Полный текст (485 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قوله:
فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش: كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ فيتخيل له أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجاً إليه، كحاجة المستو على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها.
فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب . ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك: فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار_ وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقراً ولا قاعداً، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم.
ش: يعني أن الجهمية ونحوهم من النفاة لم يفهموا من استواء الله على عرشه إلا كما يثبت للمستوي على ظهر الفلك والدابة من الحاجة والافتقار وسائر اللوازم الباطلة التي يؤدي إليها قياس الخالق للكون بأسره، على المخلوق الضعيف العاجز في كل شئونه. وبناء على هذا الفهم الفاسد قالوا: ليس استواء الله الوارد في النصوص بقعود ور استقرار ولا علو ولا صعود، وإنما هو استيلاء بمعنى الملك والغلبة. ولا يعلمون أنه يقال في مدلول الاستيلاء الذي هو الارتفاع والصعود والاستقرار.
فبقال في مدلوله عندهم مثل ما يقال في مدلوله الحقيقي، من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. فإن كانت الحاجة داخله في الاستيلاء فهي
стр. 212
أيضاً لازمة في القعود والاستقرار وليس الله سبحانه بهذا المعنى مستوليا ولا قاعداً ولا مستقراً ولا مرتفعا فإن الحاجة غير لازمة بالنسبة إلى الحي القيوم الغني بذاته عم سواه، بل هو ممتنع غاية الامتناع لأن الحاجة تنافي كمال الغنى. فهم يقولون: إذا قلتم أن معنى استواء الله على عرشه علوه عليه لزم من ذلك أن يكون الله محتاجاً إلى العرش. فيقال لهم وإذا قلتم أن معنى استوائه على العرش وغلبته. لزم من ذلك أن يكون الله مغالباً على عرشه وأنه كان خارجاً عن ملكه ثم استولى عليه. وإن قالوا استيلاؤه على عرشه هو على ما يليق به ولا يلزم منه محذور. قيل لهم: وصعوده وارتفاعه على عرشه هو على ما يليق به، ولا يلزم منه محذور وحينئذ فإثباتكم للاستيلاء ونفيكم للعلو والارتفاع تعسف ومغالطة. وعلم أنه لم يثبت استعمال لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى. وإنما عمدة الذين قالوا ذلك البيت المشهور:
ثم استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق
ولم يثبت بنقل صحيح أنه شعر عربي. وكان غير واحد من أئمة اللغة قد أنكروه وقالوا أنه بيت مصنوع لا يعرف اللغة. وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى إثبات صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف اسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة. وذكر عن الخليل كما عند أبي المظفر في كتابه "الإفصاح" قال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا مالا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها. وهو أمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل، وأيضاً فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا فيما كان مغالباً فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل استولى" والله لم ينازعه أحد في العرش. قال الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قدس الله روحه في تفسيره "وهو شجى في حلوق الجهمية والمعطلة"
стр. 213
في سورة "الأعراف" في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: "استقر" وقال أبو عبيدة: "صعد" قال: وأولت المعتزلة "الاستواء بالاستيلاء" قال: وأما أهل السنة فيقولون: "الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتهم مما يصح معناه عند السامعين". والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكين فيه. قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: علا. قال وتقول العرب استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره استوى أي استقر. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ . انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر:
فأوردتهم ماءٍ بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استوى لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأموناً جليلا في علم الصيانة واللغة قال: أعلم ما رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال.
فقال لنا أعرابي إلى جانبه أنه يأمركم أن ترتفعوا. فقال الخليل هو من قول الله ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فصعدنا إليه. وقال عبد الله ابن المبارك وغيره من أهل العلم وأن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استقر. وتقول العرب: "استويت على ظهر الفرس" بمعنى علوت عليه،
стр. 214
واستويت على سقف البيت بمعنى علوت عليه. وقال الثعالبي ومقاتل ثم "استوى على العرش" يعني استقر، قال وقال أبو عبيدة صعد. وهذه العبارات وإن اختلفت فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله على العرش.
قوله:
وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقاً معروفة. ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.
ش: هذه الألفاظ متقاربة المعنى، فبعضها يفسر ببعض فتقول مفسراً للاستواء هو الاستقرار. وتقول: قعد على شيء واستقر معناه استوى عليه. وإذا عرفت أن كلا منها يفسر الآخر فاعلم أن بعضها قد يؤدي زيادة معنى لا يؤديه الآخر، فمثلا قعد على الشيء يدل على الاستواء عليه. وزيادة معنى وهو أن هذا الاستواء قعود وليس استواء مع قيام. واستقر على الشيء تدل على أنه استوى عليه، وزيادة معنى وهو الثبوت والتمكن عليه. والاستواء أعم من أن يكون قعوداً وأعم من أن يكون معه ثبوت أو تمكن، أو ليس معه ذلك، ولكن مقصود المؤلف أن إثبات الجهمي للاستيلاء ونفيه للارتفاع تفريق بين متماثلين، فإن الاستواء بمعنى الاستقرار، مثل الاستواء بمعنى الاستيلاء من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. وقد علم أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول كما هو معلوم بين الصحابة والتابعين وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعاً. قال يزيد بن هارون الواسطي أن من قال "الرحمن على العرش استوى" خلاف ما نقرر في نفوس العمة فهو جهمي.
стр. 215
قوله:
وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته. فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق كما يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة.
ش: يقول الشيخ أن أصل خطأ الجهمي في نفيه لشيء مع إثبات نظيره إنما جاءه من جهة فهمه الخاطئ بأنه يلزم من كون الله مستو على عرشه أن يكون مثل استواء المخلوق، فإنه بناء على هذا الظن الفاسد نفى أن يكون استواء الله استقراراً وعلواً، وجعله ملكاً وغلبة وليس في نصوص الاستواء ما يدل على المماثلة، فإنه سبحانه أضافه إلى نفسه كما أضاف إليها تقديره وبناءه ورؤيته وسمعه وعلمه ونحو ذلك من سائر صفاته. وحينئذ فهذا توهم فاسد وظن خاطئ، فإن الله هو الخالق للعرش، والمخلوق مفتقر إلى الخالق لا يفتقر الخالق إلى المخلوق، وبقدرته قام العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش. وكل ما سواه فقير إليه كيف وأنه كان موجوداً قبل العرش! فإذا كان موجوداً قائماً بنفسه قبل العرش لا يكون إلا مستغيناً عنه. وإذا كان الله فوق العرش لم يجب أن يكون محتاجاً إليه ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين. فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء، بل هو الغني عن كل شيء. والله يحمل العرش وحملته بقدرته، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، فهو
стр. 216
مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به وكما أنه سبحانه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير ونحو ذلك. ولا يجوز أن يثبت لعلمه وقدرته خصائص الإعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش. ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزماتها، فاقترن الاستواء بحرف "على" وعطف فعله "بثم" على خلق السموات والأرض، وكونه بعد أيام التخليق وكونه سابقاً في الخلق على السموات والأرض، وذكر تدبير أمر الخليقة معه الدال على كمال الملك، كل ذلك دال على أن استواءه سبحانه لا يماثل استواء المخلوقين، ولا يلزمه ما هو من خصائصهم. فإذا أضيف الوصف إلى المخلوق لم يصح أن يدخل فيه وصف الخالق سبحانه، ولم يكن وصف المخلوق كوصف الخالق وإذا أضيف إلى الخالق لم يصلح أن يدخل فيه وصف المخلوقين، ولم يكن وصفه كوصفهم وإذا كان الوصف مطلقاً فهو عام فيهما، متناول لهما لاتفاقهما في المعنى الكلي المشترك.
стр. 217
ذكر الله استواء يخصه ويليق به
...
قوله:
فلو قدر على وجه الفرض الممتنع أنه هو مثل خلقه_ تعالى عن ذلك_ لكان استواؤه مثل استواء خلقه، أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه بل قد علم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لا يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به، فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجاً إليه، وأنه لو سقط العرش لخر من عليه؟ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه، أو ظنه اللفظ ومدلوله، أو جوز ذلك أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟ بل لو قدر أن
стр. 218
جاهلا فهم مثل هذا أو توهمه لبين له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.
ش: يقول المؤلف: أن استواء الله سبحانه لا يمكن أن يكون مثل استواء المخلوق إلا لو كانت ذاته مثل ذوات المخلوقين. فلو قدر على سبيل الفرض الممتنع أن الذات مثل الذوات لأمكن أن يكون الاستواء مثل الاستواء، ومن المعلوم بالضرورة أن ذاته سبحانه لا تماثل الذوات. وقد علم بالضرورة أنه الخالق للعرش ولغيره، وأنه الغني عنا سواه وكل شيء فهو مفتقر إليه، وهو سبحانه أضاف استواءه إلى نفسه. فهو على ما يليق به، وهكذا القول في سائر ما وصف به الرب نفسه. فإن إضافته إليه تقتضي عدم صلاحيته لغيره أو تناوله لسواه، ومن ظن أن قول الأئمة أن الله مستو على عرشه حقيقة يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام، لزمه أن يكون قولهم أن الله له علم حقيقة وسمع حقيقة وبصر حقيقة، وكلام حقيقة يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم. وهذا ما لم يقولوه أصلا. وإذا كان كذلك فكيف يتوهم في حقه سبحانه ما هو من خصائص المخلوقين؟ وكيف يظن أنه يلزم من استوائه على العرش حاجته إليه؟ ما هذا إلا ضلال بين وجهل واضح ممن فهمه أو ظنه ظاهر نصوص الاستواء ومدلولها. فبعداً لهؤلاء المكابرين للمعقولات والمتجنين على النصوص من زعماء الابتداع ورؤساء الضلال. ولو قدر أن أحداً ممن لا يفهم معاني النصوص ولا يعلم مدلولاتها توهم أن ظاهرها يقتضي مماثلة الله بخلقه لبين لهذا الجاهل أن هذا ليس هو مراد الله بكلامه، ولا هو مقتضى العقل والفطرة ولم يدل عليه النص البتة، وإنما صرحت النصوص بنفي مماثلته لخلقه سبحانه وتعالى
стр. 219
قوله:
فلما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأيدٍ﴾ فهل يتوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وأعوان؟
ش: يعني أن الخالق سبحانه أخبر عن نفسه بأنه بنى السماء بقوة. والمخلوق يوصف بالبناء، ولكن من يقول للشيء كن فيكون. ومن يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ من هذا شأنه لا يمكن أن يتوهم في حقه ما هو من خصائص المخلوق. ومن المعلوم أن السموات والأرض من أكبر مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ . وكما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ والرب سبحانه موصوف ببناء السماء والمخلوق موصوف بالبناء، ولكن المخلوق محتاج في بنائه إلى آلات البناء وأدواته ومحتاج إلى مساعدين، أما الرب "﵎" فغير محتاج إلى شيء من ذلك فلا شريك له، ولا ظهير ولا يعجزه شيء . وكما أنه لا يلزم من بنائه لسمواته أن يكون مثل بناء المخلوق، فكذلك هو مستو على عرشه. ولا يلزم في حقه ما يلزم في حق المخلوق من الحاجة واللوازم الباطلة.
стр. 220
خلق الله العالم بعضه فوق بعض
...
قوله:
ثم قد علم أن الله خلق العالم بعضه فوق بعضه، ولم يجعل عاليه مفتقراً إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس مفتقراً إلى أن تحمله، والسموات فوق الأرض وليست مفتقره إلى حمل الأرض لها، فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى خلقه أو عرشه؟ وكيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟ وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق وأولى
стр. 221
ش: يعني أن الله سبحانه فوق العرش وليس محتاجاً إليه، فإن الله قد خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه محتاجاً إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس محتاجاً إليها، وكذلك السحاب فوقها وليس محتاجاً إليها، وكذلك السموات فوق السحاب والهواء والأرض وليست محتاجة إلى ذلك، والعرش فوق السموات والأرض وليس محتاجاً إلى ذلك، فكيف يكون العلي الأعلى خالق كل شيء محتاجا إلى مخلوقاته لكونه فوقها عاليا عليها. ونحن نعلم أن الله خالق كل شيء، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن القوة التي في العرش وفي حملة العرش هو خالقها، بل نقول أنه خالق أفعال الملائكة الحاملين، فإذا كان هو الخالق لهذا كله ولا حول ولا قوة إلا به، امتنع أن يكون محتاجاً إلى غيره، فهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وهو أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل، بل هو "الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" الذي كل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه.
قوله:
وكذلك قوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق، وأن كان إذا قالا: أن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك، فإن حرف "في" متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف إليه. ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف "في" مستعملا في كل ذلك. فلو قال قائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل الجنة في السماء، ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل
стр. 222
السموات، بل ولا الجنة. فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن" فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك. مع أن كون الجنة في السماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها. قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ .
ش: بعد أن فرغ المؤلف من دحض شبه نفاة استواء الله على عرشه، وبيان فساد توهمهم، شرع في بيان فساد توهم نفاة علو الله على مخلوقته. فذكر أن قوله "جل وعلا"﴾ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لا يدل على معنى فاسد، وأن من توهم من كون الله في السناء أنه في جوف السماء وأن السموات تحصره وتحويه فهو جاهل ضال_ باتفاق المسلمين_ فلم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. قال مالك بن أنس: "أن الله فوق السماء وعلمه في كل مكان" إلى أن قال: "من أعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط به وأنه مفتقر إلى العرش أو غيره من المخلوقات وأن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل" فمن لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، من أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد اخطأ، وكذب الله ورسوله ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلاً لربه، نافياً له، فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون المعطل، فليس مقتضى الآية الكريمة أن الرب داخل الأجرام السماوية. وأن كان قولك الشمس في السماء أو المر في السماء يقتضي الظرفية فإن حرف "في" معناه بحسب ما قبله وما
стр. 223
بعده. فقد يقتضي ظرفية ما بعده لما قبله وقد لا يقتضي ذلك، ومن أجل هذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق فالأول يقتضي ظرفية المكان للشيء وأن كان ذلك الشيء لا يشغل عموم المكان، بينما قولك "الجسم في الحيز" يقتضي ظرفية الحيز للجسم مع شغل الجسم لكل ذلك المقدار من المكان، وكون العرض في الجسم يقتضي الاتصال والظرفية، بينما قولك الوجه في المرآة، وكذلك قولك الكلام في الورق لا يقتضي الظرفية، وإنما المداد بشكله المعين، كما أن الذي يشاهد في المرآة هو الصورة، إذن فلكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره. ثم ضرب المؤلف مثلا كونه لا يلزم من كون الله في السماء أن يكون مظروفا لها. فذكر أن النصوص قد صرحت بأن العرش هو سقف جميع المخلوقات، كما دلت النصوص على أن الجنة ليست داخل الأجرام السماوية، وإذا لم تلزم الظرفية من كون المخلوق في السماء فكيف يلزم ذلك في العلي الأعلى؟ وقول المؤلف: مع أن كون الجنة في السماء، يراد به العلو سواء كانت فوق الأفلاك أو تحتها، يشير إلى أن القول بأن الجنة في داخل الأجرام السماوية لا يترتب عليه محذور، والحديث الذي استشهد به المؤلف وأمثاله من النصوص يدل على أنها فوق الأفلاك.
وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم ولفظه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان فعن حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها "قالوا: يا رسول الله، ننبئ الناس بذلك؟ قال: " أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوق عرش الرحمن منه يتفجر أنهار الجنة".
وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله
стр. 224
عنه، أن النبي ﷺ قال: "أن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها العرش، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس".
وقول المؤلف: "وأن كنا إذا قلنا أن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك" ظاهره أنه يرى أن كلا من الشمس والقمر داخل الأجرام السماوية والله أعلم.
قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي في كتابه "أضواء البيان ما نصه: والله أعلم أن الآية صريحة في أن
نفس القمر في السبع الطباق لأن لفظة جعل في الآية هي التي بمعنى صير وهي تنصب المبتدأ والخبر
والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيئاً آخر. فقولك: جعلت الطين خزفًا والحديد
هو خاتمًا لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم. وكذلك قوله تعالى: "وجعل القمر فيهن نورا " فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه. فلا يفهم من الآية بحسب الموضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق وكون المجعول فيها مطلق نوره لأنه لو أريد ذلك لقيل وجعل نور القمر فيهن. أما قوله: "وجعل القمر فيهن نورا " فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه. ويوضح ذلك أنه تعالى صرح في سورة "الفرقان" بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ وصرح في سورة " الحجر" بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ انتهى.
والأفلاك جمع فلك وهو الشيء المستدير فإن لفظ الفلك يدل على الاستدارة ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا استدار والأفلاك
стр. 225
مستديرة في الكتاب والسنة والإجماع. ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال ابن عباس: في فلكة كفلكة المغزل. وأهل الهيئة والحساب متفقون عل ذلك، وأما العرش فإنه مقبب لما روى في السنن لأبي داوود عن جبير بن مطعم ﵁ قال: جاء أعرابي على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله " نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وربك على الله" قال النبي ﷺ : سبحان الله، سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك أتدري ما الله؟ إن شاء الله أعظم من ذلك أنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك. ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وأنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" وأمثاله من النصوص الدالة على ذلك والشاهد من آيتي "الحج" و "الفرقان" ورود السماء بها مراداً بها مطلق العلو.
стр. 226
حرف (في) يختلف معناه بحسب ما قبله وما بعده
...
قوله:
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلى الأعلى، وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله: أنه في السماء. أنه في العلو. وأنه فوق كل شيء. وكذلك الجارية لما قال لها أين الله؟ قالت في السماء، إنما أرادت العلو، مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها، وإذا قيل العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودى يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله. كما لوز قيل: العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وأن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك، كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وكما قال ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح وأن كان على أعلى شيء فيه
стр. 227
ش: لما بين المؤلف أن الآية الكريمة لا تقتضي ظرفية السماء للخالق سبحانه وأن حرف"في" يختلف معناه بحسب ما أضيف إليه ذكر بعد ذلك أن ذوي العقول السليمة والفطر المستقيمة يفهمون بمقتضى فطرتهم أن معنى كون الله سبحانه في السماء أنه عال على مخلوقاته، وهكذا قصد الجارية من قولها: "في السماء" إنما أرادت علوه سبحانه فوق جميع المخلوقات، ولم تتوهم أبداً أو تظن أن السماء تحصره وتحيط به، وهكذا سائر سلف الأمة وأئمتها، لم يتوهموا هذا المعنى بل لا يظن هذا أو يتوهمه إلا من انتكست فطرته وعميت بصيرته. وإذا أطلق العلو فالمراد به العلو على جميع المخلوقات وليس معنى ذلك أن هناك ظرفا موجودا فوق العرش فليس معنى كونه في السماء أنه داخل في شيء يحيط به فضلا عن أن يحتاج له. وضرب المؤلف لذلك مثلا بأنه العرش يوصف بأنه في السماء دون أن يقتضي ذلك أن يكون داخل في ظرف وجودي يحيط به إذ قد علم أنه سقف جميع المخلوقات. ثم ذكر أن السماء إذا فسرت بالأجرام السماوية فالمراد بكون الله فيها أنه عليها، وهو أسلوب معروف في اللغة، وقد ورد به القرآن الكريم، كما في الآيات التي استشهد فيها المؤلف. وقد حكى البيهقي عن أبي بكر الضبعي قال العرب تضع"في" موضع"على" كقوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فكذلك قوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار بذلك. وقال مثل ذلك غير واحد وقوله للجارية "أين الله؟ " هذا حديث صحيح روى من طرق متواترة على معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجونية فيها جارية لي فأطلقتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها فأسفت فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟
стр. 228
قال: ادعها. فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة". أخرجه مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والنسائي.
стр. 229
النصوص الداله على تدبر القرآن وتفهم معانيه
...
قوله:
القاعدة الخامسة
أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه فإن الله قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ ﴿وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ وقال: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته وَلِيَتَذَكَّرَ أولُو الْأَلْبَابِ﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فأمر بتدبر الكتاب كله. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويلهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
ش: يقول الشيخ أننا نعلم ما خاطبنا الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ونفهم من ذلك ما أراد الله من فهمه، ولكن نفهمه ونعلمه من جهة دون جهة. نفهمه من جهة المعنى ونجهله من جهة الكيفيات وتفاصيل الأمور التي لم يرد تفصيلها في النصوص، واستدل على الأول بكون الله سبحانه قد حث على تدبر القرآن وتعقله وإتباعه في غير موضع ومن ذلك قوله سبحانه في آية النساء ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ وقوله في آية المؤمنون: ﴿أَفَلَمْ
стр. 230
يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأتِ آبَاءَهُمُ الْأولِينَ﴾ وقال في آية ص: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ وقال في سورة القتال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
فإذا كان حض الكفار والمنافقين على تدبره علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها. فكيف لا يكون ذلك ممكناً للمؤمنين؟ وهذا يبين أن معانيه كانت بينة لهم. فقد بين سبحانه أنه أنزله عربيا ليعقل، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه كما قال تعالى ﴿أنا أنزَلْنَاهُ قُرْأناً عَرَبِيا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقد ذم الله من لا يفهمه كما قال جل وعلا ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ وذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى وإتباعه فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أن أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ أن هُمْ إِلَّا كَالْأنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ فلو كان المؤمنون لا يفقهون أيضاً لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به. فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والتابعون لهم بإحسان يعلمون معاني القرآن. إذا تبين فقد وجب على كل مسلم التصديق بما أخبر به عن الله تعالى من أسمائه وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ . كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عن رسول الله ﷺ القرآن والسنة وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: "لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل جميعاً" وقد قام عبد الله بن عمر وهو من أصاغر الصحابة في تعلم البقرة ثمان سنين وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة، وكان ابن مسعود يقول: لو
стр. 231
أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته. وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير مالا يحصيه إلا الله والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.
واستدل على الثاني بآية آل عمران ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ بالوقف على لفظ الجلالة. ويقول ابن عباس: "وتأويل لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب" كما سيَأتِي والهمزة في قوله ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي يعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه، والتدبر التأمل والتفكر، يقال تدبرت الشيء تفكرت في عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، فدلت الآيات على وجوب التدبر للقران ليعرف معناه. وقوله في آية آل عمران: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتاب﴾ أي أصله الذي يعتمد عليه ويرد ما خالفه إليه وهذه الجملة صفة لما قبلها "والمحكمات" اسم مفعول من أحكم "والإحكام" الإتقان ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها.
وقوله سبحانه: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وصف لمحذوف مقدر أي وآيات متشابهات "والزيغ" الميل ومنه زاغت الشمس وزاغت الأبصار يقال زاغ يزيغ زيغاً إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ومعنى قوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي طلباً منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم وإفساد ذات بينهم: ﴿وَابْتِغَاءَ تأويلهِ﴾ أي طلباً لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة.
وأصل الرسوخ في لغة العرب الثبوت في الشيء وكل ثابت راسخ وأصله في الإجرام أن ترسخ أقدام الخيل أو الشجر في الأرض وهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم عن الله من ترك إتباع المتشابه وإرجاع علمه إلى الله سبحانه.
стр. 232
القائلون بأن الوقف في آية آل عمران على لفظ الجلاله
...
قوله:
وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم. روي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب. وقد روي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله. وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها.
ش: بعد أن استشهد المؤلف بآية آل عمران على أن من القرآن ما لا يعلمه إلا الله، بين خلاف علماء الأمة في الوقف في الآية. فذكر أن الأكثر على القول بأن الوقف على لفظ الجلالة، ومن هؤلاء أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وقوله "وغيرهم" يعني كابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز. حكاه ابن جرير الطبري عن مالك واختاره. ومن القائلين بأن الوقف على العلم من قوله "والراسخون في العلم، طائفة على رأسهم مجاهد، ومنهم الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد" وروي هذا القول أيضاً عن ابن عباس فعلى القول الأول "الواو" في قوله "والراسخون" للاستئناف والراسخون، مبتدأ خبره يقولون. وعلى الثاني فالواو للعطف ويقولون حال، واستدل الأولون بمثل ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ وما يعلم تأويله إلا الله. ويقول الراسخون في العلم آمنا به. وبقراءة ابن مسعود وأن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وبما دلت عليه الآية من ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة. فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 233
أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون ذلك. والتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو تفسير مفردات اللغة كمعرفة معنى القرؤ والنمارق والكهف ونحوها. وأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهي الأمور المكلف بها اعتقاداً وعملاً كمعرفة الله بأسمائه وصفاته واليوم الآخر، والطهارة والصلاة والزكاة وغيرهما، وأما الذي يعلمه العلماء فهو الذي يخفى على غيرهم مما يمكن الوصول إلى معرفته، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك. وأما الذي لا يعلمه إلا الله فهو حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر. فإنه هذه الأشياء نفهم معناها، لكننا لا ندرك حقيقة ما هي عليه في الواقع، مثال ذلك. أننا نفهم معنى استواء الله على عرشه ولكننا لا ندرك الكيفية التي هي حقيقة ما هو عليه في نفس الأمر. وكذلك نفهم معنى الفاكهة والعسل واللبن والماء وغيرهما مما أخبر الله أنه في الجنة، لكن لا ندرك حقيقته في الواقع، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ .
وإذا جاز أن يكون في هذه المخلوقات ما يعرف معناه دون إدراك حقيقته ففي صفات الله أولى، والشاهد من كلام ابن عباس قوله ﵁ "وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب" وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، ووجه الدلالة من قول مجاهد ﵁ "عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، أن الراسخون في العلم في يعلمون معاني القرآن" وأبي، هو
стр. 234
ابن كعب بن قيس بن منذر الأنصاري الخزرجي، أقرأ الصحابة وسيد القراء، شهد بدراً والمشاهد، وقرأ القرآن على النبي ﷺ . سمع الكثير وجمع بين العلم والعمل، ومناقبه جمة. حدث عنه أبو أيوب الأنصاري وابن عباس وأبو هريرة، ومن أقواله ﵁ ما رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: "قال رجل لأبي بن كعب أوصني، قال: اتخذ كتاب الله إماماًً وارض به حكماً وقاضيا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم وحكم ما بينكم وخبركم وخبر من بعدكم". توفي بالمدينة سنة تسع عشرة وقيل اثنتين وعشرين ﵁. وابن مسعود هو عبد الرحمن بن أم عبد الهذلي صاحب رسول الله ﵇ وخادمه وأحد السابقين الأولين، ومن كبار البدريين، ومن نبلاء الفقهاء والمقرئين، كان ممن يتحرى في الأداء ويشدد في الرواية، ويزجر تلاميذه عن التهاون في ضبط الألفاظ، وحفظ من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وتسمع عليه النبي ﷺ ليلة وهو يدعو، فقال "سل تعطه". وقال "من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" وقال عمر بن الخطاب في كتاب له "أني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراًَ وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا وقد آثرتكم بعبد الله من مسعود على نفسي" وقد نظر عمر إلى ابن مسعود وقد قام فقال "كنيف ملئ علماً" توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وله نحو من ستين سنة.
ومجاهد هو ابن جبر الإمام أبو الحجاج المخزومي بالولاء المكي المقرئ، المفسر الحافظ، سمع من عائشة وأبي هريرة، وأم هانئ، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، ولزمه مدة وقرأ عليه القرآن، وكان أحد أوعية العلم، وروى عنه قتادة وعمر بن دينار والأعمش وخلق كثير. ومن أقوال مجاهد ﵁ قوله "عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت؟ " قرأ على مجاهد: ابن
стр. 235
كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وقال الأعمش "كنت إذا رأيت مجاهد ازدريته مبتذلاً كأنه خربندج قد ضل حماره وهو مهتم لذلك! فإذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ!! " توفي سنة مائة وثلاث.
стр. 236
انقسام التأويل إلى ثلاثة أقسام
...
قوله:
ولا منافاة بين القولين عند التحقيق. فإن لفظ "التأويل" قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معان "أحدها" وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله "أن التأويل" هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن به، وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وترك تأويلها، وهل ذلك من محمود أو مذموم، أو حق أو باطل؟. "الثاني": أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير واختلف علماء التأويل، ومجاهد أمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره. "الثالث": من معاني التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ . فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد له أبواه وإخوته، قال: ﴿يا أَبَتِ هَذَا تأويل رُؤْياي مِنْ قَبْلُ ... ﴾ فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.
стр. 237
ش: يعني أنه لا تنافي بين رأي من قال أن الوقف في الآية على لفظ الجلالة، وبين رأي من قال أن الوقف على قوله "والراسخون في العلم" بل كل منهما حق وصواب، فإن التأويل يطلق في القرآن ويراد به شيئان: "أحدهما" التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول الأمر إليه، ومنه قوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على لفظ الجلالة لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله ، وأما أن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء، كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي بتفسيره فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وأن يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، فإن تسميتهم الراسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، لكن المتشابه يتنوع. فمنه مالا يعلم البتة وهو ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما يعلمه أهل الرسوخ في العلم وأن كان غامضاً ومشكلاً على غيرهم، والحاصل أن الجميع متفقون على أن من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله، ومتفقون على تفسير القرآن وأنه مفهوم المعنى وبين المراد.
وقوله: "فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معان" معناه أن التأويل كما يطلق ويراد به التفسير ويطلق ويراد به الحقيقة، فكذلك يطلق ويراد به صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، لدلالة توجب ذلك، وهذا هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والأصوليين كما تجد ذلك في كلام صاحب "روضة الناظر" وأمثاله من الباحثين في الفقه وأصوله وليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به التفسير أو الحقيقة. أما هذا المعنى الاصطلاحي فقد عبر به
стр. 238
المتأخرون من الفقهاء والأصوليين عن ترجيح المعنى الضعيف الخفي على المعنى الظاهر، لدليل من الكتاب والسنة اقتضى ذلك الترجيح، ومن أمثلته عندهم ما رواه البخاري والترمذي وصححه من قوله ﷺ "الجار أحق بصقبه" فإنه ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضاً مع احتمال أن المراد به الجار الشريك المخالط أما حقيقة أو مجازاً، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر فلما نظرنا إلى قوله ﵇ "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" رواه البخاري وأبو داود والترمذي صار هذا الحديث مقويا لهذا الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم، حتى ترجح على ظاهره فقدمناه وقلنا لا شفعة إلا للشريك المقاسم، وحملنا عليه الجار في الحديث الأول. وطوائف المبتدعة قد استعملوا هذا المعنى الاصطلاحي في نصوص الصفات فقالوا "لا بد من صرف النص عن المعنى الذي هو مقتضى لفظه إلى معنى آخر لأن إثبات الصفات لله يقتضي مشابهته لخلقه" وأنت ترى أنهم لم يصرفوا النص عن معنى راجح إلى معنى مرجوح، لدليل اقترن بذلك وإنما حرفوا الكلام عن مواضعه، وألحدوا في أسماء الله وصفاته لشبهة فاسدة، ورأي كاسد لا سند له من كتاب أو سنة أو عقل سليم وفطرة سليمة. وهذا النوع من التأويل هو الذي عناه من تكلموا وبحثوا في صحة التأويل أو إفساده وكونه حقاً أو باطلاً، وهل يذم أو يمدح؟ ولا شك في فساده وبطلانه وذمه وتبديع أهله فإنه مخالف لصريح الكتاب والسنة، إذ التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم.
والثاني من معاني التأويل هو التفسير، وكثيراً ما يعبر المفسرون عن التفسير بالتأويل. وقد استشهد المؤلف على ذلك بعبارة ابن جرير الطبري في تفسيره، واختلف علماء التأويل، يريد علماء التفسير ومن عباراته: القول في تأويل قوله تعالى يريد تفسير قوله تعالى. والشاهد من قوله "ومجاهد أمام المفسرين فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة
стр. 239
تفسيره" استعمال مجاهد التأويل مريداً به التفسير. وما بين قوله "ومجاهد أمام المفسرين" وقوله "فإذا ذكر" جملة معترضة المراد منها بيان مكانة مجاهد العلمية، فإنه عمدة في التفسير وقدوة في العلم وحسبه علماً وفقهاً أنه عرض المصحف من أوله إلى آخره على حبر الأمة وترجمان القرآن، يستوقفه عند كل آية ويسأله عن معناها، فلا غرو أن يعتمد هؤلاء الأئمة وأمثالهم على تفسيره.
والمعنى الثالث من معاني التأويل هو الحقيقة التي يصير إليها الأمر، وقد استشهد المؤلف على مجيء التأويل مراداً به كنه الشيء وحقيقته بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تأويلهُ يَوْمَ يَأتِي تأويلهُ﴾ أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب. يقول الذين نسوه أي تركوه ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ يعني قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. وكذلك استشهد على هذا النوع بقوله سبحانه عن يوسف ﴿يا أَبَتِ هَذَا تأويل رُؤْياي مِنْ قَبْلُ﴾ يعني هذا حقيقة ما رأيت. فجعل نفس ما وحد في الخارج وهو سجود أبويه وإخوته هو تأويل رؤياه.
وابن جرير هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إماماً في فنون كثيرة، منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارته وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحداً، وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين بآمل طبرستان، وتوفي يوم السبت في السادس والعشرين من شوال سنة عشر وثلاثمائة ببغداد رحمه الله تعالى.
وسفيان هو بن سعيد بن مسروق "الإمام شيخ الإسلام" سيد الحفاظ أبو عبد الله الثوري، ثور مضر لا ثور همدان، الكوفي الفقيه حدث عن أبيه، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وحدث عنه بن
стр. 240
المبارك، ويحيى القطان، وابن وهب، ووكيع وخلائق كثيرون. وقال شعبة ويحيى بن معين وجماعة في حقه "سفيان أمير المؤمنين في الحديث" ولد سفيان في سنة سبع وتسعين، وطلب العلم وهو حدث، فإن أباه كان من علماء الكوفة، ومات في البصرة، في الاختفاء من المهدي في شعبان سنة مائة وإحدى وستين ﵁.
والشافعي: هو أبو عبد الله الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي المطلبي المكي نسيب رسول الله ﷺ وناصر سنته. ولد سنة خمسين ومائة بغزة، وحمل إلى مكة لما فطم، فنشأ بها وأقبل على العلوم. حدث عن عمه محمد بن علي، وعبد العزيز بن الماجشون، والإمام مالك وإسماعيل بن جعفر، وخلق كثير. وعنه أحمد والحميدي وأبو ثور، وأمم سواهم، وكان قد برع في الشعر واللغة وأيام العرب. ثم أقبل على الفقه والحديث، وجود القرآن على إسماعيل بن قسطنطين مقرئ مكة، ثم حفظ الموطأ وعرضه على مالك، وأذن له مسلم بن خالد في الفتوى وهو ابن عشرين سنة أو دونها، وتوفي في أول شعبان سنة أربع ومائتين بمصر.
وأحمد هو بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الهذلي الشيباني المروزي، ثم البغدادي ولد سنة مائة وأربع وستين، سمع من هشيم وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن أبي زائد وطبقتهم، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعه وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوي وخلق عظيم. قال إبراهيم الحربي "رأيت أحمد كان الله قد جمع له علم الأولين والآخرين! " وقال حرملة "سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل! وقال علي بن المديني أن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة! وبأحمد
стр. 241
بن حنبل يوم المحنة! توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
والبخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي بالولاء، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وعنه أنه قال: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله".
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر سنة مائتين وستة وخمسين بخرتنك قرية من قرى سمرقند.
стр. 242
التفسير هو البيان
...
بن حنبل يوم المحنة! توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
والبخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي بالولاء، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وعنه أنه قال: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله".
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر سنة مائتين وستة وخمسين بخرتنك قرية من قرى سمرقند.
قوله:
"الثاني" هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، أو تعرف علته أو دليله.
"وهذا التأويل الثالث" هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة: "كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن يعني قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ . وقول سفيان بن عيينة "السنة هي تأويل الأمر والنهي"، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر.
стр. 243
والكلام خبر وأمر، ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره "الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة" كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء، لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ ، كما يعلم إتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة، ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته، بخلاف تأويل الخبر.
ش: هذا رجوع من الشيخ إلى شرح النوع الثاني والثالث، من أنواع التأويل لمزيد الإيضاح، وكان السياق يقتضي أن يكون الكلام. فالثاني هو تفسير الكلام بالفاء، ولكن لعلها سقطت سهواً من الناسخ. وبعد أن ذكر أن النوع الثاني من أنواع التأويل، هو التفسير بين معنى بقوله: "وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ" فالتفسير إذاً هو إيضاح معنى الكلام وبيان المراد منه، أو الكشف عما اشتمل عليه من حكمة، أو ذكر ما دل عليه من دليل، أو بيان ما استنبط من حكم.
قال الزركشي "التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والصرف وعلم البيان وأصول الفقه، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ" ومن شواهد مجيء التأويل مراداً به التفسير قوله سبحانه في قصة يوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتأويلهِ أنا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أنبِّئُكُمْ بِتأويلهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ .
والنوع الثالث من أنواع التأويل هو حقيقة الشيء وكنه ما هو عليه، وهذا معنى قول المؤلف: هو عين ما هو موجود في الخارج. وقد استشهد على هذا النوع بما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يتأول القرآن" يعني يوجد حقيقة ما أمر به بقوله في
стр. 244
الركوع والسجود "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". فيشرع للمصلى أن يقول هذا الدعاء في ركوعه وسجوده، كما يشرع له أن يقول في السجود: "سبحان ربي الأعلى" لما في الحديث الذي رواه أهل السنن.
وفي حديث حذيفة الذي رواه مسلم أنه ﷺ صلى بالليل صلاة قرأ فيها بالبقرة والنساء، وآل عمران ثم ركع، ثم سجد نحو قراءته، يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى" وفي الحديث "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" وذلك أن السجود غاية الخضوع من العبد، وغاية تسفيله وتواضعه بأشرف شيء فيه لله، وهو وجهه بأن يضعه على التراب فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه الأعلى.
والشاهد من كلام سفيان بن عيينة مجيء التأويل في كلام السلف مراداً به الحقيقة، ومن أجل أن التأويل يرد في كلام السلف مراداً به الحقيقة يقول أبو عبيدة: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. يعني أعلم بحقيقة ما أراده الله ورسوله بكلامهما، لمعرفتهم النصوص، وعلمهم بقواعد الشرع العامة، وخبرتهم بذلك أكثر من مجرد العلم بالمعنى اللغوي للنص. ومثل المؤلف لذلك باختلاف الفقهاء واللغويين في تفسير اشتمال الصماء الواردة في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين الفطر والنحر، وعن الصماء وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر، وتفسير اشتمال الصماء عند الفقهاء: هو أن يشتمل الإنسان بثوب ويرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه، فالنهي عنه لأنه يؤدي إلى التكشف وظهور العورة.
وأما تفسير أهل اللغة فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب فيستر به جميع جسده بحيث لا يترك فرجة يخرج منها يده، واللفظ مطابق لهذا
стр. 245
المعنى. والنهي عنه يحتمل وجهين: أحدهما أنه يخاف معه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه فيهلك غماً تحته إذا لم تكن فيه فرجة، والآخر أنه إذا تجلل به فلا يمكن من الاحتراس والاحتراك إن أصابه شيء، أو نابه مؤذ ولا يمكنه أن يتقيه بيديه لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به.
قال عبد الغافر الفارسي بعد حكايته لتفسير الفقهاء: وهذا التفسير لا يشعر به لفظ الصماء. قال الصنعاني مؤيداً قول الفارسي، قوله لا يشعر به لفظ الصماء أقول: لأنه مأخوذ من الصمم وهو انسداد الأذن، وهذا المعنى الذي ذكروا ليس فيه انسداد. وفي القاموس اشتمال الصماء أن يرد الكساء من قبل ميمنته على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه يده اليمني وعاتقه الأيمن فيغطيهما، أو الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يضعه على أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو فرجه. وقوله "لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه" الخ.
معناه أن أهل العناية بعلم الرسول العالمين بالقرآن وتفسير الرسول ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ﷺ ومراده أكثر مما يعلمه علماء اللغة، كما أن أهل العلم بمذهب بقراط في الطب، وأهل العلم بمذهب سيبويه في النحو، وما قعدا من قواعد ورسما من ضوابط أكثر معرفة بمقاصدهما وشرح كلامهما من مجرد معرفة المعنى اللغوي.
وقوله ونحوهما يعني كرؤساء أهل الكلام والفلسفة، وتأويل الخبر هو نفس وقوع المخبر به وعين وجوده، كما أن تأويل الأمر هو نفس فعل المأمور به، ولكن تأويل الأمر لا بد من العلم به لامتثال المأمور وترك المحذور. أما تأويل الخبر فيكفي فيه الإيمان به وما ظهر للإنسان من معناه فهو من تعليم الله له، وما لم يظهر له وكل علمه إلى قائله، كما أن الكيفيات وحقيقة الأمر
стр. 246
على ما هو عليه مما لا يعلمه إلا الله . ويصلح أن يستشهد بكلام أبي عبيدة على مجيء التأويل في كلام السلف مراداً به التفسير.
وعائشة هي أم عبد الله حبيبة رسول الله ﷺ ، بنت خليفة رسول الله ﷺ ، أبي بكر الصديق ﵁ من أكبر فقهاء الصحابة، بنى بها النبي ﷺ في شوال بعد وقعة بدر فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، فكانت أحب نسائه ونزلت الآيات في تبرئتها مما رماها به أهل الإفك، وعاشت خمساً وستين سنة، حدث عنها جماعة من الصحابة، ومسروق والأسود وابن المسيب، وعروة والقاسم والشعبي وعطاء وابن أبي مليكة، ومجاهد وعكرمة، ومعاذ العدوية، ونافع مولى بن عمر، وخلق كثير. وكانت غزيرة العلم بحيث أن عروة يقول "ما رأيت أحداً أعلم منها بالطب" وكانت عالمة بالقرآن، وبالفريضة، وبالحلال والحرام، والشعر وكلام العرب والنسب، ﵂ توفيت سنة سبع وخمسين.
وسفيان هو بن عيينة بن ميمون، العلامة الحافظ، شيخ الإسلام أبو محمد الهلالي الكوفي، محدث مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك بن مزاحم، ولد سنة سبع ومائة، وطلب العلم في صغره، سمع عمرو بن دينار والزهري، وأبا إسحاق والأسود ابن قيس، وأمماً سواهم. وحدث عنه الأعمش وابن جريج وشعبة، وخلق لا يحصون فقد كان خلق كثير يحجون والباعث لهم لقيا بن عيينة! فيزدحمون عليه في أيام الحج وكان إماماً حجة، حافظاً، واسع العلم، كبير القدر. قال الشافعي "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز" وقال حرملة "سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحداً فيه من آلة العلم ما في سفيان! " وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه! وما رأيت أحداً أحسن لتفسير الحديث منه!! " مات في جماد الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة.
وأبو عبيدة: هو معمر بن المثنى المصري، اللغوي الحافظ، صاحب
стр. 247
التصانيف الكثيرة روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه علي بن المديني، وأبو عثمان المازني وغيرهم. قال الجاحظ "لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة" مات سنة عشر بعد المائتين وقيل غير ذلك.
وبقراط: هو أبو الطب المشهور ولد بجزيرة كوس سنة أربعمائة وستين قبل الميلاد، من أشرف بيت من أسرة فريسامس الملك، وتعلم صناعة الطب من أبيه إيرقليدس، ورأى أن صناعة الطب كادت أن تبيد فأحب يذيعها في جميع الأرض وينقلها إلى سائر الناس، ويعلمها مستحقيها، حتى لا تبيد، إذ كانت صناعة الطب قبله كنزاً أو ذخيرة يكنزها الآباء للأبناء من الملوك والزهاد فقط، يقصدون بها الإحسان إلى الناس بالمجان، ولم يزل كذلك، إلى أن نشأ بقراط وتعلم. وهو أول من دون صناعة الطب وشهرها وأظهرها، وله من المؤلفات في ذلك نحو من ثلاثين كتاباً. وقد توفي سنة ثلاثمائة وخمس وستين قبل الميلاد.
وسيبويه: هو أستاذ النحاة أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بن الحارث بن كعب. ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه، حتى كانتا كالتفاحتين، فسيبويه في لغة فارس رائحة التفاح. وهو الإمام العلامة شيخ النحاة، فالناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن وقد شرح بشروح كثيرة. أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه. وأخذ أيضاً عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب، وأبي زيد الأنصاري، وأبي خطاب الأخفش الكبير، وغيرهم. قدم من البصرة أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، ورحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، سنة مائتين وثمانين وقد ناف على الأربعين سنة.
стр. 248
موجودات الدنيا تشبه موجودات الآخرة
...
قوله:
إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة لنفسه المقدسة، المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد. ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً ولبناً، وعسلاً وخمراً ونحو ذلك. وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أولى، وأن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته. والإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به: من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب وفسرنا ذلك.
وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان" فبين أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
стр. 249
ش: يعني إذا عرف أننا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه وعرفت أنواع التأويل وأن منها ما يعلمه العباد وهو التفسير، ومنها مالا يعلمه إلا الله وهو الكيفيات وعرف انقسام الكلام إلى خبر وأمر، وأن تأويل الخبر هو عين وقوع المخبر ووجوده، وتأويل الأمر هو نفس فعل المأمور به.
إذا عرف ذلك كله فإن تأويل ما أخبر الله به عن نفسه هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وهي كنه ذاته وصفاته وتأويل ما أخبر الله به عن الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من البعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، فكيفية صفات الله هي التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ، وكذلك ما وعد به في الجنة يعلم العباد تفسيره.
وأما حقائقه على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها نحن حتى تكون الساعة، ومن أجل أن من التأويل مالا يعلمه إلا الله، يتعين على المسلم أن يعمل بمحكم السنة ويؤمن بمتشابهها. فما جاء في القرآن الكريم أو حديث الرسول ﷺ وجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وفي نصوص القرآن والحديث ألفاظ ومعاني تشبه ما نعلمه في الدنيا، ولكن ليست الحقيقة هي نفس الحقيقة، كما أن هذه الحقيقة ليست مماثلة لتلك الحقيقة، بل بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فأسماء الله وصفاته وأن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي، إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، وكذلك الشأن بالنسبة إلى إخبار الله عن اليوم الآخر ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا في الدنيا، إلا أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، ففي الآخرة لبن وعسل وخمر وأنهار من ماء، وفيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة، فبينهما اتفاق في الاسم وفي المعنى الكلي المشترك، بواسطته عرفنا معاني ما خوطبنا به، فإن الإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه
стр. 250
بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، فنحن نعرف أشياء بحسب الظاهر أو الباطن، ثم إنا بمعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية، فلولا أننا نشهد من أنفسنا جوعاً وعطشاً وشبعاً وريا وحباً وبغضاً ولذةً ورضاً وسخطاً لم نعرف حقيقة ما خوطبنا به إذا وصف لنا وأخبرنا به وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد من حياة وقدرة وعلم وكلام ونحو ذلك لم نفهم ما نخاطب به وحينئذ فبين موجودات الدنيا وموجودات الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبها فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا، بل هي داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مصداق ذلك في كتاب الله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءاً بما كانوا يعملون" وإذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر في الخالق والمخلوق أعظم، فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق، فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق بينهما من التفاضل والتباين مالا نعلمه ولا يمكن أن نعلمه في الدنيا بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، فصفات الخالق أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل مالا يعلمه إلا الله ﵎. فنحن نفهم ما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين ونعلم تفسيره، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة ونفرق بين مسميات هذه الأسماء: وما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها حتى تكون الساعة، بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، ولهذا كان قول من قال: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله حقاً، وقول من قال "أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله
следующие страницы →