Полный текст (485 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ش: يعني أن العقل السليم يدرك أن الرب الخالق للكون بأسره لا بد أن يكون متصفا بالكمال ومنزها عن النقص، كما أن السمع قد ورد بذلك فيعلم بالضرورة من العقل والسمع أن ذات الله سبحانه ليست كذوات المخلوقين ولا صفاته كصفاتهم فليس كشيء من الموجودات من سماء أو ملائكة أو أبدان آدميين أو أرواحهم أو غير ذلك، ويعلم علما يقينيا أن مباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق، فإذا كان بعض الموجودات لا يماثل بعضا فالمباينة التي بين الخالق والمخلوق أعظم من ذلك. فإذا انتفت المماثلة بين مخلوق ومخلوق فانتفاؤها بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى، والحقيقتان إذا تماثلتا جاز على إحداهما ما يجوز على الأخرى ووجب لها ما وجب لها، فلو تماثل الخالق والمخلوق لجاز على الله ما يجوز على المخلوق من العدم والحدوث والافتقار، ووجب للمخلوق ما يجب للخالق من البقاء والقيومية والغنى المطلق ووجوب الوجود، وحينئذ فيكون كل منهما واجب الوجود ليس واجب الوجود، غني عما سواه غير غني عما سواه، باقيا ليس باقيا وهكذا. وحينئذ فيلزم الجمع بين النقيضين وذلك ممتنع، وبهذا يعلم أن قول المشبه: لله سمع وبصر ويد واستواء كسمعي وبصري ويدي واستوائي ونحو ذلك قول واضح الفساد، حيث يلزم منه أن يجوز على الخالق ما يجوز على المخلوق ويجب له ما يجب له، وليس القصد في هذه الرسالة المختصرة استيعاب طرق النفي والإثبات، فمحل بسط ذلك هو المطولات وإنما المقصود هنا لفت النظر إلى ضوابط وقواعد نافعة مع لفت النظر والتنبيه إلى طرق النفي والإثبات الواجبين لله، وإذا عرف هذا فما أثبته الشرع وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه وما سكت عنه فلم يثبته ولم ينفه فإن كان في العقل ما يثبته ككونه وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه أثبتناه ضمن المثل الأعلى وإن كان في العقل ما ينفيه ككونه وصف نقص نفيناه ضمن المثل الأعلى أيضا، وإن لم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه فلم نثبته ولم ننفه والله جل وعلا متصف بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله وهو أعلم بما يستحقه مما علمنا وما لم نعلم من
стр. 352
أوصاف الكمال ونعوت الجلال.
стр. 353
اشارة الشارح إلى القاعدة السابعة
...
إلى هنا تمت القواعد الست الموجودة في النسخ المتداولة، وقد وجد البحاثة النجدي الشيخ عبد الرحمن بن قاسم نسخة لمتن التدمرية بمكتبة الآلوسي بالعراق، ولما جمع فتاوى ابن تيمية ورتبها وطبع المجموع كان فيه متن التدمرية وكان ضمنه قاعدة سابعة اشتملت عليها الخاتمة الجامعة، وقد رقم الشيخ ابن قاسم لهذه القاعدة بالحروف الأبجدية إشارة إلى أنها ليست من صلب التدمرية في النسخ المعتمدة.
وكنت قد عزمت على شرحها وضمها إلى القواعد الست وبعد النظر والتأمل فيها وجدتها غير خالية من سقط في الكلمات وارتباك في التعبير في بعض المواضع. وظهر لي أنها ربما كانت موجودة في نسخة مسودة. ثم بيضت الرسالله بدونها ولهذا نجدها لم ترد في النسخ المشهورة والمتداولة بين الناس بل أهملت ولم تذكر، ومن أجل ذلك عدلت إلى إغفالها وعدم ضمها إلى أخواتها في هذا الشرح. على أن جل ما فيها قد وردت زبدته في كلام الشيخ في موضعين، أحدهما عند قوله في الأصل الأول: "فإن قال أنا أنفي النفي والإثبات قيل له فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات" إلى قوله: "فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد".
والثاني عند قوله: في القاعدة الأولى:
"ومن قال أنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم" إلى قوله:
"واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصاله بالنقيضين حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود ولا حي ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو من النقيضين ممتنع في بدائه العقول. كالجمع بين النقيضين، والله الموفق للصواب".
стр. 354
قوله:
وأما الأصل الثاني وهو التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعا فنقول لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ويجب الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه.
ش: هذا شروع في بيان الأصل الثاني من نوعي التوحيد وهو توحيد الشرع والقدر، وقد سبق الكلام في أنهما متلازمان وأنه لابد من الإيمان بالشرع والقدر إيمانا خاليا من الزلل، وكما أنه لابد في الأصل الأول من أمرين وهما إثبات ما أثبته الله ورسوله من أوصاف الكمال ونفي ما يجب نفيه مما يضاد هذه الحال، فلابد أيضا في باب شرع الله وتقديره من أمرين:
أحدهما: الإيمان بربوبية الله الشاملة وأنه خالق كل شيء ومليكه. وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تحول للخلق من حال إلى حال ولا قوة لهم إلا به وأنه العليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان قبل كونه وما لم يكن لوكان كيف يكون، علم ما العباد فاعلون وكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض، فإنه لا يكون إلها مستحقا للعبادة إلا من كان خالقا رازقا مالكا متصرفا مدبرا لجميع الأمور حيا قيوما
стр. 355
سميعا بصيرا عليما حكيما موصوفا بكل كمال منزها عن كل نقص غنيا عما سواه، مفتقرا إليه كل ما عداه، فاعلا مختارا لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. والثاني: أنه لابد من الإيمان بأنه سبحانه شرع الشرائع وأمر العباد ونهاهم، ليطيعوا أمره ويجتنبوا نهيه فقد خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فحيث كان متفردا بالخلق والبدء والإعادة ولا يشركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة دون سواه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وبذلك أنزل كتبه المقدسة وأرسل رسله عليهم الصلاة والسلام كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والشاهد من آية الحج كونه سبحانه يعلم كل شيء في السماء والأرض وأن ذلك مكتوب عنده في كتاب. والشاهد من الحديث كونه تعالى قدر مقادير الخلق قبل خلقه لسمواته وأرضه، بهذه المدة المذكورة، وهذا الحديث رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ومثله رواه البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين ﵁ "أن النبي ﷺ قال: يا بني تميم اقبلوا البشرى، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فأقبل على أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا قد قبلنا يا رسول الله، قالوا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وفى لفظ معه وفي لفظ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض " قال ثم جاءني رجل فقال: أدرك ناقتك فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها فوالله لوددت أني تركتها ولم أقم"، وقوله: "اسمه كتب في الذكر" يعني اللوح
стр. 356
المحفوظ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي من بعد اللوح المحفوظ، ومعنى الحديث إخباره ﷺ عن خلق هذا العالم المشهود، الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع ومثله أيضا الحديث الذي رواه أبوداود والترمذي وغيرهما عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "أول ما خلق الله القلم فقال اكتب قال وما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة". فهذا القلم خلقه الله لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان مخلوقا قبل السموات والأرض، وهو أول ما خلق من هذا العالم، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص وهو قول جمهور السلف. والأمر يراد به المصدر ويراد به المفعول به وهو المأمور الذي كونه الله بأمره، والشرع هو ما سن الله من الدين وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر، و"القدر" مصدر قدر يقدر وقد تسكن داله، وهو ما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور، كما سيأتي.
стр. 357
معنى حديث الأنبياء اخوة لعلاة
...
قوله:
وعبادته تتضمن كمال الذل والحب له. وذلك يتضمن كمال طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء
стр. 358
إخوة لعلات وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، إنه ليس بيني وبينه نبي".
ش: جماع العبادة هو كمال الحب مع كمال الذل. وهي كما قال الشيخ اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة. كالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر وأمثال ذلك. والباطنة كالصبر والرضاء بقضاء الله والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك. وذلك كله يتضمن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وقد جعل الله طاعة رسوله طاعة له وعلق محبته سبحانه باتباع رسوله ﷺ كما في آيتي النساء وآل عمران، والشاهد من آية النساء والزخرف وآية الأنببياء والمؤمنون والشورى هو أن الغاية من إنزال الكتب السماوية جميعها وإرسال الرسل كلهم هي عبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه، وهذا الحديث متفق عليه، وهو مروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، والشاهد منه أن القدر المشترك بين الأنبياء هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرعتهم ومناهجهم كما في قوله ﷻ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ وقوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ... الآية﴾ . معناه كما قال أهل التفسير: شرع لكم ولمن قبلكم من الأنبياء دينا واحدا، يعني التوحيد، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر مع نبينا عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرباب الشرائع. ثم أمرهم سبحانه بإقامة الدين ونهاهم عن الاختلاف فيه، أي لا يختلفوا في التوحيد والإيمان بالله وطاعة رسله وقبول شرائعه فإن هذه قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان فلا ينبغي الخلاف في مثلها.
стр. 359
وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الأمارات وتتباين فيها الأفهام فإنها من مطارح الاجتهاد ومواطن الخلاف. والعلات: جمع بمعنى الضرات وحده علة، سميت بذلك لأن الذي تزوج أخرى على أولى قد كانت قبلها "نهل " ثم "عل " من هذه. ومعنى أولاد علات: أي بني أمهات شتى من رجل واحد، والمعنى في الحديث أن الأنبياء بعثوا متفقين في أصول التوحيد متباينين في فروع الشرع، وقيل: أراد أن الأنبياء يختلفون في أزمانهم وإن شملتهم النبوة، فكأنهم أولاد علات لم يجمعهم زمن واحد، كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد.
стр. 360
دين الأنبياء واحد وان اختلفو افي الشرعة والمنهاج
...
قوله:
وهذا الدين هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ وقال في حواري المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون
стр. 361
بأن يطاع في كل وقت، بفعل ما أمر به في ذلك الوقت فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمرنا ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين الأمر به داخلا في الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد.
ش: يقول الشيخ: إن دين الأنبياء والمرسلين دين واحد وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج. فدين المرسلين يخالف دين المشركين المبتدعين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وهذا التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأمثال ذلك من الآيات. وقد ذكر الله أن كل واحد من الرسل افتتح دعوته بأن قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي المسند عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم"، واعلم أن الله قد خص نبينا محمدا ﷺ بخصائص ميزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين وجعل له شرعة ومنهاجا هي أفضل شرعة وأكمل منهاجا كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس. فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس. هداهم لله بكتابه وإرسال رسوله لما اختلف فيه من الحق قبلهم وجعلهم وسطا عدلا خيارا. فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته وفي الإيمان
стр. 362
برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود، ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى، ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة، بينما كانت اليهود لا يرون إزالله النجاسة بالماء بل إذا أصابت ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، والنصارى ليس عندهم شيء نجس. وكذلك المسلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعة الناسخ لأجل شرعة المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود ولا جعلوا الخالق متصفا بخصائص المخلوق ونقائصه ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى. ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى. وأهل السنة والجماعة في الإسلام كاهل الإسلام في أهل الملل. فهم وسط في باب صفات الله بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل. يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال وتنزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال.
فالإسلام بهذا المفهوم العام متضمن للانقياد التام والطاعة الكاملة لله وحده دون من سواه، وحينئذ فمن انقاد لغيره وعبده فهو غير مسلم له. بل هو مستكبر عن الاستسلام له وجاحد لألوهيته، كما أن من عبده وعبد غيره مشرك به سواه وغير مستسلم له. وكل من المتكبر عن عبادته والمشرك به غير مسلم. فإن الاستسلام له سبحانه يستلزم عبادته وطاعته وحده لا شريك له،
стр. 363
فالدين الذي لا يقبل الله من جميع الأمم سواه هو الإسلام بهذا المعنى. وحقيقة الأمر أن طاعته في كل حين هي الإسلام: فمثلا ما شرعه الله لموسى وعيسى من العبادة وإن اختلف عما شرعه الله لنبينا محمد عليهم الصلاة والسلام بأن اختلفت في كيفية عبادة أو تحليل شيء كان محرما أو تحريم شيء كان حلالا. فتختلف في شريعة رسول عنها في شريعة رسول آخر، إلا أن الأصل واحد وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة. قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه﴾ ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ فهذا الاختلاف في المنهج مع الاتفاق في الأصل حاصل ما بين شريعة وشريعة كما يحصل في شريعة الرسول الواحد. فأمر الرسول ﷺ باستقبال الصخرة في بيت المقدس، وامتثاله لذلك طاعة وإسلام قبل النسخ ثم أمره بالتحول إلى استقبال الكعبة بالبيت الحرام وامتثاله لذلك طاعة وإسلام. والشاهد من آية يونس وآيات البقرة وأيضا آية يونس وآيتي المائدة الشاهد من الجميع: أن جميع الرسل جاؤوا بدين الإسلام الذي هو التوحيد، وسفه نفسه: جهلها. والحواريون هم أصفياء عيسى وأنصار دينه وأول من آمن به. والمسيح هو عيسى بن مريم ﵇ وسمي بذلك لأنه مسح الأرض أي ذهب فيها فلم يستكن بها، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ فسمي مسيحا. فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل أو لأنه كان ممسوح الأخمصين أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب وهو على هذين القولين فعيل بمعنى مفعول. وأما الدجال فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل لأنه يمسح الأرض أي يطوف ببلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس. وبلقيس هي بنت شرحبيل ملكة سبأ بمدائن اليمن، والمنسك هو العبادة عموما فيشمل الحج وغيره.
стр. 364
أول الرسل يبشر بآخرهم
...
قوله:
والله تعالى جعل من دين الرسل، أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابن عباس: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ، وجعل الإيمان بهم متلازما وكفر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله، ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالله محمد ﷺ فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا، بل يكون كافرا وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن، كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
стр. 365
الْخَاسِرِينَ﴾ قالت اليهود والنصارى فنحن مسلمون، فأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ، فقالوا لا نحج فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ .
ش: يعني أن الله سبحانه قد جعل من ضمن ما شرعه لعباده أن السابق من الأنبياء يبشر باللاحق وأن المتأخر يؤمن بالمتقدم، كما في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية. وكما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟، قال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام" وكما في الأثر الذي رواه الإمام أحمد أيضا بسنده إلى عبد الله بن مسعود في قصة وفد قريش إلى النجاشي في طلب المهاجرين إلى الحبشة وفيه "قال جعفر بن أبي طالب: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد، فقالوا: له ما لك لا تسجد للملك؟، قال: إنا لا نسجد إلا لله ، قال: وما ذاك، قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال: ما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟، قال: نقول كما قال : هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، قال: فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذان، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الذي يبشر به عيسى بن مريم انزلوا حيث شئتم"، وكما أن
стр. 366
السابق يبشر باللاحق ويؤمن به فاللاحق يصدق السابق ويؤيده، كما في آية المائدة التي استشهد بها المؤلف وأمثالها من الآيات. وقد جعل الله الإيمان بالرسل مرتبطا بعضه ببعض، فمن فرق بينهم في الإيمان فليس بمؤمن بأحد منهم كما دل على ذلك آية النساء وآيتا البقرة ومثلهما آية آل عمران: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية. وحينئذ فمن جملة الرسل نبينا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام وقد أخذ الله على جميع من سبقه من الأنبياء أن يؤمنوا به وأن يأخذوا العهد على أممهم: بالإيمان به كما في آية آل عمران. وقد ذكر المؤلف أثر ابن عباس كشاهد على معنى الآية الكريمة وقد روى هذا الأثر ابن جرير وغيره عن ابن عباس ﵄. ومثله ما رواه بن جرير أيضا عن علي ﵁ قال: "لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ الآية".
وإذاً فعلى جميع من بلغته رسالة خاتم الرسل محمد ﵊ أن يؤمن بمقتضاها وأن لا يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. وقد حكم الله على اليهود والنصارى حين زعموا الإسلام وأمروا بالحج فامتنعوا بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا الأثر رواه بن جرير والبيهقي في سننه عن عكرمة ولفظه: قال لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينا﴾ قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون، فقال لهم النبي ﷺ : "إن الله فرض على المسلمين حج البيت"، فقالوا: أيكتب علينا؟ وأبوا أن يحجوا، قال الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وذلك أن حج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام الخمسة كما في حديث ابن عمر الذي رواه البخاري ومسلم، فقد ختم الله الأنبياء بمحمد ﷺ وأكمل له ولأمته الدين كما في آية المائدة. وقوله: "ولهذا لما وقف النبي بعرفة". يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم عن طارق بن شهاب قال قالت اليهود لعمر: "إنكم
стр. 367
تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأية آية؟ قالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت فيها: نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة". وأقررتم هو من الإقرار بمعنى الاعتراف. والإصر في اللغة: الثقل سمي العهد إصرا لما فيه من التشديد، والمعنى وأخذتم على ذلك عهدي. والأسباط: هم أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولدا وكل واحد منهم له من الأولاد جماعة. والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون.
الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام
وقوله: "لم يكن مسلما ولا مؤمنا" يشير إلى أن من لم يؤمن بجميع ما بعث به محمد ﷺ فليس بمسلم وبطريق الأولى نفي الإيمان عنه، لأن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة كما فرق النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ بين مسمى الإسلام ومسمى الإيمان. وهذا إنما هو إذا ذكرا جميعا. وأما إذا ذكر أحدهما فقط فإن الآخر يدخل فيه. كما في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ الآية. وكما في قوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ . قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ... الحديث" فالإسلام داخل في مسمى الإيمان. ومثال دخول الإيمان في مسمى الإسلام قوله تعالى: ﴿وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ .
فالحاصل أن دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هودين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تعالى في كل زمان ومكان تكون بطاعة رسله ﵈ فلا يكون عابدا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله، ولا يكون مؤمنا به ولا عابدا له إلا من آمن بجميع رسله وأطاع من أرسل إليه فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي
стр. 368
عده فتكون الطاعة للرسول الثاني طاعة للأول ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ ! ومن فرق بين رسله فآمن ببعض وكفر ببعض كان كافرا.
стр. 369
تنازع الناس في اسلام من تبقى من أمة موسى وعيسى
...
قوله:
وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى: هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فالإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا ﷺ المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة، بعث الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء، ورأس الإسلام مطلقا: شهادة أن لا إله إلا الله وبها بعث جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، وقال عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، وقال تعالى عنه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ، وذكر عن رسله كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ .
стр. 370
ش: يقول الشيخ: اختلف العلماء في جواز إطلاق اسم الإسلام على من سبق الأمة المحمدية من الأمم. والخلاف في الحقيقة ما هو إلا لفظي. فإن الجميع متفقون على أن كل امة أطاعت رسولها الذي جاءها بشرع الله فهي مسلمة منقادة لأمر الله خاضعة لشرعه الذي شرعه على لسان ذلك الرسول المرسل. فإن الإسلام دين والدين مصدر دان يدين دينا إذا خضع وذل، ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب الخضوع لله بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلما.
وأما الإسلام الخاص فهو كما فسره رسول الله ﷺ في حديث جبريل: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا لله وأن محمدا رسول الله.. الخ" رواه مسلم، وروى الإمام أحمد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثت به؟، قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟، قال: أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك إلى لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد أشرك بعد إسلامه.. الحديث"، وذكر الله تعالى عن موسى أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ! وأخبر تعالى عن السحرة أنهم قالوا لفرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى عن المسيح: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ، وكما قال عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
стр. 371
فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، وقال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ، وقال عن بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فالإسلام عند الجميع هو الاستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له، كما يقول أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، وحينئذ فرأس جميع الأديان هو الشهادة بوحدانية الله دون من سواه كما في آية النحل والأنبياء والشعراء والممتحنة، وآيتي الزخرف، ولقد أخبر الله تعالى عن كل رسول بأنه أمر قومه بعبادة الله وحده كما حكى ذلك عن نوح وهود وصالح، وإخوانهم من الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال عن شعيب: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وأخبر سبحانه عن أهل الكهف أنهم قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطا﴾ ، والخلة أعلى مراتب المحبة، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد باقية في ذريته بأن وصاهم بها كما في قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ والكهف جمعه كهوف وهو الغار المتسع في الجبل ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي قويناها على قول الحق، ﴿ولَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ أي قولا ذا شطط أي إفراطا في الكفر أن دعونا إلها غير الله.
стр. 372
قوله:
وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ذكر ذلك في موضعين من كتابه، وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب والشرك بالأصنام فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إله إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ومعلوم أن واحدا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان ومريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال. بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلها مساويا لله في جميع صفاته وعامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله. بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له، سواء كان ملكا أو نبيا أو كوكبا أو صنما، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك، فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد وقال: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع
стр. 373
الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك عن الثنوية الذين يقولون بالأصلين النور والظلمة وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور، وقد أخبر الله سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه في كتابه، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ إلى قوله ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ .
ش: بعد أن بين الشيخ أن الإسلام بمعناه العام هودين جميع الرسل وأن من أطاع رسوله من الأمم السابقة، يقال له مسلم كما يقال ذلك لأمة محمد ﷺ . بين بعد ذلك أن من صرف شيئا من أنواع العبادة لغير لله بأن تقرب إلى ملك أو نبي أو ولي أو كوكب، أو شجرة، أو حجر، فهو مشرك وقد قال الله جل وعلا في حق المشركين ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ، وقال في الموضع الآخر من سورة النساء أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، ثم استشهد المؤلف بآية براءة وآية المائدة وآية آل عمران على ذم عابد العلماء والعباد والملائكة والأنبياء وبيان شركهم وكفرهم، وحكم الله عليهم بالكفر إنما
стр. 374
هو بسبب شركهم مع الله في عبادته ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، فكان المشركون من النصارى والعرب وغيرهم من أصناف الأمم الضالة، يعتقدون في الملائكة أو الأنبياء أو الشيوخ أنهم شفعاء لهم عند الله كما يشفع الشفعاء إلى ملوك الدنيا ويضربون لله مثلا فيقولون: من أراد أن يتقرب إلى ملك عظيم فلا ينبغي له أن يأتي إليه أولا، بل يتقرب إلى خاصته وهم يرفعون حوائجه ويقربونه إليه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، ذكر سبحانه هذا بعد قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ وقد نفى هذه الشفاعة التي يزعمونها كما قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ .
стр. 375
قال الشيخ: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأما شفاعته ﷺ في الآخرة فقد أخبر "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا، فإذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، قيل له أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فيقول أي رب؟ أمتي، فيحد له حدا فيدخلهم الجنة وكذلك في الثانية وكذلك في الثالثة، قال أبوهريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله" وحقيقة الأمر أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك وينال المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، كما كان ﷺ في الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم، فمقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك وهو أن لا يعبد إلا الله ولا يدعى سواه ولا يسئل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ولا غيرها، فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه بأسباب، وحينئذ فالمشركون جميعا لم يكونوا جاحدين يرب العالمين، ولا قال أحد قط من الآدميين أن الشمس أو القمر أو شيئا من الكواكب أبدع السموات أو غيرها بل عباد الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الأصنام الأصنام بل قد يجعلونها شفعاء ووسائط بينهم وبين رب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ حتى الثنوية من المجوس يقولون أن العالم صادر عن أصلين، النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود والظلمة هي الإله الشرير المذموم، وبعضهم يقول أن الظلمة هي الشيطان. ومنهم من قال إن الظلمة قديمة أزلية مع أنها مذمومة ليست مماثلة للنور ومنهم من قال بل هي حادثة، وأن النور فكر فكرة رديئة فحدثت الظلمة عن تلك
стр. 376
الفكرة الرديئة، وهؤلاء مع إثباتهم اثنين وتسمية الناس لهم بالثنوبة فهم لا يقولون أن الشر مماثل للخير، ومن ظن أن قوم إبراهيم الخليل كانوا يعتقدون أن النجم أو الشمس أو القمر رب العالمين أو أن الخليل ﵇ لما قال هذا ربي أراد به رب العالمين فقد غلط غلطا بينا، بل قوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع وكانوا يشركون بعبادته كأمثالهم من المشركين. قال الله تعالى عن الخليل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - إلى قوله- فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ! فأخبر الله تعالى عن الخليل أنه عدو لكل ما يعبدون إلا رب العالمين، وأخبر عنهم أنهم يقولون يوم القيامة ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني آلهتكم، فلم يكونوا جاحدين للصانع بل عدلوا به وجعلوا له أندادا في العبادة والمحبة والدعاء، وكذلك مشركو العرب وأمثالهم كانوا مقرين بالصانع وأنه خلق السموات والأرض، إذ كانوا مقرين بأن هذه السموات والأرض مخلوقة لله حادثة بعد أن لم تكن. وقد استشهد المؤلف على ذلك بآية العنكبوت وآية الزمر وآيات المؤمنون، ثم استشهد بما كان العرب يقولونه في تلبيتهم من الإقرار بربوبية الله الشاملة، كما ذكر أهل السير أن التلبية من عهد إبراهيم ﵇: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لحي الخزاعي فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فقال: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكا هو لك، فأنكر ذلك عمرو وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: تملكه وما ملك فإنه لا بأس بهذا فقالها ودانت بها العرب، وقد روى مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار". ومن العلم المشهور أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأنصاب حول المبيت، ويقال أنه جلبها من
стр. 377
البلقاء من أرض الشام متشبها بأهل البلقاء وهو أول من سيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام. قال الشيخ: ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم، على شريعة التوحيد والحنيفية السمحة دين أبيهم إبراهيم، فتشبهوا بعمرو بن لحي وكان عظيم أهل مكة يومئذ لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش وكانوا سائر العرب متشبهين بأهل مكة لأن فيها بيت الله وإليه الحج. فتشبه عمرو بمن رآه في الشام واستحسن بعقله ما كانوا عليه ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي تعظيما لله ودينا فكان ما فعله أصل الشرك في العرب وأصل تحريم الحلال فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب الشرك بالله وتغير دينه الحنيف إلى أن بعث الله رسوله ﷺ فأحيا ملة إبراهيم ﵇ وأقام التوحيد وحلل ما كانوا يحرمونه، وقوله فأهل رسول الله ﷺ يعني كما في الحديث الطويل الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ "أن رسول ﷺ أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وكذلك عبادة الأحبار والرهبان لم تكن لاعتقادهم فيهم مشاركة الله في ربوبيته بل كان اعتقادهم كما قال الربيع بن أنس: "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل، قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء: فما أمرونا به ائتمرنا، وما نهوا عنه انتهينا، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم"، وقد بين النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم أو صاموا لهم، أو دعوهم من دون الله، وفى حديث عدي بن حاتم الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: فقلت بلى، قال: فتلك عبادتهم" والصنم هو الوثن جمعه أصنام وهو ما قصد
стр. 378
بنوع من أنواع العبادة من دون الله من القبور والمشاهد والتماثيل، يقول الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ مع قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ ، وقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُون﴾ فبذلك يعلم أن الوثن يطلق على الأصنام مما عبد من دون الله، وقيل الصنم هو ما صور على هيئة الإنسان وعبد من دون لله من خشب أو حجر أو ذهب أو فضة أو غير ذلك وقوله: وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات معناه أن الباحثين في الملل والمتحدثين عن الديانات مثل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ومثل عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق". ومثل أبي محمد علي بن حزم الأندلسي. في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل " فقد تحدث هؤلاء وغيرهم عن نحل العا لم ولم يذكروا عن أحد إثبات شريك مشارك لله في خلق جميع المخلوقات ولا مماثل له في جميع الصفات.
وقوله سبحانه في آيتي النساء ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ معناه: أن ما دون الشرك بالله من سائر المعاصي فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذب مرتكبه وإن شاء غفر له، ففي ذلك رد على كل من الخوارج المكفرين بالذنوب وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وليسوا عندهم بمؤمنين ولا كفار، ولا يجوز أن يحمل قوله: سبحانه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ﴾ على التائب فإن التائب من الشرك مغفور له كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ فهنا عم وأطلق، لأن المراد هنا التائب وهناك خص وعلق لأن المراد به من لم يتب.
стр. 379
قوله:
وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى "التوحيد " فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر، غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له، واشهر الأنواع الثلاثة، عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم، واحد وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا "لا إله إلا الله" حتى يجعلوا معنى الإلهية، القدرة على الاختراع ومعلوم، أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمدصلى الله عليه وسلم أولا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدرة أيضا، وهم مع هذا مشركون.
فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال، أن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا أنهم خالقو أفعالهم.
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون أنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق فأما من أنكر الصانع، فذاك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله، المقرين بوجوده فإن هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وكذلك النوع الثاني وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته فإنه ليس في الأمم من أثبت قديما مماثلا له في الاستواء، وقال إنه
стр. 380
يشاركه، أو قال إنه لا فعل له، بل من يشبه به شيئا من مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين، كما تقدم. وعلم أيضا بالعقل، أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد بينهما من قدر مشترك. كاتفاقهما في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك.
ش: يقول الشيخ: بما تقدم من تقرير توحيد المرسلين الذي هودين الإسلام بمعناه العام وأن ضده الشرك وهو اتخاذ مع الله آلهة أخرى يتضح خطأ من غلط من أرباب الكلام وأهل التصوف الذين جعلوا الإقرار بربوبية الله الشاملة هو النهاية في التوحيد، وأن معنى كلمة الإخلاص: هو القادر على الاختراع. وقد استدلوا على أن توحيد الربوبية هو الغاية بدليل التمانع المشهور، وهو أنه لوكان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته فإما أن يحصل مرادهما أو مراد أحدهما أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، والثالث: ممتنع لأنه يستلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع ويستلزم أيضا عجز كل منها والعاجز لا يكون إلها، وإذ حصل مراد أحدهما دون الآخر كان هو الإله القادر والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية، ولا ريب أن هذا غلط واضح واعتقاد فاسد فإن معنى لا إله إلا لله لا معبود بحق سوى الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إله إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فأجابوا ردا عليه بقولهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ
стр. 381
آبَاؤُنَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، فالإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس الإله بمعنى القادر على الخلق كما يقول ذلك من يقوله من الأشاعرة وغيرهم، فلو أقر الإنسان بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة لله وحده لا شريك له فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء ومع ذلك كانوا مشركين. وقد أنكروا ما جاء به ﷺ من التوحيد، وما نفاه من الشركاء فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ وقصرها على الله سبحانه وقالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي لأمر بالغ في العجب إلى الغاية، فهم إذاً أعلم بمعنى كلمة الإخلاص من أرباب الكلام والتصوف، كما كان المشركون يقرون بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة. وبما سبق يتضح أنه ليس أحد من طوائف بني ادم ينازع في أصل الربوبية على اعتبار وجود ربين متماثلين من كل وجه، بل غاية ما يقال أن بعض الطوائف المشركة تنسب شيئا من التأثير لغير الله كما تقول القدرية في أفعال العباد بأنها مخلوقة لهم وأن كانوا يقرون أن الله هو خالق العباد وخالق قدرتهم على الفعل، وكما تقول المجوس بأن الظلمة تخلق الشر مع إقرارهم أن الله خالق الخير ويعبرون عنه بالنور، وكما تقول الفلاسفة بأن الكواكب السبع والاثني عشر برجا تحدث أمورا من غير إحداث الله لها.
وكما تقول: المنانية بأزلية الطبائع الأربع وأنها كانت بسائط غير
ممتزجة ثم حدث الامتزاج بينها فحدث العالم بامتزاجها، وكثير من المشركين قد يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك، فهؤلاء جميعا مشركون في الربوبية بهذا الاعتبار مع اعتقاد جميع هذه الطوائف أن العالم بأسره مخلوق مربوب، للكبير المتعال، غير أن هناك من يجحد ربوبية
стр. 382
الله سبحانه عنادا وتجاهلا كفرعون فهو أشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع، وقد كان مستيقنا به في الباطن، كما قال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ وما يقربه هؤلاء النظار لا ينازعهم فيه المشركون الذين بعث إليهم الرسول ﷺ ، فإنهم يدعون آلهتهم كما يدعون الله ويسجدون وينسكون لها ويتقربون إليها ثم يقولون إن هذا ليس بشرك وإنما الشرك إذا اعتقدنا أنها هي المدبرة لنا فإذا جعلناها سببا وواسطة لم نكن مشركين. ولكن الكلام هنا مع المقرين بالله مع اتخاذهم آلهة أخرى، فهم إذاً مقرون بأن الله رب كل شيء ومليكه ومع هذا فهم غير موحدين بل هم كفار مشركون، كما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام. وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد سبق الشيء الكثير من الآيات والأحاديث المصرحة بذلك.
وقوله غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له، معناه: أن هؤلاء المتكلمين يقسمون التوحيد في عرفهم إلى ثلاثة أقسام، أشهرها عندهم توحيد الله بأفعاله ويعبرون عنها بهذه العبارات المجملة فقولهم: (واحد) إن أرادوا به ما أراده الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - وقوله- ﴿هو الله الواحد القهار﴾ ونحو ذلك فهذا حق، وإن أرادوا بالواحد ما تريده الجهمية نفاة الصفات: من أنه ذات مجردة عن الصفات فهذا باطل، فإنهم يدرجون في هذا نفي علوه على خلقه واستوائه على عرشه ونفي ما ينفونه من صفاته ويقولون أن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما، ومن المعلوم أن من لا صفة له فلا حقيقة له في الخارج وإنما يقدر في الأذهان لا في الأعيان. وقولهم (واحد في صفاته) لا شبيه له إن أرادوا بذلك أنه سبحانه مسمى بالأسماء الحسنى ومتصف بالصفات الكاملة العليا التي لا يماثله فيها أحد
стр. 383
فهذا حق، وقد علم بالضرورة أنه ليس هناك أحد من بني آدم اعتقد وجود إله قديم لرب العالمين في ذاته سواء كان المعتقد لوجود إله آخر ينسب إليه نوع شركة مع الله في أفعاله أو كان يعتقد أن إلهه ليس له شيء من التدبير، بل غاية ما يقال أن من شبه به أحدا من خلقه فإنما يشبهه به في شيء دون شيء، وأما إن أراد القائل المعنى الباطل من أنه سبحانه غير مستو على عرشه ولا ينزل من السماء الدنيا، ولا يجيء لفصل القضاء يوم القيامة ولا يفعل ما يريد إلى غير ذلك فهو ملحد ضال، ومما هو معلوم بصريح العقل الموافق لصحيح النقل أن الله ﵎ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل ذلك ممتنع فإنه يلزم منه أن يجوز على مثيله ما يجوز عليه، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه وهذا جمع بين النقيضين لأنه يكون كل منهما واجب الوجود ليس بواجب الوجود، خالقا ليس بخالق، قديما ليس بقديم إلى غير ذلك، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في آخر القاعدة السادسة، كما سبق أيضا القول بأن كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتركان فيه كمدلول الوجود ومدلول القيام بالنفس والذات والعلم والقدرة ونحو ذلك من المعاني العامة المشتركة ويختلفان في أن لكل منهما ما يضاف إليه ويليق به فالخالق وإن اتفق مع المخلوق في أن كلا منهما متصف بالصفات إلا أنهما يختلفان في أن لكل منهما ما يناسبه، أما اتصاف كل منهما بالصفات فليس فيه مماثلة بينهما ولله خصائصه التي اختص بها وللمخلوق خصائصه التي اختص بها فمن ادعى مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه فهو المشبه الممثل، والنوع الثالث سيأتي الكلام عليه في محله قريبا.
стр. 384
القرآن منزل غير مخلوق
...
قوله:
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى ذلك، فصار من قال: إن لله علما أو قدرة أو أنه يرى أو أن القرآن كلام الله غير مخلوق، يقولون: إنه مشبه ليس بموحد وزاد عليهم غلاة الفلاسفة
стр. 385
والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبه ليس بموحد، وزاد عليهم غلاة القرامطة وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا بالإثبات، لأن في كل منهما تشبيها له. وهؤلاء كلهم وقعوا في جنس تشبيه هو شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، فرارا من تشبيههم إياه - بزعمهم - بالأحياء ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما تثبت لمخلوق أصلا وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة الذوات لذاته لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه ويسمون أنفسهم الموحدين.
ش: يعني أن المعتزلة وأشباههم من أهل التجهم يدخلون نفي أسماء الله وصفاته في مدلول التوحيد عندهم، فيقولون من أثبت لله سمعا أو بصرا أو عزة أو حكمة أو علما أو قدرة، أو قال بأن المؤمنين يرونه سبحانه في الآخرة عيانا بأبصارهم، من أثبت ذلك ونحوه فهو عندهم مشبه مجسم، وقد تبعهم في ذلك الفلاسفة والقرامطة بل زادوا على المعتزلة في عدد إثبات الاسم ولو كان غير دال على صفة وزادوا على بعض الجهمية في إثباتهم الاسم مجازا، وزاد عليهم غلاتهم فقالوا من وصف لله بالإثبات فهو مشبه ومن وصفه بالنفي فهو مشبه. وهؤلاء جميعا قد فروا من التشبيه على زعمهم بالحي المتصف بأوصاف الكمال فوقعوا في شر مما فروا منه، حيث شبهوه بالجماد أو المعدوم أو الممتنع ومن المعلوم أن الله جل وعلا متصف بما له من حقائق الأسماء والصفات على وجه لا يماثل فيه أحد من خلقه البتة، إذ هو سبحانه الكامل في ذاته وصفاته ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وثبوت الصفات هو فرع ثبوت الذات، فكما أن الذات المقدسة ثابتة بحقيقة الإثبات فالأسماء الحسنى والصفات العلى
стр. 386
ثابتة بحقيقة الإثبات وليست الصفة كالصفة كما أن الموصوف ليس مثل الموصوف. وهؤلاء النفاة قد زعموا أن نفيهم للصفات هو تنزيه الله عن النقص وسموا أنفسهم بالموحدين، وفى واقع الأمر أنهم هم المعطلون الجاحدون المشبهون، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيه، قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في (الفقه الكبير) : "لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه"، ثم قال بعد ذلك: "وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا" وهكذا قول سائر الأئمة، كنعيم بن حماد والشافعي وقد سبق ذكر نموذج من ذلك، فسلف الأمة وأئمة السنة ومن تبعهم بإحسان هم ورثة الرسل وهم الموحدون، أما الجعديون والواصليون وأضرابهم فهم الملحدون المعطلون، وقوله عن النفاة الذين يصفون من قال أن القرآن كلام الله غير مخلوق، بأنه مشبه معناه أن الجهمية من المعتزلة وإخوانهم يقولون بأن كلام الله مخلوق غير منزل، ويستدل على ذلك، بمثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويدخلون كلام الله في عموم (كل) . وقد غلطوا غلطا فاحشا وضلوا ضلالا مبينا فإن القرآن الكريم هو كلام الله وكلامه من صفاته، وصفاته داخلة في مسمى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه، وحينئذ فطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة والحياة وسائر الصفات، وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء وقدرته شيء وحياته شيء فيدخل ذلك في عموم (كل) فيكون مخلوقا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للبصير أعمى وللأعمى بصير لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره. والأعمى قد قام وصف البصر بغيره، إذا عرف هذا فعموم (كل) في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ فمساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح، وذلك لأن المراد في الآية كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة واستحق التدمير، وكذا قوله تعالى حكاية عن
стр. 387
لقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فإن المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم في قرائن الكلام، إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ونظائر هذا كثيرة، فالمراد من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق ولم يدخل في العموم (الخالق تعالى) وهو سبحانه موصوف بأوصاف الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة. وشيخ المعتزلة الجهمية: الجعد بن درهم وتلميذه الجهم بن صفوان، هما أول من نقل عنه هذا الرأي الزائغ الفاسد، قال الشيخ: "والناس يقرؤون القرآن بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به القرآن مخلوق، والصوت الذي يُقرأ به صوت العبد، والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة، فالقرآن الذي يقرأه الخلق كلام الباري والصوت صوت القارئ".
стр. 388
اقرار المرء بأن الله خالق كل شيء لا يغني عنه إلا إذا نطق بالشهادتين
...
قوله:
وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته أو لا جزء له أو لا بعض له، لفظ مجمل. فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق، أو يتحيز، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يريدون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه وامتيازه عنهم ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد، فقد تبين أن ما يسمونه توحيدا فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقا، فغن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن. وقاتلهم عليه الرسول ﷺ . بل لابد أن يؤمنوا بأنه لا إله إلا الله، وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع- كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين- حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن -
стр. 389
المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل ٠ (الإله) الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى (مألوه) لا بمعنى (إله) والتوحيد أن تعبد الله وحده لا شريك له والإشراك أن تجعل مع الله إلها آخر.
ش: يعني أن النوع الثالث من أنواع التوحيد عند أرباب الكلام والتصوف، هو قولهم أن لله واحد في ذاته لا قسيم له ولا جزء له ولا بعض له وهذا كلام مجمل مشتمل على حق وباطل فقد يراد به معنى صحيح كما إذا قصد به أن الله سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق بل هو أحد صمد. وقد يراد به نفي صفاته، وحينئذ فهم إنما يقصدون تعطيل حقائق أسمائه وصفاته التي هي من لوازم ذاته المقدسة زاعمين أن ذلك من التوحيد. وبما ذكر ينكشف زيغهم ويتضح باطلهم، فإن هذه المعاني التي تتناولها عباراتهم فيها ما يوافق ما جاء به الرسول ﷺ وفيها ما يخالفه. وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول بل التوحيد الذي جاء به أمر يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، ومقالتهم هذه هي الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل فلو أقر الإنسان بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما تنزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يقر بأن لله وحده هو الإله المستحق للعبادة، والإله بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق.
قال ابن جرير: الله أصله الألاه أسقطت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي عين الاسم واللام الزائدة وهي الساكنة فأدغمت في الأخرى فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة، وأما تأويل الله فإنه على معنى ما روي لنا عن ابن عباس قال: هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق. وساق بسنده عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: الله ذو الألوهية
стр. 390
والعبودية على خلقه أجمعين انتهى" فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا، ولله حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله، وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر فلا تحب مخلوقا كما تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فهو من الذين بربهم يعدلون وقد جعل مع الله إلها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات والأرض، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وقد سبق ذكر جملة من الآيات الدالة على ذلك. فتبين أن جعل هذا التوحيد الذي يقر به المتكلمون هو الغاية لا يخرجهم عن الشرك، فقد كان المشركون يقرون به ومع ذلك وصفهم الله بالشرك، وقاتلهم الرسول ﷺ فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو أن يعبد الله وحده لا شريك له، وضده الشرك وهو أن يتخذ مع الله آلهة أخرى.
قوله:
وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار- أهل الإثبات- للقدر المنتسبون إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد: هو شهود هذا التوحيد، وأن تشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا سيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها.
следующие страницы →