← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما تحريم زخرفتها وتسريجها فلحديث " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وفي إسناده أبو صالح باذام وفيه مقال: وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن جابر قال: "نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه" وزاد الترمذي "وأن يكتب عليه وأن يوطأ" وصححه وأخرج النهي عن الكتابة أيضا النسائي وقال الحاكم أن الكتابة وأن لم يخرجها مسلم فهي على شرطة وأما تحريم القعود عليها فلما أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمرو ابن حزم قال: "رآني رسول الله ﷺ متكئا على قبر فقال: "لاتؤذ صاحب هذا القبر". وأما تحريم سب الأموات فلقوله ﷺ "لاتسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا" أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عباس "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" وفي إسناده صالح بن نبهان وهو ضعيف ولكنه يشهد له ماورد بمعناه من حديث سهل ابن سعد والمغيرة. وأما كون التعزية مشروعة فلحديث "من عزى مصابا فله مثل أجره" أخرجه ابن ماجه والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود وقد أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم وأخرج ابن ماجه من حديث عمرو ابن حزم عن النبي ﷺ "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" ورجال إسناده ثقات وأخرج الشافعي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب" وفي إسناده القاسم بن عبيد الله بن عمرو وهو متروك.

стр. 142

وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أسامة بن زيد قال:"كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحسب" فينبغي التعزية بهذه الألفاظ الثابتة في الصحيح ولا يعدل عنها إلى غيرها. وأما مشروعية إهداء الطعام لأهل الميت فلحديث عبد الله بن جعفر قال: "لما جاء نعي جعفر حين قتل قال: النبي ﷺ اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم" أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي وأخرج نحو أحمد والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر وأخرج أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث جرير قال: "كنا نعد الإجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من الناحية" ولا يعارض هذا ما قد ثبت عن النبي ﷺ .

стр. 143

المجلد الثاني كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان مدخل ... كتاب الزكاة تجب في الأموال التي ستأتي إذا كان المالك مكلفا باب زكاة الحيوان إنما تجب منه النعم وهي الإبل والبقر والغنم. أقول: الزكاة هي فريضة من فرائض الدين وركن من أركانه وضرورى من ضروياته ولكنها لاتجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال وبينه للناس فإن ذلك هو بيان لمثل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] كما بين للناس قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] بما شرعه الله من الصلوات التي يبنها رسول الله ﷺ للناس. وقد توسع كثير من أهل العلم في إيجاب الزكاة في أموال لم يوجب الله الزكاة فيها بل صرح النبي ﷺ في بعض الأموال بعدم الوجوب كقوله: "ليس على المرء في عبده ولافرسة صدقة" وقد كان للصحابة أموال وجواهر وتجارات وخضروات ولم يأمرهم ﷺ بتزكية ذلك ولاطلبها منهم ولو كانت واجبة

стр. 144

في شيء من ذلك لبين للناس ما نزل إليهم فقد أوردنا في هذا المختصر ما تجب فيه وأشرنا إلى أشياء من الأموال التي لا زكاة فيها مما قد جعله بعض أهل العلم من الأموال التي تجب فيها الزكاة كما ستسمع ذلك. وأما كونها لا تجب إلا على من كان مكلفا فاعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من يسمعها فإذا راجع الإنصاف ووقف حيث أوقفه الحق علم أن هذا هو الحق وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه ولاخلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي الزكاة خامستها على غير مكلف فإيجاب الزكاة عليه إن كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة كما يروي عن النبي ﷺ أنه أمر بالاتجار في أموال اليتامى لئلا تأكلها الزكاة فلم يصح في ذلك شيء مرفوعا إلى النبي ﷺ . وأما ما روي عن بعض الصحابة فلا حجة فيه وقد عورض بمثله كما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: "من ولي مال اليتيم فليخلص عليه من السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة فإن شاء زكى وإن شاء ترك" وروى نحو ذلك عن ابن عباس وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ونحوه فذلك ممنوع وليس الخطاب في ذلك إلا من يصلح له الخطاب وهم المكلفون وأيضا بقية الأركان بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف الخطابات بها عامة فلوكان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين لكان العموم في غيرها كذلك وإنه باطل بالاجماع ومااستلزم الباطل باطل مع أن تمام الآية أغنى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] يدل على وجوبها على الصبي وهوقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فإنه لا معنى لتطهرة الصبي والمجنون ولا لتزكيته. وبالجملة فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحلها إلا التراضي وطيبة النفس أو ورود الشرع كالزكاة والدية والأرش والشفعة ونحو ذلك فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله سيما من كان قلم التكليف

стр. 145

عنه مرفوعا فعليه البرهان والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزجزحه عنه الدليل ولم يوجب الله سبحانه على ولى اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من ماله ولا أمره بذلك ولا سوغه له بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التى تتصدع لها القلوب وترجف لعا الأفئدة. وأما كونها لا تجب الزكاة في غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات فلأن الذي بين للناس ما نزل إليهم لم يوجبها عليهم في غيرها منها وأما ماورد من ذكر حق الله في الخيل فالمراد به الجهاد.

стр. 146

فصل في زكاة الإبل إذا بلغت الإبل خمسا ففيها شاة ثم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض١ أو ابن لبون وفي ست وثلاثين ابنة لبون وفي ست وأربعين حقة وفي إحدى وستين جذعة وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين فإذا زادت ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة. أقول: هذا التفصيل في فرائض الصدقة هو الثابت في حديث أنس أن أبا بكر كتب لهم أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين ثم ذكر فيه ما يجب على عدد كما في هذا المختصر ثم قال: فيه فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقه فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة فتقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة

стр. 147

الحقة وليست عنده وعندة ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استسيرنا له او عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها وقد أخرج هذا الحديث أحمد والنسائي وأبو داود وأخرجه أيضا البخاري رحمه الله تعالى مفرقا في صحيحة قال ابن حزم هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه ابن حبان وغيره. وقد أخرج أحمد وأبوداود والترمذي وحسنه والدراقطني والحاكم والبيهقي نحو ما اشتمل عليه المختصر من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي فأخرجها أبو بكر ﵁ فعمل بها حتى توفي ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها قال: فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته ثم ذكر الحديث.

стр. 148

فصل في زكاة البقر ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة١ وفي كل أربعين مسنة٢ ثم كذلك. أقول: يدل على ذلك ما أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم وصححاه من حديث معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن،

стр. 149

وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبعيا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة فإذا زادت على الأربعين فلا شيء في الزائد حتى تبلغ سبعين وفيها تبيع ومسنة إلى ثمانين وفيها مسنتان ثم كذلك قال ابن عبد البر في الاستذكار: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقرة على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه.

стр. 150

فصل في زكاة الغنم ويجب في أربعين من الغنم شاة إلى مائة وإحدى وعشرين وفيها شاتان إلى مائتين وواحدة وفيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة وواحدة وفيها ثم في كل مائة شاه. أقول: هذا التفصيل هو الثابت في حديث أنس وحديث أربع ابن عمر اللذين تقدم تخريجهما في باب زكاة الإبل وقد وقع الإجماع على ذلك.

стр. 151

فصل ولا يجمع بين متفرق من الأنعام ... فصل ولا يجمع بين مفترق من الأنعام ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ولا شيء فيما دون الفريضة ولا في الأوقاص وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عور ولا عيب ولا صغيرة ولا أكولة ولا ربي ولا ماخض ولا فحل غنم. أقول: أما عدم جواز الجمع بين مفترق والفرق بين مجتمع خشية الصدقة فلنهيه ﷺ عن ذلك كما في كتاب أبي بكر ﵁ المحكى عن رسول الله ﷺ وقد تقدمت الإشارة إليه وكذلك في حديث ابن عمر حاكيا لكتاب رسول الله ﷺ في ذلك كما سبقت الإشارة إليه وكذا وقع التصريح بالنهي عن ذلك في غير الحديثين المذكورين فإن فيه النهي كذلك ومعنى التفريق بين

стр. 152

مجتمع أن يكون لثلاثة أنفار لكل واحد أربعون شاة فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة وإذا أجمعوها لم يجب فيها إلا شاة وصورة الجمع بين مفترق أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة ونحو ذلك من الصورة وهذا لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة ونحو ذلك من الصور وهذا على اعتبار المسرح والمراح والخلطة وإن اختلف المالكون كما دلت على ذلك الأدلة وأما كونه لا شيء فيما دون الفريضة فلا خلاف في ذلك. وأما لا شيء في الأوقاص وهي ما بين الفريضتين فلا خلاف في ذلك أيضا إلا في رواية عن أبي حنيفة وفي حديث معاذ عند أحمد وغيره أن الأوقاص لا فريضة فيها. وأما تراجع الخليطين بالسوية فلما وقع في الكتابين المذكورين من قوله ﷺ : "وماكان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية" والمراد أنهما إذا خلطا ما يملكانه من المواشي فبلغت النصاب أخرجا الزكاة تلك الماشية المخلوطة وكان على كل واحد منهما بحساب ماشيته وصورة ذلك أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة فيأخذ المصدق من الأربعين شاة من ملك أحدهما فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها وهذا على أن مجرد خلط الشريكين لملكيها يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة لرجل واحد وهو الحق كما دلت على ذلك الأدلة. وأما كونها لا تؤخذ هرمة إلى آخر ماذكر فلما في كتاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه بلفظ "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس" وفي كتاب عمر المحكي عن النبي ﷺ "لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب" وفي حديث عبد الله بن معاوية الضامري مرفوعا بلفظ "ولا تعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم" أخرجه أبوداود والطبراني بإسناد جيد وأخرج مالك في الموطأ والشافعي عن سفيان بن عبد الله الثقفي أن عمر بن الخطاب نهى المصدق أن يأخذ الأكولة والربى والماخض وفحل الغنم وقد روى ذلك عن النبي ﷺ ابن أبي شيبة في مسنده والهرمة

стр. 153

الكبيرة التى قد سقطت أسنانها وذات العور بفتح المهملة وضمها قيل هي العوراء وقيل المعيبة وقد شمل قوله: ولا ذات عيب كل ما فيه عيب يعد عند العارفين بالمواشي نقصا فإنه لا يخرج في الصدقة فتدخل في ذلك الدرنة وهي بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسروة ثم نون وهي الجرباء والشرط اللئيمة هي صغار المال وشراره واللئيمة البخلية باللبن وغيرها. وأما الأكولة فهي بفتح الهمزة وضم الكاف العاقر من الشياه والربى بضم الراء وتشديد الباء الموحدة الشاة التي تربى في البيت للبنها والماخض الحامل وفحل الغنم هو الذي ينزو عليها لأن المالك يحتاج إليه وإن لم يكن من الخيار.

стр. 154

باب زكاة الذهب والفضة هي إذا حال على أحدهما الحول ربع العشر ونصاب الذهب عشرون دينارا ونصاب الفضة مائتا درهم ولا شيء فيما دون ذلك ولا زكاة في غيرهما من الجواهر وأموال التجارة والمستغلات. أقول: لا خلاف في وجوب الزكاة في الذهب والفضة مع النصاب والحول لحديث علي قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دارهم" أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وفي لفظ: "وليس فيما دون المائتين زكاة" وفي إسناده مقال وقد حسنه ابن حجر ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه. وأخرج أحمد ومسلم من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" وأخرجه أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد. وأخرج أبو داود من حديث علي ﵁ قال: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني من الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار" وفي إسناده مقال ولكن حسنه ابن حجر ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه كالحديث الأول وقد وقع الإجماع على أن

стр. 155

نصاب الفضة مائتا درهم ولم يخالف في ذلك إلا ابن حبيب الأندلسي والخمس الأواقي المذكورة في الحديث هي مائتا درهم لأن وزن كل أوقية أربعون درهما وذهب إلى أن نصاب الذهب عشرون دينارا الجمهور وقد روى عن الحسن وطاووس ما يخالف ذلك وهو مردود وذهب إلى أعتبار الحول الأكثر. وذهب ابن عباس وابن مسعود وداود والصادق والباقر والناصر إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابا أن يزكيه في الحال تمسكا بما دل على مطلق الوجوب وهو إهمال للقيد. وأما كونها لا تجب في الجواهر كالدر والياقوت والزمرد والماس واللؤلؤ والمرجان ونحوها فلعدم وجود دليل يدل على ذلك والبراءة الأصلية مستصحبة وقد تقدم في أول كتاب الزكاة ما يفيد هذا. وأما كونها لا تجب في أموال التجارة فلما قدمنا من عدم قيام دليل يدل على ذلك وقد كانت التجارة في عصره ﷺ قائمة في أنواع ما يتجر به ولم ينقل عنه مايفيد ذلك. وأما ما أخرجه أبوداود والدارقطني والبزار من حديث جابر بن سمرة كان رسول الله ﷺ يأمرنا بأن نخرج الزكاة مما يعد للبيع" فقال ابن حجر في التلخيص: أن في إسناده جهالة. وأما مارواه الحاكم والدارقطني عن عمران مرفوعا بلفظ: "في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته" بالزاي المعجمة فقد ضعف الحافظ في الفتح جميع طرقه وقال في واحدة منها: هذا الإسناد لا بأس به ولا يخفاك١ أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى على أنه قد قال ابن دقيق العيد: أن الذي رآه في المستدرك في هذا الحديث البر بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة قال: والدارقطني رواه بالزاي

стр. 156

لكن من طريق ضعيفة وهذا مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث كما قال المحلى في شرح المنهاج: لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم مع تأخر عصرهم عنه واستدراكهم١ عليه ويؤيد عدم الوجوب ما ثبت عنه ﷺ في الصحيح من حديث أبي هريرة "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة وهذا النقل ليس بصحيح فأول من يخالف في ذلك الظاهرية وهم فرقة من فرق الإسلام. وأما عدم وجوبها في المستغلات كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدواب ونحوها فلعدم الدليل كما قدمنا وأيضا حديث: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسة" يتناول هذه الحالة أعني حالة استغلالها بالكراء لهما وإن كان لا حاجة إلى الإستدلال بل القيام مقام المنع يكفي.

стр. 157

باب زكاة النبات يجب العشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب وما كان يسقى بالمسنى منها ففيه نصف العشر ونصابها خمسة أوسق ولا شيء فيما عدا ذلك كالخضروات وغيرها ويجب في العسل العشر ويجوز تعجيل الزكاة وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرا. أقول: أما وجوب الزكاة من هذه الأجناس فلشمول الأدلة الصحيحة لها وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال: "لا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر" أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل وأخرج الطبراني عن عمر قال: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة فذكرها" وأخرج ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب" وزاد ابن ماجه والذرة وفي إسناده محمد بن عبد الله العزرمي وهومتروك وأخرج البيهقي من طريق مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي ﷺ إلا خمسة فذكرها وأخرج أيضا من طريق الحسن فقال: "لم يفرض الصدقة النبي ﷺ إلا في عشرة فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة" وأخرج أيضا عن الشعبي أنه قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن وإنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر

стр. 158

والزبيب" قال البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضا ومعها حديث أبي موسى ﵁ ومعها قول عمر وعلي وعائشة ﵃ "ليس في الخضروات زكاة" انتهى. وحديث الخضروات أخرجه الدارقطني والحاكم والأثرم في سننه أن عطاء ابن السائب قال: "أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضروات فقال له موسى بن طلحة ليس لك ذلك إن رسول الله ﷺ كان يقول ليس في ذلك صدقة" وهو مرسل قوي وقد أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ بلفظ "وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فعفو عفا عنها رسول الله ﷺ قال الحافظ: وفيه ضعف وانقطاع وروى الترمذي بعضه من حديث موسى بن طلحة عن معاذ وقد رواه ابن عدي من وجه آخر عن أنس والدارقطني من حديث علي ﵁ ومن حديث محمد بن جحش ومن حديث عائشة ﵄ ورواه أيضا البيهقي عن علي ﵁ وعمر ﵁ موقوفا وفي طريق حديث الخضروات مقال لكنه روى من طرق كثيرة يشهد بعضها لبعض فينتهض للإحتجاج به وإذا انضم إلى ما تقدم في وجوب الزكاة في تلك الأجناس الأربعة والخمسة انتهض الجميع للاحتجاج بلا شك ولا شبهة وقد رويت تلك الروايات بلفظ الحصر على تلك الأجناس كما سبق فكان ذلك هو البيان منه ﷺ لما أنزله الله تعالى فلا تجب في غير ذلك من النبانات وقد ذهب إلى ذلك الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وأيضا يمكن الجمع بطريق أخرى وهي أن هذه الأدلة المذكورة هنا مخصصة لعمومات القرآن والسنة وذلك واضح ولا يصح جعل ذلك من باب التنصيص على بعض أفراد العام لما في ذلك من الحصر تارة والنفي لما عدا ماذكر أخرى. وأما كون الواجب العشر إلا في المستثنى فنصف العشر فوجهه حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقى بالسانية نصف العشر" رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وقال: والأنهار والعيون

стр. 159

وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال: فيماسقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر" والعثرى بفتح المهملة والثاء المثلثة وكسر الراء هو الذي يشرب بعروقه وقيل الذي في سواقي الغيل١ ونحوها. وأما كون النصاب خمسة أوسق فلحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وفي رواية لأحمد وابن ماجه "أن النبي ﷺ قال: الوسق ستون صاعا" وفي رواية لأحمد وأبي داود "والوسق ستون مختوما". وأما كونه لا شيء فيما عدا ذلك كالخضروات وغيرها فوجهه ماتقدم. وأما كونه يجب في العسل العشر فوجهه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه أخذ من العسل العشر أخرجه ابن ماجه وقال: الدارقطني يروي عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب ومثله حديث أبي سيارة عند أحمد وابن ماجه وأبي داود والبيهقي قال: "قلت يارسول الله إن لى نخلا قال: فأد العشور" وهو منقطع وأخرج الترمذي عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ قال: في العسل في كل عشرة أزقاق زق" وفي إسناده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ أدوا العشر في العسل وفي إسناده منير ابن عبد الله وهو ضعيف والجميع لايقصر عن الصلاحية للاحتجاج به. وأما كونه يجوز تعجيل الزكاة فلحديث علي "أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك" أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه والحاكم والدارقطني والبيهقي وقد قيل إنه مرسل وقد روى عن علي بلفظ آخر من طريق أخرى أخرجها

стр. 160

البيهقي أن النبي ﷺ قال: إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين" ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: في زكاة العباس "هي علي ومثلها معها لما قيل له إنه منع من الصدقة" وقد قيل أنه كان سلف منه صدقة عامين. وأما كون على الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم فوجهه حديث أبي جحفية قال: "قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فينا وكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا" أخرجه الترمذي وحسنه وحديث عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له أين المال فقال: له وللمال أرسلتني أخذناه من حديث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ووضعناه حيث كنا نضعه" أخرجه أبو داود وابن ماجه وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ "من خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشرة في مخلاف عشيرته" أخرجه الأثرم وسعيد ابن منصور بإسناد صحيح وفي الصحيحين عن معاذ أن النبي لما بعث إلى اليمن قال له: "خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم". وأما كونه يبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرا فلحديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون بعدى أثره وأمور تنكروها قالوا يا رسول الله ﷺ فما تأمرنا قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم" وأخرج مسلم والترمذي وصححه من حديث وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم فقال: "اسمعوا وأطعيوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم" وأخرج أبو داود من حديث جابر بن عتيك مرفوعا بلفظ "سيأتكم ركب مبعوضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلإنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتهم رضاهم" وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا "ادفعوا

стр. 161

إليهم ما صلوا الخمس" وفي الباب آثار عن الصحابة حتى أخرج البيهقي عن عمر أنه قال: ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمر وإسناده صحيح وأخرج أحمد من حديث أنس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله فقال: "نعم إذا أديتها إلى رسولى فقد برئت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها على من بدلها" وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة "إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك فإن اعتدى عليك فوله ظهرك ولا تلعنه وقل اللهم إني أحتسب إليك ما أخذ مني" وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة الجمهور وأن الدفع إلى السلطان أو بأمره يجزي المالك وإن صرفها في غير مصرفها سواء كان عادلا أو جائرا.

стр. 162

باب مصارف الزكاة هي ثمانية كما في الآية وتحرم على بني هاشم ومواليهم وعلى الأغنياء والأقوياء المكتسبين. أقول: الآية الكريمة قد تضمنت الثمانية الأنواع الذين هم مصارف الزكاة وقد أخرج أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائى قال: "أتيت رسول الله ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له رسول الله ﷺ : "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" وفي إسناده عد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وفيه مقال: وقد أطال أئمة التفسير والحديث والفقه والكلام على الأصناف الثمانية وما يعتبر في كل صنف والحق أن المعتبر صدق الوصف شرعا فمن صدق عليه أنه فقير كان مصرفا وكذلك سائر الأوصاف وإذا لم يكن للوصف حقيقة شرعية وجب الرجوع إلى مدلوله اللغوي وتفسيره فما وقع من الشروط والاعتبارات المذكورة لأهل العلم إن كانت داخلة في مدلول الوصف لغة أوشرعا أو الدليل يدل على ذلك كانت معتبرة وإلافلا اعتبار لشيء منها. وأما كونها تحرم على بني هاشم ومواليهم فلحديث أبي هريرة مرفوعا وفيه: "إنا لانأكل الصدقة" وفي لفظ: "إنا لاتحل لنا الصدقة" وهوفي الصحيحين وغيرهما وفي حديث أبي رافع: "أن الصدقة لاتحل لنا وأن موالى القوم من أنفسهم" أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان وابن خزيمة وصححاه أيضا وفي رواية لأحمد والطحاوي من

стр. 163

حديث الحسن ابن علي "لا تحل لآل محمد الصدقة" وفي حديث المطلب بن ربيعة أنه ﷺ قال: "إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" وهو في صحيح مسلم وفي الباب أحاديث قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا حكى الإحماع أبو طالب من أهل البيت كما حكى ذلك عنه في البحر وكذا حكى ابن رسلان في شرح السنن وقد وقع الخلاف في الآل الذين تحرم عليهم الصدقة على أقوال أظهرها أنهم بنو هاشم وحكم مواليهم حكمهم في ذلك. وأما كونها تحرم على الأغنياء والأقوياء المكتسبين فوجهه مافي الأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة " أنها لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى" وفي لفظ لأحمد وأهل السنن من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار مرفوعا "ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" وفي بعض الأخبار "ولا لذي مرة قوي" والمرة بكسر الميم وتشديد الراء القوة وشدة العقل كذا قال الجوهري.

стр. 164

باب صدقة الفطر هو صاع من القوت المعتاد عن كل فرد والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه ويكون إخراجها قبل صلاة العيد ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه ومصرفها مصرف الزكاة. أقول: أما كونها صاعا من القوت المعتاد عن كل فرد فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى الصغير والكبير من المسلمين والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره "وليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر" وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون" وأخرج نحوه الدارقطني من حديث علي وفي إسناده ضعف وله طرق والخطابات في إخراجها على من ليس بمكلف إنما هي كائنة مع المكلفين وقد ذهب الجمهور منهم أحمد والشافعي إلى أنها صاع من البر وغيره وذهب بعض الصحابة إلى أن الفطرة من البر نصف صاع وقد حكاه ابن المنذر عن علي وعثمان وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم بأسانيد صحيحة كما قال الحافظ وإليه ذهب زيد بن علي والإمام يحيى وأبو حنيفة حكى ذلك صاحب البحر وقد تمسكوا بحديث ابن عباس مرفوعا "صدقة الفطر مدان من قمح" أخرجه الحاكم وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا وفي الباب أحاديث تعضد ذلك.

стр. 165

وأما كون إخراجها قبل الصلاة فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس مرفوعا بلفظ " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات". وأما كونه من لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه فلأنه إذا خرج قوت يومه أو بعضه كان مصرفا لا صارفا لقوله ﷺ "اغنوهم في هذا اليوم" أخرجه البيهقي والدارقطني من حديث ابن عمر فإذا ملك زيادة على قوت يومه أخرج الفطرة إن بلغ الزائد قدرها ويؤيده تحريم السؤال على من ملك ما يغديه ويعشيه كما أخرجه أحمد وأبوداود من حديث سهل بن الحنظلية مرفوعا ولأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيا ولا فقيرا وقد أخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ "صدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعير عن كل رأس أو صاع بر أو قمح بين اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو انثى غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم كم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى" وقد وقع الخلاف في تقدير ما يعتبر في وجوب زكاة الفطرة فقيل ملك النصاب وقيل قوت عشر وقال: مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق والمؤيد بالله في أحد قوليه إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت يومه وليلته. وأما كون مصرفها مصرف الزكاة فلكونه ﷺ سماها زكاة كقوله: "فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة" وقول ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر وقد تقدما ولكنه ينبغي تقديم الفقراء للأمر بإغنائهم في ذلك اليوم فما زاد صرف في سائر الأصناف.

стр. 166

كتاب الخمس يجب فيما يغنم في القتال وفي الركاز ولايجب فيما عدا ذلك ومصرفه قوله: تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:٤١] الآية. أقول: أما ما يغنم في القتال فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في كتاب الجهاد والسير، ولا فرق بين الأراضي والدور المأخوذة من الكفار وبين المنقولات فإن الجميع مغنوم في القتال وأما الفيء وهو ما أخذ بغير قتال فحكمه مذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:٧] والمراد بقوله: تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:٤١] ما بينه رسول الله ﷺ لا كل ما يطلق عليه اسم الغنيمة بل ما غنم بالقتال كما في النهاية وغيرها ولو بقي على عمومه لاستلزم وجوب الخمس في الأرباح والمواريث ونحوها وهوخلاف الإجماع وما استلزم الباطل باطل١. وأما وجوبه في الركاز فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس" والركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره الزاي قال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: أن المعدن ركاز وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا: لا يقال المعدن ركاز واحتجوا بما وقع في هذا الحديث من التفرقة بينهما بالعطف وأن ذلك يدل على المغايرة وفي القاموس تفسير الركاز بالمعدن دفن الجاهلية وقال صاحب النهاية: أن الركاز يقع عليهما وأن الحديث ورد في الدفين هذا معنى كلامه. وأما كونها لا تجب فيما عدا ذلك فلعدم الإيجاب الشرعي والبقاء تحت البراءة الأصلية. وأما كون مصرفه من في الآية فكفى بها دليلا على ذلك.

стр. 167

كتاب الصيام صيام رمضان مدخل ... كتاب الصيام يجب صيام رمضان لرؤية هلاله من عدل أوكمال عدة شعبان ويصوم ثلاثين يوما مالم يظهر هلال شوال قبل إكمالها وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة وعلى الصائم النية قبل الفجر. أقول: صيام رمضان ركن من أركان الدين وضروري من ضرورياته. وأما كونه يجب الصيام عند رؤية الهلال من عدل فلصيامه ﷺ وأمره للناس بالصيام لما أخبره عبد الله بن عمر بأنه رآه أخرجه أبو داود والدرامي وابن حبان والحاكم وصححاه وصححه أيضا ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" وأخرج أهل السنن وابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله قال نعم: قال: "أتشهد أن محمد رسول الله قال نعم: قال يا بلال: "أذن في الناس فليصوموا غدا" وأخرج الدارقطني والطبراني من طريق طاوس قال: "شهدت المدنية وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمره أن يجيزه وقالا إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشاهدة رجلين" قال: الدارقطني تفرد به حفص ابن عمر الإيلي وهو ضعيف وقد ذهب إلى العمل بشهادتة الواحد ابن المبارك وأحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه قال: النووى وهو الأصح وبه قال: المؤيد بالله وذهب مالك والليث والأوزعي والثوري إنه يعتبر اثنان واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وفيه "فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" أخرجه أحمد والنسائي وفي حديث أمير مكة الحارث ابن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهيما" أخرجه

стр. 168

أبو داود والدارقطني وقال: وهذا إسناد متصل صحيح وغاية ما في هذين الحديثين أن مفهوم الشرط يدل على عدم قبول الواحد ولكن أحاديث قبول الواحد أرحج من هذا المفهوم. وأما الصيام عند إكمال عدة شعبان فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطرو لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وأما كونه يصوم ثلاثين يوما مالم يظهر هلال شوال قبل إكمالها فوجهه ماورد من الأدلة الصحيحة أن الهلال إذا غم صاموا ثلاثين كحديث أبي هريرة المذكور ومثله في صحيح مسلم من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه ومن حديث عائشة عند أحمد وأبي داود والدارقطني بإسناد صحيح وغير ذلك من الأحاديث وفيها التصريح باكمال العدة ثلاثين يوما في بعضها عدة شعبان وفي بعضها ما يفيد أنها عدة رمضان وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بأحد الشهرين. وأما كونه إذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة١ فوجهه الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإفطار لرؤيته وهي خطاب لجميع الأمة فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لجميعهم وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره إنه استهل عليه رمضان وهو بالشام فرأى الهلال ليلة الجمعة وقدم المدنية فأخبر بذلك ابن عباس فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نكمل الصوم حتى يكمل ثلاثين أو نراه ثم قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " وله ألفاظ فغير صحيح لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار بل أراد ابن عباس أنه أمرهم باكمال الثلاثين أو يروه ظنا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل وهذا خطأ في الإستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرقوا في ذلك على ثمانية

стр. 169

مذاهب وقد أوضحت المقام في الرسالة التي سميتها اطلاع أرباب الكمال على مافي رسالة الجلال في الهلال من الإختلال. وأما كون على الصائم النية قبل الفجر فلحديث حفصة عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" أخرجه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان وصححاه ولا ينافي ذلك رواية من رواه موقوفا فالرفع زيادة يتعين قبولها على ما ذهب إليه أهل الأصول وبعض أهل الحديث وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم وخالفهم آخرون واستدلوا بما لا تقوم به الحجة. وأما حديث أمره ﷺ لمن أصبح صائما أن يتم صومه في يوم عاشوراء فغاية ما فيه أن من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار كان ذلك عذرا له عن التبييت. وأما حديث: "أنه ﷺ دخل على بعض نسائه ذات يوم فقال:"هل عندكم من شيء فقالوا: لا فقال: "إني إذن صائم" فذلك في صوم التطوع.

стр. 170

فصل في ذكر مبطلات الصوم يبطل بالأكل والشرب والجماع والقئ عمدا ويحرم الوصال وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار ويندب تعجيل الفطر وتأخير السحور. أقول: أما بطلان الصوم بالأكل والشرب عمدا فلا خلاف في ذلك وأما مع نسيان فلا لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صيومه فالله أطعمه وسقاه" وفي لفظ الدارقطني بإسناد صحيح "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم "من أفطر

стр. 171

يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وإسناده صحيح أيضا وهكذا بالإجماع لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامد وأما إذا وقع مع النسيان فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا وتمسك بقوله: في الرواية الأخرى "ومن أفطر يوما في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وبعضهم منع من الإلحاق وأما القئ العمد فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القئ فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وقد حكى ابن المنذر الأجماع على أن تعمد القئ يفسد الصيام وفيه نظر فإن ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم قالوا إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبا أو مستخرجا مالم يرجع منه شيء باختياره واستدلوا بحديث "ثلاث لا يفطرن القئ والحجامة والإحتلام" أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وعلى فرض صلاحيته للإستدلال فلا يعارض حديث أبي هريرة لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد. وأما كونه يحرم الوصال فلنهيه ﷺ عن ذلك كما في حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة وهو في الصحيحين وغيرهما وفي الباب أحاديث. وأما وجوب الكفارة على من أفطر عمدا فلحديث المجامع في رمضان فإن النبي ﷺ قال له: "هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال: فهل تسطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال: لا ثم أتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال: تصدق بهذا قال: فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: اذهب فأطعمه أهلك" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة وقد قيل إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب بل الجماع فقط ولكن الرجل إنما جامع امرأته فليس في الجماع في نهار رمضان إلا ما في الأكل والشرب لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم وقد وقع

стр. 172

في رواية من هذا الحديث أن الرجل أفطر ولم يذكر. الجماع وأما كونه يندب تعجيل الفطر وتأخير السحور فلحديث سهل بن سعد "أن النبي ﷺ قال: لايزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" وهو في الصحيحين وغيرهما وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتى بخير ماأخروا السحور وعجلوا الفطر" أخرجه أحمد في إسناده سليمان بن أبي عثمان قال: أبو حاتم مجهول وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت "إنه كان بين تسحره ﷺ ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" وفي الباب أحاديث كثيرة

стр. 173

فصل في وجوب القضاء ورخصة الفطر للمسافر يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي والفطر للمسافر ونحوه رخصة إلاأن يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم باطعام مسكين. أقول: أما وجوب القضاء على من أفطر لعذر شرعي كالمسافر والمريض فقد صرح بذلك القرآن الكريم ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وقد ورد في الحائض حديث معاذ عن عائشة وقد تقدم ذكره والنفساء مثلها. وأما كون الفطر للمسافر رخصة إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة فالأحاديث١ منها قوله: ﷺ "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" لما سأله بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر وهو في الصحيحين من

стр. 174

حديث عائشة وفي الصحيحين من حديث أنس "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: "يارسول الله أجد منى قوة على الصوم فهل علي جناح فقال: هي رخصة من الله فمن أخذها فحسن ومن أحب أن يصوم فلاجناح عليه" وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في سفرة فرأى زحاما ورجلا قد ضلل عليه فقال: ماهذا فقالوا: صائم فقال:"ليس من البر الصيام في السفر" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وأحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزيمة ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر" وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر الجمهور وقد روى عن بعض الظاهرية وهو محكى عن أبي هريرة والإمامية أن الفطر في السفر واجب وأن الصوم لا يجزئ وكذا المسافر والمرضع والحبلى لما أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلي والمرضع الصوم". وأما كون من مات وعليه صوم صام عنه وليه فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وقد زاد البزار لفظ إن شاء قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن وبه قال: بعض أصحاب الحديث وبعض أصحاب الشافعية وأبو ثور والصادق والناصر والمؤيد بالله والأوزعي وأحمد بن حنبل قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه.

стр. 175

وأما كون الكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر بما ذكر فلحديث سلمة بن الأكوع الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: "أنزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى أنزلت الآية التى بعدها فنسختها" وأخرج هذا الحديث أحمد وأبوداود عن معاذ بنحو ما تقدم وزاد ثم أنزل الله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه قال: ليست هذه الآية منسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعما مكان كل يوم مسكينا" وأخرج أبوداود عن ابن عباس أنه قال: له أثبتت للحبلى والمرضع أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا وأخرج الدارقطني والحاكم وصححاه عن ابن عباس أنه قال: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه" وهذا عن ابن عباس تفسير لما في القرآن مع مافيه من الإشعار بالرفع فكان ذلك دليلا على أن الكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم.

стр. 176

باب صوم التطوع يستحب صيام ست من شوال وتسع من ذي الحجة ومحرم وشعبان والاثنين والخميس وأيام البيض وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم ويكره الصوم الدهر وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق واستقبال رمضان بيوم أو يومين. أقول: أما صيام ست من شوال فلحديث "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر" وأخرجه مسلم ﵀ وغيره من حديث أبي أيوب وفي الباب أحاديث. وأما صيام تسع من ذي الحجة فلما ثبت عنه ﷺ من حديث حفصة عند أحمد والنسائي قالت: "أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر" وأخرجه أبو داود بلفظ "كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وأول أثنين من الشهر والخميس" وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت: "مارأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط" وفي رواية "لم يصم قط" وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم وآكد التسع يوم عرفة وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : " صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية". وأما صيام شهر محرم فلحديث أبي هريرة عن أحمد ومسلم وأهل السنن "أنه سئل أي الصيام بعد رمضان أفضل فقال: شهر الله

стр. 177

المحرم" وآكدة يوم عاشوراء لما ورد فيه من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة "أنه ﷺ صامه وأمر بصيامه ثم قال: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء فليفطر" وقد تقدم أنه يكفر سنة ماضية وقد ثبت في مسلم وغيره "أنه لما أمر بصيامه قال: وا يارسول الله إنه يوم يعظه اليهود والنصارى فقال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ " وأما صيام شهر شعبان فلحديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصل به رمضان" أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وفي الصحيحين من حديث عائشة ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله" وفي لفظ "وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان". وأما الإثنين والخميس فلحديث عائشة "أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الأثنين والخميس" أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه وأخرج نحوه أبو داود من حديث أسامة بن زيد وأخرجه النسائي أيضا وفي إسناد مجهول مع أنه قد صححه ابن خزيمة وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ قال: تعرض الأعمال كل أثنين وخميس فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم" وفي صحيح مسلم ﵀ أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الإثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه وأنزل على فيه". وأما صوم أيام البيض فلحديث أبي قتادة عند مسلم وغيره قال: نعم قال رسول الله ﷺ : ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله" وأخرج النسائي والترمذي وابن حبان وصححه من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صمت من الشهر فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وفي الباب أحاديث.

стр. 178

وأما كون أفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم فلحديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "صم في كل شهر ثلاثة قلت إني أقوى من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قال: صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخى داود ﵇". وأما كونه يكره صوم الدهر فلحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صام من صام الأبد" وهو في الصحيحين وغيرهما وأخرج أحمد وابن حبان وابن حزيمة والبيهقي وابن أبي شيبة من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جنهم هكذا" وقبض كفه ولفظ ابن حبان "ضيقت عليهم جنهم هكذا وعقد تسعين" ورجاله رجال الصحيح. وأما كونه يكره إفراد يوم الجمعة فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الجمعة" وفي رواية "أن يفرد بصوم" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة "لاتصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده" وفي لفظ لمسلم "ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم أحدكم" وفي الباب أحاديث. وأما كراهة يوم السبت بالصوم فلحديث الصماء بنت بشر عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي وصححه ابن السكن أن رسول الله ﷺ قال:"لاتصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه". وأماكونه يحرم صوم العيدين فلحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ "أنه نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم النحر" وقد أجمع المسلون على ذلك.

стр. 179

وأما كونه يحرم صوم أيام التشريق فلنهيه ﷺ عن الصوم فيها كما ثبت ذلك من طريق جماعة من الصحابة وقد سردت أحادثيهم في شرح المنتقى. وأما كونه يحرم استفبال رمضان بيوم أو يومين فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لايتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل يصوم صوما فليصمه" ويؤيده حديث أبي هريرة أيضا عن أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره مرفوعا بلفظ "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" وفي الباب أحاديث والخلاف طويل مبسوط في المطولات.

стр. 180

باب الاعتكاف يشرع في كل وقت في المساجد وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر ويستحب الاجتهاد في العمل فيها وقيام ليالي القدر ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة. أقول: لاخلاف في مشروعية الاعتكاف وقد كان يعتكف النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. وأما كونه يصح في كل وقت في المساجد فلأنه ورد الترغيب فيه ولم يأت ما يدل على أنه يختص بوقت معين وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "فأوف بنذرك". وأما كونه لا يكون إلا في المساجد فلأن ذلك هو معنى الاعتكاف شرعا إذ لا يسمى من اعتكف في غيرها معتكفا شرعا وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة" أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من حديث حذيفة. وأما كون الاعتكاف في رمضان لا سيما كون العشر الأواخر منه أفضل وآكد فلكونه ﷺ كان يعتكف فيها ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر ولا على اشتراط الصيام إلا من قول عائشة وحديث ابن المتقدم يرده وكذلك حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا
следующие страницы →