باب صلاة العيدين
هي ركعتان في الأولى سبع تكيبرات قبل القراءة وفي الثانية خمس كذلك ويخطب بعدها ويستحب التجمل والخروج إلى خارج البلد ومخالفة الطريق والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال ولا أذان فيها ولا إقامة.
أقول: قد أحتلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا والحق الوجوب لأنه ﷺ مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها كما في حديث أمره ﷺ للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الراكب برؤية الهلال وهو حديث صحيح وثبت في الصحيح من حديث أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيض ذوات الخدور" فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين والأمر بالخروج يقتضي الأمر
стр. 107
بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب والرجال بذلك أولى من النساء.
وأما كون التكبير في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الثانية خمس كذلك فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشر تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الثانية أخرجه أحمد وابن ماجه وقال أحمد: أنا أذهب إلى هذه قال العراقي: إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح وفي رواية لأبي داود والدارقطني التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كليتهما وإسناد الحديث صالح وقد صححه البخاري وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة وقد حسنه الترمذي وأنكر عليه تحسينه لأن في إسناده كثير ابن عبد الله ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وهو متروك قال: النووي لعله اعتضد بشواهد وغيرها انتهى.
قال العراقي: إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقد قال في كتاب العلل المفرد: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول انتهى.
وقد أخرجه ابن ماجه بدون ذكر القراءة وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو داود: أنه ركن من أركان الكذب وقال: ابن حبان له نسحه موضوعة عن أبيه عن جده وأخرج ابن ماجه من حديث سعد القرظ المؤذن أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خمسا قبل القراءة قال العراقي: وإسناده ضعيف وفي الباب أحاديث تشهد بذلك والجميع يصلح للاحتجاج به وفي المسألة عشرة مذاهب هذا أرجحها.
وأما كون الخطبة بعد الصلوات فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى
стр. 108
المصلي وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف" وفي الباب من حديث جابر عند مسلم وغيره وأول من خطب قبل الصلاة في العيد مروان وأنكر عليه ذلك.
وأخرج النسائي وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن السائب قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نريد أن نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب. وأما كونه يستحب في العيد التجمل بالثياب فقد ثبت في الصحيحين أن عمر وجد حلة في السوق من إستبرق تباع فأخذها فأتى بها النبي فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد فقال: " إنما هذه لباس من لا خلاق له" وأخرج الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة في كل عيد" وشيخ الشافعي ضعيف ولكنه قد تابعه سعيد ابن الصلت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس بمثله وأخرجه الطبراني وأخرج ابن خزيمة عن جابر أن النبي ﷺ كان يلبس البرد الأحمر في العيدين وفي الجمعة".
وأما كونه يستحب الخروج إلى خارج البلد فلمواظبته ﷺ على ذلك وصلى بهم ﷺ صلاة العيد في المسجد لمطر وقع كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وفي إسناده مجهول.
وأما استحباب مخالفة الطريق فلحديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق" وأخرج أبو داود وابن ماجه نحو من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث غير ما ذكر.
وأما استحباب الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى فلما ثبت في الصحيح من حديث أنس قال: كان النبي لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا" وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان
стр. 109
والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث بريدة قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع" وزاد أحمد "فيأكل من أضحيته" وفي الباب أحاديث. وأما كون وقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال فلما أخرجه أحمد بن الحسن البناء في كتاب الأضاحي من حديث جندب قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح" وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله ابن بسر صاحب رسول الله ﷺ "أنه خرج مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه" وذلك حين التسبيح أي حين وقت صلاة العيد وأخرج الشافعي مرسلا أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر" وفي إسناده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وهو ضعيف وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديث فإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة وأما آخر وقت صلاة العيدين فزوال الشمس وإذا كان الغدو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال كما قال: بعض أهل العلم فحديث أمره ﷺ للركب١ أن يغدو إلى مصلاهم يدل على ذلك قال: في البحر وهي بعد انبساط الشمس إلى الزوال ولا أعرف فيه خلافا.
وأما كونه لا أذان فيها وإقامة فلما ثبت في الصحيح من حديث جابر بن سمرة قال: "صليت مع النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين العيدين بغير أذان ولا إقامة وثبت في الصحيحين عن ابن عباس "أنه قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" وفي الباب أحاديث٢.
стр. 110
باب صلاة الخوف
قد صلاها رسول الله ﷺ على صفات مختلفة وكلها مجزئة وإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلاها الراكب والراجل ولو إلى غير قبلة ولو بالإيماء.
أقول: صلاة الخوف قد وردت على أنحاء مختلفة قيل على ستة عشر وقيل على سبعة عشر وقيل ثمانية عشر وقيل أقل من ذلك وقد صح منها أنواع.
فمنها أنه صلىبكل طائفة ركعتين فكان للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان وهذ الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر.
ومنها أنه صلى بكل طائفة ركعة فكان له ركعتان وللقوم ركعة وهذه الصفة أخرجها النسائي بإسناد رجاله ثقات.
ومنها "أنه صلى بهم جميعا فكبر وكبروا وركع وركعوا ورفع ورفعوا ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه ثم قام الصف المؤخر في نحو العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم وفعلوا كالركعة الأولى ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا ثم سلم النبي ﷺ وسلموا جميعا" وهذه الصفة ثابته في صحيح مسلم ﵀ وغيره من حديث جابر ومن حديث أبي عياش الززقي عند أحمد وأبي داود والنسائي.
стр. 111
ومنها "أنه ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام في أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى النبي ﷺ ركعة ثم سلم ثم قضى هؤلاء ركعة" وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر.
ومنها "أنها قامت مع النبي ﷺ طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابل العدو ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم سجد فسجدت التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو ثم قام وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو وقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ كما هو ثم قاموا فركع ركعة أخرى فركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعا" فكان لرسول الله ﷺ ركعتان وللقوم لكل طائفة ركعتان وهذه الصفة أخرجها أحمد والنسائي وأبو داود. ومنها "أنه ﷺ صلى بطائفة ركعة وطائفة وجاه العدو ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته فأتموا لأنفسهم فسلم بهم" وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمه وإنما اختلف صلاته ﷺ في الخوف لأنه كان في كل موطن يتحرى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.
وأما صلاة المغرب فقد وقع الإجماع على أنه لا يدخلها القصر١ ووقع الخلاف هل الأولى أن يصلى الإمام بالطائفة الأولى ركعتين والثانية ركعة أو العكس ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ وقد روى أن عليا ﵁ صلاها ليلة الهرير واختلفت الرواية في حكاية قعلة كما اختلفت الأقوال،
стр. 112
والظاهر أن الكل جائز إن صلى لكل طائفة ثلاث ركعات فيكون له ست ركعات وللقوم ثلاث ركعات فهو صواب قياسا على فعله في غيرها وقد تقرر صحة إمامة المتنفل بالمفترض كما سبق.
وأما صلاة الخوف عند التحام القتال وهي التي يقال: لها صلاة المسايف فقد أخرج البخاري عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ "فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" قال: مالك قال: نافع "لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ " وهو في مسلم من قول ابن عمر بنحو ذلك وقد رواه ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي ﷺ وصف صلاة الخوف وقال: " فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا" وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد ابن سفيان الهذلي وكان نحو عرنه وعرفات فقال: اذهب فاقتله قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت إني أخاف أن يكون بينى وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشى وأنا أصلى أومئ إيماء نحوه فلما دنوت منه الحديث" ومن البعيد أن لا يخبر النبي ﷺ بذلك ولو أنكره لذكر ذلك١.
стр. 113
باب صلاة السفر
يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد وإذا قام ببلد مترردا قصر إلى عشرين يوما وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها وله الجمع تقديما وتأخير بأذان وإقامتين.
أقول: أما وجوب القصر فلحديث عائشة الثابت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر" فهذا يشعر بأن صلاة السفر باقية على الأصل فمن أتم فكأنه صلى في الحضر الثنائية أربعا والرباعية ثمانيا عمدا وثبت أيضا في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وكان النبي ﷺ يقتصر في جميع أسفاره على القصر.
وأما كونه يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد فوجهة أن الله سبحانه قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب لكنه خرج الضرب أي المشي لغير السفر بما كان يقع منه ﷺ من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه ولا يقصر ولم يأت في تعين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرا قصر الصلاة وإن كان ذلك المحل دون البريد ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاث وما زاد على ذلك بحجة نيرة وغاية ما جاءوا به حديث "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذى محرم" وفي رواية " يوما وليلة"
стр. 114
وفي رواية بريدا. وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه والاحتجاج به مجرد تخمين وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن زيد الهنائي قال: "سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين" والشك من شعبة أخرجه مسلم ﵀ وغيره.
فإن قلت محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم هو كونه ﷺ سمى ذلك سفرا.
قلت تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا فقد سمى النبي ﷺ مسافة ثلث سفرا كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث باعتبار اختلاف الرواية وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا.
فإن قلت أخرج الدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان".
قلت في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر وهو متروك وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي.
وأما كونه إذا أقام المتردد ببلد قصر إلى عشرين يوما ثم يتم فوجهة أن من حط رحله بدار إقامة فقد ذهب عنه حكم السفر وفارقته المشقة فلولا أن الشارع سمى من أقام كذلك مسافرا وقال: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر" لما كان حكم السفر ثابتا له فالواجب الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار الذي سوغه الشارع وما زاد عليه فللمسافر حكم المقيم يجب عليه أن يتم صلاته لأنه مقيم لا مسافر وقد أقام النبي ﷺ بمكة في غزوة الفتح قيل ثماني عشرة ليلة وقيل أقل من ذلك وفي صحيح البخاري وغيره تسع عشرة ليلة وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: "أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة" وأخرجه أيضا
стр. 115
ابن حبان والبيهقي وصححه ابن حزم والنووي فوجب علينا أن نقتصر على هذا المقدار ونتم بعد ذلك ولله در الحبر ابن عباس ما أفقهه وأفهمه للمقاصد الشرعية فإنه قال: فيما رواه عنه البخاري وغيره "لما فتح النبي ﷺ مكة أقام فيها تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين" قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا وإن زدنا أتممنا وأقول هذا هو الفقه الدقيق والنظر المبني على أبلغ تحقيق ولو قال: له جابر أقمنا مع رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة نقصر الصلاة لقال: بموجب ذلك وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي.
وأما كونه إذا عزم على إقامته أربع أتم بعدها فوجهه ما عرفناك من أن المقيم لا يعامل معاملة المسافر إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع ويجب الاقتصار عليه وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره أما مع عدم التردد بل العزم على إقامة أيام معينة فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه ﷺ مع عزمه على الإقامة في أيام الحج فإنه ثبت في الصحيحين "٠أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى فلما أقام النبي ﷺ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازما على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج كان ذلك دليلا على أن العازم على إقامته مدة معينة يقصر إلى تمام أربعة أيام ثم يتم وليس ذلك لأجل كونه ﷺ لو أقام زيادة على الأربع لأتم فإنا لا نعلم ذلك لكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة معينة لا يقصر إلا بإذن كما أن المتردد كذلك ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك ولا ثبت عن الشارع غيره واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابا شديدا وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا١.
وأما كون للمسافر الجمع تقديما وتأخيرا بأذان وإقامتين فوجهه ما ثبت في
стр. 116
الصحيحين من حديث أنس قال: كان النبي ﷺ إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس صلى أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر١ ثم ركب" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والدارقطني وحسنه الترمذي من حديث معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعهما إلى العصر يصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار" وأخرج أحمد من حديث ابن عباس نحوه وزاد المغرب والعشاء وأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني وصحح إسناده ابن العربي وتعقب بأن في إسناده من لا يحتج بحديثه وللحديثين طرق يقوي بعضها بعض وليس فيها من المقال: ما يبطل الاحتجاج بمجموعها ومن الجمع بين المغرب والعشاء٢ حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ كان إذا جد به السير أخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بينها وبين العشاء".
وأما كونه بأذان وإقامتين فلثبوت ذلك في الصحيحين في جمع مزدلفة٣.
стр. 117
باب صلاة الكسوفين
هي سنة وأصح ما ورد في صفتها ركعتان في كل ركعة ركوعان وورد ثلاثة وأربعة وخمسة يقرأ بين كل ركوعين وورد في كل ركعة ركوع وندب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار.
أقول: أما كونه سنة فلعدم ورود ما يفيد الوجوب ومجرد الفعل لا يفيد زيادة على كون المفعول مسنونا وأما كون أصح ما ورد في صفتها ركعتان في كل ركعة ركوعان فلثبوت ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس وأما ورود الثلاثة الركوعات في كل ركعة فثبت ذلك من حديث جابر عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره ومن حديث ابن عباس عند الترمذي وصححه ومن حديث عائشة عند أحمد والنسائي وأما ورود أربعة ركوعات فثبت في صحيح مسلم ﵀ وغيره من حديث ابن عباس وأما ورود خمسة ركوعات فأخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث أبي بن كعب وأما ورود ركعتين في كل ركعة ركوع فهو في صحيح مسلم وغيره من حديث سمرة وأخرجه أبو داود وأحمد والنسائي والحاكم وصححه ابن عبد البر من حديث النعمان بن بشير وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث قبيصة.
وأما كونه يندب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار فلحديث أسماء:
стр. 118
"فإذا رأيتم ذلك فأدعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وهو في الصحيحين وفي حديث أبي موسى بلفظ "فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره" وهو في الصحيحين أيضا وفي حديث المغيرة " فإذا رأيتموهما فادعوا إليه وصلوا حتى ينجلى" وهو أيضا في الصحيحين.
стр. 119
باب صلاة الاستسقاء
يسن عند الجدب ركعتان بعدهما خطبة تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب ويحولون جمعيا أرديتهم.
أما كونها سنة فلعدم ورود ما يدل على الوجوب وأما كونها ركعتين فلكونه خرج ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر الحديث بطوله وفيه الدعاء وتحويل الرداء وهو في سنن أيى داود وأخرجه أبو عوانة وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن وأخرج أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: "خرج النبي ﷺ يوما يستسقي بنا فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن" وفي الباب أحاديث بمعنى ما ذكر وهي متضمنة للدعاء برفع الجدب وبنزول المطر وتحويل الأردية من الأمام وغيره وقد روى سعيد بن منصور في سننه أن عمر استسقى فلم يزد على الاستغفار١ وقد كان رسول الله ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه وكان الصحابة فمن بعدهم يستسقون بأهل
стр. 120
الصلاح ولاسيما من كان من قرابة النبي ﷺ كما فعل عمر فإنه استسقى بالعباس ﵄ ومن جملة أدعيته ﷺ "اللهم أغثنا اللهم أعثنا" كما في الصحيحين من حديث أنس ومن أدعيته ﷺ "اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث" وهذا لفظ ابن ماجه من حديث ابن عباس وهذه الألفاظ ثابتة من رواية غيره من الصحابة في غير سنن ابن ماجه ومنها "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء وأنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين" وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث عائشة ومن دعائه "اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحيى بلدك الميت" إلى غير ذلك.
وأما تحويل الأردية فقد روى في ذلك ما تقدم من جعل الأيمن على أيسر والأيسر أيمن وروى أنه قلبه ظهرا لبطن وحول الناس معه أخرجه أحمد من حديث عبد الله ابن زيد وأصله في الصحيح.
стр. 121
كتاب الجنائز
مدخل
...
كتاب الجنائز
من السنة عيادة المريض وتلقين المحتضر الشهادتين وتوجيه وتغميضه إذا مات وقراءة يس عليه والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته والقضاء لدينه وتسجيته ويجوز تقبيله وعلى المريض أن يحسن الظن بربه ويتوب إليه ويتخلص من كل ماعليه.
أقول: أما عيادة المريض فالأحاديث في مشروعيتها متواترة وقد جعلها الشارع من حقوق المسلم على المسلم ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" وزاد مسلم "النصيحة" وزاد مسلم "النصيحة" وزاد البخاري من حديث البراء "نصر المظلوم وإبرار القسم".
وأما التلقين للمحتضر فلحديث أبي سعيد الثابت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وفي الباب أحاديث.
وأما توجيه المحتضر القبلة فلحديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: وقد سأل رجل عن الكبائر فقال: "هن تسع الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وقد أخرج البغوى في الجعيديات من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناد أيوب بن عتبة وهو ضعيف وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها لقوله ﷺ : "قبلتكم أحياء وأمواتا" وفيه نظر لأن المراد بقوله: "أحياء" عند الصلاة وبقوله: "أمواتا" في اللحد،
стр. 122
والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختاصه بحال الصلاة وهو خلاف الإجماع والأولى الاستدلال بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة أن البراء ابن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر فقال رسول الله ﷺ : "أصاب الفطرة" وقد اختلف في الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها فقيل يكون مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه وقيل على جنبه الأيمن وهو الأولى.
وأما تغميضه إذا مات فلحديث شداد بن أوس عند أحمد وابن ماجه والحاكم والطبراني والبزار قال: "قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" وأخرج مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فاغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر".
وأما قراءة "يس" عليه فلحديث "اقرأوا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وصححه من حديث معقل بن يسار مرفوعا وقد أعل وقد أخرج نحوه صاحب مسند الفردوس من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في فضل القرآن من حديث أبي ذر وحده قال: ابن حبان في صحيحه المراد بقوله: "اقرءوا على موتاكم يس" من حضرته المنية لا الميت وكذلك "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله".
وأما المبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته فلما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن دحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله" وأخرج أحمد والترمذي من حديث علي ﵁ مرفوعا بلفظ "ثلاث لايؤخرن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤا" وأما إذا كان يظن أنه لم يمت فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت كصاحب البرسام ونحوه.
стр. 123
وأما المبادرة بقضاء الدين فلحديث امتناعة ﷺ من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة والحديث معروف وحديث "نفس المسلم معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
وأما تسجية الميت فلما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله ﷺ ببرد الحبرة وهو في الصحيحين من حديث عائشة وذلك لا يكون إلا لجري العادة بذلك في حياته ﷺ .
وأما جواز تقبيله فلتقبيله ﷺ لعثمان بن مظعون وهو ميت كما في حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وفي الصحيح من حديثها وحديث ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي ﷺ عند موته".
وأما كون على المريض أن يحسن الظن بربه فالأحاديث في ذلك كثيرة ولو لم يكن منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت إلا وهو يحسن الظن بربه تعالى١ وحديث المريض الذي زاره النبي ﷺ فقال: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال: ما اجتمعا في قلب امرئ في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة٢" أو كما قال: وأما التوبة فالآيات القرانية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع المقام لبسطها وفي الصحيحين "إن الله تعالى يفرح بتوبة عبده وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق".
стр. 124
وأما التخلص عن كل ما عليه فوجوب ذلك معلوم وإذا أمكن بإرجاع كل شيء لمن هو له من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو واجب وإن لم يكن في الحال فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب وقد ورد الأمر بالوصية وإنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا وصيته عند رأسه١ كما في الأحاديث الصحيحة.
стр. 125
فصل غسل الميت
ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه وأحد الزوجين بالآخر ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر وفي الآخرة كافور وتقدم الميامن ولا يغسل الشهيد.
أقول: أما وجوب غسل الميت على الأحياء فهو مجمع عليه كما حكى ذلك المهدي في البحر والنووي ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل والترغيب فيه كالأمر منه ﷺ بغسل الذي وقصته ناقته وبغسل ابنته زينب وهما في الصحيح.
وأما كون القريب أولى بغسل قربيه فلحديث "ليلة أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة" أخرجه أحمد والطبراني وفي إسناده جابر الجعفي والحديث وإن كان لايصلح للاحتجاج به ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة توجب كمال العناية ولا شك أنها وجه مرجح مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل.
стр. 126
وأما كون أحد الزوجين أولى بالآخر فلقوله ﷺ لعائشة: "ماضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفتنك ثم صليت عليك ودفنتك" أخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحاق ولم ينفرد به فقد تابعه عليه صالح بن كيسان وأصل الحديث في البخاري بلفظ "ذاك لو كان وأنا حى فأستغفر لك وأدعو لك" وقالت: عائشة ﵂ "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وقد غسلت الصديق زوجته أسماء كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه وغسل علي فاطمة ﵂ كما رواه الشافعي والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.
وأما كون الغسل يكون ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر "فلقوله ﷺ للنسوة الغاسلات لابنته زينب: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أو أكثر من ذلك إن رأتين ماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا" وهو في الصحيحين من حديث أم عطية وفي لفظ لهما أيضا "اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن" وفيه دليل على تفويض عدد من الغسلات إلى الغاسل وأما تقديم الميامن فلقوله ﷺ من حديث أم عطية هذا "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" وأما قوله: "ولايغسل الشهيد" فلما ثبت عنه ﷺ من ترك غسل شهداء أحد وغيرهم ولم يرد عنه أنه غسل شهيدا وبه قال الجمهور: وأما من أطلق عليه اسم الشهيد كالمطعون والمبطلون والنفساء ونحوهم فقد حكى في البحر الإجماع أنهم يغسلون.
стр. 127
فصل تكفين الميت
ويجب تكفينه بما يستره ولو لم يملك غيره ولابأس بالزيادة مع التمكن من غير مغالاة ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها وندب التطيب بدن الميت وكفنه.
أقول: أما تكفينه بما يستره فلأمره ﷺ بإحسان المكفن كما في حديث "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قتادة والكفن الذي لا يستره ليس بحسن.
وأما كونه يكفن ولو لم يملك غير الكفن فلأمره ﷺ بتكفين مصعب بن عمير في النمرة التى لم يترك غيرها كما في الصيحيحين وغيرهما من حديث خباب ابن الأرت.
وأما كونه لا بأس بالزيادة مع التمكن من دون مغالاة فلما وقع منه ﷺ في كفن ابنته "فإنه كان يناول النساء ثوبا ثوبا وهو من عند الباب فناولهن الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرحت بعد ذلك في الثوب الآخر" أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية" وقد كفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص أو عمامة أدرج فيها أدراجا" وهو في الصحيحين وأخرج أبو داود من حديث علي "لا تغالوا في الكفن فإنه يذهب سريعا" والأولى أن يكون الكفن من الأبيض لحديث "البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه والشافعي وابن حبان والحاكم
стр. 128
والبيهقي وصححه ابن القطان وفي معناه أحاديث أخر عن عمران وسمرة وأنس وابن عمر وأبي الدرداء.
وأما كونه يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها فقد كان ذلك صنعه ﷺ في الشهداء المقتولين معه وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال: "ادفنوهم بدمائهم وثيابهم" وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن ثعلبة أن النبي ﷺ قال يوم أحد: "زملوهم في ثيابهم".
وأما تطيب بدن الميت وكفنه فلحديث جابر عند أحمد والبزار والبيهقي بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أجمرتم الميت فأجمروهم ثلاثا" ولقوله ﷺ في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: "ولاتسموه بطيب" وهو في الصحيح من حديث ابن عباس فإن ذلك يشعر أن غير المحرم يطيب لا سيما مع تعليله ﷺ بقوله: "فإنه يبعث ملبيا".
стр. 129
فصل في صلاة الجنازة
وتجب الصلاة على الميت ويقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة ويكبر أربعا أو خمسا ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة ويدعوا بين التكبيرات بالأدعية المأثورة ولا يصلى على الغال وقاتل نفسه والكافر والشهيد ويصلى على القبر وعلى الغائب.
أقول: الصلاة على الأموات ثابتة ثبوتا ضروريا من فعله ﷺ وفعل أصحابه ولكنه من واجبات الكفاية لأنهم قد كانوا يصلون على الأموات في حياته ﷺ ولا يؤذنونه كما في حديث السوداء التي كانت تقم المسجد فإنه لم يعلم النبي ﷺ إلا بعد دفنها فقال لهم: "ألا آذنتموني" وهو في الصحيح وامنتع من الصلاة على من عليه دين وأمرهم بأن يصلوا عليه.
стр. 130
وأما كونه يقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة فلحديث أنس بن مالك أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه فلما رفع أوتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها فسئل عن ذلك وقيل له: أهكذا كان رسول الله ﷺ يقوم مع الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت؟ قال نعم" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه ولفظ أبي داود أهكذا كان الرسول الله ﷺ يصلى على الجنائز كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم" وفي الصحيحين من حديث سمرة قال: "صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها" والخلاف في مسألة معروف وهذا هو الحق.
وأما كون التكبير أربعا أو خمسا فلورود الأدلة بذلك وأما الأربع فثبت ثبوتا متواترا من طريق جماعة من الصحابة ﵃ وأبي هريرة وابن عباس وجابر وعقبة ابن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم وأما الخمس فثبت في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبر خمسا على جنازة فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها" أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن وأخرج أحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي ﷺ صلى على جنازة فكبر خمسا" وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابرى وهو ضعيف وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في عدد تكبير صلاة الجنازة فذهب الجمهور إلى أنه أربع وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه خمس قال: القاضي عياض اختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع قال: ابن عبد البر وانعقد الاجماع بعد ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ماجاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذلك عندهم فشذوذ لا يلتفت إليه انتهى.
стр. 131
وهذه الدعوى مردودة فالخلاف في ذلك معروف بين الصحابة وإلى الآن ولا وجه لعدم العمل بالخمس بعد خروجها من مخرج صحيح مع كونها زيادة غير منافية إلا أن يصح ماوراه ابن عبد البر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه كان النبي ﷺ يكبر على الجنازة أربعا أو خمسا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشي فخرج فكبر أربعا ثم ثبت النبي ﷺ على الأربع حتى توفاه الله" على أن استمراره على الأربع لا ينسخ ما وقع منه ﷺ من الخمس مالم يقل قولا يفيد ذلك وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا "صلوا على موتاكم بالليل والنهار والصغير والكبير والدنئ والأمير أربعا" وفي إسناده عمرو ابن هشام البيروتي تفرد به عن ابن لهيعة وأما أحق هذا بأن لا يصح ولا يثبت وقد روى البخاري عن على ﵁ أنه كبر على سهل بن حنيف ﵁ ستا وقال: أن شهد بدرا" وروى سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة "أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا".
وأما كونه يقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة فلحديث ابن عباس عند البخارى وأهل السنن أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنه من السنة" ولفظ النسائي فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال: سنة وحق" وروى الشافعي في مسندة عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلموا سرا في نفسه" قال في الفتح: وإسناده صحيح وقد أخرج عبد الرزاق والنسائي بدون قوله: "بعد التكبيرة" ولا قوله: "ثم يسلم سرا في نفسه".
وأما الأدعية المأثورة فمنها ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأثنانا،
стр. 132
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفته منا فتوفه على الإيمان" زاد أبو داود وابن ماجه "اللهم لاتحرمنا أجره ولاتضلنا بعده" وأخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم قال: وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه وأخرج هذا الشاهد الترمذي وأعله بعكرمة بن عمار.
وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث عوف ابن مالك قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما بنقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خير من أهله وزجا خير من زوجه وقد فتنة القبر وعذاب النار".
وأما كونه لا يصلى على الغال فلامتناعه ﷺ في غزاة خيبر من الصلاة على الغال كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأما قاتل نفسه فلحديث جابر ابن سمرة عند مسلم رحمه الله تعالى وأهل السنن أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فلم يصلى عليه النبي ﷺ " وأما الكافر فذلك هو المعلوم منه صلى فإنه لم بنقل عنه ﷺ أنه صلى على كافر وقد صرح بذلك القرآن الكريم قال: الله عزوجل: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] وأما الشهيد فقد اختلفت الروايات في ذلك وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر "أن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد" وأخرجه أيضا أهل السنن وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث أنس "أنه ﷺ لم يصلى عليهم" وقد أطلت الكلام على هذا في شرح المنتقى وسردت الروايات واختلاف أهل العلم في ذلك فليرجع إليه فإن هذا المقام من المعارك.
وأما كونه يصلى على القبر وعلى الغائب فلحديث "أنه ﷺ انتهى إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا" وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس وكذلك صلاته على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد وهو أيضا في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وصلى على قبر أم سعد وقد مضى
стр. 133
لذلك شهر أخرجه الترمذي وصلى على النجاشى هو وأصحابه كما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وأبي هريرة وهو مات في دياره بالحبشة فصلى عليه النبي ﷺ بالمدنية والخلاف في الصلاة على القبر والغائب معروف ولم يأت المانع بشيء يعتد به.
стр. 134
فصل في المشي بالجنازة
ويكون المشي بالجنازة سريعا والمشي معها والحمل لها سنة والمتقدم عليها أو المتأخر عنها سواء ويكره الركوب ويحرم النعي والنياحة واتباعها بالنار وشق الجيب والدعاء والويل والثبور ولا يقعد المتبع لها حتى توضع والقيام لها منسوخ.
أقول: أما كون المشي سريعا فلحديث أبي بكرة عند أحمد والنسائي وأبي داود والحاكم قال: "لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا" وأخرج البخاري في تاريخه قال: أسرع النبي ﷺ حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ" وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسراع مستحب وقال: ابن حزم بوجوبه وذهب بعض أهل العلم إلى أن المتسحب التوسط لحديث أبي موسى قال: مرت برسول الله صلى جنازة تمخض مخيض الزق فقال رسول الله ﷺ : "عليكم القصد" أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وفي إسناده ضعف وأخرج الترمذي وأبوداود من حديث ابن مسعود قال: "سألنا رسول الله ﷺ عن المشي خلف الجنازة فقال: ما دون الخبب أي الرمل فإن كان خير عجلتموه وإن كان شرا فلا يبعد إلا أهل النار" وفي إسناده مجهول ولا يخفى عليك أن حديث أبي موسى لا يصلح للاحتجاج به على فرض عدم وجود ما يعارضه فكيف وقد عارضه ما هو في
стр. 135
الصحيحين بلفظ الأمر وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي الإسراع لأن الخبب هو ضرب من العدو ومادونه إسراع.
وأما كون المشي معها سنة فظاهر أنه ﷺ كان يمشي مع الجنائز هو وأصاحبة كما يفيد ذلك الأحاديث المتقدمة في صفة المشي والأحاديث الآتية في المتقدم والتأخر على الجنازة وكحديث أبي هريرة الثابت في الصحيح " من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا" الحديث".
وأما كون الحمل لها سنة فلحديث ابن مسعود قال: "من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتوطع وإن شاء فليدع" أخرجه ابن ماجه وأبو داود الطيالسي والبيهقي من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عنه وفي الباب عن جماعة من الصحابة والأحاديث يقوي بعضها بعضا ولا تقصر عن إفادتة مشروعية الحمل.
وأما كون المتقدم عليها والمتأخر عنها سواء فلما ثبت في صحيح مسلم ﵀ وغيره أن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان وصححه أيضا الحاكم وقال: على شرط البخاري من حديث المغيرة أن النبي ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها وعن يسارها" ولفظ أبي داود "والماشى يمشى خلفها وأمامها وعن يمنيها ويسارها قريبا منها" وفي لفظ لأحمد والنسائي والترمذي "الراكب خلف الجنازة والماشى حيث شاء منها" وأخرج أحمد وأهل السنن والدارقطني والبيهقي وابن حبان وصححه من حديث ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" وصححه ابن حبان وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل وبعضهم إلى أن المشي خلفها أفضل والحق أن ذلك سواء ولا ينافيه رواية أنه ﷺ مشى أمامها وحلفها فذلك كله سواء لأن المشي مع الجنازة إما أن يكون أمامها أو خلفها أو في جوانبها وقد أرشد إلى
стр. 136
ذلك النبي ﷺ كما تقدم فكل مكان من الأمكنة المذكورة هو من جملة ما أرشد إليه.
وأما كون الركوب مكروها فلحديث ثوبان قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فرأى ناسا ركبانا فقال: "ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب" أخرجه ابن ماجه والترمذي وأخرج أبوداود من حديث ثوبان أيضا أن رسول الله ﷺ أتى بدابته وهو مع جنازة فأبى أن يركبها فلما أنصرف أتى بدابة فركب فقيل له فقال: "إن الملائكة كانت تمشى فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت" وقد خرج ﷺ مع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس كما في حديث جابر ابن سمرة عند الترمذي وقال: صحيح ولا يعارض الكراهة ما تقدم من قوله: "الراكب خلف الجنازة" لأنه ممكن أن يكون لبيان الجواز مع الكراهة أو المراد بأن يكون الركب خلفها أن يكون بعيدا على وجهه لا يكون فيه صورة من يمشي مع الجنازة.
وأما تحريم النعي فلحديث حذيفة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه أن النبي صلى نهى عن النعي" وحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ "إياكم والنعي فإن النعي عمل الجاهلية" أخرجه الترمذي وفي إسناده أبو حمزة ميمون الأعور وليس بالقوي في الباب أحاديث.
وأما تحريم النياحة فلحديث "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث المغيرة وعلى النياحة تحمل الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" وأخرج أحمد ومسلم من حديث أبي مالك الأشعري "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي موسى بلفظ "أنا برئ ممن برئ منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة".
стр. 137
وأما تحريم اتباعها بنار وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور فلحديث أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بمجمر قالوا أوسمعت فيه شيئا؟ قال نعم من رسول الله ﷺ " أخرجه ابن ماجه وفي إسناد مجهول وقد كان هذا الفعل من أفعال الجاهلية وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية".
وأما كونه لا يقعد المتبع لها حتى توضع فلحديث "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحو وقد وردت أحاديث صحيحة في القيام للجنازة إذا مرت بمن كان قاعدا كحديث "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وغيره وأخرج مسلم ﵀ من حديث على ﵁ قال: "قام النبي ﷺ يعنى في الجنازة ثم قعد" وفي رواية من حديثه قال: "كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار من حديث عبادة ابن الصامت أن يهوديا قال: لما كان النبي يقوم للجنازة هكذا نفعل فقال: النبي اجلسوا وخالفوهم" وفي إسناده بشر بن أبي رافع وليس بالقوي كما قال الترمذي وقال البزار تفرد به بشر وهو لين فأفاد ما ذكرناه أن القيام للجنازة إذا مرت أمر منسوخ وأما قيام الماشي خلفها حتى توضع على الأرض فمحكم لم ينسخ قال: القاضي عياض ذهب جميع السلف إلى أن الأمر منسوخ بحديث علي هذا.
стр. 138
فصل "دفن الميت "
ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع ولا بأس بالضرح واللحد أولى ويدخل الميت من مؤخر القبر ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلا ويستحب حثو التراب من كل حضر ثلاث حثيات ولايرفع القبر زيادة على شبر والزيارة للموتى مشروعة ويقف الزائر مستقبلا للقبلة ويحرم اتخاذ القبور مساجد وتسريجها والقعود عليها وسب الأموات والتعزية مشروعة وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت.
أقول: أما مواراة جيفة الميت في قبر بحيث لا تنبشه السباع ولا تخرجه السيول المعتادة فلاخلاف في ذلك وهو ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا قال ﷺ "احفروا وأعمقوا وأحسنوا" أخرجه النسائي والترمذي وصححه.
وأما كونه لا بأس بالضرح واللحد أولى فلحديث أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وأن أبا طلحة كان يلحد" وقد أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث أنس قال: لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فإيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له" وإسناده حسن فتقريره ﷺ للرجلين في حياته هذا يلحد وهذا يضرح يدل على أن الكل جائز وأما أولوية اللحد فلحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللحد لنا والشق لغيرنا" أخرجه أحمد وأهل السنن وقد حسنه الترمذي وصححه ابن السكن مع أن في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف وأخرج أحمد والبزار وابن ماجه من حديث جرير ونحوه وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف وقد ذهب إلى ذلك الأكثر وحكى النووى في شرح مسلم اتفاق العلماء على جواز اللحد والشق.
وأما كونه يدخل الميت من مؤخر القبر لحديث عبد الله بن زيد "أنه أدخل.
стр. 139
رجلا ميتا من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة" أخرجه أبو داود وأخرج ابن ماجه من حديث أبي رافع قال: سل رسول الله ﷺ سعد بن معاذ سلا" وقد روى الشافعي من حديث ابن عباس وأبو بكر اللحاد من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه سلا" وقد روى البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي ﷺ من جهة القبلة وقد ضعفها البيهقي ولا يعارض السنة ما وقع من الصحابة عند دفنه ﷺ وأما كونه يوضع على جنبه الأيمن مستقبلا فهو مما لا أعلم فيه خلافا.
وأما كونه يستحب الحثو ثلاثا فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا" أخرجه ابن ماجه وأبو داود وإسناده صحيح لا كما قال أبو حاتم وأخرج البزار والدراقطني من حديث عامر بن ربيعة أن النبي ﷺ حثى على قبر عثمان بن مظعون ثلاثا" وفي الباب غير ذلك.
وأما كونه لا يرفع القبر زيادة على شبر فلحديث علي رضي الله تعالى عنه عند مسلم رحمه الله تعالى وأحمد وأهل السنن أنه بعثه رسول الله ﷺ على أن لا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه" وفي مسلم أيضا وغيره من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر" وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ رش على قبر ابنه أبراهيم ووضع عليه حصباء ورفعه شبرا".
وأما مشروعية زيارة القبور فلحديث "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكرة الآخرة" أخرجه الترمذي وصححه وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لعن زوارات القبور" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه وفي الباب عن
стр. 140
حسان بن ثابت عن أحمد وابن ماجه والحاكم وعن ابن عباس عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبزار بإسناد فيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز وهي تقوي المنع من الزيارة وروي في الأثرم في سننه والحاكم حديث عائشة أن النبي ﷺ رخص لهن زيارة القبور" وأخرج ابن ماجه عنها مختصرا أن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور" فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في قوله ﷺ : "فزوروها" كما سبق فلا يكون في ذلك حجة لأن الترخيص العام لا يعارض النهي الخاص لكنه يؤيد ما روته عائشة ما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عنها أنها قالت: يارسول الله كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين الحديث" وروى الحاكم أن فاطمة ﵂ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة" ويجمع بين الأدلة بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح وغيره والإذن لمن لم تفعل ذلك.
وأما كونه يقف الزائر مستقبلا للقبلة فلحديث أنه جلس رسول الله ﷺ مستقبلا القبلة لما خرج إلى المقبرة" أخرجه أبوداود من حديث البراء وهو ﷺ خرج في هذا الحديث مع جنازة فأفاد مشروعية قعود من خرج مع الجنازة مستقبلا حتى تدفن وكذلك مشروعية الاستقبال للزائر لكونه قد خرج إلى المقبرة كما يخرج من معه جنازة وقعد كما يقعد وقد كان ﷺ يقول عند الزيارة "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" فينبغي للزائر أن يقول كذلك.
وأما تحريم اتخاذ القبور مساجد فالأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما ولها ألفاظ منها "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي لفظ "قاتل الله اليهود الحديث" وفي لفظ "لا تتخذوا قبري مسجدا" وفي آخر "لا تتخذوا قبري وثنا".
стр. 141
وأما تحريم زخرفتها وتسريجها فلحديث " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وفي إسناده أبو صالح باذام وفيه مقال: وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن جابر قال: "نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه" وزاد الترمذي "وأن يكتب عليه وأن يوطأ" وصححه وأخرج النهي عن الكتابة أيضا النسائي وقال الحاكم أن الكتابة وأن لم يخرجها مسلم فهي على شرطة وأما تحريم القعود عليها فلما أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمرو ابن حزم قال: "رآني رسول الله ﷺ متكئا على قبر فقال: "لاتؤذ صاحب هذا القبر".
وأما تحريم سب الأموات فلقوله ﷺ "لاتسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا" أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عباس "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" وفي إسناده صالح بن نبهان وهو ضعيف ولكنه يشهد له ماورد بمعناه من حديث سهل ابن سعد والمغيرة.
وأما كون التعزية مشروعة فلحديث "من عزى مصابا فله مثل أجره" أخرجه ابن ماجه والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود وقد أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم وأخرج ابن ماجه من حديث عمرو ابن حزم عن النبي ﷺ "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" ورجال إسناده ثقات وأخرج الشافعي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب" وفي إسناده القاسم بن عبيد الله بن عمرو وهو متروك.
стр. 142
وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أسامة بن زيد قال:"كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحسب" فينبغي التعزية بهذه الألفاظ الثابتة في الصحيح ولا يعدل عنها إلى غيرها.
وأما مشروعية إهداء الطعام لأهل الميت فلحديث عبد الله بن جعفر قال: "لما جاء نعي جعفر حين قتل قال: النبي ﷺ اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم" أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي وأخرج نحو أحمد والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر وأخرج أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث جرير قال: "كنا نعد الإجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من الناحية" ولا يعارض هذا ما قد ثبت عن النبي ﷺ .
стр. 143
المجلد الثاني
كتاب الزكاة
باب زكاة الحيوان
مدخل
...
كتاب الزكاة
تجب في الأموال التي ستأتي إذا كان المالك مكلفا
باب زكاة الحيوان
إنما تجب منه النعم وهي الإبل والبقر والغنم.
أقول: الزكاة هي فريضة من فرائض الدين وركن من أركانه وضرورى من ضروياته ولكنها لاتجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال وبينه للناس فإن ذلك هو بيان لمثل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] كما بين للناس قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] بما شرعه الله من الصلوات التي يبنها رسول الله ﷺ للناس.
وقد توسع كثير من أهل العلم في إيجاب الزكاة في أموال لم يوجب الله الزكاة فيها بل صرح النبي ﷺ في بعض الأموال بعدم الوجوب كقوله: "ليس على المرء في عبده ولافرسة صدقة" وقد كان للصحابة أموال وجواهر وتجارات وخضروات ولم يأمرهم ﷺ بتزكية ذلك ولاطلبها منهم ولو كانت واجبة
стр. 144
في شيء من ذلك لبين للناس ما نزل إليهم فقد أوردنا في هذا المختصر ما تجب فيه وأشرنا إلى أشياء من الأموال التي لا زكاة فيها مما قد جعله بعض أهل العلم من الأموال التي تجب فيها الزكاة كما ستسمع ذلك. وأما كونها لا تجب إلا على من كان مكلفا فاعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من يسمعها فإذا راجع الإنصاف ووقف حيث أوقفه الحق علم أن هذا هو الحق وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه ولاخلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي الزكاة خامستها على غير مكلف فإيجاب الزكاة عليه إن كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة كما يروي عن النبي ﷺ أنه أمر بالاتجار في أموال اليتامى لئلا تأكلها الزكاة فلم يصح في ذلك شيء مرفوعا إلى النبي ﷺ .
وأما ما روي عن بعض الصحابة فلا حجة فيه وقد عورض بمثله كما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: "من ولي مال اليتيم فليخلص عليه من السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة فإن شاء زكى وإن شاء ترك" وروى نحو ذلك عن ابن عباس وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ونحوه فذلك ممنوع وليس الخطاب في ذلك إلا من يصلح له الخطاب وهم المكلفون وأيضا بقية الأركان بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف الخطابات بها عامة فلوكان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين لكان العموم في غيرها كذلك وإنه باطل بالاجماع ومااستلزم الباطل باطل مع أن تمام الآية أغنى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] يدل على وجوبها على الصبي وهوقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فإنه لا معنى لتطهرة الصبي والمجنون ولا لتزكيته. وبالجملة فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحلها إلا التراضي وطيبة النفس أو ورود الشرع كالزكاة والدية والأرش والشفعة ونحو ذلك فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله سيما من كان قلم التكليف
стр. 145
عنه مرفوعا فعليه البرهان والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزجزحه عنه الدليل ولم يوجب الله سبحانه على ولى اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من ماله ولا أمره بذلك ولا سوغه له بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التى تتصدع لها القلوب وترجف لعا الأفئدة.
وأما كونها لا تجب الزكاة في غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات فلأن الذي بين للناس ما نزل إليهم لم يوجبها عليهم في غيرها منها وأما ماورد من ذكر حق الله في الخيل فالمراد به الجهاد.