Полный текст (485 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ثابتة بحقيقة الإثبات وليست الصفة كالصفة كما أن الموصوف ليس مثل الموصوف. وهؤلاء النفاة قد زعموا أن نفيهم للصفات هو تنزيه الله عن النقص وسموا أنفسهم بالموحدين، وفى واقع الأمر أنهم هم المعطلون الجاحدون المشبهون، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيه، قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في (الفقه الكبير) : "لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه"، ثم قال بعد ذلك: "وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا" وهكذا قول سائر الأئمة، كنعيم بن حماد والشافعي وقد سبق ذكر نموذج من ذلك، فسلف الأمة وأئمة السنة ومن تبعهم بإحسان هم ورثة الرسل وهم الموحدون، أما الجعديون والواصليون وأضرابهم فهم الملحدون المعطلون، وقوله عن النفاة الذين يصفون من قال أن القرآن كلام الله غير مخلوق، بأنه مشبه معناه أن الجهمية من المعتزلة وإخوانهم يقولون بأن كلام الله مخلوق غير منزل، ويستدل على ذلك، بمثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويدخلون كلام الله في عموم (كل) . وقد غلطوا غلطا فاحشا وضلوا ضلالا مبينا فإن القرآن الكريم هو كلام الله وكلامه من صفاته، وصفاته داخلة في مسمى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه، وحينئذ فطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة والحياة وسائر الصفات، وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء وقدرته شيء وحياته شيء فيدخل ذلك في عموم (كل) فيكون مخلوقا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للبصير أعمى وللأعمى بصير لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره. والأعمى قد قام وصف البصر بغيره، إذا عرف هذا فعموم (كل) في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ فمساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح، وذلك لأن المراد في الآية كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة واستحق التدمير، وكذا قوله تعالى حكاية عن
стр. 387
لقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فإن المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم في قرائن الكلام، إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ونظائر هذا كثيرة، فالمراد من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق ولم يدخل في العموم (الخالق تعالى) وهو سبحانه موصوف بأوصاف الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة. وشيخ المعتزلة الجهمية: الجعد بن درهم وتلميذه الجهم بن صفوان، هما أول من نقل عنه هذا الرأي الزائغ الفاسد، قال الشيخ: "والناس يقرؤون القرآن بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به القرآن مخلوق، والصوت الذي يُقرأ به صوت العبد، والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة، فالقرآن الذي يقرأه الخلق كلام الباري والصوت صوت القارئ".
стр. 388
اقرار المرء بأن الله خالق كل شيء لا يغني عنه إلا إذا نطق بالشهادتين
...
قوله:
وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته أو لا جزء له أو لا بعض له، لفظ مجمل. فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق، أو يتحيز، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يريدون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه وامتيازه عنهم ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد، فقد تبين أن ما يسمونه توحيدا فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقا، فغن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن. وقاتلهم عليه الرسول ﷺ . بل لابد أن يؤمنوا بأنه لا إله إلا الله، وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع- كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين- حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن -
стр. 389
المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل ٠ (الإله) الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى (مألوه) لا بمعنى (إله) والتوحيد أن تعبد الله وحده لا شريك له والإشراك أن تجعل مع الله إلها آخر.
ش: يعني أن النوع الثالث من أنواع التوحيد عند أرباب الكلام والتصوف، هو قولهم أن لله واحد في ذاته لا قسيم له ولا جزء له ولا بعض له وهذا كلام مجمل مشتمل على حق وباطل فقد يراد به معنى صحيح كما إذا قصد به أن الله سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق بل هو أحد صمد. وقد يراد به نفي صفاته، وحينئذ فهم إنما يقصدون تعطيل حقائق أسمائه وصفاته التي هي من لوازم ذاته المقدسة زاعمين أن ذلك من التوحيد. وبما ذكر ينكشف زيغهم ويتضح باطلهم، فإن هذه المعاني التي تتناولها عباراتهم فيها ما يوافق ما جاء به الرسول ﷺ وفيها ما يخالفه. وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول بل التوحيد الذي جاء به أمر يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، ومقالتهم هذه هي الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل فلو أقر الإنسان بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما تنزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يقر بأن لله وحده هو الإله المستحق للعبادة، والإله بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق.
قال ابن جرير: الله أصله الألاه أسقطت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي عين الاسم واللام الزائدة وهي الساكنة فأدغمت في الأخرى فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة، وأما تأويل الله فإنه على معنى ما روي لنا عن ابن عباس قال: هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق. وساق بسنده عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: الله ذو الألوهية
стр. 390
والعبودية على خلقه أجمعين انتهى" فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا، ولله حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله، وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر فلا تحب مخلوقا كما تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فهو من الذين بربهم يعدلون وقد جعل مع الله إلها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات والأرض، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وقد سبق ذكر جملة من الآيات الدالة على ذلك. فتبين أن جعل هذا التوحيد الذي يقر به المتكلمون هو الغاية لا يخرجهم عن الشرك، فقد كان المشركون يقرون به ومع ذلك وصفهم الله بالشرك، وقاتلهم الرسول ﷺ فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو أن يعبد الله وحده لا شريك له، وضده الشرك وهو أن يتخذ مع الله آلهة أخرى.
قوله:
وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار- أهل الإثبات- للقدر المنتسبون إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد: هو شهود هذا التوحيد، وأن تشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا سيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها.
стр. 391
ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما، فضلا عن أن يكون وليا لله أو من سادات الأولياء وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقررون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية، مع إثبات الخالق للعالم المباين لمخلوقاته، وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات، فيدخلون في التعطيل مع هذا. وهذا شر من حال كثير من المشركين.
ش: يعني إذا اتضح وتقرر ما سبق من أن أرباب الكلام المثبتين
لمشيئة الله النافذة وقدرته التامة المنتسبين إلى الشريعة إذا تقرر أن غاية التوحيد عندهم هو الإقرار بأن الله هو رب كل شيء ومليكه وكذلك إذا تبين أن أرباب التصوف المدعين التحقيق والمعرفة والزاعمين أنهم بلغوا من التوحيد غايته، إنما حاصل ما عندهم هو الإقرار بربوبية لله الشاملة فليعلم أن هذا هو حقيقة ما أقر به المشركون، ومع ذلك لم يدخلهم هذا الاعتراف في الإسلام بل نعتهم الله بالشرك في غير ما آية من القرآن، وقاتلهم رسول الله ﷺ واستباح دمائهم. ثم إن طائفة من الصوفية يقرون بأن الله رب كل شيء ومليكه ويثبتون أسماءه الحسنى وصفاته العليا، وطائفة منهم يعترفون بربوبية الله الشاملة، أما أسماء الله وصفاته فيجحدونها. وصنعهم هذا أسوأ حالا من كثير من المشركين فإنهم كانوا يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة. والحاصل أن هؤلاء النظار والمتصوفة المثبتين للصفات منهم والنافين لها غاية ما عندهم من التوحيد: هو الإقرار بأن الله هو خالق الخلق لا خالق لهم غيره ولا رب لهم سواه، أما أن يشرك معه غيره باتخاذ الوسائط ونحو ذلك من أنواع الشرك فذلك عندهم لا يضر مع الإقرار بالربوبية، وإذا كان ذلك حالهم فكيف يستحقون أن يوصفوا بأنهم مسلمون، فضلا عن أن يوصفوا بأنهم من أولياء الله أو من كبار عظمائهم. وقد تقدم الكثير من الأدلة على أن هذا هو عين شرك المشركين، وقوله: "لا سيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث
стр. 392
يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل" معناه: أن البالغ في التوحيد عندهم نهايته هو من يصل إلى هذه الحالة، ومعنى فناء المعرفة في المعروف، اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه وهو الرب سبحانه بأن يغيب بمعروفه عن معرفته كما يغيب بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه وبمخوفه عن خوفه، قال ابن القيم ﵀ وهذا: لا ريب في إمكانه ووقوعه فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه بحيث تخلل حبه جميع أجزاء قلبه أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه فتراه دهشا عن شعوره بحبه أو خوفه، لاستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه وعدم اتساعه لشهود غيره البتة، لكن هذه حالة نقص لا حالة كمال والكمال وراء ذلك فإنه لا أحد أعظم محبة لله من الخليلين عليهما الصلاة والسلام وكانت حالهما أكمل من هذه الحال وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود، فشهود العبودية والمعبود درجة الكمل والغيبة بأحدهما عن الآخر درجة الناقصين فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص فكذلك الغيبة بالمعبود عن عبادته نقص. فالحق تعالى، مراده من عبده استحضار عبوديته لا الغيبة عنها فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول إياك نعبد ولا شعور له بعبوديته البتة، فإن حقيقة إياك نعبد، علم ومعرفة وقصد وإرادة وعمل، وهذا مستحيل في وادي الفناء" انتهى كلامه ﵀، وسيأتي قريبا مزيد بيان لهذا البحث إن شاء الله تعالى.
стр. 393
معنى الجبر
قوله:
وكان جهم بن صفوان ينفي الصفات ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب فارق المشركين من هذا الوجه لكن جهما ومن اتبعه يقولون بالإرجاء فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده، والنجارية والضرارية وغيرهم
стр. 394
يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع مقاربتهم له أيضا في نفي الصفات. والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله الصفات الفعلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية أيضا كما فصلت اقوا لهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة، والكلابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، الذي سلك الأشعري خطته وأصحاب بن كلاب كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا.
فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل. والكراميه قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب فيجعلون المنافق مؤمنا. لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم وأما في الصفات والقدر والوعد، فهم أشبه بأكثر طوائف المتكلمين الذين في أقوالهم مخالفة للسنة.
ش: يعني أن رئيس أهل التعطيل وزعيم القائلين بأن العبد مجبور على أفعاله لا مشيئة له فيها ولا اختيار هو جهم، فقد كان يقول بذلك. وقاربه في هذا المذهب الشنيع طائفة النجارية وفرقة الضرارية فقد شابهت هاتان الطائفتان جهم في التعطيل وفي الغلو في إثبات القدر، والجهمية يشبهون المشركين حيث يقولون أن التدبير في أفعال الخلق كله لله تعالى، وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش والعروق النابضة وحركات الأشجار، والمشركون يقولون: لو شاء الله ما أشركنا، فالكل مخاصم لله ومحتج بالقدر، لكن فرق ما بين الجهمية والمشركين أن الجهمية يؤمنون بما يأمر الله به من أوامر كإفراده بالعبادة وسائر الطاعات وما ينهى عنه من نواهي كالشرك وسائر المعاصي، وأثبتوا ما يترتب على ذلك من الجزاء ولكن يضعف إيمانهم بذلك قولهم بالإرجاء. والكلابية والأشاعرة خير من هؤلاء
стр. 395
الجهمية ومن قاربهم حيث أن أصحاب ابن كلاب والمنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري يثبتون لله الصفات الفعلية الاختيارية كالاستواء والنزول والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك، كما أن زعماء هاتين الطائفتين يثبتون بالإضافة إلى الصفات الفعلية الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك كما قد بسط الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع. وهذه الطوائف جميعا يتشابهون في مسألة الأسماء كالفاسق والكافر والمؤمن كما يتشابهون في مسألة الحكم على بعض الناس بالإيمان والكفر والفسوق، كما يتشابهون أيضا في التخبيط في قدر الله السابق. والكلابية هم المنسوبون إلى أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان التميمي البصري المتكلم رئيس الطائفة الكلابية وهو من المنتسبين إلى السنة، كانت بينه وبين المعتزلة مناظرات في زمن المأمون. وتوفي سنة أربعين ومائتين. ويقال له ابن كلاب لشدة مجادلته في مجلس المناظرة، وهو لقب له مأخوذ من الكلاب الذي هو المهماز وهو الحديدة التي على خف رائض الخيل. لا أن كلابا جده. ولهذا يصح أن يقال الكلابي بدل ابن كلاب. وابن كلاب هذا الذي سلك الأشعري منهجه في كثير من الأقوال الكلامية حين جرى بينه وبين أستاذه الجبائي المعتزلي مناظرة في مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية. ابن كلاب هذا خير في الأشعرية في مسائل الإيمان والصفات كما أنه أيضا خير منهم في مسائل الأسماء والأحكام والقدر، كما أن أصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأمثالهما من أصحابه هم أيضا خير من الأشاعرة في المسائل المذكورة. والضابط في هذا التفضيل، أنه كلما كان القول أقرب إلى الكتاب والسنة كان أعلى وأفضل من غيره، والكرامية لهم في مسألة الإيمان قول شنيع لم يسبقهم إليه أحد من الطوائف، وهو قولهم أن الإيمان يكفي فيه مجرد النطق باللسان وإن كان القلب غير مصدق، وعلى هذا فالمنافق عندهم مؤمن لكنهم يحكمون عليه بالخلود في النار فهو عندهم مؤمن في الاسم لا في الحكم، أما رأي الكرامية في مسائل
стр. 396
الصفات والقدر والوعيد فهو شبيه برأي كثير في طوائف المتكلمين الذين يوجد في آرائهم شيء من الصواب وشيء من مخالفة الشرع، والجبر: لفظ مجمل فإنه يقال جبر الأب ابنته على النكاح وجبر الحاكم الرجل على بيع ما له لوفاء دينه. ومعنى ذلك أكرهه ليس معناه جعله مريدا لذلك مختارا محبا له راضيا به، ومن قال أن الله تعالى جبر العباد بهذا المعنى فهو مبطل فإن الله أعلى وأجل قدرا في أن يجبر أحدا، وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدا للفعل مختارا له راضيا به، والله سبحانه قادر على ذلك فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له راضيا به فكيف يقال أجبره وأكرهه كما يجبر المخلوق المخلوق؟ وإذا أريد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات فهذا المعنى صحيح، قال الأوزاعي وغيره: ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر وإنما في السنة لفظ (جبل) كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس لما قدم عليه وفد عبد القيس من البحرين: "إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما قال بل جبلت عليهما، فقال الحمد لله الذي جبلني على ما يحب " ومن أجل ذلك أنكر الأوزاعي والثوري وأحمد وغيرهم من السلف لفظ الجبر في النفي والإثبات، ومن المعلوم بالضرورة أن الأفعال تنقسم إلى ما ينفع العباد والى ما يضرهم ولله قد بعث رسوله ﷺ يأمر المؤمنين بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فمن لم يتبع شرع الله ودينه تبع ضده من الأهواء والبدع وكان احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل، ليدحض به الحق. والإرجاء هو التأخير ولذلك سمي أصحاب هذا الرأي بالمرجئة لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأن الناس في الإيمان سواء فإيمان أفسق الناس كإيمان الأنبياء وأن الأعمال الصالحة ليست من الإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، وشبهتهم الواهية هي مثل قولهم الإيمان في اللغة هو التصديق والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لا بغيرها فيكون مراده بالإيمان التصديق، ثم قالوا والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان أو القلب فقط، فالأعمال ليست في الإيمان. قال الشيخ: والمرجئة ثلاثة أصناف: الصنف الأول من يقول الإيمان مجرد ما في القلب. والثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: من يقول هو تصديق القلب وقوة اللسان وهذا هو المشهور عن مرجئة الفقهاء. والحق أن الإيمان قوة وعمل، قول باللسان وإقرار واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، وكل ما يطاع الله به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي. وأهل الذنوب مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر. والخوارج والمعتزلة يقولون أن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد ولكن لا يزيد ولا ينقص، ومن أتى كبيرة كفر عند الحرورية وصار فاسقا عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وأما الحكم فالمعتزلة وافقوا الخوارج على حكمهم في الآخرة فعندهم أن من أتى كبيرة فهو خالد مخلد في النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا بغير شفاعة، أما في الدنيا فالخوارج حكموا بكفر العاصي واستحلوا دمه وماله وأما المعتزلة فحكموا بخروجه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر ولم يستحلوا منه ما استحله الخوارج، وقابلتهم المرجئة والجهمية ومن اتبعهم فقالوا ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية، فإن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان بل هو شيء واحد، والنجارية هم أصحاب الحسين بن محمد النجار وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل العامة، والضرارية هم أصحاب ضرار بن عمرو، الذي ظهر في أيام واصل بن عطاء، والحارث هو ابن أسد المحاسبي الزاهد الناطق بالحكمة صاحب المصنفات في التصوف والأحوال وهو أحد شيوخ الجنيد وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأبو العباس القلانسي هو أحد متكلمي أهل السنة في القرن الثالث، وله كتب ورسائل عديدة، والكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد ابن كرام الذي ظهر ونشر بدعته في أيام محمد بن طاهر بن عبد لله.
стр. 397
مذهب القدرية والجهمية في الوعد والوعيد
قوله:
وأما المعتزلة، فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم لكنهم ينفون القدر: فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد وغلوا فيه مكذبون بالقدر ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب، والإقرار بالوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم الخوارج والحرورية، وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة. فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم. أولئك يشبهون المجوس، وهؤلاء يشبهون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ والمشركون شر من المجوس، فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد، والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله، إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر فلابد كل من الكلام في هذين الأصلين.
ش: بعد أن بين المؤلف رأي الجهمية القائلين بالتعطيل والجبر والإرجاء شرع في بيان مذهب المعتزلة كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأضرابهما فذكر أن القدرية وإن قاربوا جهما في التعطيل إلا أنهم يقولون أنه لا يغفر لمرتكب الكبيرة إلا بالتوبة وأن أهل الكبائر مخلدون في
стр. 398
النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وغيره زعما منهم أنه إذا أوعد عبيده فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده، كما يغلون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدخلون تحت ستار ذلك الخروج على الأئمة، بينما الجهمية المرجئة لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر فلا يجزمون بثواب من تاب كما لا يجزمون بعقوبة من لم يتب، وبذلك يضعف جانب إثباتهم للأمر والنهي والجزاء على الأعمال، غير أن المعتزلة وأن عظموا جانب الأمر والنهي فهم مكذبون بقدر الله السابق ومعتقدون بأن العبد يخلق فعل نفسه، ومن هذه الجهة فهم مشركون في الربوبية، وإنكارهم للقدر وغلوهم في الوعد والوعيد وإن كان باطلا إلا أنه خير من إثبات القدر مع الغلو فيه، وحينئذ فأهل الكلام وأرباب التصوف المجبرة شر من المعتزلة ونحوهم كالشيعة القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن ضلوا في القدر واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة شاملة وخلقا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته، وقد غلطوا في ذلك. أما أهل الكلام والتصوف، فأثبتوا القدر وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد والوعيد وأفرطوا حتى أفضى بهم ذلك إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ والقدرية يشبهون المجوس، وهؤلاء المتصوفة المجبرة يشبهون المشركين فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلا غير الله سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين والمشركون شر من المجوس فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين، وذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم. أما إقرارهم على الجزية فجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون بها وإن أقرت المجوس، فإن النبي ﷺ لم يقبل الجزية من
стр. 399
المشركين بل قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " وبما ذكر من تقرير توحيد الشرع وبيان ارتباطه بالقدر اتضح أن هذا الأصل هو العمدة الذي يميز بين الأبرار والفجار والمسلمين والكفار، فهذا حقيقة التوحيد: شهودا بوحدانية لله وبرسالة رسول الله علما وعملا، خلافا لأرباب الكلام وأهل التصوف الذين يعتقدون أن مشاهدة الربوبية العامة والفناء في معرفتها هو الغاية في التوحيد وأن معنى الإله هو القادر على الاختراع. وحينئذ فلابد في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بأن لا يعبد إله غير الله، وشهادة أن محمدا رسول الله بأن لا يعبد الله إلا بما شرعه رسول الله ﷺ ، وقوله: "ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج والحرورية وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة":
يعني ومن أجل أن مقالة المجبرة شر من مقالة نفاة القدر نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يوجد في عهدهم من ينكر الأمر والنهي والوعد والوعيد، أما إنكار القدر فقد وجد من يقول به في أواخر عهد الصحابة، كما روى مسلم وأبوداود وغيرهما عن يحي بن يعمر، قال: "كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبدا الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلا في المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني براء والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبله
стр. 400
الله منه حتى يؤمن بالقدر"، وروى أحمد وأبوداود عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: حدثني أبي قال: "دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال أجلسوني قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟، قال: تعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" يا بني إنك إن مت ولست على ذلك دخلت النار" وهذا يدل على بشاعة الاحتجاج بالقدر وإنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، والبدعة إنما تقوى وتنتشر كلما بعد الناس عن نور الرسالة وضعف الدعاة إليها، ولما كان القدر من المسائل الشائكة ذات الخفاء والإشكال وجد من ينكره حتى في العهد القريب من نور الرسالة، وقد أنكرت هذه البدعة أشد الإنكار وحوربت أعظم المحاربة، والمجوس هم عبدة النيران القائلون: أن العالم صادر عن أصلين هما النور والظلمة، والمجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات والميم والنون يتعاقبان. والمجوس أقدم الطوائف وأصلهم من بلاد فارس، وقد نبغوا في علم النجوم، ومن جملتهم المانوية المنسوبون إلى أحد زعمائهم وهو مانىء بن فاتك الحكيم الذي ظهر فى زمان شابور بن أزدشير وذلك بعد عيسى ﵇. وقد استخرج مذهبه من المجوسية والنصرانية فهو ثنوي زنديق. ومنهم المزدكية المنسوبون إلى مزدك الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان، وقول المزدكية كقوة المانوية في الأصلين إلا أن مزدك كان يقول النور يفعل بالقصد والاختيار، والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق. قال الشهرستاني: "وكان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال أحل النساء والأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ"، قال في حاشية الملل نقلا عن ابن خلدون: "مزدك الزنديق كان
стр. 401
إباحيا وكان يقول باستباحة أموال الناس وأنها فيء وأنه ليس لأحد ملك شيء ولا حجزه، والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس لا يختص به أحد. وقد أمر مزدك أصحابه بتناول اللذات والعكوف على بلوغ الشهوات والأكل والشرب والمواساة والاختلاط وترك استبداد بعضهم على بعض. ولهم مشاركة في الحرم والأهل لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر ولا يمنعه، ولهم مذهب في الضيافات ليس هو لأحد من الأمم إذا أضافوا الإنسان لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائنا ما كان"، وإذاً فمذهب المزدكية هو أصل الشيوعية الحمراء التي نادى بها كارل ماركس واحتضنها تلميذه لينين مؤسس الدولة الماركسية التي يغطي دخان جحيمها في هذه الأزمان سماء عدد من الأقطار المفتونة بمعسول قولها والمخدوعة ببريق دعايتها التي في ظاهرها الرحمة وفى باطنها العذاب. والخوارج هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ﵁ حين جرى أمر الحكمين واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، وفيهم قال النبي ﷺ : "تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم ويحقر صيام أحدكم في جنب صيامهم ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم"، وهم المارقة الذين قال فيهم ﷺ : "سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، ويجمع طوائفهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي ويقدمون ذلك على كل طاعة ولا يصححون المناكحة إلا على ذلك. ويكفرون أصحاب الكبائر. وقوله: "غنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى" يعني أن هؤلاء المجبرة لم يكونوا موجودين في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن البدع إنما يظهر منها أولا فأولا الأخفى فالأخفى، كما حدث في آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة. ثم في آخر عصر الصحابة بدعة المرجئة والقدرية، ثم في آخر عصر التابعين بدعة الجهمية معطلة الصفات. وأما هؤلاء المباحة المسقطون للأمر والنهي محتجين على ذلك بالقدر فهم شر من جميع هذه الطوائف، وإنما حدثوا بعد هؤلاء كلهم، وكان ظهور جهم ومقالته في تعطيل الصفات وفي الجبر والإرجاء في أواخر
стр. 402
دولة بني أمية بعد حدوث القدرية والمعتزلة وغيرهم، فإن القدرية حدثوا قبل ذلك فلما حدثت المقالة المقابلة لمقالة القدرية أنكرها السلف والأئمة كما أنكروا قول القدرية من المعتزلة ونحوهم، (والوعيد) التخويف والتهديد وضده الوعد، فالوعيد والإيعاد فيما يحضر ويخاف منه. والوعد والعدة فيما يرغب ويشتاق إليه.
قال الشاعر:
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ... وإني وإن أوعدته أو وعدته
ومذهب أهل السنة والجماعة في نصوص الوعيد هو إمرارها كما جاءت وعدم التعرض لها بالتأويل قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد عند شرحه لقوله ﷺ في حديث أبي موسى: "ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر ومصدق بالسحر وقاطع الرحم" ما نصه: "هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف تأويلها وقالوا: أمروها كما جاءت. ومن تأولها فهو على خطر من القول على الله بلا علم وأحسن ما يقال: أن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج عن ملة الإسلام فإنه يرجع إلى مشيئة الله، فإن عذبه فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله وعفوه ورحمته" انتهى.
стр. 403
لابد من تحقيق الشهادتين
...
تفسير الشهادتين
قوله:
الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، وقال عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي
стр. 404
آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيع﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ، قال طائفة من السلف: "كان قوم يدعون العزير والمسيح فأنزل الله هذه الآية، يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه". ومن تحقيق التوحيد أن يعلم، أن الله تعالى أثبت له حقا لا يشركه فيه مخلوق كالعبادة والتوكل والخوف والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: َ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ ، وكل واحد من الرسل قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وقال: ﴿وحَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ
стр. 405
أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ، وقال في التوكل: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل (ورسوله) أن الإيتاء هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وأما الحسب فهو الكافي والله وحده هو كاف عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فهو وحده حسبهم كلهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك كما يظنه بعض المغالطين، إذ هو وحده كاف نبيه، وهو حسبه ليس معه من يكون هو وإياه حسبا للرسول، وهذا في اللغة كقول الشاعر: "فحسبك والضحاك سيف مهند"، وتقول العرب: "حسبك وزيدا درهم" أي يكفيك وزيدا جميعا درهم وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فأثبت الطاعة لله وللرسول وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ فجعل العبادة والتقوى لله وحده وجعل الطاعة له، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: "لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟، فقال النبي
стр. 406
صلى الله عليه وسلم: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ، ومن هذا الباب، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا"، وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد"،ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف (ثم) وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله.
الأصل الثاني: في حق الرسول ﷺ ، فعلينا أن نؤمن به ﷺ ونطيعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال ذلك: قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك.
ش: هذا شروع في بيان ما أجمله المؤلف في قوله: "فلابد من الكلام على هذين الأصلين" وتحقيقهما هو كما قال المؤلف قبل ذلك "فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول لله فيجب تصديقه فيما أخبر. وطاعته فيما أمر"، وقد شرح الأول
стр. 407
بقوله "الأصل الأول توحيد الإلهية: فإنه سبحانه أخبر عن المشركين- كما تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينه وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله" يعني فلابد من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فإن الله سبحانه قد كفر الذين دعوا معه آلهة أخرى أو تقربوا بهم إليه واتخذوهم وسطاء وشفعاء دون أن يأذن الله لهم بذلك. ثم استشهد المؤلف بجملة آيات تصرح بشرك وكفر من دعا غير الله، والتمس منه الشفاعة، وتبين الآيات أنهم لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا وأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى وأنه لا شفاعة عند لله إلا بإذنه وأن هؤلاء المدعوين من ملائكة وأنبياء وصالحين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فضلا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم وليس لهم من شرك في السموات ولا في الأرض ولا يملكون مثقال ذرة فيهما. وليست لله منهم عون ولا نصير بل الكون كله بأسره ملكه وتحت تصرفه، ثم بين المؤلف أن من تحقيق هذا الأصل أن يفرد الله جل وعلا بكل أنواع العبادة من خوف ورجاء وتوكل ورغبة وخشية وقد استشهد بعدة آيات فيها التصريح باستحقاق الله وحده سائر أنواع العبادات وإفراده بها دون من سواه، وأشار إلى بعض الأسرار التي تؤخذ من تعبير الآيات الكريمات كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ، وكما في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ، وقوله عن نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ، وقد بين الثاني بقوله: "الأصل الثاني في حق الرسول ﷺ فعلينا أن نؤمن به ﷺ ونطيعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال ذلك " يعني ولابد من تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله بأن يطاع في كل ما أمر ويجتنب ما عنه نهى وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وذلك يتضمن تقديم طاعته على طاعة كل أحد ومحبته وإرضائه باتباعه، وقد استشهد الشيخ على وجوب تحقيق هذا الأصل بجملة آيات، تبين أن طاعة الرسول طاعة لله وأن محبته ورضاه، مقرون برضاه.
стр. 408
قال الشيخ: وبالجملة فمعناه أصلان عظيمان: أحدهما أن لا نعبد إلا الله، والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع فلا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي لفظ في الصحيح "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وفي الصحيح وغيره أيضا "يقول لله تعالى أنا أغنى الشركاء من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك"، وقد سبق إيضاح أنه ما من رسول إلا وقد أمر بأن يقول لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقوله: "قال طائفة من السلف" يعني كمجاهد وابن عباس وقوله: "وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي "حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله إلى آخره " المعنى أن الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد، وهذا اختيار المحققين كالشيخ ﵀، وقيل المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون، قال ابن القيم ﵀: "وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ففرق بين الحسب والتأييد فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ورسوله وجعل الحسب له وحده فلم يقل وقالوا حسبنا الله ورسوله بل جعله خالص حقه كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فجعل الرغبة إليه وحده كما قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ، فالرغبة والتوكل والإنابة
стр. 409
والحسب لله وحده كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والخشية لا تكون إلا له . وتقرير الشيخ لهذا المعنى هو الموافق لما جاء في اللغة العربية كما في قول الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
فإن المعنى: يكفيك سيف مهند مع الضحاك، ومعنى "حسبك وزيدا درهم" أي يكفيك أنت وزيد مجتمعين درهم واحد، وقوله: "وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ "إلى آخره المعنى كما قال ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: "الإيمان هو الإخلاص لله وحده"، وقال ابن كثير في الآية: "أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة". قال الشيخ في معنى حديث ابن مسعود: والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدمه هو ظلم العبد نفسه وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه فبين لهم النبي ﷺ ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم فكان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك وظلم العباد وظلمه لنفسه بما دون الشرك كان له الأمن التام والاهتداء التام ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له مطلق الأمن والاهتداء بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في النصوص الأخرى وقد هداه الله إلى الصراط
стр. 410
المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه وليس مراد النبي ﷺ بقوله: "إنه الشرك" أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف وحينئذ فمن لم يفرد الله سبحانه بجميع أنواع العبادة فإنه لم يحقق هذا الأصل، ثم بين المؤلف في معرض ذكره لبعض أسرار التعبير أن من هذا القبيل قول النبي ﷺ في خطبته: "من يطع الله ورسوله" بينما قال في المشيئة: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" ففرق بين الطاعة والمشيئة، وقوله ﷺ : "ومن يعصهما" هو مثل قوله ﷺ في حديث أنس ﵁ قال: "لما كان يوم خيبر أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى أن لله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس" متفق عليه بتثنية الضمير لله تعالى ولرسوله، وقد ثبت أنه ﷺ قال للخطيب الذي قال:"في خطبته من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما الحديث: "بئس خطيب القوم أنت" لجمعه بين ضمير الله تعالى وضمير رسوله ﷺ ، وقال: "قل ومن يعص الله ورسوله" وقد أجيب عن هذا الإشكال بجوابين أحدهما: أنه ﷺ نهى الخطيب عن ذلك لأن مقام الخطابة يقتضي البسط والإيضاح فأرشده إلى أن يأتي بالاسم الظاهر لا بالضمير وأنه ليس العتب عليه من حيث جمعه بين ضمير الله وضمير رسول الله ﷺ ، والثاني: أنه ﷺ له أن يجمع بين الضميرين وليس ذلك لغيره لعلمه بجلال ربه وعظمته. وقوله: "ومن هذا الباب أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته الخ"، يشير إلى ما رواه أبوداود من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له وفي يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله
стр. 411
شيئا"،وقوله: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد"، يشير إلى ما رواه النسائي من حديث قتيلة بنت صيفي الأنصارية ﵂: "أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت"،وقوله: "بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله" يعني كما جاء في الأثر أن رسول الله ﷺ قال: "كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت، ولا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله شيئا ويريد الناس شيئا، وما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد ولا يكون شيء إلا بإذن الله"، وما أحسن قول الإمام الشافعي:
فما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
خلقتَ العباد على ما علمتَ ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ ... وهذا أعنتَ وذا لن تُعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
وعشيرتكم: قبيلتكم وهم بنو أب واحد. واقترفتموها: اكتسبتموها، وكساد التجارة: بوارها، والتربص: الانتظار.
стр. 412
مراتب القدر
فصل: قوله:
إذا ثبت هذا فمعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره، وبقضائه وشرعه، وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق مجوسية، ومشركية، وإبليسية. فالمجوسية: الذين كذبوا بقدرة الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم، والفرقة الثانية: المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة. والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية: الذين أقروا بالأمرين لكن جعلوا هذا تناقضا من الرب وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر عن إبليس مقدمهم كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب.
ش: يقول الشيخ: إذا تقرر أن أصل الدين وزبدة التوحيد: هوتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، فلابد بالإضافة إلى ذلك من الإيمان بخلق الله وبقضائه وشرعه وأمره، فإن الإيمان بالقدر السابق مرتبط بالإيمان بالشرع ارتباطا وثيقا فالإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه علم الأشياء وكتبها قبل أن تكون مستلزم للإيمان بأن الله شرع الشرائع، فأمر ونهى ووعد وتوعد وسيجازي كلا بعمله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ وأهل الزيغ المخبطون في قدر الله انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أصناف مجوسية ومشركية وإبليسية، فالمجوسية هم القدرية المشبهون بالمجوس لاخراجهم أفعال العباد عن قدرة الله وهم قسمان: غلاة ومقتصدون، فالغلاة أنكروا مرتبتي العلم والكتابة كمعبد الجهني وهشام بن
стр. 413
عمرو الغوطي أما غير الغلاة منهم فلم ينكروا المرتبتين السابقتين وإنما أنكروا عموم مرتبتي الخلق والمشيئة، وإذاً فهذا الصنف هم المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة، فهنا أربع مراتب، أولا: مرتبة العلم السابق، ثانيا: مرتبة الكتابة وهي أن الله كتب مقادير الخلائق وما هوكائن إلى يوم القيامة فى اللوح المحفوظ، ثالثا: مرتبة المشيئة وهي إثبات مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، رابعا: مرتبة الخلق والإيجاد فكل ما سوى الله فهو مخلوق موجود كائن بعد أن لم يكن، قال الحافظ بن رجب: "والإيمان بالقدر على درجتين، أحدهما: الإيمان بأن الله سبق فى علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هومنهم من أهل الجنة، ومن هم منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم فهذه الدرجة يثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم، الصنف الثاني: هم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر وزعموا أن ذلك لا يوافق الأمر والنهي واحتجوا بالقدر تماما كما قال المشركون فيما حكى الله عنهم ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، فهؤلاء حقيقة أمرهم تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة، وهذا الاعتقاد الفاسد قد فشى في كثير من أهل التصوف المدعين التحقيق والمعرفة وهم مجبرة المشركية.
الصنف الثالث: أقروا بالأمر والنهي وبالقضاء النافذ والقدر السابق ولكن جعلوا الجمع بين هذا وذاك تناقضا من الرب تعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا، فطعنوا فى حكمة الرب وعدله، وهؤلاء هم الملاحدة والزنادقة المشبهون برئيسهم إبليس فى اعتراضه على ربه، كما نقل ذلك عن أهل الكتاب، فيما حكاه أرباب المقالات كالشهرستاني فقد
стр. 414
ذكر في كتابه (الملل والنحل) أنه جاء في التوراة وفي شرح الأناجيل: "أن إبليس لعنه الله اعترض على ربه باعتراضات منها قوله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل عن قدرته ومشيئته فإنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون وهو حكيم ولكن لقد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني فلم خلقني أولا وما الحكمة في خلقه إياي، وقال: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئة فلم كلفني بمعرفته وطاعته وما الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية"، قال شارح الإنجيل: "فأوحى الله تعالى إلى الملائكة ﵈ أن قولوا له إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي بـ (لم) ، فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون"، قال الشيخ: "وهوسبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وله فيما خلقه حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة عامة وخاصة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته فإنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين" والخوض: هو اعتقاد الباطل والتكلم به في آيات الله وأحاديث رسول الله ﷺ .
стр. 415
مجرد الأسباب لايوجب حصول المسبب
...
قوله:
والمقصود أن هذا مما تقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح، فيؤمنون بهذا وهذا ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علما، وكل شيء أحصاه في إمام مبين، ويتضمن هذا الأصل، من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته، ووحدانيته وربوبيته وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه، ما هو من أصول الإيمان ومع هذا لا ينكرون ما خلق الله في الأسباب التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال
стр. 416
تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ فأخبر انه يفعل بالأسباب، ومن قال أنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى، التي في الحيوان التي يفعل بها مثل قدرة العبد، كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابد من عدم مانع يمنع مقتضاه، إذا لم يدفعه الله عنه فليس في الوجود شيء واحد يفعل شيئا إذا شاء إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
ش: يقول الشيخ: والخلاصة أن مقالة الأصناف الثلاثة هي مما
افتراه أهل الزيغ والإلحاد، أما أهل الإيمان والتوحيد والاستقامة على الشرع فيؤمنون بقدر الله السابق وبما شرعه من شرائع وأن الله خالق كل شيء ولا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه بكل شيء عليم وكل شيء قد أحصاه في إمام مبين، والإيمان بهذا الأصل هو أحد دعائم الإيمان بوحدانية الله وربوبيته الشاملة، ومع الإقرار بما ذكر فأهل الإيمان والتوحيد لا ينكرون ما خلقه الله من الأمور التي جعلها الله سببا في حصول المسببات، وذلك أن الله علم الأشياء على ما هي عليه وقد جعل لها أسبابا بها يعلم أنها تكون فلابد من الأسباب التي قد علمها الله ، فلا ينال العبد شيئا إلا بما قدره الله من جميع الأسباب والله خالق ذلك الشيء وخالق الأسباب، ولهذا قيل: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع"، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب بل لابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، مثال ذلك الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة المعلق عليها جلب المنافع أو دفع المضار فإن الكلمات بمنزلة
стр. 417
الآلة في يد الفاعل تختلف باختلاف قوته وما يعينها وقد يعارضها مانع من الموانع وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك فأجيبت دعوته فيظن أن السر في ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. قال الشيخ: وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعا في الوقت الذي ينبغي فانتفع به فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب كان غالطا، فالأدعية والتعوذات والرقي بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما والساعد ساعدا قويا والمحل قابلا والمانع مفقودا حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمّ مانع من الإجابة لم يحصل الأثر. والشاهد من آية الأعراف أن لله أخبر أن إنشاء السحاب سبب للمطر، روى أبو الفرج بن الجوزي بإسناد يرفعه إلى عبيد بن عمير أنه قال: "يبعث الله ريحا فتقم الأرض، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب وذلك أنها تحمل الماء فتمجه في السحاب، ثم يمر به فيدر كما تدر اللقحة"، وقد روي في الأثر: "أن الرياح أربع: ريح تقم وريح تثير فتجعله كسفا وريح تؤلف، فتجعله ركاما، وريح تمطر". وروي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا، وينزل عليه المطر فتتمخض به الريح كما تمخض النتوج بولدها" وأن الماء سبب لإنبات النبات، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج﴾ والشاهد من آية المائدة والبقرة: أن القرآن الكريم سبب في الهداية لقوم، ويكون سبب في الإضلال، لقوم آخرين كما بين الله ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ
стр. 418
كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، فأما من زعم أن الله يفعل عند حصول السبب فقد أنكر ما صرح به القرآن العزيز من أن الله يفعل بالسبب، وأنكر أيضا ما خلقه من القوى والطبائع التي كونها الله في المخلوقات كالقوة المحرقة التي جعلها الله من طبيعة النار، وكالقوة المبردة التي جعلها من طبيعة الثلج وكالقوة التي وهبها الله للإنسان فبها يقوم ويقعد ويعمل ويتلذذ ويتصرف، وكالإسكار الذي جعله الله من طبيعة الخمر، وكطبيعة مني الرجال الذي يحصل منه الولد، ومني الجمال الذي تحصل منه الإبل، إلى غير ذلك من الشائع التي جبل الله خلقه عليها، فسبحان مبدع الخلق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، كما أن من جعل الحيوان هو الذي يوجد فعل نفسه، أو جعل شيئا من الأمور الطبيعية يفعل بمقتضى طبيعته فقد أشرك مع الله غيره في الخلق بإضافة فعل ذلك الشيء إلى غير الله، وقد سبق إيضاح أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر لا استقلال له البتة، ولابد أيضا في حصول المسبب من انتفاء الموانع مع قبول المحل، والله ﵎ خالق الأسباب ومسبباتها، فما من أحد يفعل بالاستقلال ما يريد إلا رب كل شيء ومليكه، قال : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يعني فتعلمون أن خالق الزوجين من جميع أصناف الخلق واحد لا إله للخلق غيره ولا رب لهم سواه. قال الشيخ وأما الأسباب المخلوقة كالنار. في الإحراق، والشمس في الإشراق والطعام والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده بل لابد أن ينضم إليه سبب آخر، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف المفسدات، والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك فهو مع أن الله يخلق فيه الإرادة والقوة والفعل فلا يتم ما
стр. 419
يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته تعينه على مطلوبه، ولو كان ملكا مطاعا ولابد أن يصرف عن الأسباب المعينة ما يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع.
قوله:
ولهذا من قال: أن الله لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان جاهلا فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله ﴿الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ، فالنار التي جعل فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، وبمحل يقبل الاحتراق فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون منها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
ش: يعني ومن أجل أن الباري سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات والجاعل من كل زوجين اثنين كانت مقالة أهل الضلال: "بأن الله لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد" قولا باطلا وضلالا مبينا، فإنه ليس في الوجود أحد صدر عنه واحد أو اثنان بالاستقلال غير خالق الأزواج كلها ﴿ومما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾ ، وكمثال على أنه لابد مع حصول السبب من انتفاء المانع مَثَّل الشيخُ بالنار والشمس، فالنار قد أودعها الله تعالى قوة الإحراق ولكن لا يحصل هذا إلا في المحل القابل، ولهذا فالسمندل والياقوت قد جعل الله فيهما طبيعة تضاد الاحتراق، كما أن بعض الأدهان قد خلق فيها مناعة تنافي الاحتراق فلا يحترق الجسم المطلي بها، وكذلك الشمس قد أودع الله فيها طبعية الحرارة ولكن لابد مع حصول هذه الحرارة من انتفاء الموانع، فالجسم الذي تحت سقف لا تصيبه حرارتها لعدم انعكاس شعاعها عليه
стр. 420
وكذلك إذا وجد السحاب لم ينفذ شعاعها إلى ما تحته فلابد من وجود جسم ينعكس عليه شعاعها مع انتفاء الموانع، وحينئذ فليس وجود السبب كافيا في حصول المسبب بل لابد مع ذلك من انتفاء الموانع. والسمندل هوى كما قال في القاموس المحيط: "طائر بالهند لا يحترق بالنار"، والياقوت هو من الجواهر معرب أجوده الأحمر الروماني. وقد ذكرنا فيما سبق أن أهل الإلحاد يدخلون في مسمى الواحد عندهم نفي أوصاف الرب جل وعلا، فقولهم: "واحد لا قسيم له" مثل قولهم: "الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"، ومن المعلوم أنه ليس في كلام العرب بل ولا عامة أهل اللغات أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمى واحدا، بل المنقول بالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا ووحيدا قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ وهو الوليد بن المغيرة وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ، فسماها وهي امرأة متصفة بالصفات واحدة ويقال إنه أحد الرجلين، ويقال للأنثى إحدى المرأتين ويقال للمرأة واحدة، وللرجل واحد ووحيد، ولم يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف بالصفات أصلا، قال الشيخ: وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو ذلك فإن هذا غلط، فإن التسخين لا يكون إلا بشيئين (أحدهما) فاعل كالنار (والثاني) قابل كالجسم القابل للسخونة والاحتراق وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم تحرقه، وكذلك الشمس فإشعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذي ينعكس عليه الشعاع، وله موانع من السحاب والسقوف وغير ذلك.
стр. 421
حديث ما منكم أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار
...
قوله:
والمقصود هنا أنه لابد من الإيمان بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد، كما قال ابن عباس: "هو نظام التوحيد" فمن وحد الله وآمن بالقدر، تم توحيده، ومن وحد الله وكذب بالقدر نقص توحيده، ولابد من
стр. 422
الإيمان بالشرع وهو الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه، والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز له بين الأفعال التي تنفعه والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده فلا يمكن للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث كما قال النبي ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمام" وهو معنى قولهم "متحرك بالإرادات" فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها ولابد أن يعرف ما يريده، هل هو نافع له أو ضار وهل يصلحه أو يفسده وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم وبعضهم يعرفه بالاستدلال الذي يهتدون إليه بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانها وهدايتهم لهم.
ش: يعني والحاصل مما تقدم أنه لابد من الإيمان بقدر الله السابق وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وأن الله علم ما سيكون كله قبل أن يكون، كما أنه لابد من الإيمان بما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله من أوامر ونواهي ووعد ووعيد وأن ذلك هو النهج الصحيح والسبيل المستقيم، وأنه لا حجة لأحد على الله في ترك مأمور أو فعل محظور، كما روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ببقيع الغرقد في جنازة فقالت: "ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. فقالوا: يا رسول لله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ قوله تعالى:
стр. 423
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ، وفي الصحيح أيضا أنه قيل له: "يا رسول الله أعُلم أهل الجنة من أهل النار؟، فقال: نعم، فقيل له: ففيم العمل؟، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، قال الشيخ في بيان معنى هذا الحديث: "فبين النبي ﷺ أن الله علم أهل الجنة من أهل النار وأنه كتب ذلك ونهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب ويدَعو العمل كما يفعله الملحدون وقال: "كل ميسر لما خلق له" وإن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة وهذا من أحسن ما يكون من البيان وذلك أن الله يعلم الأمور على ما هي عليه وقد جعل للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها، فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى الوطء كان أحمق لأن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء وكذلك إذا علم أن هذا ينبت له زرع بما يسيقه من الماء ويبذره من الحب، فلو قال إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى بذر كان جاهلا ضالا لأن الله علم أن سيكون بذلك، وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروى بالشرب وهذا يموت بالقتل فلابد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها، وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا شقيا في الآخرة، قلنا: ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء فالله علم أنه يشقى بهذا العمل، فلو قيل هو شقي وإن لم يعمل كان باطلا لأن الله لا يدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى: ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم أنه يملؤها من إبليس وأتباعه ومن اتبع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين: "قال الله أعلم بها كانوا عاملين" يعني أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا، وقد روي أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية، وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به
стр. 424
وطاعته فمن قدر أن يكون منهم يسَّره للإيمان والطاعة، فمن قال إني داخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم أني من أهلها كان مفتريا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذي علم الله أنه يدخل الجنة، بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لا من أهل الجنة، ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء. وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب، يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج بل كم من أنزل ولم يولد له بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع، وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هو سبب ولهذا قال النبي ﷺ : "إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول لله. قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها من النصوص فهذه (باء السبب) أي بسبب أعمالكم والذي نفاه النبي ﷺ : (باء المقابلة) كما يقال: اشتريت هذا بهذا، فالمعنى ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته فبعفوه يمحو السيئات ورحمته يأتي بالخيرات وبفضله يضاعف البركات، وقد سبق آنفا نظير لهذا البحث فيما نقلناه عن الشيخ رحمه الله تعالى، وحينئذ فالإيمان بالقدر أحد دعائم الإيمان فمن لم يؤمن بقدر لله لم يوحد الله، وفي هذا المقام يقول حبر الأمة فيما صح عنه: "القدر نظام التوحيد" يعني قوامه الذي يرتكز عليه، ولما كان الإنسان مضطرا في دروب سيره إلى الله وفي معاشه وفي حياته إلى نور يضيء له
стр. 425
السبيل: "اقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها" قال في شرح الطحاوية: "ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم، ولهذا سمى الله ما أنزل على رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونورا لتوقف الهداية عليه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ، وإذا فشرع الله هو الشفاء من كل داء وهو عدله بين عباده الملائم لأحوالهم في أي زمان وفي أي مكان، والأمم المتناحرة في هذه الأزمان والتي لا تخرج من فتنة إلا لتدخل في مثلها أو تزيد لا نجاة لها من تخبطها وتعثرها إلا بالرجوع إلى نور الله وشرعه وصراطه المستقيم، يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه جاهلية القرن العشرين: "لا مخلص للناس من جاهليتهم وضلالهم وحيرتهم، وقلقهم واضطرابهم وتمزق حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم إلا بالإسلام ولم يكن للناس مخلص من الجاهلية في تاريخهم كله إلا بالإسلام بمعناه الواسع الشامل الإسلام الذي جاء به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وقد اكتمل الإسلام في دين الله الأخير: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا﴾ ، وهذا الإسلام في صورته الأخيرة المكتملة: هو العلاج الوحيد لكل جاهليات الأرض ولهذه الجاهلية الحديثة على وجه التخصيص، إن الإسلام هو الذي يعطي الوضع الصحيح لكل ما انحرفت به الجاهلية في التصور والسلوك، في السياسة والاجتماع والاقتصاد، في الأخلاق والفن وعلاقات الجنس وكل شيء في حياة
следующие страницы →