً يسعه الخروج عن الشريعة، أو أنه تسقط عنه التكاليف في وقت من الأوقات فهو كافر خارج من الإ سلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران٨٥] . ١٠ - الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به. وذلك بأن يعرض عما يجب عليه ويفترض عليه أداؤه لله, فلا يهتم بذلك, ولا يعرفه ولا يتعلمه, فيعرض عن التوحيد وعن العبادات، فلا يعرف ذلك إعراضاً, فذلك مخرج من الملة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة٢٢] . فمن فعل شيئا من هذه الأمور فقد خرج من الإسلام ومن كان دون ذلك فلا يخرج من الإسلام كما سيأتي إلا أن يكون ترك الصلاة.

стр. 175

حكم تارك الصلاة الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وقد ورد من الوعيد فيها والتأكيد عليها ما لم يرد في غيرها وقد توعد الله غير المحافظين عليها بالعذاب الشديد. وذلك في قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون٤, ٥] ، وقال ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم٥٩] , وسئل ابن مسعود عن هذه الآية: "ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها, فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارا".١ وبهذا المعنى جاء في حديث عبادة الصامت أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله , من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" ٢ فإذا كان هذا فيمن تهاون بها وترك بعضها أو بعض واجباتها فكيف بمن تركها بالكلية، وقد وردت نصوص تدل على كفره،منها قول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر٤٢, ٤٣] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة١١] وقال ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ٣ وحديث "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".٤

стр. 176

وكذلك ما روي عن عبد الله بن شقيق أنه قال: ما كانوا –يقصد الصحابة- يرون عملا تركه كفر إلا الصلاة".١ فهذا يدل على إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة. وقد عزا تكفير تارك الصلاة شيخ الإسلام إلى جمهور السلف والتابعين وهو رواية عن الإمام أحمد وطائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي٢. ما سبق ذكره هو في القسم الأول من أقسام الكفر الوارد في الكتاب والسنة, وهو الكفر الأكبر. أما الكفر الأصغر فهو ما أطلق الشارع عليه اسم الكفر من الذنوب مما لا يتناقض مع أصل الدين الذي هو التوحيد. وذلك مثل قوله ﵊: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٣ وقوله ﵊: "ثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة" ٤وقوله ﵊: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٥ وغير ذلك من الأحاديث. فهذا الكفر الوارد في هذه النصوص ليس من الكفر الأكبر المخرج من الملة, لوجود أدلة أخرى تدل على عدم خروجه من الدين،وهي أن الله وصف المتقاتلين بالإيمان في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩] . فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال، كما أنهم لو كانوا بتلك الذنوب كفارا لوجب قتلهم للردة، ولما لم يوجب ذلك تبين أن المراد بذلك ليس كفرا مخرجا من الملة.

стр. 177

وقد دلت الأدلة الشرعية على أن هذه الألفاظ الشرعية, وهي الشرك والكفر والظلم والنفاق تأتي على معنيين أكبر وأصغر. الأكبر مخرج من الملة وأما الأصغر فلا يخرج من الملة. ومن هذه الأدلة قوله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال "الرياء" ١. أما الظلم فيدل عليه ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهفما أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [الأنعام٨٢] شق ذلك على أصحاب الرسول ﷺ , فقالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس بذلك, ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ٢. أما النفاق, فحديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان وإذا خصم فجر" ٣ أما الكفر فحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار تكفرن, قيل يكفرن بالله، قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر قالت ما رأيت منك خيرا قط" ٤ وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس ﵁ في قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] قال: هي به كفر، وليس كفرا

стр. 178

بالله وملائكته وكتبه ورسله: وفي رواية أنه قال: كفر دون كفر،ومثله ورد عن عطاء وطاووس وغيره١. فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن هذه الألفاظ في كلام الشارع تأتي على معنين،وهذا ما عليه أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان خلاف ما عليه أهل البدع من الخوارج ونحوهم. فعليه من أتى بفعل كفري مما سبق ذكره فهو كافر خارج من الإسلام مستوجب لعقوبة الكفرة من اليهود والنصارى والوثنيين. أما من كان ما آتاه من الذنوب والخطايا دون ذلك فليس فعله كفرا إلا أن يكون ترك الصلاة كما سبق ذكره، أو يكون مستحلا لما فعل.

стр. 179

ضوابط التكفير لخطورة التكفير وما يترتب عليه من الأمور الخطيرة في الدنيا والآخرة فقد جعل الشارع له ضوابط يجب مراعاتها, حفاظاً على أواصر الأخوة الدينية بين المسلمين, فلا يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً إلا وفق الضوابط المبيحة لذلك, وهي: أولا: أن لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله إن الكفر والتكفير حكم شرعي مثل الإسلام والإيمان أحكام شرعية لا يجوز إطلاقها على أحد إلا من استحقها من خلال الشرع، فمن كفره الله ورسوله فهو كافر ومن لم يكفره الله ورسوله فلا يكفر. ومن كفر بعقله أو قياسه فهو مخطئ متجاوز للحدود الشرعية وهو كمن شهد لأحد بالصلاح والإيمان لمجرد أنه رآه يحسن الحساب أو الهندسة أو الطب، أو شهد لنصراني بالإسلام لأنه ذو خلق حسن ومعشر حسن. كما أن أهل السنة لا يكفرون من كفرهم،لأن التكفير حكم شرعي وليس داخلا في العقوبة بالمثل وذلك كمن كذب عليك أو سرق مالك أو زنى بأحد

стр. 180

محارمك ليس لك أن تفعل ذلك به،لأن هذه الأعمال محرمة في حق كل أحد لحق الله تعالى، كذلك التكفير هو حق لله تعالى.ومما يدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكفروا الخوارج مع أن الخوارج كانوا يكفرون عليا وعسكره، بل كانوا يرون أنهم ضلال انحرفوا عن الحق١. ثانيا: التفريق بين التكفير المعين والتكفير المطلق التكفير عند أهل السنة على نوعين معين ومطلق. أما تكفير المعين: فهو وصف شخص ما لعمل قام به أو قول قاله بأنه كافر، وهذا لا يجوز إلا بشروط وانتفاء موانع وسنذكر ذلك. أما التكفير المطلق: فهو إطلاق الكفر على الفعل أو القول أو الاعتقاد وعلى فاعل ذلك على سبيل الإطلاق، وهذا النوع قد ورد في الشرع إطلاقه فنطلق كما أطلقه الشارع فيقال مثلا: من اعتقد أن الله ليس فوق السماء كافر، أو آكل الربا ملعون، وشارب الخمر ملعون ونحو ذلك مما أطلقه الشارع. ومن هذا الجنس ما يطلقه العلماء والأئمة من تكفير أصحاب البدع مثل القدرية والجهمية والرافضة ونحوهم فيتعلق الحكم بالعموم أو بالفعل، ولا يتعلق بالشخص المعين، إذ الشخص المعين لا يحكم بكفره إلا بشروط وانتفاء موانع. الدليل على الفرق بين الحكم المطلق والمعين: ما روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك النبي ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: "اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به"، فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".٢
следующие страницы →