← Акыда

Акыда · id 7260

التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية

فالح بن مهدي آل مهدي

Полный текст (485 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نتكون منها الأشياء، ولا من جنس ما يتولد من العناصر كتولد الخل من عناصره التي هي أصله بل الروح من شكل آخر، واضطربوا فيها لكونهم لم يتلقوا العلم بها عن مشكاة النبوة، كما لم يتلقوا العلم بالله وصفاته من كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فصار الفلاسفة لا يعرفونها إلا بالأوصاف السلبية وطوائف المتكلمين يجعلونها البدن أوصفة من صفاته، وكلا القولين باطل، مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، والمراد "بالناطقة " المفكرة العاقلة، والروح لها نفس، فمدلول الروح والنفس واحد، ولكن غالبا ما تسمى نفساً، إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميت الروح أغلب عليها.

стр. 142

المعاني الاصطلاحية في الجسم ... قوله: وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل: فإن لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي: فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليت جسما ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَأن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة وكل هؤلاء يقولون: أنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس مركبا من هذا ولا من هذا، بل هو مما يشار إليه ويقال: أنه هنا أو هناك. ش: يعني من أطلق على الروح بأنها جسم أو ليست بجسم استفسر عن مراده والسبب في ذلك أن للناس في لفظ الجسم عدة

стр. 143

اصطلاحات بالإضافة إلى معناه اللغوي ثم ذكر المؤلف اصطلاحات المتكلمين في الجسم وهي أولاً أنه الموجود ثانياً القائم بنفسه ثالثاً المركب من الجواهر المفردة، رابعاً المركب من المادة والصورة، خامساً هو ما يقبل الإشارة الحسية فيصح عنه أن يقال أنه هنا أوهناك وهذه الاصطلاحات غير معناه اللغوي فإن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على البدن والجسد، أوكل ما كان كثيفاًَ غليظاً، وقوله: ولهذا يقولون: الروح والبدن، معناه إنهم يفرقون بين مدلولها كما تشير إليه آية سورة المنافقين، وآية سورة البقرة فإن الذي يعجب الرائي شكلهم الظاهر ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ والذي بسط فيه هو الجسم. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وقوله:" وكل هؤلاء يقولون أنه مشار إليه" معناه أن أقوال المتكلمين في الجسم تخالف قول الفلاسفة، فإنهم يقولون عن الجسم: هو ما لا يقبل الإشارة الحسية وقوله ومنهم من يقول: ليس مركباً من هذا ولا من هذا، يعني أن بعض المتكلمين ينفي أن يكون الجسم مركباً من الجواهر المفردة، أومن المادة والصورة وهذا قول صحيح، فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركباً من هذا ولا من هذا. والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يقبل القسمة وهو شيء لم يدركه أحد بحسه ولا يتميز منه جانب عن جانب، وما من شيء يفرض إلا وهو أصغر منه عند القائلين به، وأصل الجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر الشيء ما وضعت عليه جبلته، والمادة هي عناصر الشيء التي يتكون منها وصورة الشيء شكله. قوله: فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال ﷺ "أن الروح إذا خرجت تبعها البصر" وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح.

стр. 144

ش: يشير المؤلف إلى أن القول: بأن الجسم هو ما يقبل الإشارة الحسية وتمكن رؤيته بالأبصار، ويتصف بالصفات هو القول الصواب في تعريف الجسم اصطلاحا وبهذا الاعتبار يصح أن تسمى الروح جسماً، فإنه يصح أن يشار إليها، ويمكن أن ترى فإن بصر الميت يتبعها ويراها كذلك ترى بعد الموت فإن الروح قائمة بنفسها، باقية بعد الموت منعمة أو معذبة، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ثم تعاد إلى الأبدان. وهذا الحديث رواه مسلم بسنده عن أم سلمة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: أن الروح إذا قبض تبعه البصر فسبح ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه" وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا بلى: قال فكذلك حين يتبع بصره نفسه" وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت ".

стр. 145

وجه ضرب المثل بالروح ... قوله: والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية، عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته

стр. 146

وأهل المعقول هم أعجز عن أن يجدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لها ومن مثلها بها يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات، فالخالق أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدا معطلا، ومن قاسه بخلقه جاهلا به، ممثلا وهو ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق ما له من الأسماء والصفات. ش: يعني هذا هو المقصود من المجيء ببحث الروح هنا ووجه ضرب المثل بها فإذا علم أن الروح متصفة بصفات، والبدن متصف بصفات، ولم يوجب ذلك أن تكون الروح مثل البدن، فالرب سبحانه متصف بالصفات التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، والمخلوق متصف بصفات، وليست صفات الخالق مثل صفات المخلوق بل لكل منهما ما يناسب ذاته وإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لما ثبت في النصوص من صفاتها، ومن مثلها بشيء من المخلوقات كان جاهلا بها مشبها لها بغير مثلها، فكذلك بطريق الأولى من نفى صفات الله فهو جاحد لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من وصف الله بصفات الكمال، ونعوت الجلال، ومن مثل صفاته بصفات خلقه كان مخالفا لما جاء في النصوص من نفى الشبيه عنه والمثال، وكذلك إذا كانت العقول قاصرة عن الوصول إلى العلم بكيفية الروح والإحاطة بها لأنها لم تشاهدها ولم تشاهد لها مثيلا فعجزهم عن الوصول إلى العلم بكيفية الخالق وإلاحاطة به بطريق الأولى، وإذا كانت الروح ثابتة موصوفة بصفاتها اللائقة بها رغم المعطلين لها والمشبهين لها بغير شكلها، فكذلك بطريق الأولى ذات الرب موجودة ثابتة متصفة بأوصاف الكمال.

стр. 147

كل نفي وصف الرب به نفسه فهو متضمن لاثبات المدح والكمال ... قوله: "فصل " وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة، القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كأخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه: سميع بصر، ونحو ذلك، والنفي كقوله ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ش: تقدم الكلام في بيان الأصلين والمثلين، وهذا أوان الشروع في بيان الخاتمة الجامعة، القاعدة الأولى من القواعد التي تضمنتها الخاتمة الجامعة: هي أن الله موصوف بالإثبات كوصفه بأنه عليم قدير، سميع بصير، إلى غير ذلك من الصفات وموصوف بالنفي كما في قوله: ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ووصفه سبحانه، بالإثبات ونفي مماثلة المخلوقات هو محض التوحيد، ونفي صفاته هو محض الشرك والتعطيل، فلو لم يكن لا علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر، ولم يقم به فعل لما يريد، ولا يمكن أن يشار إليه لكان العدم المحض كفواً له. قوله: وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء، فضلا عن أن يكون مدحاً أو كمالا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. ش: العدم المحض هو النفي المجرد الذي لا يتضمن إثبات مدح ولا كمال، وليس في النفي المجدد إثبات صفة كمال، وذلك لسببين، بين المؤلف السبب الأول بقوله: "لأن النفي المحض عدم محض " وبين الثاني بقوله: "ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع " ثم بين حال العدم المحض وأنه ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو على اسمه، فيبعد أن يكون

стр. 148

وصف كمال أو مدح، فلا يمدح به أحد ولا يكون كمال، بل هو أنقص النقص، وبين حال المعدوم والممتنع بأنه لا يوصف بمدح ولا كمال، ولذلك يوصف بالعدم المحض. قوله: فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات المدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال، أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه ولا يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ فإن نفي مس اللغوب، الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه. وكذلك قوله:﴾ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴿إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفي مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحاً وإنما المدح في كونه لا يحاط به وأن رؤي، كما أنه لا يحاط به وأن علم، فكما انه إذا علم لا يحاط به علما، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفة كمال وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الاحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.

стр. 149

ش: يعني ومن أجل أن النفي المجرد ليس فيه مدح ولا كمال، نجد أن جميع ما وصف الله به نفسه من النفي متضمناً لإثبات أوصاف الكمال، ثم مثل المؤلف لهذا النفي الذي وصف الله نفسه فقال: "كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ لكمال حياته وقيوميته وقوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ لكمال قوته، وقوله: "وما مسنا من لغوب" لكمال قدرته، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني لعظمته واحاطته بما سواه، وقد أوضح المؤلف تضمن الآيات الكريمات التي استشهد بها أوصاف المدح والكمال لله، فهو نفي متضمن للمدح، والقيوم، هو القائم بنفسه المقيم لغيره فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياته أن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ وفي الصحيحين من دعائه ﷺ في صلاة الليل "اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض" الحديث، ومن أجل أنه لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه أردف اسم الحي والقيوم بنفي السنة والنوم "والسنة" الوسن والنعاس، "والنوم" أثقل من ذلك فهو "سبحانه" قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء ولا يغيب عنه شيء، وفي الصحيحين عن أبي موسى "﵁" قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"،والكلال مصدر، كل يكل كلا وهو التعب قال الأعشى: فآليت لا أرثى لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقي محمدا فمادة كل تدل على الضعف والإعياء، يقال: كل الرجل يكل كلا

стр. 150

وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته، وقوله: لا تدركه الأبصار" إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء: ولم ينف مجرد الرؤية، معناه أن جمهور العلماء فسروا الإدراك هنا بالإحاطة، فالمنفي هو الإحاطة دون الرؤية فلا تحتاج الآية إلى تخصيص ولا خروج عن الظاهر، فلا نقول معناها أنا لا نراه في الدنيا، أو نقول لا تدركه الأبصار، بل المبصرون، أولا تدركه كلها، بل بعضها ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تكلف، فالآية واضحة في نفي إحاطة الأبصار به سبحانه، فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال، وإنما الكمال في إثبات الرؤية، ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال " وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً، فهو سبحانه لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علماً، فقد دل القرآن الكريم على رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، والأحاديث بها متواترة عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالسنة، وأما احتجاج النفاة بهذه الآية، فالآية حجة عليهم لا لهم، ولكن ليس كل من رأى شيئا يقال أحاط به رؤية، كما سئل ابن عباس ﵄، عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال بلى، قال: هل تحيط بها؟ قال:. ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال أنه أدركها، وإنما يقال أدركها " إذا أحاط بها رؤية، فبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص من وجه الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَان قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا أن مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه قد يكون رؤية بلا إدراك، ومما يبين ما سبق أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه " " ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس ذلك صفة مدح له، لأن المعدوم لا يرى، والمعدوم لا يمدح فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه. وقوله: "وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها" يعني أن إثبات الرؤية مع نفي الإحاطة هو القول الصواب، الذي دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون

стр. 151

بالإمامة في الدين، كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، واسحق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف" وأمثال هؤلاء وسائر أهل السنة، وكذلك الطوائف المنتسبون إلى السنة والجماعة كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى في الآخرة، ولم ينكر رؤية المؤمنين لربهم في دار الخلود، إلا الجهمية والمعتزلة والخوارج ونحوهم من طوائف الضلال وما احراهم بأن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿كلا إنهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ نسأل الله السلامة والعافية، كما نسأله سبحانه، لذة النظر إلى وجهه الكريم.

стр. 152

حقيقة مذهب المعطلة ... قوله: وإذا تأملت ذلك: وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتا هو مما لو يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب، لم يثبتوا في الحقيقة إلها محمودا، بل ولا موجوداً، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالو لا يتكلم أو لا يرى أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولن ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له، إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت ش: بعد أن مثل المؤلف بعدة آيات فيها وصف الله بالنفي المتضمن لإثبات صفات الكمال قال بعد ذلك: إذا تتبعت القرآن ونظرت فيه نظر متأمل وجدت كل نفي وصف الله به نفسه هو من هذا القبيل، وذلك كنفي الظلم الدال على إثبات العدل، ونفي الشريك والظهير الدال على إثبات الوحدانية وتمام الملك، ونفي الكفؤ والمثيل الدال على الكمال المطلق، فالوجود كمال كله، فإن العدم كاسمه لاشيء وهو سبحانه قد وصف نفسه بأنه لم يكن له كفواً أحد، بعد وصفه

стр. 153

نفسه بأنه "الصمد" السيد الذي كمل في سؤدده وهذا هو المعقول في فطر الناس، فإذا قالو فلان عديم المثل، أو قد أصبح ولا مثل له في الناس، وما له شبيه ولا من يكافيه: فإنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لا يلحقه فيه غيره، فصار واحداً في الجنس لا مثيل له: ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده، لكان ذلك عندهم غاية الذم والنقص له، فإذا أطلقوا ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنهم إنما أرادوا كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه الحميدة التي لها حقائق تحمل عليها، فهل يقول عاقل لمن لا قدرة له ولا علم ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ولا يفعل شيئاً ولا يتكلم ولا له وجه ولا يد ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل، أنه لا شبه له ولا مثيل له وأنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده؟ وهل فطر الله الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك؟ فمن نفى صفات الله فقد وصفه بغاية العدم "فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب الذي هو النفي لم يثبتوا في واقع الأمر إلهاً يحمد ويثنى عليه، لما له من حقائق الأسماء والصفات، بل لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً موجوداً. فإن من تسلب عنه جميع الصفات الثبوتيه ما هو إلا معدوم والذين لا يصفونه إلا بالسلوب هم طوائف الفلاسفة كما سبق بيانه ويشاركهم في هذا النفي المعطلة من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، فإنهم يعطلون صفات الله تعطيلا يستلزم نفي الذات وهذا معنى قول المؤلف: وكذلك شاركهم، فإن الجميع يصفون الباري تعالى بصفات العدم المحض الذي ليس هو بشيء البتة، وهذا هو الذي صرح به غلاة الجهمية وقد كان قدماؤهم يتحاشون عنه ويتسترون منه، وكان السلف من الأئمة مثل عبد العزيز بن الماجشون، وعبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وغيرهم هؤلاء، يتفرسون فيهم ذلك. فمذهبهم يرجع إلى مذهب الدهرية الطبائعية في المعنى، وهذا السلب بالإضافة إلى أنه لا ينطبق إلا على المعدوم فهو أيضاً لا يتضمن إثبات صفة يمدح بها

стр. 154

الموصوف، وهذا معنى قول المؤلف: "إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت". قوله: ولهذا قال "محمود بن سبكتكين" لمن أدعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي ثبته وبين العدم؟ ش: يعني من أجل أن هذه الصفات السلبية لا تنطبق إلا على المعدوم قال محمود: لمن ينفي صفات الله متحدياً له إذا كنت تثبت إلهاً ولا تصفه بصفات ثبوتية فما الفرق بينه وبين الشيء المعدوم؟ "ومحمود بن سبكتكين" هو الملقب بيمين الدولة، وكان مولده سنة ثلاثمائة وإحدى وستين، ووفاته سنة أربعمائة وإحدى وعشرين هجرية وكان يخطب في سائر مملكته للخليفة العباسي القدر بالله، وكان يحب العلماء والمحدثين ويكرمهم ويجالسهم، وكان على مذهب الكرامية في الاعتقاد، وكان من جملة من يجالسه منهم، محمد بن الهيضم، وقد جرى بينه وبين أبي بكر بن فورك مناظرة بين يدي السلطان محمود، في مسألة العرش فنقم على ابن فورك كلامه، وأمر بطرده وإخراجه من مجلسه، لموافقته لرأي الجهمية ولعل هذه القصة هي التي قال فيها محمود ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبت وبين المعدوم. قوله: وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات، منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات والناقصات.

стр. 155

ش: يعني أن نفي صفة الكلام عن الله ليس فيه مدح ولا كمال، فمن تكلم أكمل من لا يتكلم، وكذلك كونه لا ينزل ليس في ذلك وصف كمال فلو قدرنا موجودين أحدهما يقدر على التصرف بنفسه فيَأتِي ويجيء، وينزل ويصعد، ونحو ذلك من أنواع الأفعال، والآخر يمتنع ذلك منه لكان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه: فالكلام والنزول، والحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، ونحو ذلك، أوصاف كمال لا نقص فيها، وإنما النقص في انتفائها لا في ثبوتها، فمن تسلب عنه هذه الصفات فهو شبيه بالجماد والمعدوم والممتنع، وحينئذ فسلبها عن الله تشبيه له بأعظم الناقصات.

стр. 156

القول بأنه لاداخل العالم ولا خارجه هو بمنزلة القول بأنه لاقديم ولا محدث ... قوله: فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم فهو منزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له. وبطلانه بالضرورة، فإن هذا سلب للنقيضين وسلب النقيضين أمر ممتنع، وهكذا القول في بقية الأمثلة التي ذكرها المؤلف. ش: يعني أن هؤلاء النفاة بسلبهم الصفات عن الله قد شبهوه بالمعدوم، فمقالة من وصف الله بأنه لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم هو منزلة مقالة من قال: أن الله لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، ووجه كون هذه المقالة بمنزلة تلك المقالة، أن كلا منهما لا ينطبق إلا على المعدوم. فالحاصل أن قولهم: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا مداخل له، خلاف المعلوم بالضرورة، فإن العقل لا يثبت شيئين موجودين إلا أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو داخلا فيه، أما إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون داخل العالم ولا خارجه، فهذا مما يعلم العقل استحالته

стр. 157

أربعة أوجه يرد بها شيخ الإسلام على اعتذار النفاة ... قوله: ومن قال: أنه ليس بحي، ولا سميع ولا بصير، ولا يتكلم، لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم، فإن قال: العمى عدم البصر عما شأنه أن يقبل البصر، وما لم يقبل البصر كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير. ش: يقول المؤلف: سلب هذه الصفات عن الله يلزم منه أن يكون متصفا بنقيضها، والله منزه عن ذلك، ثم بين اعتذار النفاة إذا قيل لهم: هذا القول، وحاصل اعتذارهم أنهم يقولون لا يلزم من سلب الصفة عن الموصوف اتصافه بنقيضها، إلا إذا كان قابلا للاتصاف بالصفة، أما إذا كان غير قابل للاتصاف بها فلا يلزم من سلبها عنه اتصافه بنقيضها ويضربون لذلك مثلا بالجماد، وقد أجابهم المؤلف على هذه المقالة بأربعة أجوبة. قوله: قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام، يمكن وصفه بالموت والعمى، والخرس والعجمة، وأيضاً فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيا كما جعل عصى موسى حية ابتلعت الحبال والعصي، وأيضاً فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصا مما يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصا من الحي والأعمى الأخرس، فإن قيل إن الباري لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك، مع أنه إذا جعل غير قابل لها كان تشبيها له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها، وهذا تشبيه بالجمادات، لا بالحيوانات فكيف من قال ذلك

стр. 158

على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي، وأيضا فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال، فالحيات من حيث هي: هي مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها صفة كمال، وكذلك العلم والقدرة، والسمع والبصر، والكلام والعقل، ونحو ذلك، وما كان صفة كمال، فهو سبحانه أحق أن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به، لكان المخلوق أكمل منه. ش: هذا مشروع في بيان الأجوبة الأربعة التي رد بها المؤلف على النفاة وقد بين الأول بقوله: "قيل له هذا اصطلاح اصطلحتموه"الخ. يعني هذا مجرد اصطلاح منكم وإلا فمالا يتصف بالصفة يمكن وصفه وتسميته بنقيضها، كما هو معروف في لغة العرب، وقد سبق بيان ذلك وذكر الثاني بقوله: "وأيضاً فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها" الخ. يعني فالقدرة الإلهية شاملة لذلك، والقابلية موجودة في المخلوق وقد جعل الله الجماد الأصم حيا، يسمع ويبصر كما في قصة عصى موسى!! وبين الثالث بقوله: وأيضاً فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصاً مما يقبل الاتصاف بها، مع اتصافه بنقائضها. وضرب لذلك مثلا بالجماد والحيوان الأعمى الأخرس: فالحيوان الناقص وإن كان فاقداً للصفة فهو أكمل من الجماد لأنه قابل للاتصاف بها: أما الجماد فهو غير قابل لها أصلا. وهذا من المؤلف على سبيل الفرض والتنزل معهم، وإلا فكل موجود فهو قابل للاتصاف بالصفات، كما تقدم ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل من غير القابل لذلك، وحينئذ: فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم اتصافه بنقيضها: فيكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى الأخرس الذي يقبل البصر والكلام أكمل منه، وعلى هذا فالنفاة قد شبهوا الله بالجماد الذي هو أنقص من الحيوان الفاقد صفة الكمال فلو سلبوا عن الله صفة الكمال ولم ينفوا قبوله لها لكان ذلك أسهل. ونفي قبول صفة النقص تشبيه بالجماد، وإذا كان نفي قبول صفة النقص

стр. 159

تشبيه بالجماد، لا بالحيوان فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي". والمقصود أنه إذا كان من نفى قبول صفة النقص مشبهاً لله بالجماد فكيف من نفي عن الله قبول صفة الكمال زاعماً أن إثباتها يلزم منه تشبيه الله بالحي المخلوق، فالإشارة في قوله ذلك: راجعة إلى نفي القبول. والضمير في قوله: علي غير راجع إلى نفي قبول صفة النقص. والرابع بقوله "وأيضاً فنفس نفي هذه الصفات نقص كما أن إثباتها كمال" الخ. يعني أن مجرد نفي هذه الصفات نقص، كما أن مجرد إثباتها كمال. وما كان صفة كمال فالله أولى به. فلو لم يتصف به مع أن المخلوق متصف به، لكان الخالق أنقص من المخلوق. ومن المعلوم أن لله المثل الأعلى، فما كان وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به. فإذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال كالعلم والقدرة، والفعل والبطش، والآخر يمتنع أن يتصف بهذه الصفات لكان الأول أكمل من الثاني، وسائر الصفات بها: فالحي اليقضان أكمل من النائم الوسنان، والله "لا تأخذه سنة ولا نوم" وكذلك من يحفظ بلا اكتراث، أكمل ممن يلزم فيه ذلك، والله تعالى "وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما" وكذلك من يفعل ولا يتعب، أكمل ممن يتعب، والله تعالى "خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام" وما مسه من لغوب والعقل من حيث هو مصدر عقل يعقل عقلا: وهو في لغة الرسول وأصحابه عرض من الأعراض، كما في قوله سبحانه: "لعلهم يعقلون" "ولعلكم تعقلون" "ولهم قلوب لا يعقلون بها" ونحو ذلك، وقد يراد به الغريزة التي في الإنسان. قال أحمد بن حنبل، والحارث المحاسبي، وغيرهما "أن العقل غريزة" فالعقل ما به تحصل معرفة الأمور وإدراكها، ولا ريب أن الله سبحانه متصف من ذلك بما يعجز العقل

стр. 160

البشري عن تصوره وإدراكه، ولكن لفظ العقل مما لم يرد وصف الله به في الكتاب أو السنة. والظاهر أن أصل قول المؤلف: "والفعل كما في بعض النسخ" لأن الفعل مما ورد وصف الله به دون لفظ العقل، ولكن بما أن أكثر النسخ التي بأيدينا متفقة على لفظ العقل شرحناه على هذا المعنى. وقوله: ونحو ذلك يعني كصفة الوجه، فإن الوجه وصف كمال لا وصف نقص ووجه كل شيء بحسبه وهو ممدوح به لا مذموم، كوجه النهار ووجه الثوب، ووجه القوم. فوجه الله سبحانه هو كما يليق به ويناسب ذاته المقدسة فهو بحسب المضاف إليه وسائر الصفات على هذا النهج، فلله الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا.

стр. 161

مقالة النفاة العاديين أعظم كفرا من مقالة النفاة المحضة من وجه ... قوله: واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم: ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين. ش: سبق بيان هذا عند قول المؤلف في المقدمة: " فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين" ولكن كرر المؤلف ذلك: بمناسبة كلامه على النفي الذي لا يتضمن إثبات صفة كمال وإنما هو تشبيه بالناقصات، من جمادات أو معدومات، أو ممتنعات. وسلب هؤلاء الغلاة من جهمية وقرامطة ومن شابههم كالفلاسفة، إنما هو تشبيه لله بالممتنعات، فإنه يلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديرا، كما يقدر كون الشيء موجودا معدوماً أولا موجودا ولا معدوما. فلزمهم الجمع بين النقيضين، والخلو عن النقيضين. وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء.

стр. 162

قوله: وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه. ش: معناه أن مقالة النفاة العاديين أشنع في الكفر من مقالة النفاة المحضة، لأنه يلزم من نفيهم صفة الكمال عن الله وصفهم له بنقيضها، أما النفاة المحضة فقد صرحوا بنفي صفة النقص، كما صرحوا بنفي صفة الكمال، فهم أقرب إلى التنزيه من جهة تصريحهم بنفي صفة النقص، ومقالة الفريقين تشبه مقالة طائفتين من الفلاسفة إحداهما تصف الله بسلب الأمور الثبوتية والسلبية والأخرى تصف الله بسلب الأمور الثبوتية فقط. والأولى أقرب إلى الصواب من الثانية لأنه إذا وصف بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية، فهو أسوء حالا من الموصوف بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، حيث يشارك سائر الموجودات في مسمى الوجود، وتمتاز عنه بأمور وجودية وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، وأما إذا وصف بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معاً، كان أقرب إلى الوجود، وأن كان هذا ممتنعاً فذاك ممتنع وهو أقرب إلى العدم. قوله: فإذا قيل لهؤلاء هذا مستلزم وصفه بنقيض ذلك، كالموت والصمم والبكم، قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك، وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً. ش: يعني أن النفاة غير المحضة إذا قيل لهم سلبكم لهذه الصفات يلزم منه اتصاف الله بنقيضها، فنفي العلم عنه سبحانه يلزم من اتصافه بالجهل، ونفي الكلام يلزم منه اتصافه بالبكم، ونفي القدرة يلزم منه

стр. 163

اتصافه بالعجز، وهكذا سائر الصفات. إذا قيل لهم هذا القيل: قالوا معتذرين: إنما يلزم من نفي الصفات عن الله اتصافه بأضدادها لو كان قابلا لتلك الصفات: أما إذا كان غير قابل لها فإنه لا يلزم من نفيها عنه اتصافه بضدها، فالإشارة في قوله إنما يلزم ذلك راجعة إلى اتصافه بنقائض تلك الصفات كالجهل والعجز والبكم. والإشارة في قوله لو كان قابلا لذلك: راجعة إلى صفات الكمال ولا شك أن اعتذارهم هذا يزيد قولهم سوءاً إلى سوء: لأن نفي قبول الصفة أفظع من مجرد نفي الصفة كما تقدم إيضاحه.

стр. 164

قولهم ليس بمتحيز هو بمعنى قولهم لاداخل العالم ولا خارجه ... قوله: وكذلك من ضاهى هؤلاء وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، إذا قيل هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره، قالوا هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين المتناقضين. ش: يعني ومثل مقالة النفاة السابقة واعتذارهم عنها قول من يقول: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهؤلاء قالوا إنما يلزم من سلب للدخول والخروج، والقبول إنما يكون من المتحيز وما دام أن الله غير متحيز، فهو غير قابل للدخول والخروج. ومن ثم لا يكون سلبهما عنه أمراً ممتنعاً، وأولئك قالوا إنما يلزم من سلب الصفة عنه اتصافه بنقيضها لو كان قابلا لها، فالجميع نفوا عنه قبول الصفات، ومن المعلوم أن نفى القبول أشنع من نفي الصفة. وقوله "كما إذا قيل ليس بواجب ولا ممكن" يعني أن هذه المقالة بمنزلة هذه المقالة في أن الجميع معلوم الامتناع بالضرورة.

стр. 165

قوله: فيقال لهم علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين: هو علم مطلق لا يستثنى منه موجود، والتحيز المذكور: أن أريد به كون الاحياز الموجودة تحيط به فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها متميز عنها فهذا هو الخروج، فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا خرجه، فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل، كما فعل أولئك بقولهم: ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل. ش: هذا مشروع في بيان الجواب على المقالة السابقة واعتذار أصحابها فإنه يقال لهم: قولكم "لا داخل العالم ولا خارجه" سلب للنقيضين والنقيضان لا يمكن الخلو منهما، بل ذلك ممتنع وامتناع الخلو من التقيضين عام لا يستثنى منه أي شيء والخلق جميعا يعلمون أن النقيضين كما لا يمكن اجتماعهما في أن واحد كذلك لا يمكن ارتفاعهما فقولكم "لا داخل ولا خارج العالم" ممتنع لأن كل موجود فهو أما أن يكون مخالطاً للعالم، ممتزجا به، وأما أن يكون منفصلا عن العالم مباينا له وقولكم "قبول الدخول والخروج" إنما يكون من المتحيز والله ليس بمتحيز "فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين" يقال لكم قولكم ليس بمتحيز هو معنى قولكم لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن غيرتم العبارة مغالطة لتوهموا من لا يدرك معنى كلامكم أنكم أتيتم بمعنى جديد، وهو نفس كلامكم الذي رد عليكم بأنه أمر ممتنع في ضرورة العقل: وبيان هذا أنهم أن أرادوا بالتحيز أن الاحياز الموجودة كالسموات والعرش تحيط به فهذا هو الداخل في العالم، وأن أرادوا به أنه منحاز المخلوقات، أي مباين لها متحيز عنها، فهذا هو

стр. 166

الخروج، فإذا المتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم وتارة ما هو خارج العالم: فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه. وقوله "كما فعل أولئك يعني الجهمية المحضة الذين يسلبون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، فهؤلاء الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه عن غلاة الجهمية مشبهون بالقرامطة في سلبهم النقيضين، وفي اعتذاراهم الذي يزيد قولهم فساداً: ونختم الكلام على هذه القاعدة بآيتين كريمتين تدل كل منهما على أنه سبحانه متصف بالنفي والإثبات بأوضح عبارة وأصرح دلالة وتدمغ النفاة المعطلين، والمفترين على الله وعلى رسوله بنفي صفات الله ونعوت جلاله بغير دليل، من كاتب أو سنة أو عقل سليم أو فطرة مستقيمة: قال تعالى ﴿رَبُّ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا﴾ أخبر أنه لا سمي له عقب قول العارفين به: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كان رَبُّكَ نَسِيا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ فهذا الرب الذي له الجند العظيم ولا يتنزل إلا بأمره وهو المالك لما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك، وهو الذي كملت قدرته وسلطانه وملكه، وكمل علمه فلا ينسى شيئاً أبدا، وهو القائم بتدبير السموات والأرض وما بينهما، كما هو الخالق لذلك كله، وهو ربه ومليكه هذا الرب هو الذي لاسمي له، لتفرده بكمال الصفات والأفعال: فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه أن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له: قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ذكر سبحانه هذا النفي بعد ذكر أوصافه ونعوت كماله فقال: ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأنعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ

стр. 167

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فهذا "الموصوف بهذه الصفات" والأفعال والعلو، والعظمة، والحفظ، والعزة، والحكمة، والملك، والحمد والمغفرة، والرحمة والكلام، والمشيئة والولاية والحياة، والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده وكونه ﴿فَاطِرُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأنعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا هو الذي "ليس كمثله شيء" لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها على وجه الكمال، فلا يماثله فيها شيء. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على الأصل الثاني.

стр. 168

لايتوقف الايمان بما جاءبه الرسول على معرفة المعنى ... قوله: "القاعدة الثانية" أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف_ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وأن لم يفهم معناه. ش: يقول المؤلف ما يثبت عنه رسول الله ﷺ تعين علينا تصديقه والإذعان له ولا يتوقف إيماننا به على معرفتنا لمعناه، وذلك أن النبي ﷺ "هو الصادق المصدوق" "الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" فما جاء في كتاب الله أوضح عن رسوله ﷺ تحتم علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه، وإن لم ندرك معناه، بل ما ظهر لنا وأدركته عقولنا فهو من تعليم الله لنا ونعمته علينا، وما لم يصل علمنا إليه قلنا "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم". روى الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا

стр. 169

آية من القرآن فتحاوروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضباً قد أحمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلا يا قوم بهذا هلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض. أن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه. وروى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: "من الله الرسالة، ومن الله الرسول البلاغ، وعلينا التسليم" وهذا كلام جامع نافع فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب أتباعه فيصدق بأنه حق وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه فإن وافقه فهو حق وإن خالفه فهو باطل. فإن الأمور الإلهية والتعارف الدينية إنما يتلقى العلم بها عن الوحيين لا غير. فلا يثبت إسلام من يسلم لهما واعترض عليهما أو عارضهما برأيه ومعقوله وقياسه. قوله: وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة. ش: يعني كما يجب تلقي ما جاء في الكتاب السنة بالقبول، كذلك يجب تلقي ما ثبت عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السنة بالقبول أيضاً، مع أن باب الأسماء والصفات إنما يتلقى العلم به عن الوحيين لكن المراد بيان أن سلف الأمة وأئمة السنة أثبتوا ما أثبته الكتاب والسنة من صفات الله ونعوت جلاله كما نفوا ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ . فيجب إذن تلقي ما جاء عنهم بالقبول. ونذكر هنا شيئاً مما ورد عن بعضهم: في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانت زينب

стр. 170

تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات". وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقوم كما قالت الجهمية، وحكى الأوزاعي أحد الأئمة الأربعة في عصر التابعين الذين هم مالك، إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق: حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال ذلك بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه النافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف خلافه. فالحاصل أن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته فقد اتفق على إثباته سلف الأمة وأئمتها، وجل هذا الباب منصوص عليه في الكتاب والسنة. وهناك أسماء وصفات لله استأثر بها في علم الغيب عنده كما جاءت بذلك النصوص.

стр. 171

الأقوال المجملة تشتمل على حق وباطل ... قوله: وما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتاًُ فليس على أحد، بل ولا له: أن يوافق أحداً على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل، وإن أراد باطلا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى. ش: لقد ابتدع أهل الإلحاد والضلال ألفاظاً مجملة يدخل فيها الحق والباطل، وذلك_ كلفظ الجهة والتحيز والجسم وحلول الحوادث_ فتنازع المتأخرون في هذه الألفاظ بين مثبت لها وناف، والصواب التفصيل

стр. 172

في ذلك والتنقيب عنها، واستفصال المتكلم بها كما كان السلف والأئمة يفعلون، فإن البدعة لا تكون حقاً محضاً موافقا للسنة، إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا، ولا تكون باطلا محضاً لا حق فيه، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: أما مخطئاً غالطاً وأما متعمدا لنفاق فيه والحاد. كما قال تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأوضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ فأخبر أن النافقين لو خرجوا في جيش المسلمين مازادوهم إلا خبالا، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين يطلبون لهم الفتنة. ومن المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم، إما لظن مخطيء أو لنوع من الهوى أو لمجموعهما، فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من الظن وإتباع هواه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" وبعد الاستفصال: إن كان مراده حقا قبل منه، وإن كان مراده باطلا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يرد كله، ولم يقبل كله، بل يقبل ما فيه من حق، ويرد ما فيه من باطل: مثال ذلك أن يقول لمبتدع إني أريد بقولي_ ليس بجسم_ نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به ونفي كونه مركباً من المادة والصورة أو يقول أريد بقولي هو جسم أنه مركب من الجواهر المفرده. وكونه تصح الإشارة إليه وتمكن رؤيته بالأبصار ويتصف بالصفات فقد اشتمل هذا الكلام على حق وباطل في حالة النفي وفي حال الاثبات

стр. 173

ش: يقول المؤلف لفظ الجهة قد يراد به أمر وجود مخلوق، كما إذا أريد به الإجرام السماوية أو العرش، وقد يراد به أمر عدمي كما إذا أريد به ما فوق العالم، ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب، ولا قاله الرسول، ولا تكلم به سلف الأمة. وإنما الذي ورد وصف الله بالعلوي على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح. وقد علم أن ما في الوجود إلا الخالق والمخلوق. ومن المعلوم شرعاً وعقلا أن كلا منهما مباين للآخر منفصلا عنه ليس حالا فيه. وقوله_شيء موجود غير الله _ المراد بالموجود ضد المعدوم فيدخل فيه الخالق والمخلوق ولهذا استثنى بقوله "غير الله" ثم بين هذا الغير في قوله: "كما إذا أريد به نفس العرش أو نفس السماوات" وقوله ما ليس بموجود معناه أنه قد يراد بلفظ الجهة مالا وجود له. ولهذا استثنى بقوله غير الله، فيكون هذا الغير أمراً. عدميا وهو ما وراء العالم. وقوله "ونحو ذلك" يعني ككونه سبحانه أنزل القرآن ونزل من عند جبريل واشتباه ذلك مما فيه إثبات علوه على خلقه . قوله: فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم ترد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال "الله في جهة" أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل

стр. 174

ش: يقول المؤلف لفظ الجهة قد يراد به أمر وجود مخلوق، كما إذا أريد به الإجرام السماوية أو العرش، وقد يراد به أمر عدمي كما إذا أريد به ما فوق العالم، ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب، ولا قاله الرسول، ولا تكلم به سلف الأمة. وإنما الذي ورد وصف الله بالعلوي على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح. وقد علم أن ما في الوجود إلا الخالق والمخلوق. ومن المعلوم شرعاً وعقلا أن كلا منهما مباين للآخر منفصلا عنه ليس حالا فيه. وقوله_شيء موجود غير الله _ المراد بالموجود ضد المعدوم فيدخل فيه الخالق والمخلوق ولهذا استثنى بقوله "غير الله" ثم بين هذا الغير في قوله: "كما إذا أريد به نفس العرش أو نفس السماوات" وقوله ما ليس بموجود معناه أنه قد يراد بلفظ الجهة مالا وجود له. ولهذا استثنى بقوله غير الله، فيكون هذا الغير أمراً. عدميا وهو ما وراء العالم. وقوله "ونحو ذلك" يعني ككونه سبحانه أنزل القرآن ونزل من عند جبريل واشتباه ذلك مما فيه إثبات علوه على خلقه . قوله: فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم ترد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال "الله في جهة" أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل

стр. 175

شيء من النصوص الداله على عظمة الله وانه لايحوزه شيء من مخلوقاته ... قوله: فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم ترد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال "الله في جهة" أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل

стр. 176

وكذلك لفظ التحيز: أن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال:"يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه" ثم يقول: "أن الملك أين ملوك الأرض؟ " وفي حديث آخر: "وأنه ليدحوها كما يدحوا الصبيان بالكرة" وفي حديث بن عباس: "ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وأن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه". ش: بعد أن بين المؤلف أن الجهة قد يراد بها أمر وجودي وقد يراد بها أمر عدمي، شرع في بيان كيفية استفسار النافي للجهة والمثبت لها. وخلاصة مناقشة النافي أن يقال له: أن كان مرادك بالجهة أمراً وجوديا كالعرش أو السماوات فنفيك صحيح؟ فمن المعلوم شرعا وعقلا أن الله ليس حالا في شيء من مخلوقاته. وإن كان مرادك بالجهة أمراً عدمياً وهو ما وراء العالم فنفيك باطل، فإنك إذا قلت: الباري ليس في جهة كان حقيقة قولك: أن الباري لا يكون موجوداً قائماً بنفسه وهذا باطل حيث لا موجود فوق العرش إلا هو سبحانه. فإن من المعلوم بالضرورة أن الله فوق سمواته على عرشه. وخلاصة مناقشة المثبت أن يقال له: أن كان مرادك بالجهة أمراً عديماً وهو ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق مخلوقاته عال على عرشه، وإن كان مرادك بالجهة أمرا وجوديا كالعرش أو السموات فإثباتك باطل،

стр. 177

لأن الله سبحانه ليس داخلا في شيء من مخلوقاته. وقوله "فإن أردت الأول" يعني إذا أردت بالجهة ما وراء العالم. وقوله "وإن أردت الثاني" يعني إذا أردت بالجهة شيئاً من المخلوقات. أما لفظ المتحيز فهو في اللغة اسم لما يتحيز إلى غيره يقال هذا لابد أن يحيط به حيز وجودي ولابد أن ينتقل من حيز إلى حيز. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ ومعلوم أن الخالق ﷻ لا يحيط به شيء من مخلوقاته فلا يكون متحيزاً بهذا المعنى اللغوي وأما أهل الكلام فاصطلاحهم في المتحيز أعم من هذا، فيجعلون كل جسم متحيزاً والجسم عندهم ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينها على اصطلاحهم متحيزاً وإن لم يسم ذلك في اللغة. والحيز تارة يريدون به معنى موجوداً وتارة يريدون به معنى معدوماً. فمن تكلم باصطلاحهم وقال إن الله متحيز بمعنى أحاط به شيء من الموجودات فهذا مخطيء، فهو سبحانه بائن من خلقه، وإذا كان الخالق يائنا عن المخلوق امتنع أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار وأن أراد بالحيز معنى عديماً فالأمر العدمي لا شيء، وهو سبحانه بائن من خلقه، فإذا سمي العدم الذي فوق العالم حيزا وقال: يمتنع أن يكون فوق العالم لئلا يكون متحيزاً فهذا معناً باطل، لأنه ليس هناك موجود غبره حتى يكون فيه بل يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصفر كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ".

стр. 178

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم "عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ " ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول: "أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون" وفي لفظ في الصحيحين عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي ﷺ قال: يأخذ سماواته وأرضه بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ وفي لفظ قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "يأخذ الجبار سماواته وأرضه" وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا الرحمن أنا الملك أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار المتكبر أنا الذي بدأت الدنيا ولن تكن شيئاً أنا الذي أعدتها أين الملوك؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ يتمايل رسول الله ﷺ على يمينه وعلى شماله حتى نظرت المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول أساقط هو برسول الله ﷺ ؟ والحديث مروي في المسانيد وفي الصحاح وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا، وفي بعض ألفاظه قال قرأ على النبر "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة". الآية: قال مطوية في كفه يرمى بها كما يرمي الغلام بالكرة، وفي لفظ "يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده، فيجعلها في كفه ثم يقبض بها هكذا كما يقول الصبيان بالكرة" أنا الله الواحد، وفي لفظ عنه "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ رجل يهودي فقال: يا محمد إن الله يجهل السماوات على أصبع، والماء والثراء على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك. قال فضحك النبي ﷺ حتى

стр. 179

بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر ثم قال: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة" إلى آخر الآية. والحاصل أن في هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول، ما يبين أن السماوات والأرض وما بينها بالنسبة إلى عظمة الله تعالى، أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا: ودحي الكرة دحرجتها: والعرش في اللغة سرير الملك كما في قوله تعالى عن يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ . وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو عرش عظيم، محيط بالمخلوقات وهو أعلاها وأكبرها. كما في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا على الحلقة" والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه وأحمد في المسند وغيرهم والكرسي في اللغة السرير وما يقعد عليه وأما الكرسي الذي أضافه إلى نفسه فهو موضع قدميه. قال ابن عباس ﵄: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله " رواه الحاكم في المستدرك، وقال: أنه على شرط الشيخين. وقد روى مرفوعاً والصواب أنه موقوف. وهذا المعنى الذي ذكره بن عباس هو المشهور بين أهل السنة وهو المحفوظ عنه، وما روى عنه أنه العلم فغير محفوظ عنه. وكذلك ما روى عن الحسن أنه العرش_ ضعيف لا يصح عنه_ "والخردلة" واحدة الخردل وهو نبات له حب صغير جداً أسود. واعلم أن هذه الألفاظ المجملة وما أشبهها من الألفاظ الاصطلاحية يجوز مخاطبة أهلها بها وأن لم تكن واردة وذلك يحتاج إلى معرفة الكتاب والسنة، ومعرفة ما عنى هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني ليظهر الموافق

стр. 180

والمخالف: والدليل على جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم قوله ﷺ لأم خالد بنت خالد: بن سعيد بن العاص: وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة "هذا سناء" والسناء الحسن في لغتهم، لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يترجم القرآن في لغتهم، لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمه بالعربية. كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ ويكتب له ذلك حيث لم يأتمن اليهود عليه. وكثير ممن قد تعود عبارة معينة إن لم يخاطب بها لم يفهم صحة القول. وأكثر الخائضين في الكلام والفلسفة من هذا القبيل: يرى أحدهم تذكر له المعاني الصحيحة بالنصوص الشرعية فلا يقبلها: لظنهم أن في عبارتهم من المعاني ما ليس في ذلك. فإذا أخذ المعنى الذي دل عليه الشرع واستعمل بلغتهم وبين بطلان قولهم المناقض للمعنى الشرعي خضعوا لذلك وأذعنوا، كالتركي، والرمي والفارسي، الذي تخاطبه بالقرآن العربي وتفسيره، فلا يفهم حتى تترجم له شيئاً بلغته، فيعظم سروره وفرحه ويقبل الحق ويرجع عن باطله.
следующие страницы →