← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

باب صوم التطوع يستحب صيام ست من شوال وتسع من ذي الحجة ومحرم وشعبان والاثنين والخميس وأيام البيض وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم ويكره الصوم الدهر وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق واستقبال رمضان بيوم أو يومين. أقول: أما صيام ست من شوال فلحديث "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر" وأخرجه مسلم ﵀ وغيره من حديث أبي أيوب وفي الباب أحاديث. وأما صيام تسع من ذي الحجة فلما ثبت عنه ﷺ من حديث حفصة عند أحمد والنسائي قالت: "أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر" وأخرجه أبو داود بلفظ "كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وأول أثنين من الشهر والخميس" وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت: "مارأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط" وفي رواية "لم يصم قط" وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم وآكد التسع يوم عرفة وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : " صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية". وأما صيام شهر محرم فلحديث أبي هريرة عن أحمد ومسلم وأهل السنن "أنه سئل أي الصيام بعد رمضان أفضل فقال: شهر الله

стр. 177

المحرم" وآكدة يوم عاشوراء لما ورد فيه من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة "أنه ﷺ صامه وأمر بصيامه ثم قال: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء فليفطر" وقد تقدم أنه يكفر سنة ماضية وقد ثبت في مسلم وغيره "أنه لما أمر بصيامه قال: وا يارسول الله إنه يوم يعظه اليهود والنصارى فقال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ " وأما صيام شهر شعبان فلحديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصل به رمضان" أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وفي الصحيحين من حديث عائشة ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله" وفي لفظ "وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان". وأما الإثنين والخميس فلحديث عائشة "أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الأثنين والخميس" أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه وأخرج نحوه أبو داود من حديث أسامة بن زيد وأخرجه النسائي أيضا وفي إسناد مجهول مع أنه قد صححه ابن خزيمة وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ قال: تعرض الأعمال كل أثنين وخميس فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم" وفي صحيح مسلم ﵀ أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الإثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه وأنزل على فيه". وأما صوم أيام البيض فلحديث أبي قتادة عند مسلم وغيره قال: نعم قال رسول الله ﷺ : ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله" وأخرج النسائي والترمذي وابن حبان وصححه من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صمت من الشهر فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وفي الباب أحاديث.

стр. 178

وأما كون أفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم فلحديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "صم في كل شهر ثلاثة قلت إني أقوى من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قال: صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخى داود ﵇". وأما كونه يكره صوم الدهر فلحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صام من صام الأبد" وهو في الصحيحين وغيرهما وأخرج أحمد وابن حبان وابن حزيمة والبيهقي وابن أبي شيبة من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جنهم هكذا" وقبض كفه ولفظ ابن حبان "ضيقت عليهم جنهم هكذا وعقد تسعين" ورجاله رجال الصحيح. وأما كونه يكره إفراد يوم الجمعة فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الجمعة" وفي رواية "أن يفرد بصوم" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة "لاتصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده" وفي لفظ لمسلم "ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم أحدكم" وفي الباب أحاديث. وأما كراهة يوم السبت بالصوم فلحديث الصماء بنت بشر عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي وصححه ابن السكن أن رسول الله ﷺ قال:"لاتصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه". وأماكونه يحرم صوم العيدين فلحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ "أنه نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم النحر" وقد أجمع المسلون على ذلك.

стр. 179

وأما كونه يحرم صوم أيام التشريق فلنهيه ﷺ عن الصوم فيها كما ثبت ذلك من طريق جماعة من الصحابة وقد سردت أحادثيهم في شرح المنتقى. وأما كونه يحرم استفبال رمضان بيوم أو يومين فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لايتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل يصوم صوما فليصمه" ويؤيده حديث أبي هريرة أيضا عن أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره مرفوعا بلفظ "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" وفي الباب أحاديث والخلاف طويل مبسوط في المطولات.

стр. 180

باب الاعتكاف يشرع في كل وقت في المساجد وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر ويستحب الاجتهاد في العمل فيها وقيام ليالي القدر ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة. أقول: لاخلاف في مشروعية الاعتكاف وقد كان يعتكف النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. وأما كونه يصح في كل وقت في المساجد فلأنه ورد الترغيب فيه ولم يأت ما يدل على أنه يختص بوقت معين وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "فأوف بنذرك". وأما كونه لا يكون إلا في المساجد فلأن ذلك هو معنى الاعتكاف شرعا إذ لا يسمى من اعتكف في غيرها معتكفا شرعا وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة" أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من حديث حذيفة. وأما كون الاعتكاف في رمضان لا سيما كون العشر الأواخر منه أفضل وآكد فلكونه ﷺ كان يعتكف فيها ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر ولا على اشتراط الصيام إلا من قول عائشة وحديث ابن المتقدم يرده وكذلك حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا

стр. 181

أن يجعله على نفسه" أخرجه الدارقطني والحاكم وقال: صحيح الإسناد ورجح الداراقطني والبيهقي وقفه وبالجملة فلا حجة إلا في الثابت من قوله: ﷺ ولم يثبت عنه ما يدل على أنه لا اعتكاف إلا بصوم بل ثبت عنه ما يخالفه في نذر عمر وقد روى أبو داود عن عائشة مرفوعا من حديث "ولا اعتكاف إلابصوم" ورواه غيره من قولها ورجح ذلك الحفاظ. وأما مشروعية الاجتهاد في العمل فلحديث عائشة أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله وأيقظ أهله وشد المئزر وهو في الصحيحين وغيرهما. وأما مشروعية قيام ليالي القدر فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي تعين ليلة القدر أحاديث مختلفة وأقوال جاوزت الأربعين وقد أستوفيت ذلك في شرح المنتقى فليرجع إليه. وأما كون المعتكف لا يخرج إلا لحاجة فلما ثبت عنه ﷺ من حديث عائشة في الصحيحين أنه كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا وأخرج أبو داود عنها قالت: كان النبي ﷺ كان يمر بالمريض وهو معتكف كما هو ولا يعرج يسأل عنه وفي إسناده ليث بن أبي سليم قال: الحافظ والصحيح عن عائشة من فعلها أخرجه مسلم ﵀ وغيره وقال: صح ذلك عن علي وأخرج أبو داود عن عائشة أيضا قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع وأخرجه أيضا النسائي وليس فيه قالت: "السنة" قال: أبو داود غير عبد الحمن بن اسحاق لا يقول قالت: فيه السنة وجزم الدارقطني بأن القدر من حديث عائشة قولها لا يخرج وما عداه ممن دونها.

стр. 182

كتاب الحج الحج مدخل ... كتاب الحج يجب على كل مكلف مستطيع فورا. أقول أما اعتبار الإستطاعة فلنص الكتاب العزيز ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] . وأما كونه فورا فلحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعارض له" أخرجه أحمد وأخرج أحمد أيضا وابن ماجه من حديث ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : " من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة" وفي إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل وهو صدوق ضعيف الحقظ وأخرج أحمد وأبو يعلي وسعيد بن منصور والبيهقي من حديث أبي أمامة مرفوعا "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا" وفي إسناده ليث بن أبي سليم وشريك وفيهما ضعف وأخرج الترمذي من حديث علي مرفوعا "من ملك زادا وراحلة يبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] قال الترمذي: غريب وفي إسناده مقال: والحديث يضعف وهلال بن عبد الله الراوى له عن ابن إسحاق مجهول وقال العقيلي: لا يتابع عليه وروى من طريق ثالثة من حديث أبي هريرة عند ابن عدوى نحوه وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين" وأخرجه أيضا البيهقي وقد ذهب إلى القول بالفور مالك وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي ومن أهل البيت زيد ابن علي والمؤيد بالله والناصر وقال: الشافعي والأوزعي وأبو يوسف ومحمد ومن أهل البيت القاسم بن إبراهيم وأبو طالب إنه على التراخي.

стр. 183

فصل في وجوب تعيين الحج بالنية يجب تعيين نوع الحج بالنية من تمتع أو قران أو إفراد والأول أفضلها ويكون الإحرام من المواقيت المعروفة ومن كان دونها فمهله أهله حتى أهل مكة من مكة. أقول: أما تعيين الحج بالنية فلما تقدم في الوضوء وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهل بحج أو عمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل قالت: وأهل رسول الله ﷺ بالحج وأهل به ناس معه وأهل ناس معه بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة" وفي البخاري من حديث جابر أن إهلال النبي ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته" وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: "بيداؤكم هذه التى تكذبون فيها على رسول الله ﷺ وما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد" يعني مسجد ذي الحليفة وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهل منه رسول الله ﷺ على حسب اختلاف الرواة فمنهم من روى أنه أهل من المسجد ومنهم من روى أنه أهل حين استقلت به راحلته ومنهم من روى أنه أهل لما علا شرف البيداء وقد جمع بين ذلك ابن عباس فقال: إنه أهل في جميع هذه المواضع فنقل كل راو ما سمع. وأما كون التمتع أفضل الأنواع الثلاثة فاعلم أن هذه المسألة قد طال فيها النزاع واضطربت فيها الأقوال فمنهم من قال: إن أفضل أنواعه القران لكونه ﷺ حج قرانا على ماهو الصحيح وإن كان قد ورد ما يدل على أنه حج إفراد لكن الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق عدة مصرحة بأنه أهل بحجة وعمرة فلولم يرد عنه ﷺ ما يدل على أن غير ما فعله أفضل مما فعله لكان القران أفضل الأنواع لكنه ورد ما يدل على ذلك،

стр. 184

ففي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس أحلوا فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج" وثبت مثل ذلك من حديث جماعة من الصحابة بألفاظ منها "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماسقت من الهدي ولجعلتها عمرة" وقد ذهب إلى هذا جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كمالك وأحمد ومن أهل البيت الباقر والصادق والناصر وإسماعيل وموسى ابن جعفر الصادق والإمامية وهو الحق لأنه لم يعارض هذه الأدلة معارض قفد أوضح فيها ﷺ أن نوع التمتع أفضل من النوع الذي فعله وهو القران وقد أوضحت حجج الأقوال وما احتج به كل فريق في شرح المنتقى وكذلك أوضحت أن حجه ﷺ كان قرانا فليرجع إليه. وأما كون الإحرام من المواقيت فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدنية ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم قال: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها ومثله في الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر وفي رواية من حديث لأحمد أنه قاس الناس ذات عرق بقرن" وفي البخاري من حديثه أن عمر قال: لأهل البصرة والكوفة أنظروا حذو قرن من طريقكم" قال: فحد لهم ذات عرق.

стр. 185

فصل في محظورات الإحرام ولا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوب مسه ورس أو زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين وما مسه الورس والزعفران ولا تطيب ابتداء ولا يأخذ من شعره أو بشره إلا لعذر ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ولا ينكح ولا يخطب ولا يقتل صيدا ومن قتل فعليه جزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل ولا يأكل ما صاد غيره إلا إذا كان الصائد حلالا ولم يصده لأجله ولا يعضد من شجر الحرم إلا الأذخر ويجوز له قتل الفواسق الخمس وصيد حرم المدنية وشجرة كحرم مكة إلا أن قطع من شجره أو خبطة كان سلبه حلالا لمن وجده ويحرم صيد وج وشجرة. أقول: أما كون المحرم لا يلبس تلك الأمور فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: "سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم فقال: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" قال: القاضي عياض أجمع المسلمون على أن ماذكر في هذا لحديث لا يلبسه المحرم. وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر قال قال رسول الله ﷺ : "من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل" وفي الصحيحين نحوه من حديث ابن عباس. وأخرج أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" وزاد أبو داود والحاكم والبيهقي "وما مس الورس والزعفران من الثياب" والقفاز:

стр. 186

بضم القاف وتشديد الفاء وبعد ألف زاى ما تلبسه المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء. وأما كون المحرم لا يتطيب أبتداء ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام فذلك هو الراجح جمعا بين الأدلة وقد أوضحت ذلك في شرح المنتقى. وأما كونه لا يأخذ من شعره أو بشره إلا لعذر فلحديث كعب بن عجرة في الصحيحين وغيرهما قال: "كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: ماكنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى أتجد شاة قلت لا فنزلت ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] قال: هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين". وأما كونه لا يرفث ولا يقسق ولا يجادل فلنص القرآن وهذه الأمور لا تحل للحلال ولكنها مع الاحرام أغلظ. وأما كون المحرم لا ينكح ولا ينكح فلحديث عثمان الثابت في مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب" وفي الباب أحاديث وأما ما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" فقد عارضه ما في صحيح مسلم وغيره من حديث ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال" وما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي رافع أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة حلالا" وكان أبو رافع السفير بين رسول الله ﷺ وبين ميمونة ﵂ وهما أعرف بذلك وعلى فرض صحة١ خبر ابن عباس ومطابقته للواقع فلا يعارض الأحاديث المصرحة بالنهي بل يكون هذا بالنبي ﷺ . وأما كونه لا يقتل صيدا فقد ورد بذلك القرآن الكريم فإذا قتل صيدا

стр. 187

فعليه الجزاء يحكم به ذوا عدل كما قال الله سبحانه وأما كونه لا يأكل ما صاد غيره إلى آخره فلحديث الصعب بن جثامة في الصحيحين وغيرهما أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرد عليك إلا أنا حرم" وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ أكل من صيده الذي صاده وهو حلال" وكان النبي محرما فأكل عضد حمار الوحش الذي صاده وجمع بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة بأنه ﷺ امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله وأكل من صيد أبي قتادة لكونه لم يصده لأجله ويدل على ذلك حديث جابر عند أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي أن النبي ﷺ قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم مالم تصيدوه أو يصد لكم". وأما كونه لا يعضد من شجر الحرم إلا الإذخر فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرام لا يعصد شجره ولا يختلي خلاؤه ولا ينفر في صيده ولا تلتقط لقتطه إلا لمعرف" قال العباس إلا الإذخر فإنه لا بد لهم منه فإنه للقبور والبيوت فقال: إلا الأذخر وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة. وأما كونه يجوز قتل الفواسق الخمس فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الغراب والجرأة والعقرب والكلب العقور" وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب ليس في قتلهن جناح" وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر زيادة الحية وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد بإسناده فيه ليث ابن أبي سليم. وأما كون صيد المدينة وشجره كحرم مكة فلحديث على ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المدنية حرام ما بين عير إلى ثور" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي الصحيحين أيضا من حديث عبادة ابن تميم أن رسول

стр. 188

الله ﷺ قال: إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت المدنية كما حرم إبراهيم مكة" وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة. وأما كون من قطع شجر المدنية أو خبطة سلب فلحديث سعد بن أبي وقاص "أنه ركب إلى قصر بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم" أخرجه مسلم وأحمد وفي لفظ لأحمد وأبي داود والحاكم وصححه أن رسول الله ﷺ قال: "من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه". وأما تحريم صيد وج وشجره وعضاهه فلحديث الزبير أن النبي ﷺ قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله " أخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه وحسنه المنذري وصححه الشافعي ووج بفتح الواو وتشديد الجيم واد بالطائف وقد ذهب إلى ما في الحديث الشافعي والإمام يحيى وهو الحق ولم يأت من قدح في الحديث بما في يصلح للقدح المستلزم لعدم ثبوت التكليف بما تضمنه.

стр. 189

فصل في ما يجب عمله أثناء الطواف وعند قدوم الحاج مكة يطوف للقدوم سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول ويمشي فيما بقي ويقبل الحجر الأسود أو يستلمه بمحجن ويقبل المحجن ونحوه ويستلم الركن اليماني ويكفي القارن طواف واحد وسعى واحد ويكون حال الطواف متوضئا ساترا لعورته والحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت ويندب الذكر حال الطواف

стр. 190

بالمأثور وبعد فراغه يصلى ركعتين في مقام إبراهيم ثم يعود إلى الركن فيستلمه. أقول: شرع الطواف في الأصل لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا مابين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها الإبقاء عليهم" متفق عليه وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا" وفي لفظ رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمر أنه قال: فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ " وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم وقال: أبو حنيفة سنة وروى عن الشافعي أنه كتحية المسجد والحق الأول لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وأما تقبيل الحجر الأسود١ ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه كان يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" وأخرج أحمد وابن والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وفي الباب أحاديث وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوادع على بعير يستلم الركن بمحجن" وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل وزاد "ويقبل المحجن"،

стр. 191

وأخرج أحمد من حديث عمر أن النبي ﷺ قال له: "يا عمر إنك رجل قوي ولا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" وفي إسناده مجهول وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا " وفي إسناده عطاء بن السائب وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: "لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين" وأخرج البخاري في تاريخه وأبو يعلى من حديث ابن عباس كان رسول الله ثلى يقبل الركن اليماني" وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف وأخرج أحمد وأبو داود من حديثه أن النبي ﷺ كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه". وأما كونه يكفي القارن طواف واحد وسعى واحد فلكونه ﷺ حج قرانا على الأصح واكتفى بطواف واحد للقدوم وبسعي واحد ولادليل على وجوب طوافين وسعيين وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد" وقد حسنه الترمذي. وأما أنه يكون حال الطواف متوضئا ساترا لعورته فلما في الصحيحين من حديث عائشة أن أول شيء بدأ به النبي حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت" وفيهما أيضا من حديث أبي بكر أن النبي ﷺ قال: "لا يطوف بالبيت عريان". وأما كون الحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف في البيت فلحديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف" أخرجه أحمد وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر ولحديث عائشة أيضا في الصحيحين وغيرهما أنه قال لها النبي ﷺ لما حاضت: "افعلى ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي". وأما كونه يندب الذكر حال الطواف بالمأثور فلحديث عبد الله ابن السائب قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركن اليماني والحجر ربنا آتنا في الدنيا

стр. 192

حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "وكل به يعني الركن اليماني سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني سألك العفو والعافية في الدنيا وفي الآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه إسماعيل بن عياش وهشام بن عمار وهما ضعيفان وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه أنه سمعه يقول "من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولاحول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات" وفي إسناده من تقدم في الحديث الأول وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى" وفي الباب أحاديث. وأما كونه بعد فراغه يصلى ركعتين في مقام إبراهيم فلحديث جابر عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص:١] ثم عاد إلى الركن فاستلمه.

стр. 193

فصل في وجوب السعي بين الصفا والمروة ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعيا بالمأثور وإذا كان متمتعا صار بعد السعي حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج. أقول: أخرج أحمد والشافعي من حديث حبيبة بنت أبي تجزأة أن النبي ﷺ قال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس.

стр. 194

وأخرج أحمد نحو من حديث صفية بنت شيبة وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما يشاء أن يدعو" وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث جابر ﵁ أيضا أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك فقال: مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى ختى أتى المروة ختى ففعل على المروة مثل ما فعل على الصفا" وقد ذهب الجمهور إلى أن السعي فرض وعند الحنفية أنه واجب يجبر بالدم. وأما كونه يصير للمتمتع بعد السعي حلالا فلقول عائشة حاكية لحجهم مع النبي ﷺ "فأما من أهل بعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة" وهو في الصحيحين وغيرهما وفيهما أيضا من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: " أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى من حديثه أيضا قال: أمرنا رسول الله ﷺ لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح"

стр. 195

فصل في بيان مناسك الحج ثم يأتي عرفة يوم عرفة ملبيا مكبرا ويجمع العصرين فيها ويخطب ثم يفيض من عرفة ويأتى المزدلفة ويجمع فيها بين العشاءين ويبيت بها ثم يصلي الفجر ويأتي المشعر فيذكر الله عنده ويقف به إلى قبل

стр. 196

طلوع الشمس ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر ثم يسلك الطريق الوسطى إلى الجمرة التى عند الشجرة وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس إلا النساء والصبيان فيجوز لهم قبل ذلك ويحلق رأسه أو يقصره فيحل له كل شيء إلا النساء ومن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبع حصيات مبتدئا بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم يوم النحر وفي وسط أيام التشريق ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر وإذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع. أقول: أخرج أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم والدارقطني من حديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي ﷺ أمر مناديا فنادى الحج عرفة" وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر قال: غدا رسول الله ﷺ من منى حين صلى الصبح في صبيحة عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي ينزل به حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجرا فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة" وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: لما كان يوم التروية توجهوا" إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع بالجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس فقال: "إن دمائكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين

стр. 197

دفعوا عليكم السكنية وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا" وفي حديث جابر عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس ختى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ومنها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أيضا قال: رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس" وفيهما أيضا من حديث ابن مسعود "أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمنيه ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة" وفي رواية "حتى انتهى إلى جمرة العقبة" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفه أهله" وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل" وفي الباب أحاديث في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزلة بمنى ونحر ثم قال للحلاق: "خذ وأشار إلى جانبة الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يارسول الله وللمقصرين قال: "اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله وللمقصرين قال: "اللهم اغفر للمحلقين قالوا وللمقصرين قال: "وللمقصرين" أخرج أحمد أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" وفي الصحيحين وغيرهما ومن حديث ابن عمر قال:

стр. 198

سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يارسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: "أرم ولا حرج" وأتاه رجل آخر فقال: "ذبحت قبل أن أرمي قال: "أرم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" وفي رواية فيهما "فما سئل عن شيء يومئذ إلا قال: "افعل ولا حرج" أخرجه أحمد من حديث علي قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله ﷺ حلقت قبل أن أنحر قال: "انحر ولا حرج" ثم أتاه آخر فقال: إني أفضت قبل أن أحلق قال: "احلق أو اقصر ولا حرج" وفي لفظ للترمذي وصححه قال: إني افضت قبل أن أحلق وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لاحرج" وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم من حديث عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة سبع حصيات يكبر مع كل حصاه ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمى الثالثة ثم لا يقف عندها" وعن ابن عباس قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس" رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه وفي البخاري عن ابن عمر كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" وأخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا" وفي لفظ عنه أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبا وسائر ذلك ماشيا ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك" أخرجه أحمد وأبو داود وفي الصحيحين من حديث ابن عباس وابن عمر أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي من أجل سقايته فأذن له" وفي البخاري وأحمد من حديث ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يتقدم فيستهل ويقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعوا ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل ويقوم مستبقل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من

стр. 199

بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغداة ليومين ثم يرمون يوم النفر" وأخرج أحمد والنسائي عن سعد بن مالك قال: "رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضنا يقول رميت سبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست حصيات ولم يعب بعضهم على بعض" ورجاله رجال الصحيح. وأما استحباب الخطبة في يوم النحر لمن حج بالناس فلحديث الهرماس بن زياد قال: "رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته الغضباء يوم الأضحى" أخرجه أحمد وأبو داود وأخرج نحوه أيضا أبو داود من حديث أبي أمامة وأخرج نحوه أيضا هو والنسائي من حديث عبد الرحمن ابن معاذ التيمي وأخرجه البخاري وأحمد من حديث أبي بكرة وفيه أنه قال: "فإن دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت قالوا نعم قال: اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" وأما استحباب الخطبة في وسط أيام التشريق فلحديث بسرة ابنة نهبان قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس فقال:"أي يوم هذا"؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال: "أليس أوسط أيام التشريق" أخرجه أبو داود ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أحمد من حديث أبي بصرة ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أبو داود عن رجلين من بني بكر. وأما أن الحاج يطوف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر يوم النحر بمنى" وفي صحيح مسلم من حديث نحوه والمراد بقوله: أفاض أي طاف طواف الإفاضة قال النووى: وقد

стр. 200

أجمع العلماء علىأن هذا الطواف وهوطواف الإفاضة ركن من أركان الحج لايصح إلابه واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأ ولادم عليه بالاجماع. وأما أنه إذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع فلحديث ابن عباس عند مسلم ﵀ وغيره قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : " لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت" وفي لفظ للبخاري ومسلم "أن النبي ﷺ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلاأنه خفف عن المرأة الحائض" وفي الباب أحاديث وإلى وجوب طواف الوداع ذهب الجمهور وقال: مالك وداود وابن المنذر هو سنة لاشيء في تركه.

стр. 201

فصل في بيان أفضل أنواع الهدي والهدي أفضله البدنة ثم البقرة ثم الشاة وتجزئ البقرة والبدنة عن سبعة ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه ويركب عليه ويندب إشعاره وتقليده ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. أقول: أما كون البدنة أفضل فلأنه ﷺ كان يهدي البدن ولأنها أنفع للفقراء وكذا البقرة بالنسبة إلى الشاة وهذا إذاكان الذي سيهدي البدنة والبقرة واحدا أما إذا كانوا جماعة بعدد ما تجزئ عنه البدنة والبقرة فقد وقع الخلاف هل الأفضل لسبعة البدنة أو البقرة أو الشاة عن الواحد والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع للقفراء. وأما كون البدنة عن سبعة كالبقرة فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنه" وفي لفظ لمسلم ﵀ "فقيل لجابر أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور فقال: ماهي إلا من البدن" وأخرج أحمد وابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: أنا على بدنة وأنا موسر ولا أجدها فأشتريها فأمره

стр. 202

النبي ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن" ورجاله رجال الصحيح ولا يعارض هذا الحديث حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: كنا في سفرة فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة" وكذلك لا يعارضه ما في الصحيحين من حديث أبي رافع بن خديج أنه ﷺ قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير" لأن تعديل البدنة بسبع شياه هو في الهدي وتعديلها بعشر هو في الأضحية والقسمة وقد ذهب الجمهور إلى أن عدل البدنة في الهدي سبع شياه وادعى الطحاوى وابن رشد أنه إجماع ولا تصح هذه الدعوى فالخلاف مشهور وأما كونه يجوز للمهدي أن يأكل من الهدى فلحديث جابر أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها" أخرجه أحمد ومسلم وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه دخل عليها يوم النحر بلحم بقر فقالت: ما هذا فقيل نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه" قال: النووي وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة انتهى والظاهر أنه لا فرق بين هدي التطوع وغيره لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨] وأما كون للمهدي أن يركب هديه فلحديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا يسوق بدنه فقال: "اركبها" فقال: إنها بدنة فقال: "اركبها" فقال: أنها بدنة قال: "اركبها" قال: إنها بدنة قال: "اركبها" وفيهما نحوه من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث جابر ﵁ أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد لها ظهرا". وأما كونه يندب إشعاره وتقليده فلحديث ابن عباس عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين. وأما كونه لا يحرم على من بعث بهدي شيء فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ كان يهدي من المدينة ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم".

стр. 203

باب العمرة المفردة يحرم لها من الميقات ومن كان في مكة خرج إلى الحل ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر وهي مشروعة في جميع السنة. أقول: أما كونه يحرم لها من الميقات فظاهر لأن الإحرام لها كالإحرام للحج وقد تقدمت الأدلة في ذكر المواقيت. وأما كون من في مكة يخرج إلى الحل فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن ابن أبي بكر أن يخرج عائشة إلى التنعيم فتحرم للعمرة منه" وأما الطواف والسعي والحلق والتقصير فلا خلاف في ذلك وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة أنه أمر من لم يكن معه هدي بالطواف والسعي والحلق أو التقصير فمن فعل ذلك فقد حل الحل كله فواقعوا النساء بعد ذلك". وأما كون العمرة مشروعة في جميع السنة فلحديث عائشة عند أبي داود أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال" وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته" ومن ذلك عمرة عائشة التي أمر النبي ﷺ عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم فإن ذلك كان مع حجتها مع النبي ﷺ وقد كان أهل الجاهلية يحرمون العمرة في أيام الحج فرد عليهم النبي ﷺ واعتمر وأمر بالعمرة فيها وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: عمرة في رمضان تعدل حجة"

стр. 204

كتاب النكاح مشروعيته ... كتاب النكاح يشرع لمن استطاع الباءة وبجب على من خشى الوقوع في المعصية والتبتل غير جائز إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه وينبغي أن تكون المرأة ودودا ولودا بكرا ذات جمال وحسب ودين ومال وتخطب الكبيرة إلى نفسها والمعتبر حصول الرضاء منها لمن كان كفؤا والصغيرة إلى وليها ورضاء البكر صماتها وتحرم الخطبة في العدة وعلى الخطبة ويجوز النظر إلى المخطوبة ولا نكاح إلا بولى وشاهدين إلا أن يكون عاضلا أو غير مسلم ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحدا. أقول: أما مشروعية لمن استطاع الباءة فلما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "يا مشعر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" والمراد بالباءة النكاح والأحاديث الواردة في الترغيب في النكاح كثيرة. وأما وجوبه على من خشي الوقوع في المعصية فلأن اجنتاب الحرام واجب وإذا لم يتم الاجنتاب إلا بالنكاح كان واجبا وعلى ذلك تحمل الأحاديث المقتضية لوجوب النكاح كحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال: بعضهم لا أتزوج وقال: بعضهم أصلى ولا أنام وقال: بعضهم أصوم ولا أفطر فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وأخرج ابن ماجه والترمذي من حديث الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ "نهى عن التبتل" قال: الترمذي إنه حسن غريب قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة ويقال: كلا الحديثين صحيح انتهى وفي سماع الحسن عن

стр. 205

سمرة مقال: معروف وأخرج النهي عن التبتل أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أنس وأخرج ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني". وأما عدم جواز التبتل فلما تقدم وأما جوازه مع العجز عن القيام بما لا بد منه فلما ثبت في الكتاب العزيز من النهي عن مضارة النساء والأمر بمعاشرتهن بالمعروف فمن لا يستطيع ذلك لم يجز له أن يدخل في أمر يوقعه في حرام وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في العزبة والعزلة. وأما كونه ينبغي أن تكون المرأة ودودا ولودا وبكرا ذات جمال وحسب ودين ومال فلحديث أنس عند أحمد وابن حبان وصححه أن النبي ﷺ قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" وأخرج نحوه أحمد من حديث ابن عمرو وفي إسناده جرير بن عبد الله العامري وقد وثق وفيه ضعف وأخرج نحوه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث معقل بن يسار وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ قال له: "تزوجت بكرا أم ثيبا قال: ثيبا قال: هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن النبي ﷺ قال: "إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك". وأما كونها تخطب الكبيرة إلى نفسها فلما في صحيح مسلم ﵀ أن النبي ﷺ أرسل إلى أم سلمة يخطبها. وأما كون المعتبر حصول الرضا منها فلحديث ابن عباس عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة نحوه وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عباس أن

стр. 206

جارية بكرا أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ قال: الحافظ ورجال إسناده ثقات وروى نحوه من حديث جابر أخرجه النسائي ومن حديث عائشة أخرجه أيضا النسائي وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي زوجنى ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال: فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء" ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة. وأما اعتبار الكفاءة فلحديث علي عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا تؤخر الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت لها كفؤا" وأخرج الحاكم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "العرب أكفاء بعضهم لبعض قبيلة لقبيلة حي لحي ورجل لرجل إلا حائك أو حجام" وفي إسناده رجل مجهول وقال: أبو حاتم إنه كذب لا أصل له وذكر الحافظ أنه موضوع ولكن رواه البزار في مسنده من طريق أخرى عن معاذ بن جبل رفعه "العرب بعضها أكفاء لبعض" وفيه سليمان بن أبي الجون ويغني عن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة "خيارهم١ في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وقد أخرج الترمذي من حديث أبي حاتم المزنى قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقة فأنحكوه إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" قالوا وإن كان فيه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنحكوه ثلاث مرات" وقد حسنه الترمذي وأخرج الدارقطني عن عمر أنه قال: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء". وأما كون الصغيرة تخطب إلى وليها فلما في صحيح البخاري ﵀

стр. 207

تعالى وغيره عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة ﵂ إلى أبي بكر ﵁". وأما كون رضا البكر صماتها فلما تقدم من الأحاديث الصحيحة. وأما كونها تحرم الخطبة في العدة فلحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله صلى سكنى ولا نفقة وقال لها رسول الله ﷺ : "إذا حللت فآذنينى فآذنته" الحديث وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] قال: يقول أريد التزويج ولوددت أنه يسر لى امرأة صالحة" وأخرج الدارقطني عن محمد بن على الباقر أنه دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي أيمة أبي سلمة فقال: علمت أني رسول الله وخيرته من خلقه وموضعى من قومي وكانت تلك خطبته" والحديث منقطع قال: في الفتح واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها وأما الرجعية فقال: الشافعي لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعريض مباح في الأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه البائن. وأما المنع من خطبة على الخطبة فلحديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" وأخرج أيضا من حديث ابن عمر "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" وقد ذهب إلى تحريم ذلك الجمهور. وأما كونه يجوز النظر إلى المخطوبة فلحديث المغيرة عند أحمد والنسائي

стр. 208

وابن ماجه والترمذي والدارمي وابن حبان وصححه أنه خطب امرأة من الأنصار فقال رسول الله ﷺ : "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" الحديث. وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ وأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول ﷺ : "أنظرت إليها"؟ قال: لا قال: "فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا" وفي الباب أحاديث. وأما كونه لا نكاح إلا بولي فلحديث أبي موسى عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وأبي عوانة أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بعا فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" وفي الباب أحاديث قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين والولي عند الجمهور هو الأقرب من العصبة ورورى عن أبي حنيفة أن ذوى الأرحام من الأولياء. وأما اعتبار الشاهدين فلحديث عمران بن حصين عند الدارقطني والبيهقي في العلل وأحمد في رواية ابنه عبد الله عن النبي ﷺ قال:"لانكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" وإسناده ضعيف وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة" وصحح الترمذي وقفه وهذه الأحاديث وماورد

стр. 209

في معناها يقوي بعضها بعضا وثد ذهب إلى ذلك الجمهور. وأما استثناء الولى العاضل وغير مسلم فلقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] ولتزوجه ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان من غير وليها لما كان كافرا حال العقد. وأما جواز التوكيل لعقد النكاح ولو كان الوكيل واحدا من الجهتين فلحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة قال: نعم وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا"؟ قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه" الحديث وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم الأوزعي وربيعة والثورى ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث والهادوية وأبو ثور وحكى في البحر عن الناصر والشافعي وزفر أنه لا يجوز قال في الفتح: وعن مالك لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت فزوجها نفسه أو بمن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج وقال: الشافعي يزوجه السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه ووافقه زفر.

стр. 210

فصل في بيان أن نكاح المتعة منسوخ والتحليل حرام ونكاح المتعة منسوخ والتحليل حرام وكذلك الشغار ويجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا ويحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة وبالعكس ومن صرح القرآن بتحريمه والرضاع كالنسب والجمع بين المرأة وعمتها أوخالتها ومازاد على العدد المباح للحر والعبد وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل وإذا عتقت الأمة ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها ويجوز فسخ النكاح بالعيب ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا مايوافق الشرع وإذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح وتجب العدة فإن أسلم ولم

стр. 211

تتزوج المرأة كانا على نكاحهما الأول ولو طالت المدة إذا اختارا ذلك. أقول: أما نكاح المتعة فلا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة كما صرح به القرآن ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] ولما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصى فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل" وفي الباب أحاديث وثبت النسخ من حديث جماعة فأخرج مسلم وغيره من حديث سبرة الجهنى أنه غزا مع النبي ﷺ فتح مكة فأذن لهم رسول الله صلى في متعة النساء" قال: فلم يخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ وفي لفظ من حديثه "وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وأخرج الترمذي عن ابن عباس "إنما كانت المتعة في أول الإسلام حتى نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج:٣٠] وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن متعة النساء يوم خبير" والأحاديث في هذا الباب كثيرة والخلاف طويل وقد استوفيت ذلك في شرح المنتقى ورواية من روى تحريمها إلى يوم الفيامة هي الحجة في هذا الباب. وأما تحريم التحليل فلحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له" وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق وطريق ثالثة أخرجها إسحاق في مسنده وأخرج أحمد وأبوداود وابن ماجه والترمذي وصححه ابن السكن من حديث على مثله وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له" وفي إسناده يحيى بن عثمان وهو ضعيف وقد أعل بالإرسال وأخرج أحمد والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم والترمذي في العلل من حديث أبي هريرة نحوه وحسنه

стр. 212

البخاري وأخرج الحاكم والطبراني في الأوسط من حديث عمر أنهم كانوا يعدون التحلل سفاحا في عهد رسول الله. وأما تحريم الشغار فلثبوت النهي عنه كما في حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار وأخرج مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار" والشغار أن يقول الرجل زوجني ابتنك على أن أزوجك ابنتي أو زوجني أختك على أن أزوجك أختي وأخرج مسلم أيضا من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام" وفي الباب أحاديث قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته والجمهور على البطلان قال الشافعي: هذا النكاح باطل كنكاح المتعة وقال: أبو حنيفة جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها. وأما كونه يجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة فلحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" وهو في الصحيحين وغيرهما. وأما الشرط الذي يحل الحرام ويحرم الحلال فلا يحل الوفاء به كما ورد بذلك الدليل وقد ثبت النهي عن اشتراط أمور كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه ولا تسأل المرأة عن طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها فإنما رزقها الله" وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يحل أن ينكح المرأة بطلاق أخرى". وأما كونه يحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة والعكس فلما أخرجه أحمد باسناد رجاله ثقات والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال: لها أم

стр. 213

مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فقرأ عليه النبي ﷺ ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث ابن عمر أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأساري بمكة وكان بمكة بغي يقال: لها عناق وكانت صديقته قال: "فجئت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أنكح عناقا قال: فسكت عني فنزلت الآية ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] فدعاني وقرأها علي وقال: "لا تنكحها" وأخرج أبو داود بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" وأخرج ابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا في النساء خيرا فإنما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجرون في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال: غربها قال: أخاف أن تتبعها نفسي قال: فاستمتع بها" قال: المنذري رجال إسناده محتج بهم في الصحيح وإنما قال: والعكس لأن هذا الحكم لا يختص بالرجل دون المرأة كما يفيد ذلك الآية الكريمة ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] وأما كونه ويحرم من صرح القرآن بتحريمة لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخره ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] . وأما كون الرضاع كالنسب فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم" وفي لفظ "من النسب" وفيهما أيضا من حديث عائشة مرفوعا "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث علي قال: قال رسول الله

стр. 214

صلى الله عليه وسلم "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب" قال أهل العلم: والمحرمات من الرضاع سبع الأم والأخت بنص القرآن والبنت والعمة والخلة وبنت الأخ وبنت الأخت لأن هؤلاء يحرمن من النسب فيحرمن من الرضاع وقد وقع الخلاف هل يحرم من الرضاع ما يحرمن من الصهار وقد حقق الكلام في ذلك ابن القيم قدس الله روحه في الهدي. وأما كونه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: "نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وفي لفظ لهما نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" في لفظ لهما نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وفي الباب أحاديث وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن عامة أهل العلم وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك قال: ابن المنذر لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم وقد حكى الإجماع أيضا الشافعي والقرطبي وابن عبد البر. وأما تحريم مازاد على العدد المباح فلحديث قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أختر منهن أربعا" أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وقال ابن عبد البر: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من وجه صحيح ويؤيده ماسيأتي فيمن أسلم وعنده أكثر من أربع. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ففيه ما أو ضحته في شرح المنتقى وفي حاشية الشفاء وقد قيل إنه لاخلاف في تحريم الزيادة على الأربع وفيه نظر كما أوضحته هنالك. وأما العدد الذي يحل للعبد فقد حكى البيهقي وابن أبي شيبة أنه أجمع الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنين وكذلك حكى إجماع الصحابة الشافعي وروى الدارقطني عن أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطلقتين وسيأتى ما ورد في طلاق الأمة والعدة في باب العدة فمن قال: إجماع الصحابة حجة كفاه إجماعهم ومن لم يقل بحجة إجماعهم أجاز للعبد ما يجوز للحر من العدد وقد أوضحت حكم الإجماع في أول حاشية الشفاء.

стр. 215

وأما بطلان نكاح العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فلحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه قال: قال ﷺ "من تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر " وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث ابن عمر قال الترمذي: لا يصح إنما هو جابر وأخرجه أبوداود ج من حديث ابن عمر أيضا وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه الجمهور وقال: مالك أن العقد نافذ ولسيده فسخة ورد بأن العاهر الزاني والزنا باطل وفي رواية من حديث جابر بلفظ باطل. وأما كون الأمة إذا عتقت ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها فلحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدا وكذا في صحبح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد وأهل السنن أن زوج بريرة كان حرا وقد اختلفت الروايات في ذلك وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار إذا كان الزوج حرا فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة وقد وقع في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: لبريرة "ملكت نفسك فاختاري" فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد. وأما كونه يجوز فسخ النكاح بالعيب فلحديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بنى غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئا أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وابن عدى والبيهقي وأخرجه من حديث كعب بن عجرة الحاكم في المستدرك وأخرجه أبو نعيم في الطب والبيهقي من حديث ابن عمر وفي الحديث اضطراب وروى مالك في المؤطأ والدارقطني وسعيد بن منصور والشافعي وابن أبي شيبة عن عمر أنه قال: "أيما امرأة غُرّ بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره". ورجال إسناده
следующие страницы →