Полный текст (485 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من نفى شيئا ثابتا فرارا من محذور
...
قوله:
وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئا فرارا إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجوداً واجباً قديما، متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال.
ش: يعني كما يقال لهؤلاء الفلاسفة إنكم نفيتم الصفات- فراراً من التركيب اللازم من التعدد- وقد لزمكم مثل ما فررتم منه حيث تثبتون أنتم صفات متعددة متباينة يقال أيضا لكل من نفى شيئا مما أثبته الله ورسوله فالباب واحد والقاعدة مطردة، فمثلا إذا قال الأشعري- الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك- هو من صفات الأجسام فإنه يقال له: كذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فإنه كما لا نعقل في الشاهد ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى، إلا جسما لم نعقل ما يسمع ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما. فإذا قال: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليس كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: ورضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله ليس كنزولنا. فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب، إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له:
стр. 107
ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي" يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني" فهو منزه عن الإرادة التي لا تعقل في الشاهد إلا هكذا وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا وصول صوت في الصماخ، وذلك لا يكون إلا في أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك: والمعتزلة نفوا الصفات فرارا من التشبيه بالمخلوقات فيقال لهم: أنتم تثبتون الأسماء لله فتسمونه حياً عليما قديرا وهذه الأسماء يسمى بها المخلوق، فيلزم من ذلك التشبيه فقد فررتم من أمر ونفيتم من أجله الصفات، ولكن المحذور لازم لكم فيما تثبتون من الأسماء، فإنه كما يسمى بها الخالق يسمى بها أيضا المخلوق، فكما سمى نفسه عليما، سمى المخلوق عليما، وسمى نفسه سميعا بصيرا، وسمى المخلوق سميعا بصيرا، إلى غير ذلك. ويقال للجهمية: المخلوق يوصف بالخلق كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ ويوصف بالفعل كما قوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كانوا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أنهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ والله سبحانه يوصف بالخلق كما في قوله تعالى: ﴿يا أيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ويوصف بالفعل كما في قوله : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وأنتم أيها الجهمية تثبتون كون الله خالقا فاعلا فهل فعله وخلقه سبحانه مثل المخلوق؟ إن قلتم هذا فهذا هو التشبيه وأنتم تفرون منه، وإن قلتم بل فعل الله وخلقه على ما يليق به، وفعل المخلوق وخلقه على ما يناسبه، فيجب أن تقولوا: هذا في سائر الصفات، فالحاصل أن هؤلاء النفاة جميعا لم يستفيدوا من نفيهم إلا تعطيل حقائق النصوص، وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا، بل هو لازم لهم فيما فروا إليه، بل قد يثبتون ما هو أعظم محذورا- كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر- ثم قالوا: هو في
стр. 108
كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأماكن التي يرغب عن ذكرها، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان، فتعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقوله" فلابد في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره" الخ ... معناه أن هؤلاء الذين ينفون شيئا فرارا من محذور، لابد وأن يثبتوا شيئا يمتاز به الخالق عن المخلوق- ككونه سبحانه موجودا قائما بنفسه- وأن وجوده لا يماثل وجود خلقه، وأن قيامه بنفسه لا يماثل قيام المخلوقين بأنفسهم، فإنه سبحانه غني عما سواه، والخلق مفتقرون إليه، فإذا اثبت المعطل هذه الصفات لله قيل له- فيجب أن تقول هذا في سائر الصفات- فالباب واحد، ومهما أثبت من وصف لله فلا بد أن يدل على قدر مشترك بين الخالق والمخلوق، بحيث يتفقان فيه عند الإطلاق، فإنك لابد أن تثبت لله وصفا ككونه شيئا موجودا، فالشيء والوجود يتصف به كل من الخالق والمخلوق، ولولا أننا نفهم قدراً مشتركا بين الخالق والمخلوق في مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك لما فهمنا ما خاطبنا الله به، فإن الشيء ضد لا شيء والوجود ضد العدم، كما أن القدرة ضد العجز، والعلم ضد الجهل، وهكذا سائر الصفات، لكننا نعلم أن ما يضاف إلى المخلوق من الأوصاف هو على ما يناسب ذاته ويليق به، وما يضاف إلى الله من حقائق أسمائه ونعوت جلاله هو أعظم مما يخطر ببال إنسان أو يدور في خلده، فالله أعلى من أن يتصور عظمته متصور، كما قال رسول الله ﷺ "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقوله ﵊ " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك". الحديث.
стр. 109
معنى قول الماتن فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته
...
قوله:
وهذا يتبين بالأصل الثاني وهو أن يقال:" القول في الصفات كالقول في الذات" فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال: كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵄،" الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيفية بدعة " لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره، وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله واستواءه، ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم، ونزولهم واستواؤهم.
ش: الإشارة في قوله: وهذا يتبين، راجعة إلى ما ذكر في الأصل الأول من أنه لا فرق بين بعض الصفات والبعض الآخر، وأن الله ﵎، مسمى بأسماء حسنى، وموصوف بصفات عليا، مع نفي مماثلته لخلقه، وأن إثبات ذلك ليس بتشبيه بل هو محض التوحيد، وأن ما يمتاز به الخالق أعظم مما يخطر ببال أو يدور بخيال. وقوله:" القول في الصفات كالقول في الذات "يعني من حيث الثبوت ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية: فكما أن ذات الله ثابتة بحقيقة الإثبات، فالصفات ثابتة أيضا
стр. 110
بحقيقة الإثبات، إذ لا يعقل وجود ذات بدون صفات وكما أن ذات الله لا تماثل ذوات خلقه، فكذلك صفاته لا تماثل صفات خلقه، وكما أن ذاته لا يمكن العلم بكيفيتها، فكذلك صفاته، إذ العلم بكيفية الصفات يستلزم العلم بكيفية الذات ويتفرع عنه، وقوله: فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، يعني كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإنه سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال: ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿يَذْرؤكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُْ﴾ فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال، والعلو والعظمة، والحفظ والعزة، والحكمة والملك، والحمد والمغفرة، والرحمة والكلام، والمشيئة، والولاية، وإحياء الموتى، والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده، وكونه فاطر السموات والأرض. وهو السميع البصير، هذا هو الذي ليس كمثله شيء، لكثرة نعوته وأوصافه، وأسمائه، وأفعاله، وثبوتها على وجه الكمال، فالمثبت لصفات كماله- هو الذي يصفه بأنه ليس كمثله شيء- وقوله: فإذا قال السائل كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما" الخ.
معناه إذا سأل مبتدع عن كيفية صفة من الصفات كالاستواء، فإنه يجاب بما أجاب به مالك وربيعة وغيرهما، وهذا الجواب وإن كان مرويا بالنص عن مالك وربيعة، فهو جواب لسائر أئمة السنة وسلف الأمة، وقد ذكر المؤلف هنا نص جواب الإمام مالك، وذكر جواب ربيعة في غير هذا الموضع ومعنى قول مالك الاستواء معلوم، يعني غير مجهول بل هو معلوم باللغة والشرع، فإن معناه اللغوي العلو والاستقرار، وقد صرحت النصوص بفوقية الله سبحانه، واستوائه على عرشه وقوله: الكيف مجهول، معناه إنا لا ندرك كيفية استواء الله بعقولنا وإنما طريق ذلك السمع ولم يرد السمع بذكر الكيفية فوجب الكف عنها وقوله: الإيمان به واجب،
стр. 111
معناه أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق به لأن الله أخبر به عن نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، فوجب تصديقه، وقوله: والسؤال عن الكيفية بدعة، بين المؤلف وجه كونه بدعة، بأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالسؤال عن كيفية الصفات لم يكن معهوداً على ألسنة الصحابة وأئمة السنة وسلف الأمة، بل هو من ديدن أهل البدع، ولهذا قال الإمام مالك للسائل" وما أراك إلا رجل سوء" ثم أمر به فأخرج عن مجلسه، وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء ولا نعلم كيفيته وهكذا سائر الصفات، ففرق مالك ﵀ بين المعنى والمعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وجواب مالك رحمه الله تعالى وغيره جواب كاف شاف في جميع مسائل الصفات فإذا سئل إنسان عن المجيء، أو النزول، أو السمع، أو البصر، أو غير ذلك أجيب بجواب مالك ﵀، فيقال مثلا: المجيء معلوم والكيف مجهول، وكذلك من سأل عن كيفية الغضب، أو الرضى، أو الضحك وغير ذلك فمعانيها كلها مفهومة.
وأما كيفيتها فغير معقولة إذ تعقل كيفية الصفات فرع العلم بكيفية الذات، وقوله وكذلك إذا قال كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قيل له كيف هو؟ فإذا قال: لا اعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، يعني هذا جواب آخر يجاب به من سأل عن كيفية نزول الله إلى سماء الدنيا، أو استوائه على عرشه، أو غضبه، أو محبته ونحو ذلك، فعندما يسأل عن كيفية الصفة، يقال له كيف لنا ذات الله؟ فإذا قال لا يعلم كيفية الله إلا هو سبحانه، قيل له وهكذا صفاته، لا يعلم كيفيتها إلا هو، فالعلم بكيفية الصفة فرع العلم بكيفية الذات، وكل من هذا الجواب، وجواب مالك ومن ورد عنه
стр. 112
هذا الجواب، صحيح ومقنع، ومفحم للخصم، ولفظ ذات تأنيث ذو: وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافا إلى غيره فيقال: فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة، وحيث جاء في القرآن، أو لغة العرب لفظ ذو، ولفظ ذات لم يجيء إلا مقرونا بالإضافة، كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقول خبيب حين قدمه كفار قريش للقتل:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا: إنه يقال أنها ذات علم وقدرة ثم أنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه فقالوا: الذات، فليست الذات من العربية العرباء بل هي لفظ مولد وربيعة هو أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر التيميين المعروف بربيعة الرأي، فقيه أهل المدينة أدرك جماعة من الصحابة، وعنه أخذ مالك بن أنس وغيره، وهنا قصة طريفة له مع مالك قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، وكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له أنت ربيعة؟ قال نعم، فقلنا كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما أن مثقالا من دولة، خير من حمل بعير من علم، توفي ربيعة سنة ست وثلاثين ومائة، ومالك هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأعلام، سمع عن الزهري ونافع مولى بن عمر ﵄ وأخذ العلم عن ربيعة الرأي.
وروى عنه الأوزاعي ويحيى بن سعيد، ولد مالك في سنة خمس
стр. 113
وتسعين للهجرة وقد حمل به ثلاث سنين وتوفي ﵀ في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة بعد أن عاش أربعا وثمانين سنة.
وقول المؤلف وغيرهما، يشير إلى أن هذا الجواب مروي عن غير مالك وربيعة كأم سلمة زوج النبي ﷺ واسمها هند بنت أبي أمية، تزوجها النبي ﷺ في المدينة سنة أربع من الهجرة، وتوفيت سنة تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع وعمرها أربع وثمانون سنة، وسيَأتِي نص كلامها عند ذكر جواب ربيعة في موضعه إنشاء الله تعالى.
стр. 114
الأشاعرة يسلكونفيما ينفونه إما التأويل وإما التفويض
...
قوله:
وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئا ونفى شيئا بالعقل ألزم إذا فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طلب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا، لم يجد بينهما فرقا.
ش: الضمير راجع إلى الأشاعرة المفرقين بين الصفات السبع التي يسمونها عقليات، وبين بقية الصفات التي يسمونها سمعيات، فالكلام السابق من حيث ثبوت الصفات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية شامل لسائر الصفات، فالباب واحد، ومن حاول التفريق بين الصفات كالأشاعرة تناقض، فإنه إذا تأول المحبة والرضا والرحمة والغضب بالإرادة، قيل له يلزمك في الإرادة ما يلزمك في الصفات، وإذا تأول الوجه بالذات لزمه في الذات ما يلزمه في الوجه، وكذلك إذ تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف، ففر من صفة إلى صفة، وكذلك من تأول الضحك بالرضى والرضى بالإرادة إنما فر من صفة إلى صفة، فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها؟ فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتها أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض، فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائن ما كان لزمه فيه نظير ما فر منه.
стр. 115
وإذا طولب بالفرق بين المحذور فيما أثبته وهي الصفات السبع وبين المحذور فيما نفاه وهي ماعدا الصفات السبع لم يجد بينهما فرقاً، وذلك لأن المخلوق يتصف بهذه الصفات، كما يتصف بتلك الصفات، فإن كانت المماثلة منفية في الصفات السبع، فهي منفية في الجميع، وإن أدعى المماثلة فيما عدا الصفات السبع ونفيها في الصفات السبع، كان مفرقا بين متماثلين بدون حجة أو برهان، وقد سبق إيضاح ذلك مفصلا.
قوله:
ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ، قانون مستقيم، فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد، لم يكن لهم جواب صحيح.
ش: ومن أجل أنه لا فرق بين بعض الصفات والبعض الآخر من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه لا يوجد لنفاة بعضها دون بعض منهج مستقيم، ويوجد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل قوله: "قانون مستقيم" وبين المؤلف فيما بين ذلك مسلك الذين ينفون بعض الصفات دون بعض وهم الأشاعرة، كما سبق بيانه، بين أنهم يسلكون فيما ينفونه أحد طريقين، أما تأويل النص بما يخالف مقتضى لفظه، أو يقولون لا نفهم معناه، بل نفوضه إلى الله، فلا أحد يعلم معناه، وكلا المسلكين خطأ، فإن التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قالوه، وحينئذ فتأويل النفاة للنصوص باطل، فيكون نقيضه حقاً وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد، وأما التفويض، فمن المعلوم أن الله
стр. 116
تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحثنا على عقله وفهمه، فكيف مع ذلك يراد منا الإعراض عن إدراكه ومعرفته؟ فإنه على قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل ويقولون كلاما لا يعقلونه، ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى، وأمر الناس بتدبره وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما أنزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبين من جهة الأنبياء، وفتحا لباب الزندقة والإلحاد، وبهذا يتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من أشر أقوال أهل البدع والإلحاد وقوله: فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا؟ الخ.. يعني أن الأشاعرة مثلا حين ما يتأولون قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتان﴾ فينفون صفة اليد بينما يقرون مدلول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فيصفون الله بصفة السمع والبصر، كما هو مدلول النص إذا سئلوا عن الفرق بين مدلول- بل يداه مبسوطتان- ومدلول- وهو السميع البصير- لم يستطيعوا أن يجيبوا إجابة صحيحة، بل غاية ما عندهم أن يقولوا إثبات اليدين حقيقة لله يقتضي تشبيهه بالمخلوقين فيقال لهم حينئذ: واثبات السمع والبصر لله يقتضي مشابهته للمخلوقين، فإذا قالوا: السمع والبصر متصف بهما الله، وهما على ما يليق به ويناسب ذاته، ولا يماثل فيهما صفات المخلوقين، قيل لهم: وهو سبحانه، متصف باليدين، وهي على ما يليق به ويناسب ذاته، ولا يماثل فيها صفات المخلوقين، وهكذا القول في سائر الصفات.
стр. 117
يلزمهم في المعنى المصروف إليه ما يلزمهم في المعنى المصروف عنه
...
قوله:
فهذا تناقضهم في النفي وكذا تناقضهم في الاثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
ش: المعنى يقول المؤلف: كما أن الأشاعرة متناقضون في إثباتهم للصفات السبع ونفيهم ما عداها، فهم متناقضون أيضا في تأويلهم النص من معنى إلى معنى آخر كما سيَأتِي مثاله بعد هذا وقوله: فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها: خبر إن هو قوله:" لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه المصرح به في مدخول إن الثانية. فمعنى هذه العبارة: هو بعينه معنى قول المؤلف بعدها فإنه إذا صرفوا النص عن المعنى الذي مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
قوله:
فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط.
ش: هذا هو المثال الذي قلنا أنفا إنه سيَأتِي: فمن تأويله قوله تعالى: ﴿قُلْ أن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿﵃﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات من تأول محبة الله أو رضاه بإرادته للثواب، كان ما يلزمه من المحذور من إثبات الحجة والرضى لازم له في
стр. 118
إثبات الإرادة، ومن تأول غضب الله وسخطه بإرادته العقاب، كان ما يلزمه من المحذور في صفة الغضب والسخط، لازم له في إثبات صفة الإرادة فالمعنى المصروف عنه هو المحبة والغضب والسخط والمعنى المصروف إليه- هو الإرادة- فاتضح أن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها لزمه من المحذور في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمه في المعنى المصروف عنه.
قوله:
ولو فسر ذلك بمفعولاته، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه، فإن الفعل لابد أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه وبرضاه، وبسخطه وببغضه المثيب المعاقب.
ش: يعني وإذا تأولوا المحبة أو الرضا ببعض مخلوقات الله كالثواب والنعم أو فسروا الغضب والسخط ببعض مخلوقات الله- كالعقوبات- إذا تأولوا النصوص على هذا أجيبوا بجوابين: أولا أن الإثابة والمعاقبة فعل يقوم بالله، والمخلوق يوصف بالفعل، وثانيا يقال: الثواب إنما يكون على فعل ما يحبه المثيب، والعقوبة إنما يكون على فعل ما يحبه المثيب، والعقوبة إنما تكون على فعل ما يبغضه المعاقب، فما فسروا به المحبة والبغض، هو نفسه يدل على الصفة التي فروا من إثباتها.
قوله:
فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوا على خلاف ذلك فكذلك الصفات.
ش: يعني أن الإثابة والعاقبة فعل يتصف الله به، والمخلوق يوصف بالفعل فهل الفعل الذي تثبتونه لله مثل الفعل الذي يتصف به المخلوق؟ أن قلتم إنه مثله فهذا هو التشبيه، وأنتم تفرون من ذلك! وإن
стр. 119
قلتم: بل فعل الله يليق به وفعل المخلوق يليق به، فهكذا يجب أن تقولوا هذا القول في سائر الصفات، فصفات الله ثابتة له، وهي على ما يناسب ذاته المقدسة، وصفات المخلوق ثابتة له وهي على ما يناسب ذاته.
стр. 120
كلام اللغويين في المثل
...
قوله:
"فصل" وأما المثلان المضروبان فإن الله أخبر عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس، والمناكح والمساكن، فاخبر أن فيها لبناً وعسلا، وخمراً، وماء، ولحماً وحريراً وذهباًٍِ وفضة، وفاكهة وحوراً وقصوراً، وقد قال ابن عباس ﵄ ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح.
ش: بعد أن فرغ المؤلف من بيان الأصلين المتضمنين بيان إثبات الأسماء والصفات لله مع نفي المماثلة للمخلوقات، شرع في بيان المثلين المضروبين المتضمنين لبيان ذلك أيضا والمثل هو كما قال المبرد قول يشبه سائر يشبه به حال الثاني بالأول والأصل فيه التشبيه فقولهم: مثل بين يديه إذا انتصب معناه أشبه الصورة المنتصبة وفلان أمثل من فلان أي أشبه بماله من الفضل، فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأول كقول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ...
وما مواعيدها إلا الأباطيل
стр. 121
فمواعيد عرقوب علم لكل ما لا يصح من المواعيد وقال ابن السكيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ، شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره فالحاصل أن المثل كلام سائر شبه مضربه بمورده لغرابته، كقولهم: " الصيف ضيعت اللبن" وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني، قال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق للمسمع وأوسع لشعوب الحديث: وقوله: " فإن الله سبحانه تعالى أخبر عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والملابس، والمناكح والمساكن" يعني كما قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كانتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرا ًوَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كان مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَان مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً وَإِذَا رَأيتَ ثَمَّ رَأيتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عَالِيَهُمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وقال : ﴿فِيهَا أنهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأنهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأنهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأنهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿أن الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأنهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ وما ذكره الله في الآخرة، من أنواع المطاعم والمشارب، والمناكح والملابس، والمساكن، يشبه ما في الدنيا من هذه الأنواع في الاسم، وفي المعنى العام، وهذا التوافق في الاسم وفي الحقيقة من حيث العموم لم يوجب أن تكون حقائق الآخرة مثل حقائق الدنيا من كل وجه، بل بينهما بون شاسع وفرق بعيد، وقول ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء" معناه أن التفاوت بينهما كبير في اللذة والكمال والعظمة، حتى أنه لا يكاد
стр. 122
التوافق يكون بينهما في الاسم لشدة التفاوت، وإذا تقرر هذا فالرب ﵎ وإن كان متصفا بالصفات ومسمى بالأسماء، والمخلوق يسمى بتلك الأسماء ويوصف بتلك الصفات فهما متفقان في الاسم وفي المعنى العام، غير أن هذا الاتفاق ليس معناه أنهما متماثلان، بل بينهما تفاوت عظيم وفرق كبير، التباين الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوق والمخلوق، فإن المخلوق أقرب إلى المخلوق، لموافقته في اسمه وجنسه وهذا جلي لا غموض فيه.
стр. 123
أقسام الناس في باب الإيمان بالله واليوم الآخر
...
قوله:
ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله عن نفسه وعن اليوم الآخر مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم. والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به في الآخرة من الثواب والعقاب، والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة، والباطنية، والفلاسفة، أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر.
ثم إن كثيرا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان وحج البيت، فيقولون: أن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وأن صيام رمضان كتمان أسراهم، وأن حج البيت سفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل، صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، والحاد في آيات الله، وقد يقولون: الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا
стр. 124
صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم، رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات.
ش: يعني ومن أجل التوافق في الاسم، وفي المعنى العام وكون التفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الحاصل بين حقائق الدنيا وحقائق الآخرة، من أجل هذا افترق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه من حقائق الصفات، وما أخبر به عن اليوم الآخر إلى ثلاث فرق: فأهل السنة والجماعة آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ونزهوه عن الند والمثال كما آمنوا بما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما أعد الله لمن أطاعه وعصاه من الجزاء، والفرقة الثانية آمنوا ببعض وهو الإيمان بما أخبر الله به عن اليوم الآخر وامتثال الأمر، واجتناب النهي، والجزاء على الأعمال، بينما نفوا حقائق أسماء الله وصفاته، وهم أهل التحريف والتأويل، الذين يقولون أن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال – ما في نفس الأمر- وأن الحق في نفس الأمر هم ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه النصوص بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طرقها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات، فلا يقصدون مراد المتكلم به وحمله على ما يناسب حاله، وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه على الوجه الذي يعرف به مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه، وقول المؤلف "مثل طوائف من أهل الكلام" يعني كالجهمية والمعتزلية ونحوهم، والفرقة الثالثة نفت ما دلت عليه نصوص المعاد، من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، كما نفت ما دلت عليه نصوص الصفات من نعوت الجلال وأوصاف الكمال، وهذا ضلال صراح وكفر بواح، وهؤلاء هم الغلاة، من القرامطة والباطنية الإسماعيلية، والفلاسفة المشائين، وقول المؤلف "والباطنية بالعطف على القرامطة" يشير إلى أن هذه فرقة أخرى غير أتباع حمدان.
стр. 125
وأغلب ما يطلق هذا الوصف على أتباع إسماعيل بن جعفر، وقد تميزوا عن بقية طوائف الشيعة باسم الباطنية وأما قول المؤلف فيما سبق: عند ذكر الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين، "والقرامطة الباطنية " فمعناه أن أتباع حمدان قرمط يوصفون بأنهم باطنية لموافقتهم هذه الفرقة في جعلهم نصوص الشرع عبارة عن رموز وإشارات لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها. وقوله: ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر أنه به عن نفسه وعن اليوم الآخر يعني كملاحدة
الصوفية مثل ابن عربي وابن سبعين وأشباههما فإن هؤلاء قد ملكوا مسلك ملاحدة الشيعة: وقوله: "ثم أن كثيرا منهم " الخ. بعد أن فرغ المؤلف من بيان مذهب الملاحدة فيما يتعلق بحقائق أسماء الله وصفاته، وما وعد الله به في الآخرة من الجزاء على الأعمال: بين مذهبهم في فروع الشريعة فذكر أن الكثير منهم يسلكون فيها ما سلكوه فيما سبق، وذلك بإبطالهم معناه الحقيقي وتأويلهم لنصوصها بتأويلات، يعلم بالاضطرار من لغة العرب أنها ليست هي المفهوم من لفظ الصلاة والصوم والحج ولا يمكن أن يدعى أن أهل اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ. والقرآن نزل بلغة الذين خاطبهم الرسول ﷺ ، فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان وضعها من عندياته مع عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة. مثل هذا. وقوله: "ونحو ذلك من التأويلات يعني كتأويلهم الفرائض بموالاة زعمائهم والمحرمات بتحريم موالاة أبي بكر وعمر، وتأويلهم الملائكة بزعمائهم والشياطين بمخالفيهم ". وهذه التأويلات وأمثالها، يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتخويف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، والحاد في آيات الله وقوله قد يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة إلى قوله: "وأباحوا له المحظورات" يعني أن بعض هؤلاء الملاحدة قد يفرق بين عوام الناس وخواصهم في تطبيق الفروع، فالمحقق منهم والعارف
стр. 126
بمذهبهم والموحد المخلص لإلحادهم. هؤلاء طبقة فوق العمل بفروع الشريعة وأما بقية الناس فهم حشو ورعاع يلزمهم أن يعملوا وأن يمتثلوا المأمور ويجتنبوا المنهي، لأن أمرهم في الدنيا لا يصلح إلا بذلك والبعض منهم يقرها بالنسبة للعموم فهذه طريقة الملاحدة الباطنية الإسماعيلية ونحوهم. من قرامطة ومتفلسفة.
стр. 127
أهل التصوف والسلوك
...
قوله: وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
ش: يعني قد يشارك ملاحدة الشيعة والمتفلسفة في أقوالهم الباطلة، ومذاهبهم الزائفة: قد يشاركهم أناس ينتسبون إلى التصوف والملوك، لكن تظاهر هؤلاء بالمعرفة والعبادة والزهد التباس أمرهم وخفاء حالهم على كثير من أهل العلم، بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذاهب التشيع والغلو فإن ذلك مما نفر الناس عنهم، إذ هو ضلال صراح وكفر بواح، فأهل الفقر والزهد والعبادة لمشاركتهم الجمهور في الانتساب إلى السنة والجماعة يخفى من إلحادهم ما لا يخفى من الحاد ملاحدة الباطنية المنتسبين إلى التشيع "والتصوف " العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، وكان نوع ذلك عاما في الصحابة والسلف:
فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده: وجنح الناس إلى الانهماك في الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم المتصوفة: وعلى القول بأن التصوف مشتق لا لقب، يكون مشتقاً من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه، لما كانوا عليه من مخالفة الناس من لبس فاخر الثياب وسيَأتِي ذلك زيادة بحث في وضعه - من هذه الرسالة إنشاء الله
стр. 128
تعالى: "والسلوك" معناه السير، فأهل السلوك هم أهل السير إلى العبادة، إلا أن فيهم العابد المحقق والمحرف الملحد.
قوله: وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
ش: يعني من سبق ذكرهم، من قرامطة ومتفلسفة، وباطنية الشيعة، وباطنية الصوفية، هؤلاء هم الملحدون الذين أتفق المسلمون على أنهم كفار، بل على أن كفرهم أعظم من كفر اليهود والنصارى، وذلك لأنهم- زنادقة منكرون للرسالات كلها، والشرائع جميعها، فلا يقرون بمدلول نصوص الصفات ولا بمدلول نصوص البعث والنشور، وامتثال ما في النصوص الشرعية من أوامر، واجتناب ما فيها من نواه، فقولهم غاية في الزندقة والإلحاد.
قوله:
وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات، يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشارك هؤلاء في بعض إلحادهم.
ش: يعني برهان المؤمنين بالله، المثبتين لمدلول نصوص الوحيين، برهانهم في إثبات ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله من حقائق الأسماء والصفات، ووقوع البعث والنشور والجزاء على الأعمال، برهانهم على ملاحدة الفلاسفة والصوفية، هو برهانهم على من يشارك هؤلاء الملاحدة في قسم من إلحادهم، والذين يشاركونهم هم نفاة الأسماء والصفات من الجهمية ونحوهم. فحجة أهل الإيمان بالله والإثبات لما دلت عليه نصوص الوحيين على الفريقين واحدة: وذلك أن ما أنكروه شيء ثابت قد دلت جميع الكتب السماوية على إثباته، وهو المفهوم الذي تظافر
стр. 129
على إثباته السمع والعقل، فإثبات أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلته لمخلوقاته هو محض التوحيد، ونفي ذلك هو محض التعطيل والتنقص، وكون هناك دار أخرى يجازى فيها المحسن على إحسانه، والمسيء على
إساءته: هو مقتضى الرحمة والعدل، فأهل العلم والإيمان، يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقا وما خالفه كان باطلا، وهؤلاء الملاحدة ليس معهم إلا محض التحريف لما هو معلوم بالضرورة باللغة التي نزل بها القرآن، وتكلم بها رسول الرحمن.
واعلم أن من كان قصده متابعة ما جاء في الكتاب والسنة من المؤمنين، واخطأ بعد اجتهاده وإفراغ وسعه لم يجز تكفيره ولا التعنيف في الرد عليه، والله يغفر لعباده الخطأ والنسيان ما لم تقم عليه الحجة التي لا يعذر بمخالفتها وتزال شبهته.
قوله:
فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات.
ش: يعني أن المثبت لحقائق أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلته سبحانه لمخلوقاته، هو الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من وصف الله ﵎ بأوصاف الكمال ونعوت الجلال، والموافق لمقتضى العقل السليم، من أمراض الشبه والإلحاد، فإن الرب المالك والإله الواحد لابد وأن يكون متصفا بكل وصف كمال، ومتنزها عن كل عيب ونقص، أما هؤلاء الملحدون النافون لأسماء الله وصفاته والمنكرون للمعاد والجزاء على الأعمال، وهكذا من شاركهم في بعض إلحادهم، هؤلاء جميعا مخالفون لما أثبته النقل ودل عليه العقل.
стр. 130
قياس التمثيل والشمول
...
قوله:
والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل
الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم.
ش: يعني أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمول تستوي أفراده، فإن الله ، ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى يقين، بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم وتكافئها ولقد أحسن القائل:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور
ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ مثل أن نعلم أن كل كمال ثبت للممكن المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المدبر، فإنما استفادة من خالقه وربه ومدبره، فهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ما تضمن سلب أوصاف الكمال إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات، فإنه يجب نفيه عن الرب تبارك
стр. 131
وتعالى بطريق الأولى، وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود، وأما الأمور العدمية فالممكن بها أحق وقياس التمثيل: هو إلحاق الفرع بالأصل في الحكم بجامع الوصف المشترك بينهما، ومثاله في قول النفات: لو كان الله متصفاً بالصفات لكان جسماً قياساً على المخلوق: فقد قاسوا الخالق على المخلوق، وحكموا بالمماثلة، لاشتراك الخالق والمخلوق في أن كلا منها متصف بالصفات، وقياس الشمول هو ما كان مركباً من مقدمتين فأكثر مستعملا فيه لفظة، كل، الدالة على الشمول: ومثاله في كلام نفاة الصفات قولهم: المخلوق متصف بالصفات وكل متصف بالصفات فهو جسم، فنفوا صفات الله لئلا يدخل في هذا العموم فيكون مثيلا للمخلوق: فهؤلاء النفات أشركوا الخالق مع المخلوق، واستعملوا في حقه قياس التمثيل الذي يستوي فرعه بأصله بجامع العلة المشتركة بينها، واستعلموا في حقه سبحانه، قياس الشمول الذي تستوي أفراده وتندرج تحت قضية كلية، وهذا كما أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، فهو
مخالف أيضا للفطر السليمة، والعقول الصحيحة، فإن الذي يجب أن يستعمل في حق الله، هو القياس الأولى، وهو المثل الأعلى، الذي وصف الله به نفسه كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فجعل "مثل السوء" المتضمن للعيوب، والنقائص، وسلب الكمال- للمشركين- وأخبر: أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها" له وحده. و"الأعلى" أفعل تفضيل، فمعنى ذلك: أنه أعلى من غيره: فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف! تعالى الله عن قول المعطلين علواً كبيراً. قال ابن جرير: "الأعلى" هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل، فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه والأول مثل السوء للصنم وعابديه.
فحاصل المثل: أن الله قد أخبر أن في الآخرة من أنواع النعيم ما له شبه في الدنيا: كأنواع المطاعم والمشارب والملابس، والمناكح وغير ذلك:
стр. 132
فحقائق تلك أعظم من حقائق هذه بما لا نعرف قدره وكلاهما مخلوق.
والنعيم الذي يعرف جنسه قد أجمله الله ، بقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فإذا كان هذان المخلوقان متفقين في الاسم والمعنى العام مع أن بينهما في الحقيقة تباينا لا يعرف في الدنيا قدره فمن المعلوم أن ما يتصف به الرب من صفات الكمال مباين لصفات خلقه أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق.
стр. 133
وصف الروح في النصوص
...
فحقائق تلك أعظم من حقائق هذه بما لا نعرف قدره وكلاهما مخلوق.
والنعيم الذي يعرف جنسه قد أجمله الله ، بقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فإذا كان هذان المخلوقان متفقين في الاسم والمعنى العام مع أن بينهما في الحقيقة تباينا لا يعرف في الدنيا قدره فمن المعلوم أن ما يتصف به الرب من صفات الكمال مباين لصفات خلقه أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق.
قوله:
وهكذا القول في المثل الثاني وهو أن الروح التي فينا- فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة.
ش: يعني كما قيل في "المثل الأول" يقال أيضا: في "المثل الثاني" فإن روح ابن آدم تسمع، وتبصر، وتتكلم، وتنزل، تصعد، كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، والمعقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله، فإذا لم يجز أن يقال: أن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد، وهي مقرونة به، وهما جميعا الإنسان فكيف يجوز أن يجعل الرب ﵎ وصفاته وأفعاله مثل المخلوق وصفاته وأفعاله؟ كما سيبين المؤلف ذلك في آخر البحث. ومثال ما ورد من النصوص: في أخبار الروح قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً أن فِي ذَلِكَ لَآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقوله
стр. 134
سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أيدِيهِمْ أَخْرِجُوا أنفُسَكُمُ﴾ وقوله : ﴿يا أيتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند النوم: "باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، أن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول: "اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" وروى الإمام أحمد بسنده عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا- ثم قال: "أن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسون منه مد بصره، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: "أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملاء من الملائكة بين السماء والأرض إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: "فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني
стр. 135
منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه، يَأتِيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول الله ربي، فيقولان له وما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له ما علمك؟ فيقول قرأت
كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة!! وافتحوا له بابا إلى الجنة!! قال: فيَأتِيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك وجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وقال إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة: اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحاً ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فكأنما خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكان سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده ويَأتِيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري! فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا
стр. 136
أدري! فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وألبسوه من النار! وافتحوا له بابا إلى النار! فيَأتِيه من حرها وسمومها! ويضيق عليه قبره! حتى تختلف أضلاعه ويَأتِيه رجل قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك وجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول أنا عملك الخبيث!! فيقول رب لا تقم الساعة"
وهذا الحديث مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول، وفي هذه النصوص من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن ما يبين أن صعودها ونزولها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله.
قوله:
والناس مضطربون فيها، فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءا من البدن، أوصفة من صفاته كقول بعضهم: "أنها النفس أو الريح التي تردد في البدن " وقول بعضهم: "أنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن "
ش: هذه عدة أقوال في حقيقة الروح وكلها باطلة ليس مع أصحابها سوى الظنون الكاذبة، وهذه الأقوال: هي أولا قولهم: أنها جزء من البدن، يعني كالكبد أو الطحال، ثانيا قولهم: أنها البدن، يعني هذا الجسم بأعضائه وشكله. ثالثا قولهم: أنها النفس، وهو الهواء المتردد في البدن، رابعا: أنها الحياة، وهي الحرارة الغريزية، خامسا قولهم: أنها المزاج، وهو ما ركب عليه البدن من الطبائع والذي تظاهرت عليه أدلة القرآن والسنة والاعتبار، والعقل، وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة، أن الروح "جسم " مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينتقل في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها، من هذا الجسم اللطيف بقي
стр. 137
ذلك الجسم ساريا في هذه الأعضاء، وإفادتها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية وإذا أراد الله موت هذا المخلوق الحي انفصلت عنه الروح، فهي إذاً ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل، وتخرج وتذهب، وتحبيء وتتحرك وتسكن، وقد ذكر ابن القيم على هذا القول أكثر من مائة دليل.
قوله:
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض وقد يقولون: أنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة وقد يقولون: أنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مدخلة، وربما قالوا ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية، التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.
ش: يعني ومن جملة الناس المضطربين في حقيقة الروح طوائف من الفلاسفة وقد ذكر المؤلف أنهم يصفون الروح بما يصفون به واجب الوجود، فكما يقولون عن الله سبحانه أنه لا جسم ولا عرض، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، كذلك: يصفون الروح بهذه الصفات السلبية، التي تجعل وجود الموصوف بها لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، وقد ذكر المؤلف: أمثلة لسلبهم النقيضين عن الروح فقال: "كقولهم لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولامباينة له ولا مداخلة".
стр. 138
ومثال آخر أعم من الأول وهو قولهم: أنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، ومثال ثالث أعم من الأول وأخص من الثاني، وهو قولهم: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، وقوله: "ولا مداخلة له ولا مباينة" هو بمعنى لا داخله ولا خارجه فمدلول العبارتين واحد، وقوله: "لا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تنزل، ولا هي اسم ولا عرض" هذه من جنس الأمثلة السابقة من حيث أنها سلب للنقيضين، ولا يوصف بها إلا ممتنع الوجود، وذكر لمن هذه الطوائف أنها تقول: أن الروح لا تدرك ولا تعقل إلا الأمور الكلية المطلقة وهي التي لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها ضد الجزئيات: أما الجزئيات والأمور المعينة المتشخصة في الخارج فلا تدركها، وهو قول باطل: فالروح كما تدرك الأمور العامة المشتركة، تدرك الأمور الجزئية المعينة، وذكر أنهم يفسرون الجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية وهذا مجرد اصطلاح لهم في الجسم يخالفهم فيه جماهير العقلاء وقالوا بناء على هذا: أن الروح مما لا يشار إليه، وقوله "ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم. والممتنع" يعني كقولهم: "لا هي حية ولا ميتة ولا عالمة ولا جاهلة " فكل هذه الأوصاف تلحق الروح بالمعدوم، بل بالممتنع فإن من لا تصح الإشارة إليه، ولا هو جسم ولا عرض، ولا متحرك ولا ساكن، ونحو ذلك يمتنع وجوده في الأعيان.
قوله:
وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجود كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولون به في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال.
стр. 139
ش: يعني إذا قيل لهؤلاء الفلاسفة إثبات شيء لا يشار إليه وليس بجسم ولا عرض ولا متحرك ولا ساكن ولا داخل العالم ولا خارجه، إثبات مثل هذا ممتنع وامتناعه معلوم بالضرورة، قالوا محتجين: بل إثبات
مثل هذا ممكن بدليل وجود الكليات، وهي غير مشار إليها، وليست جسما ولا عرضا" وقد نسوا أن الكليات إنما توجد في الذهن، ولا يوجد في الخارج إلا أفرادها المعينة، ثم قال المؤلف: "إن هؤلاء الفلاسفة يعتمدون في كلامهم عن المبدأ والبعث والنشور على مثل هذا الخيال الذي يقولونه في وجود الكليات، وكلامهم هذا فساد لا يخفى على كثير من الجهال، فضلا عن العلماء، فهو مخالف للحس والعقل والشرع، فهم يقولون: إن العالم قد يم لا محدث والبعث للأرواح دون الأبدان، ويقولون: النعيم الموعود به هو بهجة النفس وسرورها والعذاب هو حزنها وألمها: إلى غير ذلك من ترهاتهم التي لا تستند إلى منطق أو عقل أو نقل.
стр. 140
كلام الفلاسفة في الروح
...
قوله:
واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة. ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس المناصر والمولدات منها بل هي من جنس آخر
مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالأسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ
ش: النفاة للروح هم الفلاسفة الذين يصفونها بأوصاف سلبية تلحقها بالمعدوم والممتنع، والمثبتون للروح من طوائف المتكلمين وهم الذين يقولون عنها: أنها نفس البدن أو جزء منه أو الحياة أو المزاج أو الريح،
يقول المؤلف: أن سبب اضطرابهم، أن الروح المسماة عن الفلاسفة النفس الناطقة ليست من جس البدن وليست من العناصر المشاهدة التي
стр. 141
نتكون منها الأشياء، ولا من جنس ما يتولد من العناصر كتولد الخل من عناصره التي هي أصله بل الروح من شكل آخر، واضطربوا فيها لكونهم لم يتلقوا العلم بها عن مشكاة النبوة، كما لم يتلقوا العلم بالله وصفاته من كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فصار الفلاسفة لا يعرفونها إلا بالأوصاف السلبية وطوائف المتكلمين يجعلونها البدن أوصفة من صفاته، وكلا القولين باطل، مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، والمراد "بالناطقة " المفكرة العاقلة، والروح لها نفس، فمدلول الروح والنفس واحد، ولكن غالبا ما تسمى نفساً، إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميت الروح أغلب عليها.
стр. 142
المعاني الاصطلاحية في الجسم
...
قوله:
وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل: فإن لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي: فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليت جسما ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَأن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة وكل هؤلاء يقولون: أنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس مركبا من هذا ولا من هذا، بل هو مما يشار إليه ويقال: أنه هنا أو هناك.
ش: يعني من أطلق على الروح بأنها جسم أو ليست بجسم استفسر عن مراده والسبب في ذلك أن للناس في لفظ الجسم عدة
стр. 143
اصطلاحات بالإضافة إلى معناه اللغوي ثم ذكر المؤلف اصطلاحات المتكلمين في الجسم وهي أولاً أنه الموجود ثانياً القائم بنفسه ثالثاً المركب من الجواهر المفردة، رابعاً المركب من المادة والصورة، خامساً هو ما يقبل الإشارة الحسية فيصح عنه أن يقال أنه هنا أوهناك وهذه الاصطلاحات غير معناه اللغوي فإن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على البدن والجسد، أوكل ما كان كثيفاًَ غليظاً، وقوله: ولهذا يقولون: الروح والبدن، معناه إنهم يفرقون بين مدلولها كما تشير إليه آية سورة المنافقين، وآية سورة البقرة فإن الذي يعجب الرائي شكلهم الظاهر ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ والذي بسط فيه هو الجسم. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وقوله:" وكل هؤلاء يقولون أنه مشار إليه" معناه أن أقوال المتكلمين في الجسم تخالف قول الفلاسفة، فإنهم يقولون عن الجسم: هو ما لا يقبل الإشارة الحسية وقوله ومنهم من يقول: ليس مركباً من هذا ولا من هذا، يعني أن بعض المتكلمين ينفي أن يكون الجسم مركباً من الجواهر المفردة، أومن المادة والصورة وهذا قول صحيح، فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركباً من هذا ولا من هذا.
والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يقبل القسمة وهو شيء لم يدركه أحد بحسه ولا يتميز منه جانب عن جانب، وما من شيء يفرض إلا وهو أصغر منه عند القائلين به، وأصل الجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر الشيء ما وضعت عليه جبلته، والمادة هي عناصر الشيء التي يتكون منها وصورة الشيء شكله.
قوله:
فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال ﷺ "أن الروح إذا خرجت تبعها البصر" وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح.
стр. 144
ش: يشير المؤلف إلى أن القول: بأن الجسم هو ما يقبل الإشارة الحسية وتمكن رؤيته بالأبصار، ويتصف بالصفات هو القول الصواب في تعريف الجسم اصطلاحا وبهذا الاعتبار يصح أن تسمى الروح جسماً، فإنه يصح أن يشار إليها، ويمكن أن ترى فإن بصر الميت يتبعها ويراها كذلك ترى بعد الموت فإن الروح قائمة بنفسها، باقية بعد الموت منعمة أو معذبة، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ثم تعاد إلى الأبدان. وهذا الحديث رواه مسلم بسنده عن أم سلمة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: أن الروح إذا قبض تبعه البصر فسبح ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه" وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا بلى: قال فكذلك حين يتبع بصره نفسه" وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت ".
стр. 145
وجه ضرب المثل بالروح
...
قوله:
والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية، عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته
следующие страницы →