← Акыда

Акыда · id 7260

التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية

فالح بن مهدي آل مهدي

Полный текст (485 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مُبِيناً﴾ وقوله: ﴿إنا أنزَلْنَاهُ قُرْأناً عَرَبِيا﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ونحو ذلك كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ و ﴿وَرَفَعْنَا﴾ حيث تمسك النصارى بمثل هذه النصوص، واستدلوا بها على أن الله ثالث ثلاثة! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقد غفلوا عن كون هذه الصيغة في أصل وضعها العربي يتكلم بها الواحد المعظم نفسه، ويتكلم بها الواحد الذي معه شركاء في فعله. فيؤتى لهؤلاء النصارى بالآيات المصرحة بوجدانية الله كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ و ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، ﴿قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ إنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ونحو ذلك من الآيات المصرحة ببطلان ما يدعون، والمزيلة للاشتباه الذي به يلبسون. فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم المتحدث عن نفسه، وللعظيم الذي له أعوان يطيعونه! فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، وحينئذ فالرب ﵎ يتكلم ب"أنا" و"نحن " لما له من العظمة والجلال. وعديد الأسماء والصفات التي لا يحصيها إلا هو وما له من الجود الذين هم عبيده وتحت قهره يديرهم كيف يشاء فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ . كما وصفهم الله في سورة الأنبياء، فهو سبحانه أحق بالتكلم ب"إنا" و"نحن" ونحو ذلك. فنحن إذا نفهم مراد الله بقوله: "إنا"و"نحن" وإن كنا نجهل ما دل عليه ذلك من كيفية صفات الله وحقيقة ذاته المقدسة كما نجهل حقيقة ذوات الملائكة وكيفية صفاتهم، ولا نعلم عددهم ولا كيف يأمرهم الله يفعلون. أما الملك من البشر إذا تكلم ب" إنا" و"نحن" فقد يكون مراده

стр. 282

قوله: وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وأن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين، من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: فيها أنهار من ماء. فهناك قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا. لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلومة لنا. وهو ما أعده الله لعباده الصالحين. مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها، التي هي حقيقة لا يعلمها إلا هو. ش: يعني بهذه الأمثلة التي تقدمت في بحث " إنا" و"نحن" وبحث الوجود، يتبين أن الاشتباه يكون في الألفاظ المتواطئة _ وهي المتوافقة لفظا ومعنى كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليس بمتواطئ! بل هي مشتركة اشتراك لفظيا فقط. ويزول الاشتباه الحاصل بين الشيئين، ويتميز أحدها عن الآخر بالنص القاطع. النافي للمماثلة ويزول أيضا بالتعريف

стр. 283

والإضافة، فالمضاف إلى الجنة يعرف الفرق بينه وبين حقائق الدنيا بمجرد الإضافة إليها، لأن ما في الجنة أعظم وأكمل مما في الدنيا. وهكذا المضاف إلى الله يعرف الفرق بينه وبين المضاف إلى المخلوق بمجرد الإضافة! لأن صفات العظيم عظيمة. وكذلك التعريف فيحصل الفرق بين المعلوم المعهود وبين نيره بمجرد التعريف بأل وحينئذ فمعاني أسماء الله وصفاته وما أخبر به عن اليوم الأخر معلومة مفهومة من الخطاب وإن كنا نجهل كيفية ذلك، فإن حقائق ما وعد الله به في الآخرة داخلة في قوله ﵎ في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونجهل حقائق أسماء الله وصفاته، إذ هذا داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .

стр. 284

يزول الاشتباه بكل من الاضافة والتعريف ... قوله: ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونه تأولوه على غير تأويله. وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وأن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفوا مطلق لفظ التأويل كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله فذلك لا يعاب بل يحمد. ويراد بالتأويل الحقيقة التي: استأثر الله بعلمها، فذلك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.

стр. 285

ش: ومن آجل أن معاني صفات الله معلومة ومراده بكلامه مفهوم، أنكر الإمام أحمد بن حنبل وعثمان الدار مي وابن خزيمة وأمثالهم من أئمة السنة وسلف الأمة أنكروا على الجهمية وأشباههم من الزنادقة، والمعتزلة تحريفهم لكلام الله عن مواضعه، وتأويلهم ما تشابه عليهم من كلام الله على غير تأويله، وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على مني تأويله، فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير معناه. ولم يقل أحمد ولا احد من الأئمة أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها، ولا قالوا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. كيف، وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال تعالى: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ ولم يقل بعض آياته. وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ وقال: ﴿فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ . وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله، وأنه جعله نورا وهدى لعباده، ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه. وهذا الكتاب مما ألفه الإمام أحمد بن حبل في حبسه، وقد ذكره عنه الحلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى، وأبو الفضل التيمي، وأبو الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحابه، وقد قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ! ينفون عن كتاب الله تحريف الضالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على

стр. 286

الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين. ومما جاء في هذا الكتاب بصدد الرد على الزنادقة فوله "وأما قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلينَ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ﴾ فقالوا: أن الله قد ذم قوما كانوا يصلون فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ﴾ وقد قال في قوم أنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون فشكوا في القرآن من أجل ذلك وزعموا أنه متناقض. قال: وأما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ﴾ عنى به المنافقين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ حتى يذهب الوقت ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ يقول إذا رأوهم صلوا وإذا لم يروهم لم يصلوا، وأما قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين. فهذا ما شكت فيه الزنادقة. وأما قوله. : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ فشكوا في القرآن وقالوا هذا ينقض بعضه بعضا. فهذا بدأ خلق آدم، خلقه الله أول بدء من تراب ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء من طينة طيبة وسبخة، فكذلك ذريته طيب وخبيث، أسود وأحمر وأبيض ثم بل التراب فصار طينا. فذلك قوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ فلما لصق الطين بعضه ببعض صار طينا لازبا يعني لاصقا ثم قال ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ يقول مثل الطين إذا عصر أنسل من بين الأصابع ثم نتن فصار حمأ مسنوناً فخلق من الحمأ فلما صار صلصالا كالفخار. يقول صار له صلصلة الفخار، له دوي كدوي الفخار، فهذا بيان خلق آدم. وأما قوله ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ فهذا بدء خلق ذريته من سلالة بعني النطفة "مهين ضعيف" فهذا ما شكت فيه الزنادقة. وبصدد الرد على الجهمية جاء في قوله: "باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على

стр. 287

العرش فقلنا لم أنكرتم أن يكون الله على العرش؟ وقد قال جل ثناؤه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال ﴿خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش؟ فهو على العرش، وفي السموات وفي الأرض، وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان وتلوا آية من القرآن ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ فقلنا قد عرف السلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. فقالوا: أي مكان؟ قلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظم الرب شيء، قد أخبرنا أنه الله في السماء. فقال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وقال: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وقال: ﴿أني مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وقال: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ . فهذا إخبار الله اخبرنا أنه في السراء ووجدنا كل شيء أسفل منه حيث يقول الله جل ثناؤه هـ: ﴿أن الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْأنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ وقلنا لهم أتعلمون أن إبليس كان مكانه والشياطين مكانهم؟ فلم يكن الله بمجتمع هو وإبليس في مكان واحد؟ وإنما معنى قوله جل ثناؤه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السموات واله من في الأرض، وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. فذلك قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأن اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ انتهى.

стр. 288

وحينئذ، فالإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة لم ينكروا التأويل بالمعنى الذي جاء في الكتاب والسنة وتكلم به سلف الآمة، وهو الكيفية والحقيقة التي يؤول إليها الكلام والتفسير وبيان مراد المتكلم بكلامه فإن هذا لا يذمه أحد من السلف وإنما ذمهم منصب على تأويلات الزنادقة وطوائف الابتداع "حيث حرفوا كلام الله عن مواضعه وصرفوا النص عن معناه إلى غير معناه بغير دليل يوجب ذلك. وقد بسط المؤلف الكلام على هذه المسألة في غير هذه الرسالة ككتابه "موافقة مريح المعقول لصحيح المنقول " كما أنه ﵀ قد ذكر في أول هذه القاعدة انقسام التأويل إلى ثلاثة أقسام بحسب تعدد الاصطلاحات وبين أن تأويل أهل التحريف والبدع هو الذي حصل في الكلام من حيث الذم والبطلان.

стр. 289

اضطراب مقالة الطائفة التي تنفي التأويل وتستدل على بطلانه بقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ... قوله: ومن لم يعرف هذا، اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون أن التأويل باطل، وأنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل، وهذا تناقض منهم، لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقا. وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو. وأما التأويل المذموم والباطل: فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحظور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني الق نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقا عكنا كان المنفي مثله، وأن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت مثله.

стр. 290

ش: المعنى أن من لم يعرف أقسام التأويل ولم يميز صحيحها من فاسدها تناقض في أقواله واضطرب في مقالاته، مثل طائفة من الجهمية والمفوضة تقول: أن التأويل باطل وأنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره وتقول: التأويل باطل بدليل قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فقد تناقضت هذه الطائفة من جهتين أولا من جهة قولها ببطلان التأويل مع قولها يجب إجراء اللفظ على ظاهره، فإن الجملة الأولى تعني أنه ليس له معنى مفهوم. والجملة الثانية تعني أن ما يسبق إلى العقل ويتبادر إلى الفهم من اللفظ هو مراد اله بكلامه. ثانيا: قولهم ببطلان التأويل فإنه يتنافى مع استدلالهم بآية آل عمران فإن الآية الكريمة تبين أن له تأويلا ولكن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله وهم ينفون التأويل بجميع معانيه وجهة غلطهم أنهم لم يفهموا تأويل الشيء بمعنى حقيقته وتأويله بمعنى تفسيره وإنما يعرفون التأويل الذي هو صرف النص من مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك فظنوا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يراد به هذا المعنى، وهذا غلط فاحش! فإن هذا التأويل من باب تحريف الكلم عن مواضعه، فهو من جس تأويل القرامطة والباطنية وهو التأويل الذي اتفق سلف الآمة وأثمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب وبهذا يتبين أن القول في بعض صفات الله كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته فمن نفى النزول والاستواء أو الرضا والغضب أو العلم والقدرة، أو اسم العليم أو القدير، أو الوصف بالوجود، فرارا بزعمه من التشبيه والتركيب والتجسيم لزمه فيما أثبته نظر ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبته المثبت، وكل ما استدل به على نفى النزول والاستواء والرضا والغضب أمكن منازعة أن يتدلى بنظيره على نفى

стр. 291

الإرادة والسر والبصر والقدرة والعلم وكل ما استدل به على نفى القدرة والعلم والسمع والبصر، أمكن منازعة أن يتدل بنظيره على نفى العليم والقدير والسميع والبصير وكل ما استدل به على نفى هذه الأسماء يمكن منازعة أن يتدل به على نفي الموجود والواجب. والحاصل أن ما نفوه هو من جنس ما أثبتوه من حيث لزوم المحذور أو عدم لزومه، فإن كان المعنى المصروف إليه حقا ممكنا لا يقتضى تشبيها فالمعنى المصروف عنه حق ثابت لا يقتضى تشبيها، وأن كان المصروف عنه باطلا ممتنعا يقتضى تشبيها فالمعنى المصروف إليه مثله. قوله: وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه احد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء. وهذا مع أنه باطل فهو متناقض، لأنا إ ذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لا مكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر، فلا يكون تأويلا. ولا يجوز نفي دلالته ملى معان لا نعرفها على هذا التقدير. فإن تلك المعان التي دل عليها قد لا تكون عارفين بها، ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلان لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به! فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن مشعرا بما أريد به، فلان لا يكون مشعرا بما لم يرد به أولى

стр. 292

فلا يجوز أن يقال: أن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلا عن أن يقال: أن هذا التأويل لا يعلمه لم لا الله. اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق. فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لابد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره. لكن إذا قال هؤلاء: أنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو أنها مجرى على المعاني الظاهرة منها كانوا متناقضين، وأن أرادوا بالظاهر هنا معنى، في هناك معنى، في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسا. وأن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ. أي تجرى على مجرد اللفظ. الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاء فقد فهم معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب. ش: الإشارة راجعة إلى الطائفة التي اضطربت وتناقضت بسبب عدم معرفة التأويل وعدم تمييز صحيحه من فاسده، ولهذا نعتها المؤلف بقوله: الذين ينفون التأويل مطلقا ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وإذاً فمراد المؤلف أنه يلزم على قول هذه الطائفة أن يكون الرسول لا يعرف معنى ما أنزل إليه من هذه الآيات، ولا أصحابه يعلمون معنى ذلك، بل لازم قولهم: أنه ﷺ لم يكن يعرف معنى ما تكلم به من أحاديث الصفات، بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه. ولاشك في بطلان ظنهم وفساد لوازم قولهم، فالرسول ﷺ ومتبعوه منزهون عن ذلك، بل مات ﷺ وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

стр. 293

والحاصل أنه يلزم من قال هذه المقالة احد ثلاثة لوازم إما أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد لا جبريل الذي نزل به من عند الله، ولا الرسول الذي نزل عليه وحي الله ولا الصحابة الذين تلقوا الوحي عن رسول الله. والثاني: أنا خوطبنا في القرآن بما لا معنى له أصلا، بل هي ألفاظ جوفاء مجردة من المعاني. والثالث: أنا خوطبنا في القرآن بما لا نفهم منه شيئا بل هو عبارة عن ألغاز ورموز لا نفهمها. والقول بنفي التأويل والاستدلال على نفيه بالآية وما يلزم عليه من لوازم قول باطل ومع بطلانه فهو متناقض. وقد بين المؤلف وجه التناقض بأمرين: أحدهما: قوله لأنا إذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يحالف الظاهر ولا يوافقه ثم بين وجه ذلك بقوله لإمكان أن يكون له معنى صحيح لا يخالف المعنى المعلوم لنا ثم قال فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى الذي يزعمونه دلالة على خلاف الظاهر. فهم يقولون: التأويل باطل! وهذا يعني أنه لا تأويل له، وحينئذ لا يجوز أن يكون دالاً على معان لا نعرفها على تقدير نفي التأويل لأنا والحالة هذه لا نكون عالمين بمعنى من المعاني أصلاً. والأمر الثاني: ذكره بقوله "ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلان لا نفهم ما لا يدل عليه اللفظ أولى" ثم شرح ذلك بقوله "لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعار بما لا يراد به ". وحينئذ فلا يجوز أن يقال إذ هذا اللفظ مصروف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، فإنه لا معنى له أصلاً حيث لم يشعر اللفظ بشيء ولا يقال أيضاً بطريق الأولى: له تأويل لا يعلمه إلا الله لا مكان أن يكون المعنى الظاهر المعلوم لنا بمقتضى اللفظ هو المراد، وحيث قالوا نريد

стр. 294

بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين فنصرف النص عن هذا المعنى إلى المعنى اللائق بالله. قيل لهم: لاشك أن النصوص ليست دالة على هذا الظاهر، بل ظاهرها السابق إلى العقل والمتبادر إلى الفهم هو إثبات صفات الله اللائقة به، وليست مماثلة لصفات خلقه، وحينئذ فلها تأويل يخالف هذا المعنى الذي تزعمون أنه ظاهرها. لكن إذا قالت هذه الطائفة: التأويل باطل، وللنصوص تأويل يخالف ظاهرها، أو قالت: التأويل باطل، وتجرى النصوص على ظاهرها كانت بهذا القول متناقضة، ووجه ذلك أن قولهم: التأويل باطل، معناه ليس للنصوص تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه. وقولهم: لها تأويل يخالف الظاهر معناه أنهم يثبتون أن لها تأويلا. وقولهم تجرى على ظاهرها، معناه إثبات تأويل لها فلا يتفق مع قولهم: التأويل باطل لأن مدلول هذه الكلمة نفي دلالة اللفظ على معنى من المعاني. وحيث قالوا نريد بالظاهر في قولنا للنصوص تأويلا يخالف الظاهر. نريد بالظاهر هنا ما يماثل صفات المخلوقين، وفي قولنا: ليس لها تأويل يخالف الظاهر أو تجرى النصوص على ظاهرها. نريد بالظاهر هنا المعنى اللائق بالله حين يقولون هذه المقالة في سياق واحد من غير بيان وإيضاح لمرادهم بكلمة الظاهر في الموضعين كان هذا منهم تدليسا على السامع لأنهم ينفون التأويل مطلقا. وهذا يعني أنه ليس لها معنى يوافق الظاهر أو يخالفه، وحيث قالوا نريد بالظاهر في قولنا، تجرى على ظاهرها مجرد اللفظ من غير أن يفهم منه معنى كانوا متناقضين لأن قولهم: تجرى على ظاهرها، معناه أنهم حكموا بأن لها معنى. كم أن قولهم: لها تأويل يخالف الظاهر حكم منهم بإثبات معنى من المعاني.

стр. 295

الإشارة إلى مراجع الكتاب ... وبهذا. يتضح أن فول هذه الطائفة في غاية البطلان والتناقض والفساد، وبتقسيم التأويل إلى ثلاثة أقسام، ومعرفة الصحيح منها من الفاسد يتبين تناقض نفاة الصفاة كالجهمية والمعتزلة، ومثبتي بعضها كالأشاعرة "في باب الأسماء والصفات ". إلى هنا تم الجزء الأول من التحفة المهدية، شرح الرسالة التدمرية ويليه الجزء الثاني أن شاء الله، وأوله القاعدة السادسة هذا وليعلم الناظر في هذا الشرح أنني قد نقلت تراجم الأعلام من تذكرة الحفاظ للذهبي ووفيات الأعيان لابن خلكان، ومنها شيء يسير من سواهما. كما أنني أيضا في غير التراجم قد أنقل بعض الكلام بنصه دون أن اعزوه إلى صاحبه. وذلك طلبا للاختصار من ناحية ومن ناحية أخرى ليحصل الربط المنسجم بين بعض الكلام والبعض الآخر. وفي الجزء الثاني سأذكر المراجع بإذن الله تعالى علما بأن معظم هذه المراجع إنما هو كتب صاحب المتن رحمة الله عليه. والله جل وعلا هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 296

المجلد الثاني الاعتماد على الاثبات المجرد عن نفي التشبيه طريقة المشبهة ... قوله: القاعدة السادسة إن لقائل أن يقول لابد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد, وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز. فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه. فهذا باطل. وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم. لزمك هذا في سائر ما تثبته. ش: يقول الشيخ بعد ما سبق من البحث مع طوائف المبتدعة ومناقشتهم إذا سأل أحدا من الناس قائلا ما هو الأصل الذي يعتمد عليه في باب الأسماء والصفات قيل له: لك إن تسأل هذا السؤال وجوابنا عليه هو أن هناك أصلا يعتمد عليه وضابطا يركن إليه وهو الكتاب والسنة فما جاء في القران أو صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من صفات الله ونفي المثيل عنه فهو المعتمد, إما الاعتماد على النفي المجرد عن الإثبات كما هي طريقة المعطلة فلا يكفي, وكذلك الاعتماد على الإثبات المجرد عن نفي التشبيه كما هي طريقة المشبهة فلا يكفي, بل هذا قول فاسد ورأي ليس بسديد, فإنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك "هو المعنى العام" وقدر مميز هو ما يختص به كل منهما وقد سبق الكلام على هذه المسألة: وحينئذ إذا قال المعطل إثبات الصفات يقتضي تشبيه الله بخلقه: قيل له إن أردت أن إثبات الصفات يقتضي تشبيه الله بخلقه: قيل له إن أردت أن إثبات الصفات تقتضي المشابهة من كل وجه فهذه دعوى غير صحيحة، وإن أردت أن المشابهة تحصل من وجه هو الاتفاق في الاسم وفي المعنى العام دون وجه هو ما يمتاز به أحدهما عن الآخر فيجب أن تقول هذا في سائر أسماء الله وصفاته. وهذا الإلزام شامل للأشاعرة والمعتزلة والجهمية، فإن

стр. 297

الجميع ينفون شيئا ثابتا بينما يثبتون شيئا يلزمهم فيه نفس المحذور الذي فروا منه كما تقدم. وسبيل المؤمنين في الاعتقاد هو الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها أو نقص منها.

стр. 298

معنى التشبيه عند المعطلة ... قوله: وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له، ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من هذا نفي التشابه من بعض الوجوه كما في الأسماء والصفات المتواطئة ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسر بمعنى من المعاني. ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا إنه مشبه ومنازعهم يقول ذلك المعنى ليس من التشبيه. ش: يعني أنه يقال لمن نفى الصفات زاعما أن إثباتها يقتضي التشبيه يقال له بالإضافة إلى ما سبق أنكم معشر النفاة قد أقمتم البرهان على نفي التشبيه الذي مقتضاه أنه يجب لله ما يجب للمخلوق ويجوز عليه ما يجوز عليه ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ولا شك أن التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول. لفساده ووضوح بطلانه. ولكن إثبات الصفات مع نفي مماثلة الله للمخلوقات ليس من هذا القبيل، وحينئذ فاتفاق الخالق والمخلوق في الاسم وفي المعنى العام لا يقتضي تشبيها ولكن المعطلة اصطلحوا على تسمية تعطيلهم توحيدا، وتسمية توحيد المرسلين تشبيها، فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم: المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء على بطلانه هو أن يكون مع الله آلهة أخرى أو أن يكون لله مثيل أو ند لا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا.

стр. 299

المحذور الذي نفته الأدلة هو أن يكون لله شريك أو مثيل ... قوله: وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: بأن لله علما قديما أو قدرة قديمة كان عندهم مشبها ممثلا لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلا قديما ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار، ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا بل يقولون أخص وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير وأنه إله واحد ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك. ش: التشابه ليس هو التماثل في اللغة، فتشبيه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضى التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع، فإذا قيل هذا حي عليم قدير وهذا حي عليم قدير فقد تشابها في مسمى الحي والعليم والقدير ولم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلا لهذا المسمى من كل وجه، فهناك ثلاثة أشياء: أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما. والثاني: ما يختص به الرب من الحياة والعلم والقدرة وسائر صفاته. والثالث: ما يختص به العبد في الحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك فما اختص به الرب لا يشركه فيه العبد ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب ولا يستحق شيئا من صفات الكمال التي يختص بها الرب . وأما القدر المشترك "وهو المعنى الثابت في ذهن الإنسان" فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق فالمماثلة تقتضي المساواة من كل

стр. 300

وجه بخلاف المشابهة، وقد يعبر بأحدهما عن الآخر. ولهذا عبر المؤلف بقوله: وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل. والمعتزلة والجهمية ونحوهم اصطلحوا على تسمية إثبات أسماء لله وصفاته تشبيها وتمثيلا. ولذلك قالت المعتزلة: إن أخص وصف الرب هو القدم، وأن ما شاركه في القدم فهو مثله، فإذا أثبت له صفة قديمة لزم التشبيه وكل من أثبت صفة قديمة فهو مشبه. وقوله ونحوهم: يعنى كالجهمية فإنهم قالوا نحن نثبت قديما واحدا ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء قالوا: والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله تعالى فكفرهم. فكيف من أثبت سبعة قدماء أو أكثر. قال الشيخ: فانظر إلى هذا التدليس والتلبيس الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى وإنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته، وصفاته داخلة في مسمى اسمه كما أنهم إنما أثبتوا إلها واحدا ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته. وقول الطائفتين متلقى من عباد الأصنام المشركين بالله تعالى المكذبين لرسوله حيث قالوا يدعو محمد إلها واحدا ثم يقول يا الله يا سميع يا بصير فيدعو آلهة متعددة وقد أنزل الله في الرد عليهم: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى﴾ والمعنى أي اسم دعوتموه به فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم فالمعتزلة إذا نفوا الصفات بناء على أنها قديمة والقدم عند أكثرهم أخص أوصاف الإله فحيث أثبتت الصفات صارت مثلا له وكلا الرأيين باطل، فإن أخص أوصافه سبحانه ما لا يتصف به سواه ككونه رب العالمين وعلى كل شيء قدير وبكل شيء عليم وكونه الغني عما سواه والصفة لا تتصف بهذه الخصائص. والصفة لا تكون مثلا للموصوف إذ الموصوف هو الذات القائمة بنفسها والصفة قائمة بها والقائم بغيره لا يكون مثل القائم بنفسه. قال الشيخ وإذا كانت صفة النبي المحدث موافقة له في الحدوث ولم يلزم أن تكون نبيا مثله فكذلك صفة الرب اللازمة له إذا كانت قديمة بقدمه لم يلزم أن تكون إلها مثله. فالمعتزلة مذهبهم نفي صفاته اللازمة لذاته وشبهتهم أنها لو كانت قديمة لكان القديم أكثر من وأحد. وهذا تلبيس فليس

стр. 301

بواجب أن تكون صفة الإله إلها. كما أن صفة الإنسان ليست إنسانا ولا صفة النبي نبيا ولا صفة الحيوان حيوانا. فلفظ القديم فيه إجمال فإذا أريد به القائم بنفسه، والفاعل القديم أو الرب القديم ونحو ذلك. فالصفة ليست قديمة بهذا الاعتبار بل هي صفة القديم وإذا أريد ما لا ابتداء له أو ما لم يسبقه عدد مطلقا فالصفة قديمة.

стр. 302

من الصفاتيه من لا يصف الصفات بالقدم ... قوله: ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات أنها قديمة بل يقول. الرب بصفاته قديم. ومنهم من يقول هو قديم، وصفته قديمة، ولا يقول هو وصفاته قديمان. ومنهم من يقول هو وصفاته قديمان ولكن يقول ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه. فإن القدر ليس من خصائص الذات المجردة بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلا عن أن تختص بالقدر والصفات متصفة بالقدر. وليست الصفات إلها ولا ربا كما أن النبي ﷺ محدث وصفاته محدثة، وليست صفاته نبيا. ش: بعد أن فرغ المؤلف من ذكر شبهة المعتزلة في نفيهم الصفات, وأنهم فروا من ذلك خشية أن يثبتوا قديما مع الله، بين رأي المثبتين في وصف الصفة بالقدم فذكر أن منهم من لا يصف الصفة وإنما يصف الرب بذاته وصفاته بأنه قديم: أما الصفة وحدها فيتحاشا من وصفها به لا شعار ذلك بانفصال الصفة عن الموصوف، ومنهم من لا يرى بأسا بوصف الصفة بالقدم كما يوصف الرب بالقدم مع العلم بأن قدم الصفة تابع لقدم الموصوف، ولكن هذا الصنف يتحاشا من وصف الرب وصفاته بالقدم بصيغة التثنية: فلا يقول الرب وصفاته قديمان لإشعار التثنية بشيء من استقلال أحد المثنيين عن الآخر ولكن يقول الرب قديم وصفته قديمة

стр. 303

، ومنهم من لا يرى من قوله الرب وصفاته قديمان بصيغة التثنية لأن الصفة قديمة بقدم الموصوف وليست مثلا له. وطائفة من المثبتة كابن كلاب لا تقول في الصفات وحدها بأنها قديمة حتى لا تقول بتعدد القدماء بل تقول الله بصفاته قديم كما أن القدم ليس من خصائص الذات المجردة عن الصفات لا وجود لها فضلا عن أن يكون القدم من خصائصها، وقد يقول هذا الصنف الذات متصفة بالقدم والصفة متصفة بالقدم والجميع يعلمون أن الذات المجردة عن الصفات لا وجود لها كما يعلمون أن صفة الذات لا تكون مثلا لها فالقدم يوصف به الله وليس القدم إلها ولا ربا, وكمثال على ذلك ذكر المؤلف أن النبي ﷺ يوصف بأنه مخلوق محدث وصفاته مخلوقة محدثة وليست صفاته نبيا.

стр. 304

اصطلاح المعتزلة والجهمية في مسمى التشبيه ... قوله: فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك ثم يقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك ولكن يقولون الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده فلا يدخل في النص. وأما العقل فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة. ش: الإشارة في قوله فهؤلاء راجعة إلى المعتزلة ونحوهم، والإشارة في قوله أولئك راجعة إلى أهل السنة والجماعة والأشاعرة أيضا فإن الجميع يطلق عليهم لفظ الصفاتية نسبة إلى الصفات فأهل السنة صفاتية

стр. 305

لإثباتهم جميع الصفات والأشاعرة صفاتية بالنسبة لإثباتهم بعضها، والجميع خصوم للمعتزلة والجهمية، والمعنى أن المعتزلة والجهمية إذا أطلقوا على إثبات الصفات اسم التشبيه والتمثيل كان هذا الإطلاق حسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه المثبتون ثم يقول لهم المثبتون: افرضوا أيها النفاة أن إثبات حقائق الأسماء والصفات لله سبحانه قد يسمى في اصطلاحكم تشبيها لله بخلقه، فهذا المعنى لم ينفه دليل صحيح أو عقل صريح، والواجب نفي ما نفاه الكتاب والسنة وإثبات ما أثبته الكتاب والسنة وقد ورد في النصوص الكفء والند والمثل لله، والصفات التي وصف بها الرب نفسه أو وصفه بها رسوله ليست كفؤا له ولا مثلا ولا ندا, فلا تدخل فيما نفته النصوص، فليس في لغة العرب تسمية صفة الموصوف كفؤا أو ندا أو مثلا له، ثم إن العقل الصريح الخالي من لوثة الإلحاد وأمراض الشبه لم ينف أسماء الله وصفاته التي سمت المعتزلة والجهمية إثباتها تشبيها، قال الشيخ: إذا علم الرجل بالعقل أن محمدا رسول الله وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه وأن لا يقدم رأيه على قوله ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات واستعمالها على وجه مخصوص مع ما في ذلك من الكلفة والألم لظنه أن هذا أعلم بهذا منه وأنه إذا صدقه كان ذلك أقرب إلى حصول الشفاء له مع علمه بأن الطبيب يخطئ كثيرا وإن كثيرا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب بل قد يكون استعماله لما يصفه سببا في هلاكه ومع هذا يقبل قوله ويقلده وإن كان ظنه واجتهاده قد يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟، والرسل صادقون مصدقون لا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط، وأن الذين يعارضون

стр. 306

أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط؟.

стр. 307

فساد القول بتماثل الأجسام ... قوله: وكذلك أيضا يقولون إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه. ش: يعنى وبالإضافة إلى الشبهة السابقة وهي أن إثبات صفة قديمة لله يلزم منه إثبات مثيل له بالإضافة إلى هذه الشبهة تقول المعتزلة والجهمية: إن الصفات كالحياة والعلم والقدرة والاستواء والعلو والمحبة والرضا لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو أثبتنا لله الصفات للزم أن يكون جسما متحيزا وهذا هو التشبيه. هذا هو تقرير شبهتهم والجواب أن يقال أولا: ما تعنون بالمتحيز هل تعنون به المباين لغيره أم تقصدون به الداخل في الأحياز بحيث تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، فإن عنيتم الأول فهذا المعنى ثابت لله فهو فوق سمواته عال وعلى عرشه مباين لخلقه وإن عنيتم الثاني فالله أعظم وأجل من أن يحوزه شيء من مخلوقاته قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ويقال لهم ثانيا: ما تعنون بالجسم أتعنون به الذات التي تمكن رؤيتها بالأبصار وتصح الإشارة إليها وتتصف بالحياة والسمع والبصر والوجه واليدين والاستواء ونحو ذلك من الصفات أم تعنون به ما كان مركبا من المادة والصورة أو ما كان مركبا من الجواهر الفردة، فإن عنيتم الأول فهو حق وإن عنيتم الثاني فهو باطل وقد سبق بيان هذا عند الكلام على القاعدة الثانية. ويقال لهم ثالثا: قولكم بأن الأجسام متماثلة دعوى غير صحيحة,

стр. 308

فمن المعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه لم يكن أحدهما مثلا للأخر وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض لم يكن أحدهما مثلا للآخر، فإذا اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا ولهذا حيزا ومكانا ولهذا حيزا ومكانا كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر والمكان للمتمكن والحيز للمتحيز، فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل, فاشتراكهما فيما هو دونه أولى بعدم التماثل، قال الشيخ: فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها وفي أنها حاملة لتلك الصفات، وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت، فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض.

стр. 309

معنى الأفعال الاختيارية ... قوله: وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات. وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون الصفات قد تقوم بما ليس بجسم وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسما، وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه. فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله. وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبويعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو لكن هؤلاء يجعلون "العلو" صفة خبرية كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى. فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه. وقد يقولون إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات، والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق.

стр. 310

ش: يعني ومثل المقالة السابقة للمعتزلة والجهمية قول كثير من مثبتة بعض الصفات كالأشاعرة فإنهم هم المراد بالصفاتية هنا فهؤلاء يسمون إثبات ماعدا الصفات السبع تشبيها. كما يقولون ذلك في العلو والاستواء ونحوه من الصفات الاختيارية ويقولون الصفات التي نثبتها يمكن قيامها بغير جسم وأما العلو والاستواء ونحوه فلا يمكن أن يتصف بها إلا ما هو جسم وهذا معنى قول المؤلف ولهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه يعني كالاستواء مشبها، ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه يعني كالعلم والقدرة والإرادة والحياة مشبها. ويقولون إثبات هذه الصفات يلزم منه الجسمية والأجسام متماثلة فنفوا تلك الصفات بناء على هذا الزعم. والقاضي أبو يعلى يوافق النفاة في القول بتماثل الأجسام وإن كان يثبت صفة العلو لكنه وأمثاله يقولون إن العلو من الصفات السمعية، فهو كالوجه والعينين واليدين، وهؤلاء الأشاعرة قد يقولون بأن الصفات السبع لا تنافي الجسمية وإن كان الاتصاف بها غير مستلزم لذلك. والعاقل إذا تدبر الأمر وجد الباب وأحدا وأن الكلام فيما أثبتوه وهو الصفات السبع من جنس الكلام فيما نفوه وهو ما عدا الصفات السبع بل ما يقال في أحدهما يقال في الآخر وأفعال الله الاختيارية هي الأمور التي يتصف بها فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل كلامه وسمعه وبصره وإرادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه ومثل خلقه وإحسانه وعدله ومثل استوائه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب والسنة. والإرشاد هو الكتاب المسمى "بالإرشاد إلى قواطع الأدلة" وصاحبه: هو أبو المعالي عبد الملك ابن عبد الله بن يوسف ابن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني المعروف بإمام الحرمين المتوفى سنة ٤٧٨هـ، وقد شرح كتابه المذكور تلميذه أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري المتوفى سنة ٥١٢هـ. والقاضي أبو يعلى هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد ابن الفراء شيخ الحنابلة في عصره سنة ٤٥٨هـ ذكر له ابنه في طبقات

стр. 311

الحنابلة سبعة وخمسين مصنفا: منها إبطال التأويلات لأخبار الصفات وأربعة ردود على الأشعرية والكرامية والسالمية. وقول المؤلف وأمثاله "يعني" كابن عقيل وأبي الحسن ابن الزاغوني فإنهما يوافقان القاضي على القول بتماثل الأجسام وفي جعل صفة العلو من الصفات الخبرية أما أمثال أبي المعالي فكالقاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي أبى بكر ابن العربي. وقد قال شيخ الإسلام في هؤلاء المذكورين أنه ما من هؤلاء إلا وله في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة - وهم فضلاء عقلاء - احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين وصار الناس بسبب ذلك فيهم فريقين منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل وخيار الأمور أوساطها والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . والأشعري وأئمة أصحابه كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني: متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليد وإبطال تأويلها ليس له في ذلك قولان أصلا. ولأتباعه في ذلك قولان: وأول من اشتهر عنه نفيها أبو المعالي الجويني. فإنه نفى الصفات الخبرية وله في تأويلها قولان: ففي الإرشاد

стр. 312

أولها ثم إنه في الرسالة النظامية رجع عن ذلك وحرم التأويل: والقاضي أبو يعلى ينفي الصفات الاختيارية في أحد قوليه.

стр. 313

معنى الهيولى ... قوله: وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم. والأجسام متماثلة. والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى. وتارة بمنع المقدمة الثانية. وتارة بمنع كل من المقدمتين وتارة بالاستفصال. ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولى والصورة ونحو ذلك، فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر الفردة على أنها متماثلة فهذا يبنى على صحة ذلك وعلى إثبات الجوهر الفرد وعلى أنه متماثل. وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك. ش: يقول الشيخ إن أصل شبهة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأتباعهم هو أن إثبات الصفات يستلزم الجسمية والأجسام متماثلة، والرد عليهم يكون طورا بمنع المقدمة الأولى: وهو أن يقال الاتصاف بالصفات لا يستلزم الجسمية وطورا بمنع المقدمة الثانية، وهو أن يقال قولكم بأن الأجسام متماثلة غير مسلم، وطورا بمنع كل من المقدمتين وذلك بأن يقال: ليس كل متصف بالصفة فهو جسم وليست الأجسام متماثلة: وطورا بالاستفصال عن المراد بالجسم. والجسم بأي تفسير فسروه فلا شك في بطلان قولهم: بأن الأجسام متماثلة فإنه قول مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول: وقول المؤلف أما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة الخ. معناه أنهم حين يفسرون الجسم بأنه المركب من الجواهر الفردة فهذا القول يبنى على صحة كونه مركبا وعلى صحة وجود الجواهر الفرد وعلى صحة تماثل الأجسام. وكل هذه الأقوال ليس مع أصحابها سوى الظنون الكاذبة والشبه الفاسدة ولذلك يخالفهم فيها جماهير العقلاء على اختلاف أصنافهم. والهيولى هي كما قال في "شفاء الغليل فيما في كلام العرب من

стр. 314

الدخيل" عن المزهر في كلام المتكلمين: أصل الشيء فإن يكن من كلام العرب فهو صحيح الاشتقاق. ووزنه فعولى أولا: والصواب أنه لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة وفي الاصطلاح. جوهر في الجسم قابل لما يعرض له من الاتصال والانفصال.

стр. 315

قول الروافض لا ولاء الا ببراء ... قوله: والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة "النصب" على من تولى أبا بكر وعمر ﵄ بناء على أن من أحبهما فقد أبغض عليا ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى ولهذا يقول هؤلاء: أن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينا فساد قول من يقول بتماثلها. ش: يعني وخلاصة القول أن النفاة يطلقون اسم التشبيه على ما يعتقدونه مقتضيا للجسمية وهو إثبات الصفات. وهذا الحكم منهم مبناه على القول بتماثل الأجسام والمثبتون لأسماء الله وصفاته ينازعونهم في هذا الحكم، فليس إثبات الصفات تشبيها بل هو التوحيد وليست الأجسام متماثلة، فليس السماء كالأرض ولا الخبز كاللبن ولا الحديد كاللحم وهكذا سائر الأجسام. ومثل مقالة هؤلاء النفاة مقالة الرافضة وحكمهم بأن من تولى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لآل البيت فإنه حكم باطل ينازعهم فيه أهل السنة والجماعة فإنهم يحمون الجميع ويترضون عنهم ومحبة بعضهم لا تنافي محبة البعض الآخر. ولكن هؤلاء الرافضة جعلوا الأشياء لا تتفق من وجه وتختلف من وجه آخر فعندهم لا ولاء إلا ببراء، ولاشك في أن قولهم من تولى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لعلي مقدمة باطلة، وأما

стр. 316

قولهم ومن أبغضه فهو ناصبي فهي مقدمة صحيحة فإن من أبغض أحدا من الصحابة فقد نصب العداوة له، وحب أصحاب رسول الله ﷺ جميعا واجب كما ثبتت به النصوص. فإذا قال الرافضي: أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد فإنه يقال له نحن نتولى الصحابة والقرابة فإذا قال لا ولاء ببراء فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة بل يكون قد نصب لهم العداوة قيل له هب أن هذا يسمى نصبا فلم قلت أن هذا محرم فإنه لا دلالة على ذم النصب بهذا التفسير كما أنه لا دلالة على ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت. إذا كان الرجل مواليا لهم. ولقد أحسن القائل: فإني كما زعموا ناصبي ... إذا كان نصبا ولاء الصحاب فلا أبرح الرفض من جانبي ... وإن كان رفضا ولاء الجميع والرفض هو بغض أبي بكر وعمر ﵄، قيل للإمام أحمد: "من الرافضي؟، قال: الذي يسب أبا بكر وعمر"، وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي. وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة فإنه ابتدعه بن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه وادعى العصمة له، ولهذا لما كان مبدؤه من النفاق قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق، واعلم أن الأصل في الحكم على الأشياء وتسميتها هو باعتبار أن الألفاظ نوعان مذكور في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وكلام أهل الإجماع فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به. فإن كان المذكور به مدحا استحق المدح وإن كان ذما استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته وإن نفي شيئا وجب نفيه لأن كلام الله حق وكلام رسوله حق وكلم أهل الإجماع حق، وحينئذ فمن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما كاسم الكافر والمنافق والملحد ونحو ذلك ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودا كاسم المؤمن والتقي والصديق وما أشبه ذلك.

стр. 317

وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها. والألفاظ التي يعارض فبها النفاة النصوص هي من هذا الضرب كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض والتركيب. وقول المؤلف: "وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع" معناه أنه قد استوفى الكلام على مسالة الرفض والنصب كما أوضح القول في بطلان تماثل الأجسام وتهافت حجج القائلين بذلك: والبراهين العقلية والنصوص السمعية الدالة على عدم تماثلها: قد بسط الكلام على هذا في غير هذه الرسالة كما في كتابيه منهاج السنة وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.

стр. 318

من دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما ... قوله: وأيضا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل وذلك أنه إذا ثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم. وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم كان هذا وحده كافيا في نفي ذلك لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى "التشبيه" لكن نفي التجسيم يكون مبنيا على نفي هذا التشبيه بأن يقال لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما. ثم يقال. والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع. وهذا ممتنع عليه لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفي التشبيه على نفي التجسيم. فيكون أصل نفيه نفي الجسم. وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. ش: يقول الشيخ بالإضافة إلى ما سبق من الرد على النفاة وإبطال مقدماتهم التي جعلوها أساسا لنفي الصفات يقال لهم: اعتمادكم على نفي التشبيه بطريق نفي الصفات لاستلزامها الجسمية وكون الأجسام متماثلة اعتماد باطل لأنه على فرض أن الأجسام متماثلة فأنتم لا تنفون الصفات إلا بالحجة التي تنفون بها الجسمية وإذا ثبت انتفاء الصفات وانتفاء الجسمية كان هذا وحده كافيا في نفي التشبيه لا يحتاج في الأمر إلى

стр. 319

نفي مدلول التشبيه الذي هو تماثل الجسمين بحيث يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه لكن في هذه الحال يكون من اعتمد على نفي الجسمية لاستلزامها التشبيه نافيا للجسم أولا ثم نافيا للتشبيه لانتفاء الجسمية وهذا مسلك غير المسلك الأول الذي هو الاعتماد في نفي الجسمية على نفي الصفات، وكون الأجسام متماثلة فإن المسلك الأخير هو الاعتماد في نفي التشبيه على امتناع الجسمية فقط: وسيتكلم المؤلف على هذا المسلك عند قوله فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها.

стр. 320

بيان فساد طريقة المعطلة قوله: وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن هذه طريقة صحيحة، وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد وهو أن لا يشاركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيها أحد. ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف الله به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات. ش: يقول المؤلف إنما المراد في هذا البحث هو بيان فساد طريقة النفاة المعطلة حيث اعتمدوا في نفي مشابهة الله لخلقه على النفي المجرد عن إثبات الصفات، فان هذا طريق فاسد وإنما الطريق الصحيح إثبات حقائق أسماء الله وصفاته ونفي مماثلته لشيء من مخلوقاته: وكونه سبحانه يتفق مع المخلوق في الاسم وفى المعنى الكلي المشترك لا يلزم منه مماثلته لخلقه: فإنه ما من موجودين إلا وبينهما اتفاق من وجه واختلاف من وجه آخر ألا ترى أنه إذا قيل بين الإنسان والفرس تشابه من جهة أن هذا
следующие страницы →