Полный текст (485 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قولهم ومن أبغضه فهو ناصبي فهي مقدمة صحيحة فإن من أبغض أحدا من الصحابة فقد نصب العداوة له، وحب أصحاب رسول الله ﷺ جميعا واجب كما ثبتت به النصوص. فإذا قال الرافضي: أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد فإنه يقال له نحن نتولى الصحابة والقرابة فإذا قال لا ولاء ببراء فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة بل يكون قد نصب لهم العداوة قيل له هب أن هذا يسمى نصبا فلم قلت أن هذا محرم فإنه لا دلالة على ذم النصب بهذا التفسير كما أنه لا دلالة على ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت. إذا كان الرجل مواليا لهم. ولقد أحسن القائل:
فإني كما زعموا ناصبي ... إذا كان نصبا ولاء الصحاب
فلا أبرح الرفض من جانبي ... وإن كان رفضا ولاء الجميع
والرفض هو بغض أبي بكر وعمر ﵄، قيل للإمام أحمد: "من الرافضي؟، قال: الذي يسب أبا بكر وعمر"، وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي.
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة فإنه ابتدعه بن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه وادعى العصمة له، ولهذا لما كان مبدؤه من النفاق قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق، واعلم أن الأصل في الحكم على الأشياء وتسميتها هو باعتبار أن الألفاظ نوعان مذكور في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وكلام أهل الإجماع فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به. فإن كان المذكور به مدحا استحق المدح وإن كان ذما استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته وإن نفي شيئا وجب نفيه لأن كلام الله حق وكلام رسوله حق وكلم أهل الإجماع حق، وحينئذ فمن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما كاسم الكافر والمنافق والملحد ونحو ذلك ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودا كاسم المؤمن والتقي والصديق وما أشبه ذلك.
стр. 317
وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها. والألفاظ التي يعارض فبها النفاة النصوص هي من هذا الضرب كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض والتركيب. وقول المؤلف: "وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع" معناه أنه قد استوفى الكلام على مسالة الرفض والنصب كما أوضح القول في بطلان تماثل الأجسام وتهافت حجج القائلين بذلك: والبراهين العقلية والنصوص السمعية الدالة على عدم تماثلها: قد بسط الكلام على هذا في غير هذه الرسالة كما في كتابيه منهاج السنة وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
стр. 318
من دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما
...
قوله:
وأيضا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل وذلك أنه إذا ثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم. وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم كان هذا وحده كافيا في نفي ذلك لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى "التشبيه" لكن نفي التجسيم يكون مبنيا على نفي هذا التشبيه بأن يقال لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما. ثم يقال. والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع. وهذا ممتنع عليه لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفي التشبيه على نفي التجسيم. فيكون أصل نفيه نفي الجسم. وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
ش: يقول الشيخ بالإضافة إلى ما سبق من الرد على النفاة وإبطال مقدماتهم التي جعلوها أساسا لنفي الصفات يقال لهم: اعتمادكم على نفي التشبيه بطريق نفي الصفات لاستلزامها الجسمية وكون الأجسام متماثلة اعتماد باطل لأنه على فرض أن الأجسام متماثلة فأنتم لا تنفون الصفات إلا بالحجة التي تنفون بها الجسمية وإذا ثبت انتفاء الصفات وانتفاء الجسمية كان هذا وحده كافيا في نفي التشبيه لا يحتاج في الأمر إلى
стр. 319
نفي مدلول التشبيه الذي هو تماثل الجسمين بحيث يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه لكن في هذه الحال يكون من اعتمد على نفي الجسمية لاستلزامها التشبيه نافيا للجسم أولا ثم نافيا للتشبيه لانتفاء الجسمية وهذا مسلك غير المسلك الأول الذي هو الاعتماد في نفي الجسمية على نفي الصفات، وكون الأجسام متماثلة فإن المسلك الأخير هو الاعتماد في نفي التشبيه على امتناع الجسمية فقط: وسيتكلم المؤلف على هذا المسلك عند قوله فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها.
стр. 320
بيان فساد طريقة المعطلة
قوله:
وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن هذه طريقة صحيحة، وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد وهو أن لا يشاركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيها أحد. ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف الله به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات.
ش: يقول المؤلف إنما المراد في هذا البحث هو بيان فساد طريقة النفاة المعطلة حيث اعتمدوا في نفي مشابهة الله لخلقه على النفي المجرد عن إثبات الصفات، فان هذا طريق فاسد وإنما الطريق الصحيح إثبات حقائق أسماء الله وصفاته ونفي مماثلته لشيء من مخلوقاته: وكونه سبحانه يتفق مع المخلوق في الاسم وفى المعنى الكلي المشترك لا يلزم منه مماثلته لخلقه: فإنه ما من موجودين إلا وبينهما اتفاق من وجه واختلاف من وجه آخر ألا ترى أنه إذا قيل بين الإنسان والفرس تشابه من جهة أن هذا
стр. 321
حيوان وهذا حيوان واختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل وغير ذلك من الأمور كان ذلك صحيحا: فإن بين الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين: فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات النقص مطلقا ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله: وحينئذ فإثبات أسماء لله وصفاته مع نفي المماثلة لأحد من مخلوقاته هو محض التوحيد فلا يشركه أحد في خصائصه وأوصافه المضافة إليه وله المثل الأعلى: فكل وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه فهو متصف به على وجه لا يماثله فيه أحد: وكل وصف نقص وعيب فهو منزه عنه: ومن أجل أن الاعتماد في نفي التشبيه على الإثبات البريء من التمثيل والنفي الخالي من التعطيل هو الموافق لصريح كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو مقتضى العقول السليمة والفطر المستقيمة من أجل ذلك كان مذهب سلف الأمة وأئمتها وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ في النفي والإثبات: فالله قد نفى عن نفسه مماثلة المخلوقين فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحد﴾ فبين سبحانه أنه لم يكن أحد كفوا له: وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ فأنكر أن يكون له سمي وقد بين سبحانه أن لا مثل له في صفاته ولا أفعاله فإن التماثل في الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات فإن الذاتين المختلفتين يمتنع تماثل صفاتهما وأفعالهما: إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات فإن الصفة تابعة للموصوف بها والفعل أيضا تابع لفاعله: بل هو مما يوصف به الفاعل.
стр. 322
من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام لزمه التعطيل المحض
...
قوله:
فإن قيل إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه من ذلك الوجه. ما جاز عليه ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه، قيل هب أن الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا
стр. 323
قيل أنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض عباده حيا سميعا عليما بصيرا، قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى، فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا إمكانا ولا نقصا، ولا شيئا مما ينافي صفات الربوبية وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم أو السمع أو البصر، أو السميع أو البصير، أو القدرة أو القدير، والقدر المشترك مطلق كلى لا يختص بأحدهما دون الأخر، فلم يقع بينهما اشتراك، لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم والقدرة ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين. كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذورا أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود.
ش: يعني أن قال قائل: إن الموجودين إذا تشابها من وجه جاز على أحدهما من ذلك الوجه ما جاز على الآخر ووجب له من ذلك الوجه ما وجب للآخر وامتنع عليه من ذلك الوجه ما امتنع على الآخر قيل له افرض أن ذلك صحيح ولكن إذا كان لازم ذلك القدر المشترك الذي حصل فيه الاتفاق ليس فيه محذور وليس ممتنعا ولا يستلزم نفي صفات كمال ولا إثبات أوصاف نقص كما إذا قيل عن الله سبحانه أنه موجود حي عليم قدير سميع بصير والمخلوق يوصف بهذه الصفات فقد اتفقا في المعنى العام وهو القدر المشترك وهو مدلول الوجود ضد العدم والموجود ضد المعدوم ومدلول الحي ضد الميت والحياة ضد الموت ومدلول العليم ضد الجاهل والعلم ضد الجهل ومدلول القدير ضد العاجز والقدرة ضد العجز. ومدلول السميع ضد الأصم والسمع ضد الصمم ومدلول البصير ضد الأعمى والبصر ضد العمى: فقد اتفقا في مدلول الاسم ومدلول الصفة وذلك هو القدر المشترك
стр. 324
وهو معنى عام كلي ولم يوجب ذلك أن يشترك المحدث الممكن وهو المخلوق مع الواجب القديم وهو الله سبحانه فيما هو من خصائص أحدهما: بل ما أضيف إلى وأحد منهما فهو مختص به وهو على ما يليق به فإن الصفة تتبع الموصوف: فإذا كان القدر المشترك كما لا نقص فيه: ولم يحصل اشتراك فيما يختص بكل منهما لم يكن في إثبات ذلك القدر محذور؟ بل إثباته من مقتضيات الوجود: فإن الموجودات لابد بينها من الاتفاق في المعنى العام ومن نفى هذا المعنى المشترك لزمه تعطيل سائر الموجودات عن الوجود.
قوله:
ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذه حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا، ولربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء. فإذا نفى القدر المشترك مطلقا، لزم التعطيل العام، والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى، كالحياة والعلم والقدرة، بل والوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك تجب لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا. بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم، ونحو ذلك، والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم، وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة. وبين فيها: أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدها الأخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
стр. 325
ش: يعني ومن أجل أن من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام يلزمه التعطيل المحض لكل موجود من أجل ذلك كان أهل السنة والجماعة يسمون نفاة صفات الله معطلة: لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله عن الوجود: وكان رأسهم الجهم ينكر أن يسمي الله شيئا زعما منه أن إثبات كون الله شيئا يلزم منه مشابهته لسائر الأشياء، وبعدا وسحقا لتنزيه مدلوله، تعطيل الذات العلية عن الوجود، وأتباع الجهم قد يتحاشون في بعض الأحيان عن قول الجهم بإنكار كون الله شيئا فيقولون هو شيء لا كالأشياء وهذه الكلمة حق فالله سبحانه شيء لا يماثله أحد من خلقه: ولكن يقال لهم هلا أثبتتم أسماء الله وصفاته الواردة في كتابه وعلى لسان رسوله وقلتم بنفي المماثلة كما قلتم أنه شيء لا كالأشياء، والحقائق التي يوصف بها الرب من حياة وعلم وقدرة ووجود وذات ونحو ذلك ككونه شيئا ثابتا هذه الحقائق تجب لوازمها ولوازمها هي صفات الحي الموجود الرب الكامل: فالذات والحقيقة والوجود ملزومات والصفات لازمها: وثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم ولازم صفات الله الكمال كما أن لازم أوصاف المخلوق النقص: ومن أدرك هذه الحقائق وميّز ما تشترك فيه وما تختلف فيه زالت عنه الشبهة التي التبس عليه الأمر بسببها وانكشف له غلط كثير من الأذكياء الذين غلطوا في باب أسماء الله وصفاته لالتباس هذه الحقائق عليهم والأمور الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها. وإنما الاشتراك في المعنى العام الذي يطلق على هذه الحقيقة وهذه الحقيقة. وليس في الخارج ذات موجودة تشترك فيها الموجودات. أما الموجودات التي في الخارج فبعضها متميز عن بعض في الذات والصفات والأفعال. وقد بسط المؤلف هذا البحث في عدد من كتبه. ومنها رسالته التي رد فيها على أهل القول بوحدة الوجود.
стр. 326
الاشاعرة يجمعون بين الأمرين المتناقضين
...
قوله:
ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضا في هذا المقام،
стр. 327
فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك حجة فيما يظن نفيه من الصفات، حذرا من ملزومات التشبيه. وتارة يتفطن إلى أنه لابد من إثبات هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة.
ش: يقول الشيخ ولكون الموجودات في الخارج يتميز بعضها عن بعض وإنما اشتراكها في المعنى العام الموجود في الذهن لذلك تجد بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة يجمعون بين الأمرين المتناقضين فطورا ينفون الاشتراك في المعنى العام خشية التشبيه ظنا منهم أن الصفات تقتضي المشابهة. فملزومات التشبيه على زعمهم هي الصفات ولازمها هو التشبيه فيجحدونها لهذا الزعم الموهوم. وطورا يثبتون الاتفاق في القدر المشترك بين الخالق والمخلوق وأن ذلك لا يوجب أن تكون الصفة المضافة إلى الله مثل الصفة المضافة إلى المخلوق وإن حصل اشتراك واتفاق في المعنى الكلي كما يقولون ذلك بالنسبة للصفات السبع التي يثبتون. وحينما ينازعهم الجهمي أو المعتزلي في إثباتهم للصفات السبع يجيبونه قائلين: إن الاتفاق في المعنى العام لا يوجب المماثلة. فالله ما يليق به وللمخلوق ما يليق به والقدر المشترك بينهما لا يقتضي المشابهة فيما يخص وأحدا منهما.
стр. 328
اضطراب أساطين الكلام في المسائل الخمس
...
قوله:
ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب. هل هو عين ماهيته. أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ ﴿الوجود﴾ مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ. أو التشكيك. كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها. وفي أن المعدوم. هل هو شيء أم لا؟
وفي وجود الموجودات. هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات. فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين. ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها. وتارة
стр. 329
يبقى في الشك والتحير. وقد بسطنا الكلام في هذه المقامات. وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة بما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة. وبينا أن الصواب هو: أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج. وأن لفظ "الذات" و"الشيء" و"الماهية" و"الحقيقة"﴾ ونحو ذلك. ألفاظ كلها متواطئة. فإذا قيل.. إنها مشككة لتفاضل معانيها. فالمشكك نوع من المتواطىء العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك. سواء كان المعنى متفاضلا في موارده أم متماثلا. وببنا أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن. لا في الخارج "فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعلم القائم به وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة فتتشابه بذلك وتختلف به، وأما هذه الجملة المختصرة، فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة من فهمها علم قدر نفعها، وانفتح له. باب الهدى، وأمكنه إغلاق باب الضلال ثم بسطها وشرحها له مقام آخر إذ لكل مقام مقال.
ش: يقول الشيخ ومن أجل حصول الاتفاق بين الموجودات في القدر المشترك، حصل الإشكال في هذه المسائل الخمس وكثر الاضطراب والتناقض من أئمة الفلسفة وأساطين الكلام. فطورا تجد أحدهم يقول في المسالة قولين متناقضين ويحكي عن غيره من أرباب الكلام أقوالا لم تصدر عنهم وطورا يبقى الواحد منهم حائرا لا يستطيع الجزم برأي معين. وذكر المؤلف أنه قد بسط البحث في هذه المسائل في كتبه المطولة وذكر هنا رأيا مختصرا جامعا شافيا في هذه المسائل. وهو كما يلي: أولا: الصحيح أن وجود الرب سبحانه هو عين ماهيته في الخارج بل الصواب أن وجود كل
стр. 330
موجود في المشاهد هو عين ماهيته فلا فرق بين الوجود والماهية في المشاهدة. بخلاف الماهية التي في الذهن. فإنها مغايرة للموجود في الخارج إذ الماهية التي في الذهن عامة مشتركة والماهية التي في الشاهد معينة خاصة. ثانيا: الصواب في لفظ الذات ولفظ الشيء والماهية ونحو ذلك كالحياة أنها متواطئة لتوافقها في اللفظ والمعنى، ومن أطلق عليها اسم المشكك فهو مصيب. فإن المشكك نوع من المتواطيء فإن الحقائق إما أن تتساوى في محالها وإما أن تتفاضل. فالأول هو التواطؤ العام الذي يلاحظ فيه وجود القدر المشترك بين الحقائق مع قطع النظر عن تساويها أو تفاوتها، والثاني هو المسمى بالمتواطيء المشكك. ثالثا: الصواب أن المعدوم شيء بالنسبة للعلم به وكونه متصورا في الذهن أما أنه موجود في المشاهد فلا. والثبوت والوجود بمعنى وأحد. والوجود الذهني يخالف الوجود في الشاهد والتصور الذهني للشيء ليس هو عين حقيقته وإنما هو تابع للعلم القائم بتلك الحقيقة المعلومة. رابعا: الصواب أن الأحوال لا وجود لها إلا في الذهن أما في المشاهدة فلا يوجد إلا الذوات وصفاتها القائمة بها، والأحوال عند القائلين بها هي كون الصفة قائمة بالذات فهي عبارة عن نسبة الصفة إلى الموصوف. والأحوال تختلف وتتشابه باختلاف الذوات وصفاتها والجواب على المسالة الخامسة هو الجواب على المسالة الأولى فالصواب أن الوجود الخارجي لسائر الموجودات هو عين ماهيتها الخارجية. وبين ﵀ أن هذه الجمل الموجزة التي ذكر في هذه الرسالة المختصرة لا تتسع لبسط القول في هذه المقامة العظيمة. ومقام الاختصار غير مقام الإطالة والإسهاب ولكل مقام مقال كما قرره أهل البيان. وأنا أذكر لك هنا خلاصة مما بسطه المؤلف في غير هذه الرسالة تكون كالتفصيل لما أسلفت من الشرح الموجز لهذه المسائل. فالذي عليه أهل السنة والجماعة وسائر العقلاء أن ماهية كل شيء عين وجوده وأنه ليس وجود الشيء قدرا زائدا على ماهيته بل ليس في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته. قال الشيخ: فيقال إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات
стр. 331
زائدة عليها، وإن أريد بالذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن الصفات. وقد ظن طائفة أن من قال: الوجود متواطيء عام فإنه يقول وجود الخالق زائد على حقيقته وطائفة ظنت أن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي وهذه مكابرة للعقل فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم كما يقال الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام. فإن تفاضل المعنى المشترك الكلي لا يمنع أن يكون أصل المعنى مشتركا بين اثنين كما أن معنى السواد مشترك بين هذا السواد وهذا السواد وبعضه أشد من بعض. والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيئا وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء وأحد وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم. قال الله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنسانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ولو كان المعدوم شيئا لكان التقدير لا يظلمون موجودا ولا معدوما: والمعدوم لا يتصور أن يظلموه ونظائر ذلك كثير فمتصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود حاصل بذاته كما يتصور المعدومات والممتنعات ويقدر ما لا وجود له البتة مما يمكن أولا يمكن كتصور جبل ياقوت وبحر زئبق وإنسان من ذهب وفرس من حجر فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج بل العالم يعلم الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلا. قال الشيخ: وإنما نشأ الاشتباه على هؤلاء والله أعلم من حيث رأوا أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن قبل كونه وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه ويتميز في علمه وإرادته وقدرته شيء ثابت وظنوا ذلك التمييز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك وإنما هو متميز في علم الله. والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل
стр. 332
ويعلم ما كان كآدم والأنبياء ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون كما يعلم ما أخبر الله به عن أهل النار في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه﴾ وأنهم ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ﴾ وأنه ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ونحو ذلك. فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك وهو ثبوت حقيقتها التي هي هي، فينبغي للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشيء ووجوده نفسه وبين ثبوته ووجوده في العلم فإن ذاك هو الوجود الذهني والعلمي وما من شيء إلا له هذان الثبوتان.
стр. 333
بيان فساد مسلك المعطلة في ردهم
...
قوله:
والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه عنه، كما يفعله كثير من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة.
ش: يعنى والمهم أن الاعتماد في تنزيه الله عن النقائص على نفي صفات الكمال عنه طريق باطل ومسلك غير صحيح كما أن الاعتماد في إثبات الصفات على نفي التشبيه لا يكفي ما لم تكن الصفة واردة في كتاب لله أو سنة رسول الله ﷺ كما سيأتي قريبا إن شاء تعالى.
قوله:
فصل وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه، مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون. انه بكى على الطوفان حتى رمد. وعادته الملائكة والذين يقولون بالإلهية بعض البشر وأنه الله فإن كثيرا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك، ويقولون لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزا وذلك ممتنع، وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة نفاة الأسماء والصفات.
стр. 334
ش: يقول الشيخ: وأفسد من الطريق السابق وهو الاعتماد في تنزيه الله على مجرد النفي. أفسد من ذلك الطريق الذي يعتمدون عليه في تنزيه الله عن النقائص والعيوب كالحزن والبكاء واللغوب والقول بأنه استراح بعد خلقه السماوات والأرض والقول بأن يده مغلولة وأشباه هذه الأقوال التي هي من أعظم الكفر وأشنع الضلال. إذا أراد نفاة الصفات أو نفاة بعضها أن ينزهوا الله سبحانه عن هذه النقائص وأن يردوا على أصحابها. اعتمدوا في ردهم على نفي الجسمية والتحيز ونحو ذلك كالتركيب. فمثلا: إذا أرادوا أن يردوا على اليهود القائلين بأن الله بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه ثم عادته الملائكة إلى غير ذلك من أوصاف النقص التي وصفوا الله بها. أو على النصارى القائلين بإلهية عيسى. أو على غلاة الشيعة القائلين بإلهية على. قالوا لو كان الله متصفا بهذه الصفات التي ذكرتم لكان جسما أو متحيزا والله منزه عن أن يكون جسما أو متحيزا. وبسلوكهم هذا المسلك الفاسد. تطاول عليهم الفلاسفة ونحوهم من الملاحدة. قال الشيخ: ومن هنا دخلت الملاحدة الباطنية على المسلمين حتى ردوا عن الإسلام خلقا عظيما فصاروا يقولون لمن نفى شيئا عن الرب مثل من ينفي بعض الصفات، أو جميعها أو الأسماء: لم نفيت هذا؟ فيقول لأن ذلك يستلزم التشبيه والتجسييم فيقولون وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيئا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى أن لا يعرف الله بقلبه ولا يذكره بلسانه ولا يعبده ولا يدعوه، فالملاحدة ألزموهم في النصوص نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات: فقالوا لهم نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بمعاد الأبدان وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه: فكيف يجوز أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به من المعاد وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟
قال الشيخ: ولهذا كان ابن النفيسة المتطبب الفاضل يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل السنة أومذهب الفلاسفة: فأما هؤلاء المتكلمون
стр. 335
فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف: يعني وأهل السنة أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء، ومذهب الملاحدة. فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل السنة والجماعة.
стр. 336
أمور أربعة يتضح بهافساد مسلك المعطلة
...
فساد مسلك المعطلة يتضح في أربعة أمور
قوله: فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه:
أحدها: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام والدليل معرف للمدلول ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود.
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا. نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال. فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال ومن وصفه بصفات النقص وأحدا ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق وأحد وهذا في غاية الفساد. الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه صفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع. فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة.
ش: يعنى أن الاعتماد في تنزيه الله على نفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك لا يحصل به المراد لأمور:
أحدها: أن وصف الرب بهذه الآفات والعيوب أظهر فسادا في المعقول الصريح والمنقول الصحيح من وصفه بالتجسيم والتحيز فإن وصفه
стр. 337
بهذه النقائص أمر واضح الفساد وبين البطلان لكل ذي عقل سليم وفطرة مستقيمة. وكفر صاحبه واضح لا إشكال فيه بينما التجسيم والتحيز والتركيب ألفاظ مجملة تحتمل الحق والباطل لما فيها من الاشتباه وخفاء المراد وحينئذ لا يجوز الاستدلال بما فيه الاشتباه وخفاء على ما هو واضح بين، فشأن الدليل إيضاح المدلول وتعريفه. فهو كالحد الذي يشرح المحدود ويعرفه تعريفا واضحا.
ثانيها: أن الذين يصفون الله بهذه النقائص والعيوب يستطيعون أن يقولوا: نحن نصف الله بهذه الأوصاف دون أن نصفه بالجسمية والتحيز، وإذا أجابوا بهذا الجواب كان النزاع مع من يثبت أوصاف النقص كالنزاع مع من يثبت أوصاف الكمال من كلام وعلم وقدرة إلى غير ذلك من الصفات ويكون رد المعطلة على الجميع وأحدا، بأن يقولوا: لا نصف الله بالصفات الواردة في الكتاب والسنة كما لا نصفه بأوصاف النقص: لأنه لا يتصف بهذه أو تلك إلا جسم متحيز وهذا ممتنع في حق الله، فتبين بهذا فساد الطريق الذي سلكوه في ردهم على من يصف الله بأوصاف النقص.
ثالثها: أن هؤلاء المعطلة ينفون عن الله أوصاف الكمال بهذا الطريق الفاسد في حين أن الرب سبحانه متصف بأوصاف الكمال ونعوت الجلال، كما وردت بذلك النصوص وكما هو مقتضى العقل السليم والفطرة المستقيمة؟ فيكون نفيهم هذا دليلا على فساد طريقتهم: وأنهم لم يستفيدوا بها إحقاق حق وإنما استفادوا إطال ما هو حق ثابت بالعقل والشرع.
قوله:
الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات. كما أن كل من نفى شيئا منهم الزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي. فمثبتة الصفات كالحياة والعلم
стр. 338
والقدرة والكلام والسمع والبصر. إذا قال لهم النفاة كالمعتزلة هذا تجسيم إن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بالجسم أولانا لا نعرف موصوفا بالصفات إلا جسما قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم أنه حي عليم قدير. وقلتم ليس بجسم وأنتم لا تعلمون موجودا حيا عالما قادرا إلا جسما فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم. فكذلك نحن وقالوا: لم أنتم أثبتم حيا عالما قادرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة. وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل. ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض إلى من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء. وبالوجه واليد ونحو ذلك إذا قالوا: هذا يقتفي التجسيم. لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم.
قالت المثبتة فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام وهذا كهذا. فإذا كان هذا يوصف به الجسم فالأخرى كذلك. وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين.
ش: يقول المؤلف: الرابع من الأمور التي يتضح بها فساد المسلك المذكور: هو أن هؤلاء المبتدعين الرادين على من يصف الله بأوصاف النقص بنفي التجسيم والتحيز متناقضون ومتضاربة أقوالهم فمن يثبت شيئا من الصفات يرد على من ينازعه في إثباتها قائلا: أنت توافقني على إثبات الأسماء، ومن ينفي شيئا من الصفات يقول له من ينفي الصفات كلها: أنت توافقني في نفي شيء من الصفات، ثم شرح الشيخ هذه القضية بمناقشة الأشعري مع المعتزلي بقوله: "فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر ... إلى آخره"، وخلاصة ذلك أن المعتزلة إذا قالوا للأشاعرة أنتم تثبتون الصفات السبع وهي أعراض والأعراض حادثة فهي لا تقوم إلا بجسم حادث ولا يعلم في المشاهد متصف بالصفات إلا ما هو جسم حادث. قال الأشاعرة: وأنتم أيها المعتزلة تثبتون الأسماء لله مع أنه لا
стр. 339
يعلم في المشاهد مسمى حيا عليما قديرا إلا ما هو جسم، فقد أثبتم ذلك على خلاف ما تعلمونه في المشاهد، فنحن إذاً نثبت الصفات السبع لله على خلاف ما هو معلوم في المشاهد، ويقولون أيضا أنتم أيها المعتزلة تثبتون أسماء محضة لا تتضمن صفات وهذا معلوم الفساد بالضرورة.، فإن الحي هو المتصف بالحياة، والعليم هو المتصف بالعلم وهكذا سائر الأسماء. ثم إن هؤلاء المثبتين للصفات السبع إذا قالوا لمن يثبت الصفات الذاتية والفعلية والاختيارية والخبرية نحن لا نجد في الشاهد متصفا بهذه الصفات إلا ما هو جسم، والأجسام متماثلة فمن أثبتها لله فقد مثله بخلقه إذا قالوا هذه المقالة قال لهم سائر أهل الإثبات أنتم قد أثبتم الصفات السبع فما نفيتم هو مثل ما أثبتم فإن كان الذي أثبتموه يقتضي الجسمية والمماثلة فالذي نفيتموه مثله وإلا فلا، وحينئذ فتفريقكم بين الصفات السبع وبين ما عداها تفريق بين متماثلين، وهذا خلاف ما تقتضيه المعقولات بل هو خلاف المعقول والمنقول وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
قوله:
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقا فاسدا لم يسلكه أحد من السلف ولا الأئمة، فلم ينطق أحد منهم في وصف الله بالجسم لا نفيا ولا إثباتا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك، لأنها عبارات مجملة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على إليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة.
ش: يقول الشيخ: ومن أجل أن رد المبتدعة على من يصف الله بالبكاء والحزن ونحو ذلك من صفات النقص، بأن هذه الأوصاف لا تقوم إلا بجسم متحيز، من أجل أن هذا الطريق طريق غير صحيح لم يسلكه أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السنة، فلم يقولوا بأن
стр. 340
الله جسم أو ليس بجسم. وهكذا بالنسبة للجوهر والتحيز ونحوه كالتركيب والعرض، وذلك أن هذه ألفاظ مستحدثة مجملة لا يحصل بواسطتها بيان حق ولا دحض باطل، لذلك لم ترد في القرآن العزيز في رد الله سبحانه على اليهود والنصارى والمشركين الذين نسبوا إليه النقائص والعيوب التي يتقدس عنها، وسلف الأمة وأئمة السنة قد أنكروا على المبتدعين هذه الألفاظ المجملة وبينوا ما تحتها من المعاني التي يقصدونها وقد تقدم ذلك.
стр. 341
الأعتماد على مجرد نفي التشبيه لا يكفي في إثبات الصفات
...
فصل: قوله:
وأما في طرق الإثبات، فمعلوم أيضا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه. وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم. ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم. ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم كما قيل له وجه كوجوههم. ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك مما يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فإنه يقال: لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات، ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت التشبيه وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيا في الإثبات؟ فلابد من إثبات فرق في نفس الأمر.
ش: يعنى أن الاعتماد في إثبات الصفات لله لا يكفي فيه مجرد نفي التشبيه: فلا يقال نصف الله بكل وصف حتى ولو كان غير وارد، مادمنا ننفي مشابهته لخلقه، فهذا الطريق لا يكفي لما يترتب عليه من اللوازم الباطلة، إذ لو كان الأمر كذلك لجاز أن يوصف الرب بما يمتنع عليه من أوصاف النقص كأن يقال له بكاء وحزن وجوع وعطش وأكل وشرب لا يماثل ما يختص بالمخلوقين، كما يوصف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والمحبة والرضا والوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الواردة في الكتاب والسنة، أو لجاز أن يقال: له أعضاء كما أن للمخلوق أعضاء دون
стр. 342
أن يكون ما يختص بالله مماثلا لما يختص بالمخلوق الفقير المحدث. ولو كان الاعتماد في الإثبات يكفي فيه النفي المجرد عن التشبيه، لقيل لمن ينفي أوصاف النقص عن الله ويثبت له أسماءه الحسنى وصفاته العليا دون تفريق بين بعضها والبعض الآخر: ما الفرق بين ما نفيت وبين ما أثبت، مادام أن العمدة في الإثبات هو مجرد نفي التشبيه دون اعتبار آخر؟ وحينئذ فلابد من فارق ثابت بين ما يجوز إثباته لله وما لا يجوز. وأنت خبير بأن الفارق هو ورود الوصف أو عدم وروده، وما يليق بالله وما لا يليق به كما سيأتي.
قوله:
فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع. قيل له: أولا: السمع هو خبر الصادق عن ما هو الأمر عليه في نفسه. فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات. والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه. فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن نفاه. ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلابد في ذكره ما ينفيها من السمع وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها. وأيضا فلابد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وبين ما ينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض في الجواز والوجوب والامتناع، فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله كما أنه لابد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيا كان مخبرا عما هو الأمر عليه في نفسه. فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟. فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد
стр. 343
الضدين يستلزم نفي الآخر فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم، علم امتناع العدم والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه. فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه ليس هو موجودا بنفسه، بل وجوده بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه. فلا يوجد إلا به وهو سبحانه غني عن كل ما سواه. فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه وهو سبحانه قدير فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه وهو سبحانه حي قيوم فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه.
ش: يعني أن المثبت للأسماء والصفات النافي لصفات النقص قد يعترض عليه من يثبت لله أوصافا كالأكل والشرب والعطش والجوع وشبه ذلك من أوصاف لا تليق به، إذا قال المثبت العمدة في هذا الباب على السمع فما ورد في السمع أثبتناه، وما لم يرد به السمع لم يكف في إثباته مجرد نفي التشبيه. إذا قال هذا القول قال له المعترض: السمع هو خبر الله أو خبر رسوله عن ما الأمر عليه في الواقع، فما ورد في الكتاب أو السنة من نفي أو إثبات فهو حق يجب تصديقه دون أن ننفي ما لم ينف كما لم نثبت ما لم يثبت، فإن الدليل دال على المخبر عنه، وحال الدليل أنه لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. فمثلا: ما لم يرد السمع بنفيه يجوز أن يكون في الواقع ثابتا لله مادام أن السمع لم يرد بنفيه، ومن المعلوم أن النصوص لم تنف الأكل والشرب والبكاء والحزن ونحو ذلك بأسمائها الخاصة بها فلابد والحالة هذه من ورود نفي هذه الصفات بأسمائها وإلا فلا يجوز الحكم بنفيها كما قلتم لنا بأنه لا يجوز إثباتها لله. ويقول المعترض بالإضافة إلى ما سبق لابد من أمر يميز لنا بين الأشياء التي يجوز إثباتها لله وما لا يجوز إثباته، ويميز لنا بين الأشياء التي تنفى عن الله وبين الأشياء التي لا يصح نفيها، فإن الثبوت والنفي متماثلان فيما يجب ويجوز ويمتنع فلابد من فارق يميز الإثبات عن النفي والنفي عن الإثبات وإلا فلا يجوز حينئذ أن ننفي شيئا غير منفي في النص كما لا يجوز أن نثبت شيئا غير وارد
стр. 344
فيه. وبعبارة أصرح قد يعبر عما سبق بأن يقال: لابد من اعتبار يحتم ما يجب إثباته لله ويحتم ما يجب نفيه عنه، وإن كان النص كافيا في ذلك كان خبره مطابقا لما الأمر عليه في نفس الواقع، وحينئذ فما الفرق بين نفي ما ينفى وإثبات ما يثبت؟ فكما تقولون يجب أن لا يثبت لله إلا ما ورد في النص فقولوا لا ينفى عن الله إلا ما جاء السمع بنفيه. هذا حاصل كلام المعترض فيقال ردا عليهم ودحضا لباطلهم: كل ما نافى صفات الكمال فهو منفي عن الله، فإن إثبات الشيء نفي لضده، كما أن نفي الشيء إثبات لضده. فمثلا: هو سبحانه موصوف بالوجود والأولية والغنى والحياة والقيومية والقدرة والقوة وإثبات هذه الأوصاف مستلزم لنفي أضدادها.
стр. 345
اعتراض المعتزلة على الأشاعرة
...
قوله:
وبالجملة. فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفء فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه، فطرق العلم بنفي ما ينزه عنه الرب متسعة لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم. كما فعله أهل القصور والتقصير الذين تناقضوا في ذلك وفرقوا بين المتماثلين، حتى أن كل من أثبت شيئا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبه، وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور، حتى نفوا النفي والإثبات، فقالوا: لا يقال لا موجود ولا ليس بموجود ولا حي، ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم، فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعا، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
стр. 346
ش: بعد أن مثل المؤلف بصفة الوجود والأولية والغنى المطلق والقوة والقدرة والحياة والقيومية وأن إثبات هذه الأوصاف مستلزم لنفي أضدادها أردف يقول: ومجمل القول أنه قد ورد في النصوص من أسماء الله الحسنى وأوصافه العليا ما هو ثابت معلوم، وإثبات ذلك مستلزم لنفي ضده كالعلم مع الجهل والكلام مع الخرس والسمع مع الصمم وأشباه ذلك ونفي الشيء إثبات لضده كالظلم مع العدل ونفي المثيل والكفء والشريك إثبات للوحدانية والتفرد بالخلق والتدبير والكمال المطلق: فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه ولقد أحسن القائل:
والضدُّ يظهرُ حسنَه الضدُّ ... وبِضِدِّها تتبينُ الأشياءُ
وسيأتي بعد هذا في كلام الشيخ أمثلة توضح هذا المقام، والعاقل بما وهبه الله من عقل سليم يدرك ذلك فهي قضية بدهية ضرورية، وحينئذ فطرق تنزيه الله عما لا يليق به متعددة ليست منحصرة فيما يدعيه أهل الجهل والتفريط من أن نفي التشبيه يكفي في إثبات ما لم يرد من الصفات، أو أنه يعتمد عليه في نفي ما ورد بحجة التنزيه كما هي طريقة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأضرابهم. فقد أثبت البعض شيئا ونفى شيئا والبعض منهم نفى الجميع، ولاشك أن هذه الطوائف قد تناقضت في مقالاتها وفرقت بين الأمور المتماثلة في الحكم. وأخذ بعضها يحتج على البعض الآخر بما يوافقه فيه. ثم إنهم لم يستفيدوا من دعوى التنزيه ونفي التشبيه إلا تنقص رب العالمين وتشبيهه بالناقصات، فقد فروا من تشبيهه سبحانه بالأحياء الكاملين، على زعمهم أن إثبات صفاته تشبيه، فوقعوا في التشبيه بالجماد والمعدوم والممتنع، شأنهم في ذلك شأن القرامطة النافين الإثبات والنفي، زعما منهم أن الإثبات يلزم منه التشبيه بالموجودات والنفي يلزم منه التشبيه بالمعدومات، فوقعوا في تشبيهه بالممتنعات. وحينئذ فتنزيه الله عما لا يليق به لا يكون بوصفه بأوصاف النقص، كما لا يكون بنفي أوصاف الكمال.
стр. 347
سورة (قل هو الله أحد) : هي نسب القرآن
...
قوله:
وقد تقدم أن نفي ما ينفي عنه سبحانه، نفي متضمن للنفي والإثبات إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس هذا مدحا، لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقا كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه الرب ﵎ والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك، فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة، وأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك تتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيا عنه بنفسه فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب، ولهذا كانت الملائكة صمدا لا تأكل ولا تشرب، وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، أو هي الأصل في هذا الباب. وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ، فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى. والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل، إذ ذاك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل، وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك
стр. 348
وأسبابه. وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم الضعف والعجز الذي ينزه عنه سبحانه، وبخلاف الفرح والغضب، فإنه من صفات الكمال. فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم، فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن وبالضحك دون البكاء ونحو ذلك.
ش: يقول الشيخ: قد تقدم يعني في القاعدة الأولى، أن جميع ما وصف لله به نفسه من النفي فهو متضمن لنفي أوصاف النقص وإثبات أوصاف الكمال. فنفي السنة والنوم واللغوب وكونه لا يؤوده حفظ السماوات والأرض ولا يعزب عنه شيء وكونه يرى ولا يحاط به رؤية، كل ذلك نفي متضمن لإثبات الكمال، ونفي ما يضاد هذه الحال، وهكذا القول في سائر ما ورد، وحينئذ فالنفي المحض ليس بشيء، ولهذا يوصف به المعدوم والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس ذلك مدحا له لأن مشابهة الناقص نقص بكل حال كما أن المماثلة لشيء من الموجودات فيه مشابهة ومماثلة للغير، وذلك نقص كما أن عدم المماثلة كمال. ولذلك يوصف الرب بأوصاف الكمال دون أضدادها كما يتنزه ويتقدس عن الشبيه والمثال. ثم سرد المؤلف أمثلة لأوصاف الكمال المستلزمة لنفي أضدادها، ونفي أوصاف النقص المستلزمة لإثبات أضدادها فقال: "وذلك أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك فهو منزه عنه" إلى قوله: "والأكل والشرب فيه افتقار إلى موجود غيره" يعني ففي إثبات هذه الصفات نفي لأضدادها ولما يستلزم أضدادها. وقوله: "والآكل والشارب أجوف والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب " إلى قوله: "فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى" معناه: إذا عرف أن من اعتضد بغيره واستعان به في أن يحمله أو يقضي حوائجه فهو مفتقر إلى ذلك الغير، فمن يأكل ويشرب مفتقر إلى الأكل والشرب لتقوم به ذاته ويقوى به. والمصمت أكمل من الأجوف لعدم افتقاره إلى
стр. 349
وقوله: "وهذه السورة، هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب " يعني: كما أخرج الإمام أحمد وابن خزيمة والبيهقي في "الأسماء والصفات " عن أبي ابن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : "يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ "ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ "لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله
стр. 350
شيء" وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ بعث رجلا في سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟! فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال: أخبروه أن الله تعالى يحبه ".
قوله:
وأيضا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفء له ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيعلم قطعا أنه ليس من جنس المخلوقات لا الملائكة ولا السموات، ولا الكواكب ولا الهواء، ولا الماء ولا الأرض ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم ولا غير ذلك بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر. فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى ووجب لها ما يجب لها: فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب والغنى فيكون الشيء الواحد واجب بنفسه غير واجب بنفسه موجودا معدوما، وذلك جمع بين النقيضين. وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون بصر كبصري، أو يد كيدي ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته والله أعلم.
стр. 351
ش: يعني أن العقل السليم يدرك أن الرب الخالق للكون بأسره لا بد أن يكون متصفا بالكمال ومنزها عن النقص، كما أن السمع قد ورد بذلك فيعلم بالضرورة من العقل والسمع أن ذات الله سبحانه ليست كذوات المخلوقين ولا صفاته كصفاتهم فليس كشيء من الموجودات من سماء أو ملائكة أو أبدان آدميين أو أرواحهم أو غير ذلك، ويعلم علما يقينيا أن مباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق، فإذا كان بعض الموجودات لا يماثل بعضا فالمباينة التي بين الخالق والمخلوق أعظم من ذلك. فإذا انتفت المماثلة بين مخلوق ومخلوق فانتفاؤها بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى، والحقيقتان إذا تماثلتا جاز على إحداهما ما يجوز على الأخرى ووجب لها ما وجب لها، فلو تماثل الخالق والمخلوق لجاز على الله ما يجوز على المخلوق من العدم والحدوث والافتقار، ووجب للمخلوق ما يجب للخالق من البقاء والقيومية والغنى المطلق ووجوب الوجود، وحينئذ فيكون كل منهما واجب الوجود ليس واجب الوجود، غني عما سواه غير غني عما سواه، باقيا ليس باقيا وهكذا. وحينئذ فيلزم الجمع بين النقيضين وذلك ممتنع، وبهذا يعلم أن قول المشبه: لله سمع وبصر ويد واستواء كسمعي وبصري ويدي واستوائي ونحو ذلك قول واضح الفساد، حيث يلزم منه أن يجوز على الخالق ما يجوز على المخلوق ويجب له ما يجب له، وليس القصد في هذه الرسالة المختصرة استيعاب طرق النفي والإثبات، فمحل بسط ذلك هو المطولات وإنما المقصود هنا لفت النظر إلى ضوابط وقواعد نافعة مع لفت النظر والتنبيه إلى طرق النفي والإثبات الواجبين لله، وإذا عرف هذا فما أثبته الشرع وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه وما سكت عنه فلم يثبته ولم ينفه فإن كان في العقل ما يثبته ككونه وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه أثبتناه ضمن المثل الأعلى وإن كان في العقل ما ينفيه ككونه وصف نقص نفيناه ضمن المثل الأعلى أيضا، وإن لم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه فلم نثبته ولم ننفه والله جل وعلا متصف بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله وهو أعلم بما يستحقه مما علمنا وما لم نعلم من
стр. 352
أوصاف الكمال ونعوت الجلال.
стр. 353
اشارة الشارح إلى القاعدة السابعة
...
إلى هنا تمت القواعد الست الموجودة في النسخ المتداولة، وقد وجد البحاثة النجدي الشيخ عبد الرحمن بن قاسم نسخة لمتن التدمرية بمكتبة الآلوسي بالعراق، ولما جمع فتاوى ابن تيمية ورتبها وطبع المجموع كان فيه متن التدمرية وكان ضمنه قاعدة سابعة اشتملت عليها الخاتمة الجامعة، وقد رقم الشيخ ابن قاسم لهذه القاعدة بالحروف الأبجدية إشارة إلى أنها ليست من صلب التدمرية في النسخ المعتمدة.
وكنت قد عزمت على شرحها وضمها إلى القواعد الست وبعد النظر والتأمل فيها وجدتها غير خالية من سقط في الكلمات وارتباك في التعبير في بعض المواضع. وظهر لي أنها ربما كانت موجودة في نسخة مسودة. ثم بيضت الرسالله بدونها ولهذا نجدها لم ترد في النسخ المشهورة والمتداولة بين الناس بل أهملت ولم تذكر، ومن أجل ذلك عدلت إلى إغفالها وعدم ضمها إلى أخواتها في هذا الشرح. على أن جل ما فيها قد وردت زبدته في كلام الشيخ في موضعين، أحدهما عند قوله في الأصل الأول: "فإن قال أنا أنفي النفي والإثبات قيل له فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات" إلى قوله: "فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد".
والثاني عند قوله: في القاعدة الأولى:
"ومن قال أنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم" إلى قوله:
"واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصاله بالنقيضين حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود ولا حي ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو من النقيضين ممتنع في بدائه العقول. كالجمع بين النقيضين، والله الموفق للصواب".
стр. 354
قوله:
وأما الأصل الثاني وهو التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعا فنقول لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ويجب الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه.
ش: هذا شروع في بيان الأصل الثاني من نوعي التوحيد وهو توحيد الشرع والقدر، وقد سبق الكلام في أنهما متلازمان وأنه لابد من الإيمان بالشرع والقدر إيمانا خاليا من الزلل، وكما أنه لابد في الأصل الأول من أمرين وهما إثبات ما أثبته الله ورسوله من أوصاف الكمال ونفي ما يجب نفيه مما يضاد هذه الحال، فلابد أيضا في باب شرع الله وتقديره من أمرين:
أحدهما: الإيمان بربوبية الله الشاملة وأنه خالق كل شيء ومليكه. وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تحول للخلق من حال إلى حال ولا قوة لهم إلا به وأنه العليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان قبل كونه وما لم يكن لوكان كيف يكون، علم ما العباد فاعلون وكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض، فإنه لا يكون إلها مستحقا للعبادة إلا من كان خالقا رازقا مالكا متصرفا مدبرا لجميع الأمور حيا قيوما
стр. 355
سميعا بصيرا عليما حكيما موصوفا بكل كمال منزها عن كل نقص غنيا عما سواه، مفتقرا إليه كل ما عداه، فاعلا مختارا لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. والثاني: أنه لابد من الإيمان بأنه سبحانه شرع الشرائع وأمر العباد ونهاهم، ليطيعوا أمره ويجتنبوا نهيه فقد خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فحيث كان متفردا بالخلق والبدء والإعادة ولا يشركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة دون سواه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وبذلك أنزل كتبه المقدسة وأرسل رسله عليهم الصلاة والسلام كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والشاهد من آية الحج كونه سبحانه يعلم كل شيء في السماء والأرض وأن ذلك مكتوب عنده في كتاب. والشاهد من الحديث كونه تعالى قدر مقادير الخلق قبل خلقه لسمواته وأرضه، بهذه المدة المذكورة، وهذا الحديث رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ومثله رواه البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين ﵁ "أن النبي ﷺ قال: يا بني تميم اقبلوا البشرى، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فأقبل على أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا قد قبلنا يا رسول الله، قالوا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وفى لفظ معه وفي لفظ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض " قال ثم جاءني رجل فقال: أدرك ناقتك فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها فوالله لوددت أني تركتها ولم أقم"، وقوله: "اسمه كتب في الذكر" يعني اللوح
следующие страницы →