← Акыда

Акыда · id 7260

التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية

فالح بن مهدي آل مهدي

Полный текст (485 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكذلك لفظ التحيز: أن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال:"يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه" ثم يقول: "أن الملك أين ملوك الأرض؟ " وفي حديث آخر: "وأنه ليدحوها كما يدحوا الصبيان بالكرة" وفي حديث بن عباس: "ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وأن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه". ش: بعد أن بين المؤلف أن الجهة قد يراد بها أمر وجودي وقد يراد بها أمر عدمي، شرع في بيان كيفية استفسار النافي للجهة والمثبت لها. وخلاصة مناقشة النافي أن يقال له: أن كان مرادك بالجهة أمراً وجوديا كالعرش أو السماوات فنفيك صحيح؟ فمن المعلوم شرعا وعقلا أن الله ليس حالا في شيء من مخلوقاته. وإن كان مرادك بالجهة أمراً عدمياً وهو ما وراء العالم فنفيك باطل، فإنك إذا قلت: الباري ليس في جهة كان حقيقة قولك: أن الباري لا يكون موجوداً قائماً بنفسه وهذا باطل حيث لا موجود فوق العرش إلا هو سبحانه. فإن من المعلوم بالضرورة أن الله فوق سمواته على عرشه. وخلاصة مناقشة المثبت أن يقال له: أن كان مرادك بالجهة أمراً عديماً وهو ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق مخلوقاته عال على عرشه، وإن كان مرادك بالجهة أمرا وجوديا كالعرش أو السموات فإثباتك باطل،

стр. 177

لأن الله سبحانه ليس داخلا في شيء من مخلوقاته. وقوله "فإن أردت الأول" يعني إذا أردت بالجهة ما وراء العالم. وقوله "وإن أردت الثاني" يعني إذا أردت بالجهة شيئاً من المخلوقات. أما لفظ المتحيز فهو في اللغة اسم لما يتحيز إلى غيره يقال هذا لابد أن يحيط به حيز وجودي ولابد أن ينتقل من حيز إلى حيز. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ ومعلوم أن الخالق ﷻ لا يحيط به شيء من مخلوقاته فلا يكون متحيزاً بهذا المعنى اللغوي وأما أهل الكلام فاصطلاحهم في المتحيز أعم من هذا، فيجعلون كل جسم متحيزاً والجسم عندهم ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينها على اصطلاحهم متحيزاً وإن لم يسم ذلك في اللغة. والحيز تارة يريدون به معنى موجوداً وتارة يريدون به معنى معدوماً. فمن تكلم باصطلاحهم وقال إن الله متحيز بمعنى أحاط به شيء من الموجودات فهذا مخطيء، فهو سبحانه بائن من خلقه، وإذا كان الخالق يائنا عن المخلوق امتنع أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار وأن أراد بالحيز معنى عديماً فالأمر العدمي لا شيء، وهو سبحانه بائن من خلقه، فإذا سمي العدم الذي فوق العالم حيزا وقال: يمتنع أن يكون فوق العالم لئلا يكون متحيزاً فهذا معناً باطل، لأنه ليس هناك موجود غبره حتى يكون فيه بل يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصفر كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ".

стр. 178

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم "عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ " ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول: "أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون" وفي لفظ في الصحيحين عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي ﷺ قال: يأخذ سماواته وأرضه بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ وفي لفظ قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "يأخذ الجبار سماواته وأرضه" وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا الرحمن أنا الملك أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار المتكبر أنا الذي بدأت الدنيا ولن تكن شيئاً أنا الذي أعدتها أين الملوك؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ يتمايل رسول الله ﷺ على يمينه وعلى شماله حتى نظرت المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول أساقط هو برسول الله ﷺ ؟ والحديث مروي في المسانيد وفي الصحاح وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا، وفي بعض ألفاظه قال قرأ على النبر "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة". الآية: قال مطوية في كفه يرمى بها كما يرمي الغلام بالكرة، وفي لفظ "يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده، فيجعلها في كفه ثم يقبض بها هكذا كما يقول الصبيان بالكرة" أنا الله الواحد، وفي لفظ عنه "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ رجل يهودي فقال: يا محمد إن الله يجهل السماوات على أصبع، والماء والثراء على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك. قال فضحك النبي ﷺ حتى

стр. 179

بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر ثم قال: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة" إلى آخر الآية. والحاصل أن في هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول، ما يبين أن السماوات والأرض وما بينها بالنسبة إلى عظمة الله تعالى، أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا: ودحي الكرة دحرجتها: والعرش في اللغة سرير الملك كما في قوله تعالى عن يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ . وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو عرش عظيم، محيط بالمخلوقات وهو أعلاها وأكبرها. كما في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا على الحلقة" والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه وأحمد في المسند وغيرهم والكرسي في اللغة السرير وما يقعد عليه وأما الكرسي الذي أضافه إلى نفسه فهو موضع قدميه. قال ابن عباس ﵄: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله " رواه الحاكم في المستدرك، وقال: أنه على شرط الشيخين. وقد روى مرفوعاً والصواب أنه موقوف. وهذا المعنى الذي ذكره بن عباس هو المشهور بين أهل السنة وهو المحفوظ عنه، وما روى عنه أنه العلم فغير محفوظ عنه. وكذلك ما روى عن الحسن أنه العرش_ ضعيف لا يصح عنه_ "والخردلة" واحدة الخردل وهو نبات له حب صغير جداً أسود. واعلم أن هذه الألفاظ المجملة وما أشبهها من الألفاظ الاصطلاحية يجوز مخاطبة أهلها بها وأن لم تكن واردة وذلك يحتاج إلى معرفة الكتاب والسنة، ومعرفة ما عنى هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني ليظهر الموافق

стр. 180

والمخالف: والدليل على جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم قوله ﷺ لأم خالد بنت خالد: بن سعيد بن العاص: وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة "هذا سناء" والسناء الحسن في لغتهم، لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يترجم القرآن في لغتهم، لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمه بالعربية. كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ ويكتب له ذلك حيث لم يأتمن اليهود عليه. وكثير ممن قد تعود عبارة معينة إن لم يخاطب بها لم يفهم صحة القول. وأكثر الخائضين في الكلام والفلسفة من هذا القبيل: يرى أحدهم تذكر له المعاني الصحيحة بالنصوص الشرعية فلا يقبلها: لظنهم أن في عبارتهم من المعاني ما ليس في ذلك. فإذا أخذ المعنى الذي دل عليه الشرع واستعمل بلغتهم وبين بطلان قولهم المناقض للمعنى الشرعي خضعوا لذلك وأذعنوا، كالتركي، والرمي والفارسي، الذي تخاطبه بالقرآن العربي وتفسيره، فلا يفهم حتى تترجم له شيئاً بلغته، فيعظم سروره وفرحه ويقبل الحق ويرجع عن باطله.

стр. 181

قوله: "القاعدة الثالثة" إذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد، فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك ، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلا، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ظلال.

стр. 182

ش: مذهب السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من أهل السنة أن نصوص الصفات تمر كما جاءت، ويؤمن بها وتصدق وهي صريحة الدلالة واضحة المعنى وظاهرها هو مراد الله بكلامه وذلك على ما يليق به ويناسب ذاته المقدسة فتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل: إذا عرف هذا فالقول بأن ظاهرها مراد أو ليس بمراد قول مجمل يحتاج إلى تفصيل. فإن لفظ الظاهر قد صار مشتركا بين معنيين: أحدهما: مثلا أن يقال: أن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف فلاشك أن من قال: أن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن، إذ لا يختلف أهل السنة أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة يكفرون المشبه، لكن هذا القائل اخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث فإن ظاهر الكلام هو ما سبق منه إلى العقل السليم لمن يفهم تلك اللغة ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع وقد يكون بساق الكلام وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقول المؤمنين.

стр. 183

والمعنى الثاني: أن هذه الصفات إنما هي لله تعالى كما يليق بجلاله نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته. فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف وكذلك الوجه واليدين وسائر الصفات. فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه فهمه. فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها ونحو ذلك. كما يعلم أن له ربا وخالقاً ومعبوداً ولا يعلم كنه شيء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه فمن قال أن الظاهر غير مراد بمعنى أن الصفات المخلوقين غير مرادة. قلنا له: أصبحت في المعنى لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقاً إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم حدوثه أو نقصه ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وغيرهم فقد أخطأ: والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير، فإذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلاله سبحانه وحقيقتها المفهومة إلى باطن يخالف الظاهر كفر وضلال. وكلا الله ورسوله منزه عن ذلك والله أعظم من أن يكون ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله يقتضي المشابهة للمخلوقين.

стр. 184

الذين يجعلون ظاهر النصوص هو التشبيه يغلطون من وجهين ... قوله: والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل. ش: الإشارة في قوله: "ذلك" راجعة إلى جعل ظاهر نصوص الصفات هو التشبيه والتمثيل بصفات المخلوقين. وقوله: "تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ" هذا هو الوجه الأول من الوجهين اللذين يغلطون من جهتها. وخلاصته أنهم يعتقدون أن مدلول النص باطل فيجب تأويله على خلاف ظاهره وهو في الواقع ليس مدلوله باطلا. وبالتالي فليس النص بحاجة إلى تأويل. وقوله: "وتارة يردون المعنى الحق" هذا هو الوجه الثاني. وحاصله أنهم ينفون المدلول الحقيقي للنص لاعتقادهم أنه يدل على تشبيه الله بخلقه، وهو في الواقع إنما يدل على اتصاف الله بصفاته اللائقة به مع نفي مماثلته لخلقه. قوله: "فالأول": كما قالوا في قوله: "عبدي جعت فلم تطعمني" الحديث وفي الأثر الآخر "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه".

стр. 185

وقوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق. ش: هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين". الحديث والمعنى الفاسد الذي يتوهمون أنه ظاهر النص هو اعتقادهم أن الحديث يدل على أن الله نفسه هو المتصف بالمرض والجوع وسيَأتِي تفسيره. وأما الحديث الثاني: فقد روى عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت والمشهور إنما هو عن ابن عباس، ولهذا قال المؤلف "مع أن هذا إنما يعرف عن ابن عباس" وعبر عنه أيضاً بقوله "وفي الأثر" والمعنى الفاسد الذي يتوهمونه ظاهر النص هو اعتقادهم أنه يدل على أن الحجر هو نفس يمين الله. وأما الحديث الثالث: فقد رواه المسلم في صحيحه وأحمد وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، والمعنى الفاسد الذي يتوهمون أنه ظاهر الحديث هو اعتقادهم أنه يدل على أن أصابع الرحمن متصلة بقلوب العباد اتصالا مباشراً وإليه يشير قول المؤلف: "قالو قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق".

стр. 186

قوله: فيقال لهم لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق أما "الواحد" فقوله: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة الله ولا هو نفس يمينه لأنه قال: "يمين الله في الأرض" وقال: "فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه" ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحا لله، وإنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفراً لأنه محتاج إلى التأويل مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس، وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسراً "يقول الله عبدي! جعت فلم تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين! فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده. وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده فجعل جوعه: جوعه، ومرضه: مرضه، مفسراً ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده: فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. وأما قوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها، ولا إنها في جوفه، ولا في قول القائل: "هذا بين يدي" ما يقتضي مباشرته ليديه وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسا للسماء والأرض ونظائر هذا كثيرة. ش: هذا بيان كون هذه الأحاديث لم تدل إلا على حق فليس

стр. 187

ظاهرها معنى فاسد وليست في حاجة إلى تأويل أما أحد هذه الأحاديث فهو قوله ﷺ "الحجر الأسود"الخ. فمن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال "يمين الله في الأرض" وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق، ثم قال "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتا يطوفون به جعل لهم ما يستلمونه ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء فإن ذالك تقرب إلى المقبل وإجلال له كما جرت به العادة، فظنهم أن هذا وأمثاله يحتاج إلى تأويل غلط منهم لو كان هذا اللفظ ثابتا عن النبي ﷺ فإن هذا اللفظ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو من صفات الله إذ قال: "هو يمين الله في الأرض" فالقيد بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإطلاق فلا يكون اليد الحقيقية. وقوله: "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحاً لله ولا مقبلا يمينه لأنه المشبه ليس هو المشبه به. وقد أتى بقوله "فكأنما" وهي صريحة في التشبيه وإذا كان اللفظ صريحا في أنه جعل بمنزلة اليمين كان من اعتقد أن ظاهره حقيقة اليمين قائلا للكذب المبين: وقول المؤلف "لأنه محتاج إلى تأويل" غير واضح فلعل الأصل فكيف يجعل ظاهره كفراً محتاجاً إلى تأويل فالعلة هي كون ظاهره كفراً، والمعلول هو حاجته إلى تأويل: أما على ظاهر هذه العبارة فتكون المسألة بالعكس. فلو كان هذا هو المراد لقال المؤلف فكيف يجعل محتاجاً إلى تأويل لأن ظاهره كفر وباطل والله أعلم.

стр. 188

وأم الحديث الثاني: فهو كما قال المؤلف في الصحيح مفسراً "عبدي جعت فلم تطعمني قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما عملت أن عبدي فلان جاع! عبدي مرضت فلم تعدني قال رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض! " فهو نص صريح أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، وإنما الذي مرض وجاع هو عبده، وفيه إثبات التمييز بين الرب والعبد. وقوله: لوجدتني عنده! لفظ ظرف وهو هنا يفيد ما تفيده المعية الخاصة من الإحاطة والرعاية. ولو كان الرب المريض والجائع لكان إذا عاده وأطعمه يكون قد وجده إياه وقد وجده آكله. وفي قوله في المريض وجدتني عنده، وفي الجائع لوجدت ذلك عندي فرقان حسن، فإن المريض الذي تستحب عيادته ويجد الله عنده هو المؤمن بربه الطائع لإلهه الذي هو وليه: وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يستحب إطعامه، فإن الله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً﴾ فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه لعبده. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا فإن الله يأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل العظيم" وقال: "أن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقتع بيد السائل" فإن الله يثبت على إطعام الفاسق والذمي وغيره فالإطعام والقرض فيه هموم لا يختص بشخص دون شخص. وأما العيادة فإنما تكون لمن يوجد الحق عنده، والعندية التي بمعنى المعية الخاصة، إنما هي لعباد الله الصالحين.

стр. 189

هذه وجهة رأي في التفريق بينها والأشبه كما قال شيخ الإسلام: "إن هذا العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض وهو العبد الولي". أما الحديث الثالث: فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ثم قرأ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية وروى بن جرير بسنده عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة تحدث: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت: قلت يا رسول الله وأن القلب ليقلب قال: "نعم ما خلق الله من نبي آدم من بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابعه فإن شاء أقامه وأن شاء أزاغه_ فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدأنا، ونسأله أن يهب لنا رحمة أنه هو الوهاب" قالت: قلت يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال بلى "قولي اللهم رب النبي محمد اغفر ذنبي واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن" رواه بن خزيمة في كتاب التوحيد كما رواه الإمام أحمد والترمذي مختصراً. وروى بن جرير بسنده عن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ كثيراً ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلنا يا رسول الله_ قد آمنا بك وصدقنا بما جئت به فيخاف علينا؟ قال "نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها ﵎" وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن أن شاء أقامه وأن شاء أزاغه" وكان رسول الله ﷺ يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" والميزان بيد الرحمن يرفع قوماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة، رواه أحمد وابن ماجد وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن قلوب بني آدم كلها

стр. 190

بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء. ثم يقول رسول الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك" رواه أحمد ورواه مسلم في صحيحه. ولفظة بين لا تقتضي المخالطة ولا الملاصقة لغة ولا عرفاً. قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو لا يلاصق السماء والأرض. وقوله: "ونظائر هذا كثيرة" يعني كقوله ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ﴾ وقوله ﷺ "بيده الميزان الحديث". واعلم أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق لا تدل على قول المبطل وهذا ظاهر يعرفه كل واحد من أهل البصيرة. فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق لا على باطل، ولكن قد يؤتي الإنسان من سوء فهمه فيفهم من كلام الله ورسوله معان يجب تنزيه الله سبحانه عنها فحال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم وكما قال الآخر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مراً به الماء الزلالا ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفي ما يظنه الجهال من النقص في صفات الله تعالى وأن يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك فإن القرآن بيان وهدى وشفاء وأن ضل به من ضل فإنه من جهة تفريطه كما قال تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاخَسَاراً﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَأنهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ . وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع ما يعلم بالعقل أيضاً أن الله

стр. 191

تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين، من زعم أن القرآن دل على ذلك فقد كذب على القرآن فليس في كلام الله سبحانه ولا في كلام رسوله ﷺ ما يوجب وصفه بذلك.

стр. 192

الفروق بين آيتي (ص) ، (يس) ... قوله: ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقيل هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهاً بقوله: "بما كسبت أيديهم" وهنا أضاف الفعل إليه فقال: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾ وأيضاً فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وهذا "في الجمع" نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ، "وبيده الخير" في "المفرد" فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه. وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لما كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ، "وبيده الخير" ولو قال: "خلقت" بصيغة الإفراد لكان مفارقا له، فكيف إذا قال خلقت بيدي؟ بصيغة التثنية. هذا مع دلالات الأحاديث المستفيضة. بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه مثل قوله: "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وأمثال ذلك.

стр. 193

ش: يقول المؤلف مما هو نظير المقالة السابقة، وهي أن ظاهر النصوص معنى فاسد وأنها محتاجة هذه المقالة دعوى من قال: أن آية "ص" مثل آية "يس" والواقع أنهما غير متماثلين فإنه في آية "ص" أضعاف الفعل إليه وبين أنه خلقه بيده، وفي آية "يس" أضاف الفعل إلى أيدي وفي آية "ص" ذكر اليدين بصيغة التثنية أما في آية "يس" فقد ذكرهما بصيغة الجمع، ومن لغة العرف أنهم يستعملون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي يديهما وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي قلباكما فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ونفس هذا التركيب المذكور في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه، ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ومثل هذا النص صريح لا يحتمل المجاز بوجه، بخلاف قوله سبحانه: "بما كسبت أيديكم" ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ فإنه نسب الفعل إلى اليد ابتداء وخصها بالذكر لأنها آلة الفعل في الغالب فهكذا في آية "يس" لما لم يكن خلق الأنعام مساويا لخلق أبي الأنام قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ فأضاف الفعل إلى أيدي وجمعها ولم يدخل عليها الباء فهذه ثلاثة فروق تبطل إلحاق أحد الموضعين بالآخر وليست آية "ص" مثل آية "يس" سناد الفعل ومن حيث تعدي الفعل بالباء وحتى لو كانت آية "ص" "ما منعك أن تسجد لما خلقت" بدون ذكر اليدين لم تكن مثل آية "يس" لاختلافهما من حيث إسناد الفعل فكيف إذا قال "خلقت بيدي بصيغة التثنية وإسناد إليه وتعديته بالباء. وقوله: فصار شبيهاً بقوله: بما كسبت أيديهم.

стр. 194

يعني من حيث إسناد الفعل إلى الأيدي ولو لم تباشره، وقوله: كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعني من حيث لفظ التثنية، وقوله فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ "وبيده الخير" في المفرد يعني من حيث المثنى حيث أضيف إلى صيغة الجمع وآية "يس" مثل قوله سبحانه ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ "وبيده الخير" من حيث عدم إرادة مباشرة اليد: إلا أن آية "يس" بصيغة الجمع "بيده الملك وبيده الخير" بصيغة الإفراد، وقوله: "فالله يذكر نفسه تارة بصيغة الفرد مظهراً أو مضمراً" يعني كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وقوله: "وتارة بصيغة الجمع" كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ وأمثال ذلك. يعني وتارة يذكر نفسه بالصيغة الموضوعة للجمع والتعظيم _ معظما نفسه ومشيراً إلى ما له من كثرة الأسماء وتعدد الصفات_ وذلك كما في آية الفتح وكما في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ونحو ذلك وقوله: ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه وربما تدل على معاني أسمائه. وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك: يعني هذا وجه كونه سبحانه لم يذكر نفسه بصيغة التثنية وإنما ذكرها بصيغة الإفراد والجمع فإن التثنية لا تفيد المعنى الذي تفيده صيغة الجمع والإفراد من الدلالة على العظمة والجلال وكثرة الأسماء والنعوت، والدلالة على الوحدانية والاستقلال، وإنما تفيد حصر عظمته أو وجود شريك له تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والقول بأن آية "ص" مثل آية "يس" مشهور عن بشر بن غياث المريسي وأمثاله من نفات الصفات والقول بأن الآيتين سواء يريدون به أن كلا منهما لا تدل على مباشرة الخلق باليدين ليتوصلوا بذلك إلى نفي

стр. 195

اليدين عن الله "﵎" وقولهم باطل مخلف لصريح القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة. وقوله: "هذا من دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة" الخ. يعني ويضاف إلى الأدلة السابقة في إثبات اليدين لله لأدلة الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تلقتها الأمة بالتصديق ونقلتها من بحر غزير وهي مشهورة، بل قد بلغت حد التواتر. وقد ذكر عثمان بن سعيد الدارمي الإمام المشهور في رده على بشر المريسي طرفاً كبيراً منها. كما ذكر الشيخ المؤلف قسما كبيراً منها في الرسالة التي وجهها إلى شمس الدين بالمدينة. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله من عمرو بن العاص ﵄. وقوله وأمثاله ذلك: يعني كقوله ﷺ "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإن لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة" رواه مسلم في صحيحه وفي الصحيح أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزه واحده يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم بيده خبزته في السفر". وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ . وفي الصحيح أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: "يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده" وقد قال موسى: "أنت آدم الذي خلقك بيده ونفخ فيك من روحه" وفي الحديث آخر في السنن "لما خلق الله آدم مسح ظهره بيمينه فستخرج من ذريته" فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل

стр. 196

الجنة يعلمون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعلمون! فهذه الأحاديث لا تقبل التأويل بل هي نصوص صريحة وقد تلقتها الأمة بالقبول. وقد علم أن التجوز في مثل هذا لا يستعمل بلفظ التثنية بل لا يستعمل إلا مفردا أو مجموعاً، كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها، وله عندي أياد. وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقة وهذه موارد الاستعمال أكبر شاهد. وليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية، بل يلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله إن القوة لله جميعا. وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . وقد يجمع النعم كقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ وأما أن يقول خلقتك بقدرتي أو بنعمتي بالتثنية فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله ﷺ فتظافر الكتاب والسنة على إثبات اليدين لله "﵎" وإثبات أنه باشر خلق آدم بيديه فبعداً وسحقاً للمنافقين وأفراخ المجوس والصابئين، وتلاميذ اليهود والملحدين من جهميين وجعديين.

стр. 197

النصوص المتفق على معناها بين أهل السنة والأشاعرة ... قوله: وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد في الجميع _ فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد: كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته

стр. 198

كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضا كرضاه. فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً. وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحداً. ش: الكلام فيما سبق في أول هذه القاعدة مع المشبهة ونفاة الصفات كلها أما هنا فالخطاب مع الأشعري حين يقول "ظاهر النصوص مراد" أو يقول: "ظاهر النصوص ليس بمراد" ولذا قال المؤلف: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها". والمتفق على مدلولها بين الأشاعرة وأهل السنة هي الصفات السبع. والمتنازع في إثبات مدلولها هي ماعدا الصفات السبع، إذا كان القائل يجري الجميع مجرى واحداً قيل له ماذا تقصد بالظاهر؟ أتقصد به ما يماثل صفات المخلوقين؟ أن تقصد به ما يليق بالله؟ وعلى كل فمن المعلوم أن الله سبحانه لما وصف نفسه بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر واتفق أهل السنة والأشاعرة ومن تبعهم على إثبات ذلك، وأن ظاهر ذلك مراد: كان من المعلوم أنهم لا يقصدون أن ظاهرها هو ما يماثل صفات المخلوقين: فكذلك لما قال أهل السنة أنه موصوف بالاستواء

стр. 199

والمحبة والرضا ونحو ذلك. لم يكن مرادهم أن ظاهرها يقتضي المماثلة، وحينئذ فإن كان المخاطب يظن أن ظاهر صفات الله هو ما يماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يثبت هذا الظاهر في جميع نصوص الصفات، إذ الباب في الجميع واحد وإن كان المخاطب يعتقد أن ظاهر صفات الله هو على ما يليق به ويناسب ذاته المقدسة، فليس له نفي هذا الظاهر ولا نفي كونه مراداً لله بكلامه فإن قال: الظاهر مراد في نصوص الصفات السبع وغير مراد في الباقي قيل له هذا تفريق بين متماثلين وإن قال: أن الظاهر مراد في الجميع وهو على ما يليق بالله فليس له أن ينفي مدلول بقية النصوص، حيث لا دليل له من عقل أو نقل على نفيه إلا من جنس قول الجهمية "إن إثبات الصفات يقتضي التشبيه" وحينئذ يرد عليه بما يرد عليهم به، وهو إن إثبات الأسماء والصفات مع نفي المماثلة للمخلوقات هو مقتضي العقول السليمة والفطر المستقيمة. وقد دل عليه الكتاب والسنة فالمتصف بالصفات مع نفي مماثلته للمخلوقات أكمل وأعظم ممن لا صفة له. هذا وقد ذكر المؤلف أن الذين يجعلون ظاهر النصوص التشبيه يغلطون من وجهين "تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر النص حتى يجعلوه محتاجا إلى التأويل ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر النص لاعتقادهم إنه باطل". وقد مثل المؤلف للوجه الأول بثلاثة أمثلة وشرحها. أما الوجه الثاني: فلم يعترض له وذلك لأنه ينطبق على جميع نصوص الصفات وعلى هذه الأمثلة الثلاثة أيضاً فإنهم يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر النص لاعتقادهم أنه باطل. وحينئذ فالأمثلة الثلاثة كافية لأنها من جملة النصوص.

стр. 200

قوله: وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا كالوجه واليد: ومنها معان وأعراض وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير: لم يقل المسلمون أن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا بل صفة الموصوف تناسبه. فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال ﷺ "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي. ش: يقول الشيخ أن كون ظاهر النصوص هو مراد الله بكلامه وهو على ما يليق به. يتضح بالمقارنة بين الصفات المخلوقين وصفات الله. فصفات المخلوقين منها ما هو عين قائمة متجسدة وهي قائمة بنا. ومثل للأول بقوله: "كالوجه واليد" ومثل للثاني بقوله: "كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة". والمعنى: إذا كان المعلوم أننا متصفون بالصفات العينية والعرضية وإذا قيل: لنا وجه ويدان وعلم وكلام، فمفهوم هذا أننا متصفون بهذه الصفات حقيقة.

стр. 201

وهذا الكلام على ظاهره فنحن متصفون بها على ما يليق بنا. فمن المعلوم أيضاً أن الرب سبحانه لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير مريد متكلم سميع بصير فهذا الكلام على ظاهره. والله متصف بهذه الصفات حقيقة وهي على ما يليق به. وقوله: "لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا" معناه أن كلا من الخالق والمخلوق متصف بالحياة ضد الموت، وبالقدرة ضد العجز، وبالكلام ضد الخرس، وهكذا سائر الصفات. وكما نفهم من الصفات المنسوبة إلينا أننا متصفون بها وهي على ما يليق بنا. كذلك نفهم من الصفات المضافة إلى الخالق أنه متصف بها حقيقة وهي على ما يليق به. وقوله: "فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا" معناه كما أن أهل السنة والأشاعرة متفقون على إثبات مدلول نصوص الصفات السبع وأن ذلك على ظاهره اللائق بالله، وأن الله أراد بكلامه هذا المعنى اللائق به. فكذلك لما قال أهل السنة: أن قوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على ظاهره لم يكن مقصودهم بهذا الظاهر ما يماثل صفات المخلوقين، بل مرادهم أن ذلك على ظاهره اللائق بالله. فكما نفهم من قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أن المخلوق متصف باليدين حقيقة فهكذا "خلقت بيدي" "وعملت أيدينا" فالمفهوم في كل من الخالق والمخلوق_ الاتصاف باليدين حقيقة_ ثم قال المؤلف "بل صفة الموصوف تناسبه" يعني وأن كان المفهوم في حق الله مثل المفهوم في حقنا من حيث أن كلا متصف بالصفة حقيقة، لكن كل موصوف تناسبه صفته فصفات الله تناسب ذاته وصفات المخلوقين تناسب ذواتهم.

стр. 202

وهذا معنى قول المؤلف فيما سبق "أن الله سمي نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، وسمي بعض مخلوقاته بأسماء ووصفهم بصفات. ويتفق الخالق والمخلوق في الأسماء والصفات عند الإطلاق ويختلفان عند الإضافة والاختصاص_ فلكل منها ما يناسبه ثم قال المؤلف موضحاً كون كل موصوف تناسبه صفته فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين". والمعنى أن الصفات فرع الذات، فكما أن الذات لا تشبه الذوات، فكذلك الصفات لا تشبه الصفات، لأن المماثلة إذا انتفت بالنسبة للذات انتفت بالنسبة للصفات. وقوله "ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه". يعني من حيث أن كلا منهما ثابتة له الصفة المنسوبة إليه، وهو متصف بها حقيقة. وقوله "وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه" معناه أن الصفة ليست مماثلة كما أن الموصوف ليس مماثلا للموصوف: فالمنسوب هو الصفة والمنسوب إليه هو الموصوف. والشاهد من الحديث أنه ﷺ يشبه رؤية الشمس والقمر برؤية الله من حيث أنهم يشاهدون الله سبحانه عيانا دون حجاب، كما يشاهدون الشمس والقمر عيانا دون سحاب. فشبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه الشمس والقمر بالله، فكل منهما مرئي وموصوف بأنه يرى، ولكن ليس المرئي مثل المرئي. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم ولفظه عن أبي هريرة ﵁ "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: تمارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله. قال: فهل تمارون في

стр. 203

الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك" وفي الصحيحين أيضاً عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ "نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ما تضارون في رؤية الله_ تبارك وتعالى_ يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" الحديث.

стр. 204

أربعة محاذير يقع فيها من من نفى شيئا من الصفات ... قوله: "وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة" وهي أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها، أو أكثرهم أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في "أربعة أنواع" من المحاذير أحدهما كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. "الثاني أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيء الذي ظنه بالله ورسوله_ حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل_ قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله. والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. "الثالث" أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم فيكون معطلا لما يستحقه الرب

стр. 205

"الرابع" أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات فيجمع في كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسماء الله وآياته. ش: الإشارة في قوله "وهذا يتبين" راجعة إلى قوله "بل صفة الموصوف تناسبه ولكن ليس المنسوب كالمنسوب ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه". فمضمون ما ذكر في القاعدة الثالثة يتبين ويتضح بما ذكر في القاعدة الرابعة وهي أن بعض الناس لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولا وعطلوا آخراً. وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما استحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به. وقد جمعوا بين هذه المحاذير الأربعة، التمثيل والتعطيل. وكون ذلك صادراً بغير علم ولا دليل، وكونه يلزم من سلبهم هذه الصفات عن الله وصفهم له بنقائضها، وجنوا على النصوص وظنوا ظناً سيئاً، حيث ظنوا أن ظاهر كلام الله ورسوله يقتضي مماثلة الله لخلقه، وحرفوا النصوص عن مواضعها وعطلوها عما دلت عليه من حقائق أسماء الله وصفاته اللائقة به. وهذا منطبق على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومن دخل في هذه الطوائف وسار في فلكها.

стр. 206

ولهذا عبر المؤلف بقوله "بعض الصفات أو كثير أو أكثرها أو كلها" وحقيقة الأمر أن كل معطل ممثل وكل معطل، أما المعطل فتعطيله هو جحده الصفات، وأما تمثيله فهو من جهة أنه اعتقد أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه فأخذ ينفي الصفات فراراً من ذلك، فمثل أولا وعطل ثانيا. وأما الممثل فتمثيله هو تشبيه صفة الخالق بصفة المخلوق، وأما تعطيله فمن وجوه ثلاثة: أحدها: أنه عطل نفس النص الذي دل أثبت الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه. الثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص. الثالث: أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه. مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .

стр. 207

نصوص فوقية الله على خلقه واستوائه على عرشه ... قوله: "مثال ذلك" أن النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش. ش: الإشارة في قوله "مثال ذلك" راجعة إلى توهم بعض الناس في بعض الصفات أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد هذا البعض من طوائف الابتداع أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في المحاذير الأربعة.

стр. 208

والذي يدل على العلو من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في ستة مواضع. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأمثال ذلك والذي يدل عليه من السنة قصة معراج الرسول إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه. وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار "فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم" وفي حديث الخوارج "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". وفي حديث الرقية "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك" وفي حديث الاوعال "والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه" وفي حديث قبض الروح "حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله". وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما خطب خطبة عظيمة يوم عرفات في أعظم جمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول "اللهم هل بلغت" فيقولون نعم! فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول "اللهم اشهد" غير مرة. وأمثاله وعلى ذلك اتفق سلف الأمة وأئمتها وكلامهم مشهور في ذلك.

стр. 209

معاني الاستواء ... قوله: فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع. وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خرجه، ولا مباينه ولا مداخله.

стр. 210

ش: هذه جملة معترضة بين المثال المذكور وبين قوله فيما يَأتِي فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان" بين بها المؤلف الفرق بين طريق العلم بالعلو وطريق العلم بالاستواء وأن وصف الجهمية لله بسلب النقيضين مخالف لما جاء في الكتاب والسنة من وصفه سبحانه بالعلو على خلقه واستوائه على عرشه بل قولهم مخالف أيضاً للعقول السليمة والفطر المستقيمة ولا داخل العالم ولا خارجه كما سبق بيان ذلك في القاعدة الأولى. والمقصود أن علو الله سبحانه فوق جميع مخلوقاته يعلم بطريق العقل الموافق لصريح نصوص الكتاب والسنة. فهو معلوم بالنص كما هو معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بنى آدم وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل فالفطرة مكملة بالشريعة المنزلة. فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا، والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به. وأما نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام فقد علم بالسمع الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة. وهنا يحسن ذكر الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني، لأبي المعالي يقول على المنبر "كان الله ولا عرش" فقال يا أستاذ دعنا من ذكر العرش يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط "يا الله" إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني! حيرني الهمداني ونزل!.

стр. 211

قوله: فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش: كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ فيتخيل له أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجاً إليه، كحاجة المستو على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها. فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب . ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك: فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار_ وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقراً ولا قاعداً، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم. ش: يعني أن الجهمية ونحوهم من النفاة لم يفهموا من استواء الله على عرشه إلا كما يثبت للمستوي على ظهر الفلك والدابة من الحاجة والافتقار وسائر اللوازم الباطلة التي يؤدي إليها قياس الخالق للكون بأسره، على المخلوق الضعيف العاجز في كل شئونه. وبناء على هذا الفهم الفاسد قالوا: ليس استواء الله الوارد في النصوص بقعود ور استقرار ولا علو ولا صعود، وإنما هو استيلاء بمعنى الملك والغلبة. ولا يعلمون أنه يقال في مدلول الاستيلاء الذي هو الارتفاع والصعود والاستقرار. فبقال في مدلوله عندهم مثل ما يقال في مدلوله الحقيقي، من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. فإن كانت الحاجة داخله في الاستيلاء فهي

стр. 212

أيضاً لازمة في القعود والاستقرار وليس الله سبحانه بهذا المعنى مستوليا ولا قاعداً ولا مستقراً ولا مرتفعا فإن الحاجة غير لازمة بالنسبة إلى الحي القيوم الغني بذاته عم سواه، بل هو ممتنع غاية الامتناع لأن الحاجة تنافي كمال الغنى. فهم يقولون: إذا قلتم أن معنى استواء الله على عرشه علوه عليه لزم من ذلك أن يكون الله محتاجاً إلى العرش. فيقال لهم وإذا قلتم أن معنى استوائه على العرش وغلبته. لزم من ذلك أن يكون الله مغالباً على عرشه وأنه كان خارجاً عن ملكه ثم استولى عليه. وإن قالوا استيلاؤه على عرشه هو على ما يليق به ولا يلزم منه محذور. قيل لهم: وصعوده وارتفاعه على عرشه هو على ما يليق به، ولا يلزم منه محذور وحينئذ فإثباتكم للاستيلاء ونفيكم للعلو والارتفاع تعسف ومغالطة. وعلم أنه لم يثبت استعمال لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى. وإنما عمدة الذين قالوا ذلك البيت المشهور: ثم استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق ولم يثبت بنقل صحيح أنه شعر عربي. وكان غير واحد من أئمة اللغة قد أنكروه وقالوا أنه بيت مصنوع لا يعرف اللغة. وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى إثبات صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف اسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة. وذكر عن الخليل كما عند أبي المظفر في كتابه "الإفصاح" قال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا مالا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها. وهو أمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل، وأيضاً فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا فيما كان مغالباً فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل استولى" والله لم ينازعه أحد في العرش. قال الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قدس الله روحه في تفسيره "وهو شجى في حلوق الجهمية والمعطلة"

стр. 213

في سورة "الأعراف" في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: "استقر" وقال أبو عبيدة: "صعد" قال: وأولت المعتزلة "الاستواء بالاستيلاء" قال: وأما أهل السنة فيقولون: "الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتهم مما يصح معناه عند السامعين". والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكين فيه. قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: علا. قال وتقول العرب استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره استوى أي استقر. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ . انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر: فأوردتهم ماءٍ بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استوى لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأموناً جليلا في علم الصيانة واللغة قال: أعلم ما رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال. فقال لنا أعرابي إلى جانبه أنه يأمركم أن ترتفعوا. فقال الخليل هو من قول الله ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فصعدنا إليه. وقال عبد الله ابن المبارك وغيره من أهل العلم وأن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استقر. وتقول العرب: "استويت على ظهر الفرس" بمعنى علوت عليه،

стр. 214

واستويت على سقف البيت بمعنى علوت عليه. وقال الثعالبي ومقاتل ثم "استوى على العرش" يعني استقر، قال وقال أبو عبيدة صعد. وهذه العبارات وإن اختلفت فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله على العرش. قوله: وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقاً معروفة. ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره. ش: هذه الألفاظ متقاربة المعنى، فبعضها يفسر ببعض فتقول مفسراً للاستواء هو الاستقرار. وتقول: قعد على شيء واستقر معناه استوى عليه. وإذا عرفت أن كلا منها يفسر الآخر فاعلم أن بعضها قد يؤدي زيادة معنى لا يؤديه الآخر، فمثلا قعد على الشيء يدل على الاستواء عليه. وزيادة معنى وهو أن هذا الاستواء قعود وليس استواء مع قيام. واستقر على الشيء تدل على أنه استوى عليه، وزيادة معنى وهو الثبوت والتمكن عليه. والاستواء أعم من أن يكون قعوداً وأعم من أن يكون معه ثبوت أو تمكن، أو ليس معه ذلك، ولكن مقصود المؤلف أن إثبات الجهمي للاستيلاء ونفيه للارتفاع تفريق بين متماثلين، فإن الاستواء بمعنى الاستقرار، مثل الاستواء بمعنى الاستيلاء من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. وقد علم أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول كما هو معلوم بين الصحابة والتابعين وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعاً. قال يزيد بن هارون الواسطي أن من قال "الرحمن على العرش استوى" خلاف ما نقرر في نفوس العمة فهو جهمي.

стр. 215

قوله: وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته. فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق كما يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة. ش: يقول الشيخ أن أصل خطأ الجهمي في نفيه لشيء مع إثبات نظيره إنما جاءه من جهة فهمه الخاطئ بأنه يلزم من كون الله مستو على عرشه أن يكون مثل استواء المخلوق، فإنه بناء على هذا الظن الفاسد نفى أن يكون استواء الله استقراراً وعلواً، وجعله ملكاً وغلبة وليس في نصوص الاستواء ما يدل على المماثلة، فإنه سبحانه أضافه إلى نفسه كما أضاف إليها تقديره وبناءه ورؤيته وسمعه وعلمه ونحو ذلك من سائر صفاته. وحينئذ فهذا توهم فاسد وظن خاطئ، فإن الله هو الخالق للعرش، والمخلوق مفتقر إلى الخالق لا يفتقر الخالق إلى المخلوق، وبقدرته قام العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش. وكل ما سواه فقير إليه كيف وأنه كان موجوداً قبل العرش! فإذا كان موجوداً قائماً بنفسه قبل العرش لا يكون إلا مستغيناً عنه. وإذا كان الله فوق العرش لم يجب أن يكون محتاجاً إليه ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين. فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء، بل هو الغني عن كل شيء. والله يحمل العرش وحملته بقدرته، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، فهو
следующие страницы →