Полный текст (485 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
على ما هو عليه مما لا يعلمه إلا الله . ويصلح أن يستشهد بكلام أبي عبيدة على مجيء التأويل في كلام السلف مراداً به التفسير.
وعائشة هي أم عبد الله حبيبة رسول الله ﷺ ، بنت خليفة رسول الله ﷺ ، أبي بكر الصديق ﵁ من أكبر فقهاء الصحابة، بنى بها النبي ﷺ في شوال بعد وقعة بدر فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، فكانت أحب نسائه ونزلت الآيات في تبرئتها مما رماها به أهل الإفك، وعاشت خمساً وستين سنة، حدث عنها جماعة من الصحابة، ومسروق والأسود وابن المسيب، وعروة والقاسم والشعبي وعطاء وابن أبي مليكة، ومجاهد وعكرمة، ومعاذ العدوية، ونافع مولى بن عمر، وخلق كثير. وكانت غزيرة العلم بحيث أن عروة يقول "ما رأيت أحداً أعلم منها بالطب" وكانت عالمة بالقرآن، وبالفريضة، وبالحلال والحرام، والشعر وكلام العرب والنسب، ﵂ توفيت سنة سبع وخمسين.
وسفيان هو بن عيينة بن ميمون، العلامة الحافظ، شيخ الإسلام أبو محمد الهلالي الكوفي، محدث مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك بن مزاحم، ولد سنة سبع ومائة، وطلب العلم في صغره، سمع عمرو بن دينار والزهري، وأبا إسحاق والأسود ابن قيس، وأمماً سواهم. وحدث عنه الأعمش وابن جريج وشعبة، وخلق لا يحصون فقد كان خلق كثير يحجون والباعث لهم لقيا بن عيينة! فيزدحمون عليه في أيام الحج وكان إماماً حجة، حافظاً، واسع العلم، كبير القدر. قال الشافعي "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز" وقال حرملة "سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحداً فيه من آلة العلم ما في سفيان! " وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه! وما رأيت أحداً أحسن لتفسير الحديث منه!! " مات في جماد الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة.
وأبو عبيدة: هو معمر بن المثنى المصري، اللغوي الحافظ، صاحب
стр. 247
التصانيف الكثيرة روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه علي بن المديني، وأبو عثمان المازني وغيرهم. قال الجاحظ "لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة" مات سنة عشر بعد المائتين وقيل غير ذلك.
وبقراط: هو أبو الطب المشهور ولد بجزيرة كوس سنة أربعمائة وستين قبل الميلاد، من أشرف بيت من أسرة فريسامس الملك، وتعلم صناعة الطب من أبيه إيرقليدس، ورأى أن صناعة الطب كادت أن تبيد فأحب يذيعها في جميع الأرض وينقلها إلى سائر الناس، ويعلمها مستحقيها، حتى لا تبيد، إذ كانت صناعة الطب قبله كنزاً أو ذخيرة يكنزها الآباء للأبناء من الملوك والزهاد فقط، يقصدون بها الإحسان إلى الناس بالمجان، ولم يزل كذلك، إلى أن نشأ بقراط وتعلم. وهو أول من دون صناعة الطب وشهرها وأظهرها، وله من المؤلفات في ذلك نحو من ثلاثين كتاباً. وقد توفي سنة ثلاثمائة وخمس وستين قبل الميلاد.
وسيبويه: هو أستاذ النحاة أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بن الحارث بن كعب. ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه، حتى كانتا كالتفاحتين، فسيبويه في لغة فارس رائحة التفاح. وهو الإمام العلامة شيخ النحاة، فالناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن وقد شرح بشروح كثيرة. أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه. وأخذ أيضاً عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب، وأبي زيد الأنصاري، وأبي خطاب الأخفش الكبير، وغيرهم. قدم من البصرة أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، ورحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، سنة مائتين وثمانين وقد ناف على الأربعين سنة.
стр. 248
موجودات الدنيا تشبه موجودات الآخرة
...
قوله:
إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة لنفسه المقدسة، المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد. ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً ولبناً، وعسلاً وخمراً ونحو ذلك. وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أولى، وأن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته. والإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به: من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب وفسرنا ذلك.
وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان" فبين أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
стр. 249
ش: يعني إذا عرف أننا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه وعرفت أنواع التأويل وأن منها ما يعلمه العباد وهو التفسير، ومنها مالا يعلمه إلا الله وهو الكيفيات وعرف انقسام الكلام إلى خبر وأمر، وأن تأويل الخبر هو عين وقوع المخبر ووجوده، وتأويل الأمر هو نفس فعل المأمور به.
إذا عرف ذلك كله فإن تأويل ما أخبر الله به عن نفسه هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وهي كنه ذاته وصفاته وتأويل ما أخبر الله به عن الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من البعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، فكيفية صفات الله هي التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ، وكذلك ما وعد به في الجنة يعلم العباد تفسيره.
وأما حقائقه على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها نحن حتى تكون الساعة، ومن أجل أن من التأويل مالا يعلمه إلا الله، يتعين على المسلم أن يعمل بمحكم السنة ويؤمن بمتشابهها. فما جاء في القرآن الكريم أو حديث الرسول ﷺ وجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وفي نصوص القرآن والحديث ألفاظ ومعاني تشبه ما نعلمه في الدنيا، ولكن ليست الحقيقة هي نفس الحقيقة، كما أن هذه الحقيقة ليست مماثلة لتلك الحقيقة، بل بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فأسماء الله وصفاته وأن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي، إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، وكذلك الشأن بالنسبة إلى إخبار الله عن اليوم الآخر ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا في الدنيا، إلا أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، ففي الآخرة لبن وعسل وخمر وأنهار من ماء، وفيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة، فبينهما اتفاق في الاسم وفي المعنى الكلي المشترك، بواسطته عرفنا معاني ما خوطبنا به، فإن الإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه
стр. 250
بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، فنحن نعرف أشياء بحسب الظاهر أو الباطن، ثم إنا بمعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية، فلولا أننا نشهد من أنفسنا جوعاً وعطشاً وشبعاً وريا وحباً وبغضاً ولذةً ورضاً وسخطاً لم نعرف حقيقة ما خوطبنا به إذا وصف لنا وأخبرنا به وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد من حياة وقدرة وعلم وكلام ونحو ذلك لم نفهم ما نخاطب به وحينئذ فبين موجودات الدنيا وموجودات الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبها فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا، بل هي داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مصداق ذلك في كتاب الله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءاً بما كانوا يعملون" وإذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر في الخالق والمخلوق أعظم، فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق، فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق بينهما من التفاضل والتباين مالا نعلمه ولا يمكن أن نعلمه في الدنيا بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، فصفات الخالق أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل مالا يعلمه إلا الله ﵎. فنحن نفهم ما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين ونعلم تفسيره، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة ونفرق بين مسميات هذه الأسماء: وما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها حتى تكون الساعة، بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، ولهذا كان قول من قال: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله حقاً، وقول من قال "أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله
стр. 251
حقاً" فالذين قالوا: "أنهم يعلمون تأويله، مرادهم بذلك أنهم يعلمون معناه، ومن قال أنهم لا يعرفون تأويله أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص الله بعلمها، ومن أجل ذلك أجاب الإمام مالك من سأله عن الاستواء. وكذلك شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكذلك أم سلمة أجابوا بأن الاستواء معلوم وأن كيفيته مجهولة.
فمعنى الاستواء معلوم وهو التأويل الذي يعلمه الراسخون. والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم. وقد ذكر الشيخ نص جواب مالك، ونص جواب ربيعة، كما ترى. وأما جواب أم سلمة فنصه "عن أم سلمة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : قالت الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر".
стр. 252
حديث أسألك بكل أسم هو لك
...
قوله:
ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو. وقد قال النبي ﷺ : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وهذا في صحيح مسلم وغيره. وقال في الحديث الآخر: "اللهم أني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" والحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، لا يعلمها غيره.
ش: يعني مثل ما جاء عن الإمام مالك وغيره من نفي العلم بكيفية الصفات مع معرفة المعنى وتفسيره، يروى أيضاً عن أئمة السنة: كالإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة وعبد العزيز بن الماجشون ونعيم بن حماد وغيرهم، فإن الجميع يوجد في كلامهم نفي العلم بكيفية الصفات مع إثبات المعنى وتفسيره.
стр. 253
وقد استشهد المؤلف على عدم العلم بكيفية الصفات وعدم حصر ما لله من الأسماء والصفات بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والضمير في قوله وغيره، راجع إلى صحيح مسلم فقد رواه أيضاً الخمسة من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء في آخر وتره.
كما استشهد المؤلف أيضاً بما رواه أبو حاتم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم أني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً" فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها".
قال ابن القيم في شرح هذا الحديث "فجعل أسماءه سبحانه ثلاثة أقسام: قسماً سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه، وقسماً أنزل به كتابه وتعرف به إلى عباده، وقسماً استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحداً من خلقه" ومنه قوله ﵇ في حديث الشفاعة "فيفتح من محامده بما لا أحسنه الآن" وتلك المحامد هي بأسمائه وصفاته. وقال ﵀ مبيناً أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين
стр. 254
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قال "أن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر" فالكلام جملة واحدة. وقوله "من أحصاها دخل الجنة" صفة لا خبر مستقل، والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا يعني أنه ليس أسماء غيرها، بل هذا مثل قولك: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فإنه لا يعني أنه ليس له مماليك غيرهم أعدهم لغير الجهاد.
ومسلم: هو ابن الحجاج، الإمام الحافظ حجة الإسلام أبو حسين القشيري النيسابوري، صاحب التصانيف ولد سنة مائتين وأربع وأول سماعه سنة مائتين وثماني عشرة، سمع من يحيى بن يحيى التميمي، والقعنبي وأحمد بن يونس اليربوعي، وأحمد بن حنبل وخلق كثير. وروى عنه الترمذي وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق سواهم. وقد قال محمد من الماسرجس: "سمعت مسلماًِ يقول: صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة وهو اثنا عشرة ألف حديث" مات مسلم في رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
وأبو حاتم: هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر الرازي أحد الأعلام، ولد سنة خمس وتسعين ومائة وقال: "كتبت الحديث سنة تسع ومائتين" رحل وهو لا يزال أمرد! فسمع عبيد الله بن موسى، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، والأصمعي، وأبا نعيم، وأمماً سواهم. وبقي في الرحلة مدة قال عن نفسه: "أول ما رحلت أقمت سبع سنين ومشيت على قدمي زيادة على ألفي فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة! " وقد حدث عنه يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عوف الطائي، وأبو داود والنسائي وخلق كثير. قال أحمد بن سلمة
стр. 255
الحافظ: "وما رأيت بعد محمد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم" توفي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة.
стр. 256
تعتبر الصفات مترادفة بالنسبة لدلالتها على ذات واحدة ومتباينة من جهة اختلاف المعنى
...
قوله:
والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته. فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب. وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء وغير ذلك. ومثل هذه الأسماء تتنازع الناس فيها، هل هي من قبيل المترادف – لإتحاد الذات – أو من قبيل المتباين لتعدد الصفات؟ كما إذا قيل: السيف والصارم والمهند، والقصد في الصارم معنى الصرم، زفي المهند النسبة إلى الهند، والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات.
ش: يعني أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﷺ بأنه متصف بالعلم والقدرة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ومتصف بالسمع والبصر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ومتصف بالمغفرة والرحمة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ إلى غير ذلك مما ورد من أسمائه وصفاته كوصفه بالغضب والرضا، والمحبة والكلام واليدين
стр. 257
والاستواء، ونحن نفهم هذه الصفات ونعرف معانيها ونميز بين بعضها والبعض الآخر. ونعلم أن كلها متفقة من جهة دلالتها على ذات الله سبحانه. فهو الموصوف والمسمى بها، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر مع أن الجميع حق. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فإذا قيل: الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد وأن كان كل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر.
ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي، يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به نفهم ونثبت هذه المعاني لله، لم نكن قد عرفنا من الله شيئاً. ولا صار في قلوبنا أيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله وتعظيمه.
قال الشيخ ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة، حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأسماء الله وصفاته مترادفة من جهة دلالتها على الذات الواحدة، ومتباينة من جهة تغاير معانيها، وقد استشهد المؤلف على كون الأسماء تكون مترادفة باعتبار ومتباينة باعتبار آخر، بثلاثة أمثلة:
أحدها: أسماء الرسول ﷺ ، وثانيها: أسماء القرآن الكريم. وثالثها: أسماء السيف. فمحمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب كلها أسماء تدل على شيء واحد هو ذات الرسول محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ
стр. 258
مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائيلَ أني رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ .
وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" والعاقب الذي ليس بعده نبي. وعن حذيفة قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا محمد وأحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة". والفرقان والقرآن والهدى والنور والشفاء والتنزيل كلها أسماء لشيء واحد هو كتاب الله المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ ، مع تبلين معانيها، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ وقال : ﴿أنا أنزَلْنَاهُ قُرْأناً عَرَبِيا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ وقال: ﴿وَأنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَأنهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وقول المؤلف "وغير ذلك" يعني كتسميته روحاً ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ووحيا ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ وعربيا ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ وبصائر ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ وبياناً ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ وعلماً ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وحقاً ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وهاديا ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾ وعجباً ﴿قُرْآناً عَجَباً﴾ وتذكرة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ وصدقاً ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وعدلا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ وأمراً ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ومناديا ﴿سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ وبشرى ﴿هُدىً وَبُشْرَى﴾ ومجيداً ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وزبوراً ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ وبشيراً ونذيراً ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ وعزيزاً ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ وبلاغاً ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾ وقصصاً ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ .
والسيف: يطلق عليه المهند والصارم وكلها أسماء لشيء واحد، هو
стр. 259
الآلة الحادة المعروفة، ومعنى هذه الأسماء متباينة، حيث يلاحظ في المهند النسبة إلى الهند، ويلاحظ في الصارم معنى الصرم وهو القطع، فأسماء الله الحسنى كالأول والآخر، والظاهر والباطن، والرحمن والرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، العليم الحكيم. وأمثال ذلك تدل كلها على ذاته. وهو أحد صمد، ويدل هذا من صفاته على مالا يدل عليه الآخر، فهي متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في الدلالة على الصفات.
واعلم أن الأسماء منها ما هو مترادف وهو ما اختلف لفظه واتحد معناه: كالليث والأسد والغضنفر، ومنها ما هو مشترك، وهو ما اتحد لفظه واختلف معناه كالعين والقرؤ، ومنها ما متباين، وهو ما اختلف لفظه ومعناه، كالسماء والأرض، ومنها ما هو متواطئ، وهو ما اتفق لفظه ومعناه.
فإن كان المعنى متساويا في الجميع فهو التواطأ المطلق، وأن كان هذا المعنى متفاوتا متفاضلاً، فهو المتواطئ المشكك، كالرجل لزيد وعمر في الأول وكالنور للشمس والسراج في الثاني.
стр. 260
التواطؤ والاشتراك
...
قوله:
ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يعرف الأحكام والتشابه الذي يعمه، والأحكام والتشابه الذي يخص بعضه. قال تعالى ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فأخبر أنه أحكم آياته كلها. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشَابِهاً مَثَانيَ﴾ فأخبر أنه كله متشابه. والحكم هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يفصل بين الخصمين، والحكم فصل بين المتشابهات، علماً وعملاً، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك
стр. 261
الضار، فيقال: حكمت السيف وأحكمته، إذا أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها، إذا جعلت لها حكمة، وهي ما أحاط بالحنك من اللجام. وإحكام الشيء إتقانه. فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيماً بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيات الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله ﴿أن هَذَا القرآن يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . وجعله مفتيا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديا ومبشراً في قوله: ﴿أن هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ .
وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿أنكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ . فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضاً، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته، إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضاً، فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين، فيمدح أحدهما ويذم الآخر.
فالأقوال المختلفة هنا: هي المتضادة. والمتشابهة: هي المتوافقة. وهذا التشابه يكون في المعاني وأن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني
стр. 262
يوافق بعضها بعضاً، ويعضد بعضها بعضاً، ويناسب بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضاً، كان الكلام متشابهاً، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضاً. فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضاً، لا ينافي بعضه بعضاً.
ش: يعني ومما يوضح أننا نجهل الكيفيات والحقائق التي استأثر الله بعلمها. ونعلم معاني ما خوطبنا به ونفسره، وأن الأسماء تكون مترادفة من جهة دلالتها على شيء واحد ومتباينة من جهة تغاير معانيها مما يوضح ذلك كله: أن الله سبحانه وصف القرآن كله بأنه محكم، كما في آية هود، ووصفه كله بأنه متشابه كما في آية الزمر.
وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ بين أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فهذه الأوصاف كلها نعوت لشيء واحد هو كتاب الله المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ . ولا منافاة بين وصفه كله بالإحكام ووصفه كله بالتشابه، فإن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه كون يشبه بعضه بعضاً في الحق والصدق والإعجاز، والمحكم لغة مأخوذة من حكمت الدابة. وأحكمت بمعنى منعت، والحكم: هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يمنع الظالم ويفصل بين الخصمين، ويميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، ويقال حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يده، وحكمت الدابة وأحكمتها، إذا جعلت لها حكمة.
وفسر الحكمة بقوله: "وهي ما أحاط بالحنك من اللجام" لأنها تمنع الفرس عن الاضطراب ومنه الحكمة، لأنها تمنع صاحبها عما لا يليق، وإحكام الشيء إتقانه والمحكم المتقن، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز
стр. 263
الصدق من الكذب في إخباره والرشد من الغي في أوامره. والمحكم منه ما كان كذلك. وقد سمى الله القرآن حكيما كما في آية يونس، كما أنه يقص ويفتي، ويهدي ويبشر، وقد استشهد المؤلف على ذلك بآية يوسف، والنساء، والإسراء، فالقرآن كله محكم أي أنه كلام متقن فصيح يميز بين الحق والباطل والصدق والكذب، وهذا هو الإحكام العام، والمتشابه لغة مأخوذ من التشابه، وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر لما بينهما من التناسب.
وتشابه الكلام هو تماثله وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضا. وقد وصف الله القرآن كله بأنه متشابه على هذا المعنى كرا في آية الزمر. فالقرآن كله متشابه أي يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة، ويصدق بعضه بعضا في المعنى، وهذا هو التشابه العام. وكل من المحكم والمتشابه بمعناه المطلق لا ينافي الآخر. فالقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، وهو متماثل يصدق بعضه بعضا. فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، وإنما يأمر به أو بنظيره أو يلازمه كأمره بالصلاة فإنك لا تجده في موضع آخر ينهى عنها،
وإنما يأمر بها نفسها أو يأمر بنظيرها من العبادات كالزكاة، أو يأمر بشيء من لوازمها كالوضوء، وكذلك الشأن في نواهيه وأخباره. فإذا نهى عن الشرك لم تجده في موضع آخر يأمر به وإنما ينهى عنه أو عن نظيره؟ كنهيه عن ضرب الأمثال له المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أو ينهى عن شيء من لوازمه: كنهيه عن الوسائل المفضية إليه، وإذا أخبر عمن أطاعه أو عصاه من الأمم وماذا عمل بهم أو أعد لهم لم تجده في موضح آخر ينفي هذا الخبر. كما أنه إذا نفى عن نفسه الند والشريك والسنة والنوم، وأشباه ذلك. لم تجده في موضع آخر يثبت ما نفى. وقوله إذا لم يكن هناك نسخ يعني كما في آية التخير للمقيم بين الصوم والفطر مع الفدية مع أيجاب آية الصوم عزما. وكالوصية للوالدين والأقربين المنسوخة بآية المواريث، وكالصلاة إلى القدس المنسوخة بالتوجه إلى الكعبة.
стр. 264
والكلام المحكم المتقن تتفق معانيه وأن اختلفت ألفاظه فلا تضاد فيه ولا اختلاف ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا والمراد بالاختلاف التناقض والاضطراب فلا يتناول وجوه القراءات. واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصف القرآن بالمثاني لتثنية القصص فيه وتكرير المواعظ والأحكام، ولأنه يثنى في التلاوة فلا يمل سامعه ولا يسأم قارؤه.
стр. 265
التشابه الخاص والاحكام الخاص
...
قوله:
بخلاف الأحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله وليس كذلك. والأحكام
هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدها بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما. ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبها عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك! فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث
يشتبه على بعض الناس دون بعض ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله فعلم العلماء أنه ليس مثله وأن كان مشبها له من بعض الوجوه.
ش: بعد أن ذكر المؤلف أنه لا منافاة بين الأحكام العام والتشابه العام، بين أن الأحكام الخاص والتشابه الخاص غير متفقين، بل هما ضدان، وهما المذكور أن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويلهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
стр. 266
والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وقد عرف التشابه الخاص بقوله: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، كما عرف الأحكام الخاص بقوله: والأحكام هو الفصل بينهما والوجه الذي يحصل به الاشتباه هو القدر المشترك بين المشتبهين. أما الوجه الذي تحصل به المخالفة فهو القدر الفارق المميز، فأسماء الله تعالى وصفاته تتفق مع أسماء المخلوقين وصفاتهم في اللفظ وفي المعنى الكلي المشترك. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أنتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال : ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
فالذين لا يفرقون بين الأمور وأن اتفقت من وجه واختلفت من وجه آخر يظنون أنهم إذا أثبتوا الصفات لله شبهوه بالمخلوقات، ومن الناس من يهتدي لمعرفة ما يحصل به الاشتراك وما يحصل به الاختلاف بين
المتشابهين، وهؤلاء هم الذين اثبتوا له ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وحينئذ فالتشابه الخاص إنما يعتبر متشابها بالنسبة لبعض الناس دون بعض وليس في حد ذاته متشابها غير أن ذلك، ومثل المؤلف لذلك: باشتباه موجودات الآخرة، من لبن وعسل، وماء وخمر، وذهب وفضة، وحور ومساكن بموجودات الدنيا.
فإن بعض الناس تشتبه عليهم هذه الأمور فيظنون أن هذه الحقيقة مماثلة لتلك الحقيقة من كل وجه. أما أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيفهمون من النصوص ما يزيل عنه هذا الاشتباه ويعلمون أن ما أعده الله في دار البقاء والخلود من أنواع النعيم أكمل وأعظم مما يشهدونه في دار الفناء والزوال. وقوله "والتشابه الذي لا يتميز معه" معناه أن التشابه الخاص الذي لا يتضح معه المعنى بسبب ما بين الأمرين المشتبهين من
стр. 267
القدر المشترك ليس هو في حل ذاته متشابها وإنما يشتبه على بعض الناس دون بعض بخلاف المتشابه لذاته، كحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد، فإن هذا المتشابه بالنسبة لكل الخلق، إذ هو داخل تحت قوله ﵎: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
стр. 268
ما من شيئين إلاويشتبهان من وجه ويختلفان من وجه آخر
...
قوله:
ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل، والقياس الفاسد، إنما
هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه.
فمن عرف الفصل بين الشيئين، اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه فلهذا كان ضلال بني
آدم من قبل التشابه. والقياس الفاسد لا ينضبط كما قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال: والتأويل الخطأ إنما
يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة.
ش: يعني ومن قبيل الضلال بسبب الاشتباه وعدم معرفة الفرق بين الأمور التي يحصل بينهما اشتراك من وجه واختلاف من وجه آخر، من هذا القبيل الشبه التي سرت في الناس فضلوا بسببها. ثم عرف الشبه
بقوله: "وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل" فهي إذاً أقوال مشتبهة يكون فيها ما يقتضي تناولها الحق والباطل، يعارض أصحابها بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
هذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع، فإن
стр. 269
البدعة لو كانت حقاً محضاً لا شوب فيه لكانت موافقة للسنة، ولو كانت باطلا محضاً لم تخف على أحد، ولكن البدعة تشتمل على حق وباطل ولهذا قال تعالى فيما يخاطب به أهل الكتاب على لسان محمد ﷺ ﴿يا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فنهاهم عن لبس الحق بالباطل. ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدها بالآخر.
وأول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم ﵇
وهي الطين. وانشعبت من هذه الشبهة عدة شبه سرت في أذهان الناس حق صارت مذاهب بدعة وضلال وأصبحت تلك الاعتراضات بمثابة البذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع.
فمقالات أهل الزيغ لا تعدو شبهة إبليس وأن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص. هذا ومن جادل نوحا وهودا
وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا وموسى وعيسى ومحمد صلوات اله عليهم أجمعين، كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاتهم فحاصلها يرجع إلى دفع التكاليف عن أنفسهم وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم، إذ لا فرق بين قولهم ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ وبين قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ .
فالشيطان لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لزم إجراء حكم الخالق في الخلق، والأول غلو، والثاني تقصير. فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية، والمشبهة والغلاة من الروافض
حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بصفات الجلال.
стр. 270
وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية. فالمعتزلة غلوا في توحيدهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات، والروافض غلوا في النبوة والإمامة، حتى وصلوا إلى الحلول. وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان أنهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
وقد جاء في الآثار تشبيه كل أمة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السابقة فشبهت القدرية بالمجوس، والمشبهة باليهود، والروافض بالنصارى. وبعد أن عرف المؤلف الشبهات ذكر أن القياس الفاسد من جملتها، وعرفه بقوله لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه ومن أوتي العلم بالفصل بين الأمور المتشابهة لم يلتبس عليه الحق بالباطل.
ومما هو معلوم أن ما من شيئين إلا وبينها اشتباه من وجه، وهو القدر المشترك، وافتراق من وجه آخر، وهو الفارق الذي يزيل الاشتباه؟ وذلك مثل جنس الوحي والتنزيل، قال تعالى: ﴿إنا أوحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أوحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقال : ﴿وَإن الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أولِيائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإنهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال: ﴿"هَلْ أنبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ . فالكهان والمتنبئون، والأنبياء والمرسلون، قد اشتركوا في جنس الوحي والتنزيل، ولكن مع الفارق المميز بين من هو كاذب في قوله فاجر في عمله، ينزل عليه وحي الشيطان بالخبث والبهتان، ومن هو صادق في قوله، بر في عمله، ينزل عليه وحي الرحمن بواسطة الروح الأمين ليحيي به الأرواح والأبدان، ويرشد به إلى ما يصلح أمور الدنيا والدين، ومثل العرش والبعوض، فكل منهما شيء موجود فهما مشتركان في مسمى الشيء والوجود مع اختلافهما في الذات والصفات.
والخطأ في تأويل النص تفسيره بغير مراد المتكلم به وتحريفه عن
стр. 271
مواضعه. والخطأ في القياس دعوى مماثلة المعاني للمعاني، لما بينها من القدر المشترك. ووجه خطئهم من جهة التأويل تلاعبهم بالنصوص، وإساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال، وليس لهم على ذلك حجة من كتاب ولا سنة، بل العمدة عندهم نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان. ووجه خطئهم من جهة القياس أنهم أتوا بألفاظ مجملة ليست في الكتاب ولا في السنة مثل متحيز ومحدود، وجسم ومركب، ونحو ذلك وجعلوا منها مقدمات مسلما بها عندهم ومدلولا عليها بنوع قياس،
وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الإعراض؟ أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء، فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل.
والقياس الفاسد لا ينضبط كما أن التأويل الفاسد ليس له قانون مستقيم. وذلك أن كلا منهما غير مرتكز على نقل صحيح أو عقل صريح. والتأويل الخطأ يكون في النصوص المتشابهة؟ وذلك كألفاظ نصوص صفات الله وألفاظ نصوص صفات المخلوقين قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أنتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فتأولت المبتدعة مدلول نصوص صفات الله لما بين النصوص من التشابه. والقياس الخطأ يكون في المعاني المتشابهة حيث أن كلا من المقيس والمقيس عليه له نصيب من المعنى الكلى المشترك.
стр. 272
حقيقة مذهب الاتحادية
...
قوله:
قد وقع بنو آدم ني عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود، فظنوا أنه هو،
стр. 273
فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه أو متحدا به، أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها، حتى ظنوا وجودها وجوده، فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه. وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحدا ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
ش: يقول المؤلف أن كثيرا من الناس قد وقعوا في حبائل الزيغ والضلال بسبب الاشتباه، حتى آل الأمر. بطائفة من بني آدم تدعي أنها بلغت في توحيد الله غايته، وفي العلم والتحقيق نهايته، أن اشتبه عليهم
وجود رب العالمين بوجود كل موجود، فظنوا أن المخلوق هو عين الخالق مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء من بعد مماثلة الخالق للمخلوق، ولا شيء ابعد من أن يكون متحداً بشيء من بعد اتحاد الخالق بالمخلوق، ولا شيء أبعد من أن يكون حالا في شيء من بعد حلول الخالق في المخلوق. وجهة غلطهم أنه ظنوا أن الوجود شيء واحد غير منقسم، وهؤلاء هم أهل الإلحاد القائلون بوحدة الوجود، وأنه ما ثم موجود قديم خالق وموجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله وهو حقيقة وجود هذا العالم. فليس عند القوم رب وعبد، ولا مالك ومملوك، ولا راحم ومرحوم، ولا عابد ومعبود، ولا مستعين ومستعان به ولا هاد ولا مهدي، ولا منعم ومنعم عليه، ولا غضبان ومغضوب عليه، بل الرب هو نفس العبد وحقيقته، والمالك هو عين المملوك، والراحم هو عين المرحوم، والعابد هو نفس المعبود، فما سوى ولا غير بوجه مز الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر في البحر وآخر البيت من البيت، ومن شعرهم:
стр. 274
البحر لاشك عندي في توحده ... وأن تعدد بالأمواج والزبد
فلا يغرنك ما شاهدت من صور ... فالواحد الرب سار العين في العدد
وقال ابن عربي الحاتمي شيخ الصوفية الناطق بلسانهم:
العبد رب والرب عبد ... يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب أنى يكلف
على أن ابن عربي متناقض مضطرب في مسألة الاتحاد، فالله أعلم بما مات عليه، وبالجملة فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من جهة أن أولئك قالوا أن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكون متحدين. وهؤلاء يقولون مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
ومن جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوه ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. فكيف بمن قال أن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس وكل شيء؟ وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الآية.
فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى ما هم إلا عين وجود الرب الخالق؟ ليسوا غيره ولا سواه، ولا يتصور، أن يعذب إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون: فهو عين السامع. والواحد بالعين هو الذي لا يقبل التنويع والتقسيم، بل هو شيء واحد والواحد بالنوع هو الذي يقبل التنويع والتقسيم، فهو جنس تندرج تحته أنواع عديدة. واعلم أن الحلول نوعان كما أن الاتحاد نوعان. فهذه أربعة أقسام:
стр. 275
الأول هو الحلول الخاص: وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم، ممن يقولون أن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وهو قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: أنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته. وغالية النساك: الذين يقولون بالحلول فيمن يعتقدون فيه الولاية.
والثاني هو الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى، حيث يقولون أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا وصارا شيئا واحدا.
الثالث هو الحلول العام: وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة عن طائفة من الجهمية المتقدمين، الذين يقولون أن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه القرآن كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة. الرابع الاتحاد العام: وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات.
стр. 276
لفظ الوجود من باب التواطؤ
...
قوله: وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم التشبيه والتركيب. فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم، من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات. وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة، مثل وبود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك فخالفوا الحس والعقل والشرع. وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في الأعيان وهذا كله من نوع الاشتباه.
стр. 277
ش: هذه طائفة أخرى من بني آدم، وقعت في مأزق الضلال بسبب الاشتباه حيث ظنوا أن الخالق إذا وصف بالوجود والمخلوق يوصف بالوجود لزم التشبيه، ولزم أن يكون الخالق مركبا من الصفة والذات، وهذا تشبيه للخالق بالمخلوق. هذا هو زعم هذه الطائفة من الجهمية والمعتزلة وهو قول واضح الفساد، وبين البطلان، فإن الموجود لا يكون مركبا من ذاته وصفته.
اتفاق الموجودين في مسمى الوجود لا يعني أن يكون وجود أحدهما مثل وجود الأخر كما لا يلزم ذلك في سائر الصفات، وقد سبق بيان هذا في غير هذا الموضع ومن أجل أن هؤلاء لا يمكن أن يجحدوا وجود الله قالوا: أن اشتراك الخالق والمخلوق في الوجود إنما هو من باب الاشتراك اللفظي فخالفوا بهذا القول سائر العقلاء على اختلاف أصنافهم وتباين فنونهم حيث اتفقوا على أن الوجود منقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة، كلفظ سهيل المقول على الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو. فإن تلك لا يقال فيها: أن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: أن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى وعلى هذا المعنى مع العلم بأن المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك. وهذا هو المسمى بالمتواطئ المشكك، وقد تكون متساوية في مواردها وهذا هو المتواطئ العام. فالوجود ونحوه من الأسماء أسماء عامة كلية سواء متواطئة أو مشككة ليست ألفاظا مشتركة اشتراكا لفظيا فقط.
وطائفة من الفلاسفة ضلت أيضا بسبب الاشتباه حيث ظنوا أن الموجودات إذا كانت تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون هناك شيء موجود متشخص تشترك فيه، وهذا غلط واضح فإنه إذا قيل يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقا كليا إلا في
стр. 278
الذهن. فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه؟ وكل من الحقيقتين ممتازة عن الأخرى والكليات هي الكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، العرض العام. والقول فيها واحد، فليس فيها ما يوجد في الخارج كليا، ولا تكون مطلقة إلا في الأذهان لا في الأعيان.
والحاصل أن قول هذه الطائفة: بأن الكليات المطلقة مثل وجود ضد عدم، وحيوان ضد جماد، وجسم ضد عرض، وإنسان ضد فرس توجد في الشاهد والعيان. وأن الموجودات إذا كانت مشتركة في مسمى الوجود لزم وجود شيء متشخص تشترك فيه قول باطل، مخالف للمعقول والمحسوس، كما أنه مخالف للنصوص، وهذه الطوائف كلها إنما ضلت بسبب الاشتباه وعدم التفريق، بينما تشترك فيه الموجودات وما يمتاز به بعضها عن بعض.
стр. 279
دحض شبهة النصارى في استدلالهم بمثل (إنا) و (نحن) على تعدد الآلهة
...
قوله:
ومن هداه الله فرق بين الأمور وأن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق
الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق وهذا كما أن لفظ "أنا" و "نحن" وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل، ويتكلم بها لواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحد يزيل ما هناك من الاشتباه،
стр. 280
وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم.
وأما حقيقة ما دل عليه ذلك هن حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمهم إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ . وهذا تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء، فقد علم أنه هو وأعوانه، مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به، وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.
والله لا بعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الأخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
ش: يقول المؤلف أن من أنار الله بصيرتهم وهداهم لتمييز الحق من الباطل، لا يضلون بسبب ما بين الأمور من اشتباه من بعض الوجوه، وهؤلاء هم العلماء الذين يعرفون ما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويعرفون القدر المشترك بين الشيئين وما يمتاز به كل واحد عن الآخر، فيردون المشكل وغير الواضح إلى قطعي الدلالة وواضح المعنى، فيزول الاشتباه، ويتضح ما بين الشيئين من جهة الجمع وجهة الافتراق بواسطة ردهم المتشابه إلى المحكم.
وكمثال على التشابه الخاص الذي يوضحه المحكم ويزيل ما به من الاشتباه مثل المؤلف بلفظ "إنا" و"نحن" كقوله تعالى: ﴿إنا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً
стр. 281
مُبِيناً﴾ وقوله: ﴿إنا أنزَلْنَاهُ قُرْأناً عَرَبِيا﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ونحو ذلك كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ و ﴿وَرَفَعْنَا﴾ حيث تمسك النصارى بمثل هذه النصوص، واستدلوا بها على أن الله ثالث ثلاثة! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقد غفلوا عن كون هذه الصيغة في أصل وضعها العربي يتكلم بها الواحد المعظم نفسه، ويتكلم بها الواحد الذي معه شركاء في فعله. فيؤتى لهؤلاء النصارى بالآيات المصرحة بوجدانية الله كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ و ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، ﴿قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ إنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ونحو ذلك من الآيات المصرحة ببطلان ما يدعون، والمزيلة للاشتباه الذي به يلبسون. فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم المتحدث عن نفسه، وللعظيم الذي له أعوان يطيعونه! فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، وحينئذ فالرب ﵎ يتكلم ب"أنا" و"نحن " لما له من العظمة والجلال. وعديد الأسماء والصفات التي لا يحصيها إلا هو وما له من الجود الذين هم عبيده وتحت قهره يديرهم كيف يشاء فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ . كما وصفهم الله في سورة الأنبياء، فهو سبحانه أحق بالتكلم ب"إنا" و"نحن" ونحو ذلك.
فنحن إذا نفهم مراد الله بقوله: "إنا"و"نحن" وإن كنا نجهل ما دل عليه ذلك من كيفية صفات الله وحقيقة ذاته المقدسة كما نجهل حقيقة ذوات الملائكة وكيفية صفاتهم، ولا نعلم عددهم ولا كيف يأمرهم الله يفعلون. أما الملك من البشر إذا تكلم ب" إنا" و"نحن" فقد يكون مراده
стр. 282
قوله:
وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وأن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين، من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: فيها أنهار من ماء. فهناك قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا. لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلومة لنا. وهو ما أعده الله لعباده الصالحين. مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها، التي هي حقيقة لا يعلمها إلا هو.
ش: يعني بهذه الأمثلة التي تقدمت في بحث " إنا" و"نحن" وبحث الوجود، يتبين أن الاشتباه يكون في الألفاظ المتواطئة _ وهي المتوافقة لفظا ومعنى كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليس بمتواطئ! بل هي مشتركة اشتراك لفظيا فقط. ويزول الاشتباه الحاصل بين الشيئين، ويتميز أحدها عن الآخر بالنص القاطع. النافي للمماثلة ويزول أيضا بالتعريف
стр. 283
والإضافة، فالمضاف إلى الجنة يعرف الفرق بينه وبين حقائق الدنيا بمجرد الإضافة إليها، لأن ما في الجنة أعظم وأكمل مما في الدنيا.
وهكذا المضاف إلى الله يعرف الفرق بينه وبين المضاف إلى المخلوق بمجرد الإضافة! لأن صفات العظيم عظيمة. وكذلك التعريف فيحصل الفرق بين المعلوم المعهود وبين نيره بمجرد التعريف بأل وحينئذ فمعاني أسماء الله وصفاته وما أخبر به عن اليوم الأخر معلومة مفهومة من الخطاب وإن كنا نجهل كيفية ذلك، فإن حقائق ما وعد الله به في الآخرة داخلة في قوله ﵎ في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونجهل حقائق أسماء الله وصفاته، إذ هذا داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
стр. 284
يزول الاشتباه بكل من الاضافة والتعريف
...
قوله:
ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونه تأولوه على غير تأويله. وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وأن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفوا مطلق لفظ التأويل كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله فذلك لا يعاب بل يحمد. ويراد بالتأويل الحقيقة التي: استأثر الله بعلمها، فذلك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
стр. 285
ش: ومن آجل أن معاني صفات الله معلومة ومراده بكلامه مفهوم، أنكر الإمام أحمد بن حنبل وعثمان الدار مي وابن خزيمة وأمثالهم من أئمة السنة وسلف الأمة أنكروا على الجهمية وأشباههم من الزنادقة، والمعتزلة تحريفهم لكلام الله عن مواضعه، وتأويلهم ما تشابه عليهم من كلام الله على غير تأويله، وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على مني تأويله، فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير معناه.
ولم يقل أحمد ولا احد من الأئمة أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها، ولا قالوا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. كيف، وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال تعالى: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ ولم يقل بعض آياته. وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ وقال: ﴿فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ .
وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله، وأنه جعله نورا وهدى لعباده، ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه. وهذا الكتاب مما ألفه الإمام أحمد بن حبل في حبسه، وقد ذكره عنه الحلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى، وأبو الفضل التيمي، وأبو الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحابه، وقد قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ! ينفون عن كتاب الله تحريف الضالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على
следующие страницы →