← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تتزوج المرأة كانا على نكاحهما الأول ولو طالت المدة إذا اختارا ذلك. أقول: أما نكاح المتعة فلا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة كما صرح به القرآن ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] ولما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصى فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل" وفي الباب أحاديث وثبت النسخ من حديث جماعة فأخرج مسلم وغيره من حديث سبرة الجهنى أنه غزا مع النبي ﷺ فتح مكة فأذن لهم رسول الله صلى في متعة النساء" قال: فلم يخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ وفي لفظ من حديثه "وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وأخرج الترمذي عن ابن عباس "إنما كانت المتعة في أول الإسلام حتى نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج:٣٠] وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن متعة النساء يوم خبير" والأحاديث في هذا الباب كثيرة والخلاف طويل وقد استوفيت ذلك في شرح المنتقى ورواية من روى تحريمها إلى يوم الفيامة هي الحجة في هذا الباب. وأما تحريم التحليل فلحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له" وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق وطريق ثالثة أخرجها إسحاق في مسنده وأخرج أحمد وأبوداود وابن ماجه والترمذي وصححه ابن السكن من حديث على مثله وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له" وفي إسناده يحيى بن عثمان وهو ضعيف وقد أعل بالإرسال وأخرج أحمد والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم والترمذي في العلل من حديث أبي هريرة نحوه وحسنه

стр. 212

البخاري وأخرج الحاكم والطبراني في الأوسط من حديث عمر أنهم كانوا يعدون التحلل سفاحا في عهد رسول الله. وأما تحريم الشغار فلثبوت النهي عنه كما في حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار وأخرج مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار" والشغار أن يقول الرجل زوجني ابتنك على أن أزوجك ابنتي أو زوجني أختك على أن أزوجك أختي وأخرج مسلم أيضا من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام" وفي الباب أحاديث قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته والجمهور على البطلان قال الشافعي: هذا النكاح باطل كنكاح المتعة وقال: أبو حنيفة جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها. وأما كونه يجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة فلحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" وهو في الصحيحين وغيرهما. وأما الشرط الذي يحل الحرام ويحرم الحلال فلا يحل الوفاء به كما ورد بذلك الدليل وقد ثبت النهي عن اشتراط أمور كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه ولا تسأل المرأة عن طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها فإنما رزقها الله" وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يحل أن ينكح المرأة بطلاق أخرى". وأما كونه يحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة والعكس فلما أخرجه أحمد باسناد رجاله ثقات والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال: لها أم

стр. 213

مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فقرأ عليه النبي ﷺ ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث ابن عمر أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأساري بمكة وكان بمكة بغي يقال: لها عناق وكانت صديقته قال: "فجئت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أنكح عناقا قال: فسكت عني فنزلت الآية ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] فدعاني وقرأها علي وقال: "لا تنكحها" وأخرج أبو داود بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" وأخرج ابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا في النساء خيرا فإنما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجرون في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال: غربها قال: أخاف أن تتبعها نفسي قال: فاستمتع بها" قال: المنذري رجال إسناده محتج بهم في الصحيح وإنما قال: والعكس لأن هذا الحكم لا يختص بالرجل دون المرأة كما يفيد ذلك الآية الكريمة ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] وأما كونه ويحرم من صرح القرآن بتحريمة لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخره ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] . وأما كون الرضاع كالنسب فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم" وفي لفظ "من النسب" وفيهما أيضا من حديث عائشة مرفوعا "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث علي قال: قال رسول الله

стр. 214

صلى الله عليه وسلم "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب" قال أهل العلم: والمحرمات من الرضاع سبع الأم والأخت بنص القرآن والبنت والعمة والخلة وبنت الأخ وبنت الأخت لأن هؤلاء يحرمن من النسب فيحرمن من الرضاع وقد وقع الخلاف هل يحرم من الرضاع ما يحرمن من الصهار وقد حقق الكلام في ذلك ابن القيم قدس الله روحه في الهدي. وأما كونه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: "نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وفي لفظ لهما نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" في لفظ لهما نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وفي الباب أحاديث وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن عامة أهل العلم وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك قال: ابن المنذر لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم وقد حكى الإجماع أيضا الشافعي والقرطبي وابن عبد البر. وأما تحريم مازاد على العدد المباح فلحديث قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أختر منهن أربعا" أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وقال ابن عبد البر: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من وجه صحيح ويؤيده ماسيأتي فيمن أسلم وعنده أكثر من أربع. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ففيه ما أو ضحته في شرح المنتقى وفي حاشية الشفاء وقد قيل إنه لاخلاف في تحريم الزيادة على الأربع وفيه نظر كما أوضحته هنالك. وأما العدد الذي يحل للعبد فقد حكى البيهقي وابن أبي شيبة أنه أجمع الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنين وكذلك حكى إجماع الصحابة الشافعي وروى الدارقطني عن أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطلقتين وسيأتى ما ورد في طلاق الأمة والعدة في باب العدة فمن قال: إجماع الصحابة حجة كفاه إجماعهم ومن لم يقل بحجة إجماعهم أجاز للعبد ما يجوز للحر من العدد وقد أوضحت حكم الإجماع في أول حاشية الشفاء.

стр. 215

وأما بطلان نكاح العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فلحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه قال: قال ﷺ "من تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر " وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث ابن عمر قال الترمذي: لا يصح إنما هو جابر وأخرجه أبوداود ج من حديث ابن عمر أيضا وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه الجمهور وقال: مالك أن العقد نافذ ولسيده فسخة ورد بأن العاهر الزاني والزنا باطل وفي رواية من حديث جابر بلفظ باطل. وأما كون الأمة إذا عتقت ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها فلحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدا وكذا في صحبح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد وأهل السنن أن زوج بريرة كان حرا وقد اختلفت الروايات في ذلك وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار إذا كان الزوج حرا فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة وقد وقع في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: لبريرة "ملكت نفسك فاختاري" فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد. وأما كونه يجوز فسخ النكاح بالعيب فلحديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بنى غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئا أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وابن عدى والبيهقي وأخرجه من حديث كعب بن عجرة الحاكم في المستدرك وأخرجه أبو نعيم في الطب والبيهقي من حديث ابن عمر وفي الحديث اضطراب وروى مالك في المؤطأ والدارقطني وسعيد بن منصور والشافعي وابن أبي شيبة عن عمر أنه قال: "أيما امرأة غُرّ بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره". ورجال إسناده

стр. 216

ثقات وفي الباب عن على عند سعيد بن منصور وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك وروى عن علي وعمر وابن عباس أنها لاترد النساء إلا بالعيوب الثلاثة المذكورة والرابع الداء في الفرج وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع ورحجه ابن القيم رحمه الله تعالى واحتج له في الهدى بالقياس على البيع وذهب البعض إلى أن المرأة ترد الزوج بتلك الثلاثة وبالجب والعنة والخلاف في هذا البحث طويل. وأما كونه يقر من أنكحة الكفار إذا اسلموا ما يطابق الشرع فلحديث الضحاك بن فيروز عن أبيه عند أحمد وأهل السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي ﷺ أن أطلق أحدهما وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والشافعي والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فإمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا" وقد أعل الحديث بأن الثابت منه إنما هو قول عمر كما قال: البخاري. وأما كونه إذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح ووجبت العدة فلحديث ابن عباس عند البخاري قال: "كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه" وأخرج مالك في الموطأ عن الزهري أنه قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلافرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلاأن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها. وأما كون من أسلم ولم تتزوج امرأته يكونان على نكحاهما الأول ولو طالت المدة إذا اختارا ذلك فلحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود وصححه الحاكم أن ﷺ صلى رد ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث شيئا وفي لفظ ولم يحدث صداقا وفي لفظ للترمذي ولم يحدث

стр. 217

نكاحا وقال: هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمرو أن النبي ﷺ ردها على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهوضعيف وحديث ابن عباس أصح كما صرح بذلك الحفاظ وقد ذهب إلى مادل عليه حديث ابن عباس جماعة من الصحابة ومن بعدهم لا كما نقله ابن عبد البر من الإجماع على أنه لا يبقى العقد بعد انقضاء العدة ولا مانع من جعل حديث ابن عباس وما ورد في معناه مخصصا لما ورد من أن العدة إذا انقضت فقد ذهب العقد ولم تحل للزوج إلا بعقد جديد.

стр. 218

فصل في بيان وجوب المهر وكراهة المغالاة فيه والمهر واجب وتكره المغالاة فيه ويصح ولو خاتما من حديد أوتعليم قرآن ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا فلها مهر نسائها إذا دخل بها ويتسحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول وعليه إحسان العشرة وعليها الطاعة ومن كانت له زوجتان فصاعدا عدل بينهن في القسم وما تدعوا الحاجة إليه وإذا سافر أقرع بينهن وللمرأة أن تهب نوبتها أو تصالح الزوج على إسقاطها ويقيم عند الجديدة البكر سبعا والثيب ثلاثا ولايجوز العزل ولا إتيان المرأة في دبرها. أقول أما كون المهر واجبا فلأنه ﷺ لم يسوغ نكاحا بدون مهر أصلا وفي الكتاب العزيز ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] وقوله: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء:٢٠] وقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] الآية وقال تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] وقد أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ منع عليا أن يدخل

стр. 219

بفاطمة حتى يعطيها شيئا ولما قال: ما عندي شيء قال: فأين درعك الحطيمة فأعطاه إياها" وحديث سهل ابن سعد الآتي قريبا من أعظم الأدلة على وجوب المهر. وأما كراهة المغالاة في المهور فلحديث عائشة وعند الطبراني في الأوسط أن رسول الله ﷺ قال: "إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة" وفي إسناده ضعف وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار فقال: له النبي ﷺ "هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئا" قال: قد نظرت إليها قال: "على كم تزوجتها" قال: على أربع أواق فقال له النبي ﷺ : على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه" قال: فبعث بعثا إلى بنى عبس بعث ذلك الرجل فيهم" وأخرج أبو داود والحاكم وصححه من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "خير الصداق أيسره" وعن عائشة أنه كان صداق النبي ﷺ لأزواجه اثني عشرة أوقية" ونشا أي نصفا وهو في صحيح مسلم وغيره. وأما كونه يصح باليسير ولو خاتما من حديد أو تعليم قرآن فلما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عامر ابن ربيعه أن امراة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال: رسول الله أرضيت عن نفسك ومالك بنعلين قالت: نعم فأجازه" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يديه طعاما كانت له حلالا" وفي إسناده ضعف وأخرج الدارقطني من حديث لأبي سعيد في المهر "ولو على سواك من أراك" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ جاءته امرأة فقالت: يارسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يارسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟

стр. 220

قال: ما عندي إلا إزاري فقال النبي ﷺ إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا فقال: ما أجد شيئا قال: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال: النبي ﷺ : "هل معك من القرآن شيء"؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال له النبي ﷺ : "قد زوجتكما بما معك من القرآن" ولا يعارض ما ذكر حديث "لامهر أقل من عشرة دراهم" عند الدارقطني من حديث جابر لأن في إسناده مبشر بن عبيد وحجاج بن أرطاة وهما ضعيفان. وأما كون من تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا فلها مهر نسائها فلحديث علقمة عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن حبان قال: أتى عبد الله يعني ابن مسعود في امرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقا ولم يكن دخل بها قال: فاختلفوا إليه فقال: أرى لها مثل مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد مقعل بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى". وأما كونه يستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول فلحديث ابن عباس المتقدم قريبا وأخرج أبوداود وابن ماجه من حديث عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا" ولا يعارض هذا الحديث ابن عباس فإن غاية ما فيه يدل على أن تقدمه شيء من المهر قبل الدخول غير واجبة ولا ينفي كونها مستحبة. وأما كون الزوج حسن العشرة فلقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة "أن المرأة كالضلع إذا ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها على عوج فاستوصوا بالنساء" وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أيضا قال: رسول الله ﷺ " أكمل المؤمنين إبمانا أحسنهم حلقا وخياركم خياركم

стр. 221

لنسائهم" وأخرج الترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". وأما كون عليها الطاعة فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات عضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" وأخرج أهل السنن وصححه الترمذي من حديث عمرو ابن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عندكم عوان لستم تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لكم من نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" وفي الباب أحاديث كثيرة. وأما العدل بين الزوجات في القسمة وما تدعو إليه الحاجة فلحديث أبي هريرة عند أحمد وأهل السنن والدارمي وابن حبان والحاكم وقال: إسناده على شرط الشيخين وصححه الترمذي عن النبي ﷺ قال: "من كانت له امرأتان يميل لإحداهما عن الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو مائلا" وقد كان رسول الله ﷺ : يقسم بين نسائه فكن يجتمعن كل ليلة في بيت الذي تأتيها كما في الصحيح وأخرج أهل السنن وابن حبان والحاكم وصححاه من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". وأما الإقراع بينهن في السفر فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما أن النبي إذا كان أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيهن خرج سهمها خرج بها".

стр. 222

وأما كون للمرأة أن تهب نوبتها أو تصالح الزوج عليها فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما "أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة" وفي الصحيحين عن عائشة في تفسير قوله: تعالى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] قالت: "هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها وتزوج غيرها فتقول له أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسم لى". وأما كونه يقيم عند الجديدة البكر سبعا والثيب ثلاثا فلحديث أم سلمة عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره "أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام" وفي الصحيحين من حديث أنس قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم" وفي الباب أحاديث. وأما كونه لا يجوز العزل فلحديث جذامة بنت وهب الأسدية أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي" أخرجه مسلم ﵀ وغيره وأخرج أحمد وابن ماجه عن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال: وأخرج عبد الرزاق والبيهقي من حديث ابن عباس قال: نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها وقد استدل من جوز العزل بحديث جابر في مسلم وغيره قال:"كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل" وفي رواية فبلغه ذلك فلم ينهنا ومن غايته أن جابر لم يعلم بالنهي١ وقد علمه غيره وأما مافي الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: لما سألوه عن العزل "ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة" فقد قيل إن معناه النهى وقيل إن معناه ليس عليكم أن تتركوا وغايته الاحتمال فلا يصلح للاستدلال وأخرج أحمد

стр. 223

والترمذي والنسائي بإسناد رجاله ثقات قال: قال رسول الله ﷺ في العزل "أنت تخلقه أنت ترزقه أقره قراره فإنما ذلك القدر" وأخرج أحمد ومسلم من حديث أسامة ابن زيد أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي فقال: له رسول الله ﷺ "لم تفعل ذلك فقال: إني أشفق على ولدها فقال: له رسول الله ﷺ لو كان ضارا ضر فارس والروم" وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها تعقب بأن الشافعية تقول لاحق للمرأة في الحماع. وأما كونه لايجوز إتيان المرأة في دبرها فلحديث أبي هريرة عند أحمد وأهل السنن والبزار قال: قال رسول الله ﷺ "ملعون من أتى المرأة في دبرها" وفي إسناده الحارث بن مخلد لا يعرف حاله وأخرج أحمد والترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد" وفي إسناده أبو تميمة عنه قال: البخاري لا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة وقال: البزار هذا حديث منكر وفي إسناده أيضا حكيم بن الأثرم قال: البزار لا يحتج به وما تفرد به فليس بشيء وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث خزيمة بن ثابت أن النبي ﷺ نهى أن يأتى الرجل امرأته في دبرها وفي إسناده عمر ابن أحيحة وهو مجهول وفي الباب عن علي ابن أبي طالب عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "لا تأتوا النساء في أعجازهن" أو قال: في أدبارهن وإسناده ثقات وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد والنسائي أن النبي ﷺ قال: " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى" وفي الباب أحاديث وبعضها يقوي بعضا وحكى عن بعض أهل العلم الجواز واستدلوا بقوله: تعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] والبحث طويل لا يتسع المقام لبسطه.

стр. 224

فصل: والولد للفراش ولا عبرة بشبهه بغير صاحبه وإذا اشترك ثلاثة في وطء أمة في طهر ملكها كل واحد منهم فيه جاءت بولد وادعوه جميعا فيقرع بينهم ومن استحقه بالقرع فعليه للآخرين ثلثا الدية. أقول: أما كون الولد للفراش ولا عبرة بشبهه بغير صاحبه فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" وفيها أيضا من حديث عائشة قالت: "اختصم سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ فقال: سعد يارسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي فيه أنه ابنه انظر إلى شبهة وقال: عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة وقال: هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة". وأما كونه إذا اشترك ثلاثة إلى آخره فلما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي من حديث زيد بن أرقم "قال: أتى علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل اثنين فقال: أتقران لهذا بالولد قالا لا ثم سأل اثنين أتقرأن لهذا بالولد قالا لا فجعل كلما سأل اثنين أتقران لهذا بالولد قالا لا فأقرع بينهم فألحق بالذي أصابته القرعة وجعل عليه ثلثى الدية فذكر ذلك للنبي ﷺ وضحك حتى بدت نواجذه" وأخرجه النسائي وأبو داود موقوفا على علي بإسناد أجود من الأول لأن في الاسناد الأول يحيى بن عبد الله الكندى المعروف بالأجلح وقد وثقه ابن معين والعجلي وضعفه النسائي بمالا يوجب ضعفا وقد أخذ بالقرعة مطلقا مالك والشافعي وأحمد والجمهور حكى ذلك عنهم ابن رسلان في كتاب العتق في شرح السنن وقد ورد العمل بها في مواضع هذا منها.

стр. 225

كتاب الطلاق الطلاق * ... كتاب الطلاق وهو جائز من مكلف مختار ولو هازلا لمن كانت في طهر لم يمسها فيه ولا طلقها في الحيضة التي قبله أو في حمل قد استبان ويحرم إيقاعه على هذه الصفة وفي وقوعه ووقوع ما فوق الواحدة من دون تخلل رجعة خلاف والراجح عدم الوقوع. أقول: أما جواز الطلاق فبنص الكتاب العزيز ومتواتر السنة المطهرة وإجماع المسلمين وهو قطعي من قطعيات الشريعة ولكنه يكره مع عدم الحاجة وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن ابن عمر عن النبي ﷺ عن النبي قال: "أبغض الحلال عند الله الطلاق". وأما كونه من مكلف مختار فلأن أمر الصغير إلى وليه وطلاق المكره لا حكم له والأدلة على هاتين المسألتين مقررة في مواضعها. وأما كونه يقع من الهازل فلحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك وهو مختلف فيه وفي الباب عن فضالة بن عبيد عند الطبراني مرفوعا " ثلاث لا يجوز فيهن اللعب الطلاق والنكاح والعتق" وفي إسناده ابن لهيعة وعن عبادة بن الصامت عند الحارث بن أبي أسامة في سنده مرفوعا بنحوه وزاد "فمن قالهن فقد وجبن" وفي إسناده انقطاع وعن أبي ذر عند عبد الرزاق رفعه "من طلق وهو لا عب فطلاقه جائز ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز" وفي إسناده أيضا

стр. 226

انقطاع وعن على موقوفا عند عبد الرزاق أيضا وعن عمر مرفوعا عنده أيضا وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضا. وأما كون اعتبار أن يكون في طهر لم يمسها فيه إلخ فلحديث ابن عمر عند مسلم وأهل السنن وأحمد أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" وفي لفظ أنه قال: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي رواية في الصحيح أنه قرأ النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قبل عِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] وللحديث ألفاظ ووقع الخلاف بين الرواة هل حسبت تلك الطلقة أم لا؟ ورواية عدم الحسبان لها أرحج وقد أوضحت هذه المسألة في شرح المنتقى وفي رسالة مستقلة والخلاف طويل والأدلة كثيرة والراجح عدم وقوع البدعي لما ذكرناه هنالك وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فقال: رسول الله ﷺ "ليس ذلك شيء" وقد روى ابن حزم في المحلى بسنده المتصل إلى ابن عمر أنه قال: في الرجل يطلق امرأته وهي حائض لا يعتد بذلك وإسناده صحيح وقد تابع أبا الزبير الراوي لعدم الحسبان لتطليقة ابن عمر المذكورة في الحديث أربعة عبد الله بن عمر العمري ومحمد بن عبد العزيز أبي رواد ويحيى بن سليم وإبراهيم بن أبي حسنه ولو لم يكن في المقام إلا قول الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] وقد تقرر أن الأمر بالشيء نهى عن ضده والنهي يقتضي الفساد وقول الله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] والمطلق على غير ما أمر الله به لم يسرح بإحسان وقد ذهب إلى عدم الوقوع جماعة من السلف كالباقر والصادق وابن علية وإليه ذهب ابن حزم وابن تيمية وذهب

стр. 227

الجمهور إلى الوقوع وأما وقوع الثلاث دفعة أو عدمه فقد ذهب الجمهور إلى أنه يقع أن الطلاق يتبع الطلاق وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الطلاق لا يتبع الطلاق بل يقع واحدة وقد حكى ذلك عن أبي موسى وابن عباس وطاوس وعطاء وجابر بن زيد والهادي والقاسم والناصر والباقر وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى ورواية عن على ورواية عن زيد ابن علي وإليه ذهب ابن تيمية وابن القيم وحكاه ابن مغيث في كتاب الوثائق عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير وحكاه أيضا عن جماعة من مشايخ قرطبة ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس واستدل الجمهور بحديث ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة ألبتة فأخبره النبي ﷺ بذلك فقال: والله ما أردت إلا واحدة فقال: رسول الله ﷺ والله ما أردت إلا واحدة قال: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه وأخرجه الشافعي وأبوداود والترمذي وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم وفي إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي وقد ضعفه غير واحد وقيل إنه متروك وقد ورد ما يدل على أن الطلاق يتبع الطلاق وليس في الصحيح شيء من ذلك وأرجح من الجميع حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم أن الطلاق كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر الثلاث واحدة فلما كان عهد عمر تتابع الناس فأجازه عليهم.

стр. 228

فصل في بيان أنه إذا طلق الرجل امرأته فهو أحق برجعتها ويقع بالكناية مع النية وبالتخيير إذا اختارت الفرقة وذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه ولا يقع بالتحريم والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقها يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيا ولا تحل له بعد الثلاث حتى تنكح زوجا غيره.

стр. 229

أقول: أما وقوعه بالكناية فلحديث عائشة عند البخاري وغيره أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك قال: لها " لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك" وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك "لما قيل له إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال: أطلقها أم ماذا أفعل قال: بل اعتزلها فلا تقربها فقال: لامرأته الحقي بأهلك" فأفاد الحديثان أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد ولا تكون طلاقا مع عدمه. وأما كون الطلاق يقع بالتخيير فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب:٢٨] الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب:٢٩] الآية وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ دعا لما نزلت الآية فخيرهن" وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت: "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعدها شيئا" وفي المسألة خلاف وهذا هو الحق وبه قال: الجمهور. وأما كونه إذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه فلأنه توكيل بالايقاع وقد تقرر جواز التوكيل من غير فرق بين الطلاق وغيره فلا يخرج من ذلك إلا ما أخصه دليل وسئل أبو هريرة وابن عباس وعمرو بن العاص عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه فأجازوا طلاقه كما أخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه المخرج على الصحيحين. وأما كونه لا يقع بالتحريم فلما في الصحيحين عن ابن عباس قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ وأخرج عنه النسائي أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة".

стр. 230

وأخرج النسائي أيضا بإسناد صحيح عن أنس "أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] الآية" وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ماذكر وفي هذه المسألة نحو ثمانية عشر مذهبا والحق ما ذكرناه وقد ذهب إليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم وهذا إذا أراد تحريم العين وأما إذا أراد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات. وأما كون الرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه إلخ فلحديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] الآية قال: "وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال: وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال الرجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا قالت: وكيف ذلك قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرها فسكتت حتى جاء النبي فأخبرته فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] قالت: عائشة فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق" وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي والطبراني عن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد".

стр. 231

وأما كونها لا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ولما في الصحيحين وغيرهما من قوله ﷺ لامرأة رفاعة القرظي: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وهو مجمع على ذلك.

стр. 232

باب الخلع إذا خالع الرجل امرأته كان أمرها إليها لا ترجع إليه بمجرد الرجعة ويجوز بالقليل والكثير مالم يجاوز ماصار إليها منه فلا ولا بد من التراضي بين الزوجين على الخلع أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما وهو فسخ وعدته حيضة. أقول: أما كون أمرها إليها بعد الخلع فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته" قالت نعم: فقال رسول الله ﷺ "اقبل الحديقة وطلقها" وفي رواية لابن ماجه والنسائي بإسناد رجاله ثقات أنها قالت: "لا أطيقه بغضا فقال لها النبي ﷺ أتردين عليه حديقته قالت له نعم: فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ الحديقة ولا يزداد" وفي رواية للدارقطني بإسناد صحيح أن أبا الزبير قال: إنه كان أصدقها حديقة فقال: النبي ﷺ أتردين حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم وزيادة فقال: النبي ﷺ أما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت: نعم" فهذه الفرقة إنما كانت بسبب ماافتدت به المرأة فلو لم يكن أمرها إليها كانت الفدية ضائعة وقد أفاد ماذكرناه أنه لايجوز للزوج أن يأخذ منها اكثر مما صار إليها منه وقد ذهب إلى هذا على وطاوس وعطاء والزهري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والهادوية وذهب الجمهور إلى أنه لايجوز أن يأخذ منها زيادة على ما أخذت منه استدلالا بقوله

стр. 233

تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] فإنه عام للقليل والكثير ويجاب بأن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لذلك وأما ما أخرجه البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله ﷺ فقال لها: "أتردين حديقته" قالت: وأزيد عليها فردت عليه حديقته وزادته" ففي إسناده ضعف مع أنه لا حجة فيه لأنه لم يقررها على تسليم الزيادة وأيضا قوله تعال: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يدل على منع الأخذ مما آتيتموهن إلا مع ذلك الأمر فلا بأس أن تأخذوا مما آتيتموهن لا كله فضلا عن زيادة عليه. وأما كونه لا بد من التراضي بين الزوجين فلقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] وأما اعتبار إلزام الحاكم فلارتفاع ثابت وامرأته إلى النبي ﷺ وإلزامه بإن يقبل الحديقة ويطلق ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] وهذه الآية كما تدل على بعث حكمين تدل على اعتبار الشقاق في الخلع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ويدل عليه قصة امرأة ثابت المذكورة وقولها أكره الكفر بعد الإسلام وقولها لا أطيقه بغضا فلهذا اعتبرنا الشقاق في الخلع. وأما كونه فسخا فلحديث الربيع بنت معوذ عند النسائي في قصة امرأة ثابت أن النبي ﷺ قال له: "خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال: نعم فأمرها رسول الله ﷺ أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها" ورجال إسناد كلهم ثقات ولها حديث آخر عند الترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى أمرها أن تعتد بحيضة" وفي إسناد محمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث.

стр. 234

وأخرج الترمذي١ وأبوداود وحسنه عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة" وأخرج الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي الزبير وفيه "فأخذها وخلى سبيلها" قال: الدارقطني سمعه أبو الزبير من غير واحد فهذه الأحاديث كما تدل على أن العدة في الخلع حيضة تدل على أنه فسخ لأن عدة الطلاق ثلاث حيض وأيضا تخلية السبيل هي الفسخ لا الطلاق وأما ما وقع في بعض روايات الحديث أنه طلقها تطليقة فقد أجيب عن ذلك بجوابات طويلة وقد أودعتها شرح المنتقى فليرجع إليه.

стр. 235

باب الايلاء هو أن يحلف الزوج على جميع نسائه أو بعضهن لا أقربهن فإن وقت بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقت به وإن وقت بأكثر منها خير١ بعد مضيها أن يفئ أو يطلق. أقول: أما كون الإيلاء هو حلف الزوج لا أقرب بعض نسائي أو كلهن فظاهر. وأما كونه يصح التوقيت بدون أربعة أشهر فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرا ثم دخل بهن بعد ذلك". وأما أن وقت بأكثر من أربعة أشهر يخير بعد مضيها بين الفيء أو الطلاق فلقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦] الآية وقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق" قال البخاري: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء

стр. 236

وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي وأخرج الدارقطني عن سليمان بن يسار قال: "أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ كلهم يوقفون المولى" وأخرج أيضا عن سهيل بن أبي صالح عن ابيه قال: "سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل يولى قال: وا ليس عليه شيء حتى تنقضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلاطلق" وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدا قال: وا فإن حلف على أنقص منها لم يكن موليا واحتجوا بالآية وهي لاتدل على مطلوبهم لأنها لبيان المدة التي تضرب للمولى ليفئ بعدها أو يطلق وقد وقع منه ﷺ الإيلاء شهرا ودخل على نسائه بعده فلو كان الإيلاء أربعة أشهر فصاعدا ولايصح أقل منها لم يقع منه ﷺ ذلك وقد ذهب إلى جواز الإيلاء دون أربعة أشهر جماعة من أهل العلم وهو الحق.

стр. 237

باب الظهار الظهار ... باب الظهار هو قول الزوج لإمرأته: أنت علي كظهر أمي أو ظاهرتك أو نحو ذلك فيجب عليه قبل أن يمسها أن يكفر بعتق رقبة وإن لم يجد١ فليطعم ستين مسكينا فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين إذا كان فقيرا لا يقدر على الصوم وله أن يصرف منها لنفسه وعياله وإذا كان الظهار مؤقتا فلا يرفعه إلا انقضاء الوقت وإذا وطئ قبل انقضاء الوقت أو قبل التكفير كف حتى يكفر في المطلق ويقضي وقت المؤقت. أقول: الدليل على ما أشتمل عليه هذا الباب من التكفير على هذا الترتيب ما في القرآن الكريم وقد بينه النبي ﷺ في قصة سلمة بن صخر لما ظاهر من

стр. 238

امرأته ثم وطئها فقال له رسول الله ﷺ : "اعتق رقبة فقال: لا والذي بعثك بالحق ما أصيحت أملك غيرها وضرب صفحة رقبته قال: "فصم شهرين متتابعين" قال: يارسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم قال: فتصدق قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا ما لنا عشاء قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن خزيمة وابن الجاورد وفي لفظ منه لأبي داود "فقال رسول الله ﷺ : "كله أنت وأهلك" وأخرج نحو أهل السنن وصححه الترمذي من حديث ابن عباس وصححه أيضا الحاكم قال ابن حجر: رجاله ثقلت لكن أعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال وقال ابن حزم: رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله وللمحدثين شواهد وأخرج نحوه أبوداود وأحمد من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث عائشة وأخرجه الحاكم أيضا وقد قام الإجماع على أن الكفارة تجب بعد العود لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [القصص:٣] واختلفوا هل العلة في وجوبها العود أو الظهار واختلفوا أيضا هل المحرم الوطء فقط أم هو مع مقدماته فذهب الجمهور إلى الثاني لقوله: تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [القصص:٣] وذهب البعض إلى الأول قالوا لأن المسيس كناية عن الجماع واختلفوا في العود ماهو فقال: قتادة وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأصحابه والعترة أنه إرادة المسيس لما حرم بالظهار لأنه إذا أراد فقد عاد من عزم الترك إلى عزم الفعل سواء فعل أم لا وقال: الشافعي بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ولم يطلق إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها وإمساكها نقيضه وقال مالك وأحمد: بل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ وقد وقع الخلاف أيضا إذا وطء المظاهر قبل التكفير فقيل يجب عليه كفارتان وقيل ثلاث وقيل تسقط الكفارة وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة وهو الحق كما تفيده الأدلة المذكورة.

стр. 239

وأما كونه يكف إذا وطئ قبل التكفير إلخ فلحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: للمظاهر الذي وطئ امرأته " لا تقربها حتى تفعل ماأمرك الله" أخرجه أهل السننن وصححه الترمذي والحاكم وأما صحة الظهار المؤقت فلتقريره ﷺ لسلمة بن ضخر لما قال له: إنه ظاهر من امرأته إلى أن ينسلخ رمضان وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه ابن خزيمة وابن الجارود كما تقدم وظاهر القرآن أنه لا يوجب الكفارة إلا العود فاظهار المؤقت إذا انقضى وقته لم يكن إرادة الوطء عودا فلا تجب فيه كفارة وأما إذا كان الموجب للكفارة قول المنكر والزور فهي واجبة في مطلق مؤقت لأنه قدم القول بمجرد إيقاع الظهار

стр. 240

فصل في اللعان إذا رمى الرجل امرأته بالزنا ولم تقر بذلك ولا رجع عن رميه لاعنها فيشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين وإذا كانت حاملا أو كانت قد وضعت أدخل نفى الولد في أيمانه ويفرق الحاكم بينهما وتحرم عليه أبدا ويلحق الولد بأمه فقط ومن رماها به فهو قاذف. أقول: حكم اللعان مذكور في الكتاب العزيز قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] الآية وأما اشتراط عدم إقرار المرأة بالزنا وعدم رجوع الرجل عن الرمي فلأن النبي ﷺ كان يحث المتلاعنين على ذلك ففي الصحيحين وغيرهما أنه وعظ الزوج وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" فإذا أقرت المرأة كان عليها حد الزاني المحصن إذا لم يكن

стр. 241

هناك شبهة وإذا أقر الرجل بالكذب كان عليه حد القذف وأما كيفية اليمين فكما في الباب وقد نطق بذلك الكتاب العزيز والسنة المطهرة في ملاعنته ﷺ بين عويمر العجلاني وامرأته وبين هلال بن أمية وامرأته. وأما كونه يدخل نفي الولد في أيمانه فلم يكن ذلك في الكتاب العزيز ولا وقع في الملاعنة الواقعة في زمنه ﷺ لأنه لم يكن هناك حمل ولا ولد. وأما كونه يفرق الحاكم بينهما ثم لا يجتمعان أبدا١ ففي حديث حسنه سهل بن سعد عند أبي داود قال: مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني أن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا" وأخرج نحوه عنه أبو داود وفي الصحيحين وغيرهما أن عويمر طلق امرأته ثلاث تطليقات قبل أن يأمره ﷺ قال: ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين. وأما كون الولد يلحق أمه ويحد قاذفها فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله في ولد المتلاعنين أن يرث أمه وترثه أمه ومن رماها به جلد ثمانين" أخرجه أحمد وفي إسناده محمد بن إسحاق٢ وبقية رجاله ثقات ويؤيد هذا الحديث الأدلة الدالة على أن الولد للفراش ولا فراش هنا والأدلة دالة على وجوب حد القذف والملاعنة داخلة في المحصنات لم يثبت عليها ما يخلف ذلك وهكذا من قذف ولدها فإنه كقذف أمه يجب الحد على القاذف.

стр. 242

باب العدة والإحداد العدة والإحداد ... باب العدة والإحداد هي للطلاق من الحامل بالوضع ومن الحائض بثلاث حيض ومن غيرهما بثلاثة أشهر وللوفاة بأربعة أشهر وعشر وإن كانت حاملا فبالوضع ولاعدة على غير مدخولة والأمة كالحرة وعلى المعتدة للوفاة ترك التزين والمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها أبو بلوغ خبره. أقول: أما اعتداد الحامل بالوضع فلقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وأما اعتداد الحائض بثلاث حيض فلقوله: تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] وهي الحيض كما تقدم في قوله ﷺ : "دعي الصلاة أيام أقرائك" والقرء وإن كان في الأصل مشتركا بين الأطهار والحيض كقوله: ﷺ : "تعتد بثلاث حيض" وقوله: "تجلس أيام أقرائها" وقوله: "وعدتها حيضتان" وسيأتي. وأما غيرهما أي الحامل والحائض وهي الصغيرة والكبيرة التي لا حيض فيها أو التي انقطع حيضها بعد وجوده فإنها تعتد بثلاثة أشهر لقوله: تعالى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] الآية وقد وقع الخلاف في منقطعة الحيض لعارض فقيل إنها تتربص حتى يعود فتعتد بالحيض أو تيأس فتعتد بالأشهر، والحق ما ذكرناه، لأنه يصدق عليها عند الانقطاع أنها من اللائي لم يحضن.

стр. 243

وأما كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا فلقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة:٢٣٤] هذا في غير الحامل وأما الحامل فبوضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وقد بين ذلك النبي ﷺ أكمل البيان ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أم سلمة "أن امرأة من أسلم يقال: لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال: والله مايصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين فمكثت قربيا من عشر ليالي ثم نفست ثم جاءت النبي ﷺ فقال: "انكحي" وأخرج البخاري عن ابن مسعود المتوفى عنها زوجها وهي حامل قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تحعلون لها الرخصة نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وقد أخرج أحمد والدارقطني من حديث أبي كعب قال: قلت يا رسول الله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن للمطلقة ثلاثا وللمتوفي عنها؟ قال: "هي للمطلقة وللمتوفى عنها" وأخرجه أبو يعلي والضياء في المختارة وابن مردويه وفي إسناده المثنى بن الصباح وثقة ابن معين وضعفه الجمهور فرجع وقد أخرج ابن ماجه عن الزبير بن العوام أنها كانت عنده أم كثلوم بنت عقبة فقالت له: وهي حامل طيب نفسي بتطليقة فطلقها ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت فقال: مالها خدعتني خدعها الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: "سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها" ورجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به وقد تمسك بعض الصحابة بالآيتين فجعل عليها أطول الأجلين فقال: إذا وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر لم تنقض العدة حتى تضع وبه قال جماعة من أهل العلم والحق أن عدة الحامل بالوضع في الطلاق والوفاة للأدلة التي ذكرناها وهي نصوص في محل النزاع ومبينة للمراد وأما كون غير المدخولة لا عدة عليها فلقوله تعالى في غير الممسوسات: ﴿فَمَا

стр. 244

لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] وأما كون عدة الأمة كالحرة فلحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" أخرجه الترمذي وأبو داود والبيهقي قال: فيه أبو داود وهو حديث مجهول وقال: الترمذي حديث غريب ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لايعرف له في العلم غير هذا الحديث انتهى. وأخرج ابن ماجه والدارقطني ومالك في المؤطا والشافعي من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان" وفي إسناده عمرو بن شعيب وعطية العوفي وهما ضعيفان وصحح الدارقطني أنه موقوف على ابن عمر وأخرج أحمد عن علي نحو ذلك وإذا كان الصحيح الوقف فيما عدا حديث عائشة فلم يكن بالباب ما تقوم به الحجة لأن حديث عائشة ضعيف كما عرفت فوجب الرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة المشتملة على تفصيل العدد وهي غير مختصة بالحرائر وأما كون على المعتدة للوفاة ترك التزين فلحديث أم سلمة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا" وفي الباب عن أم حبيبة وزنيب بنت حجش في الصحيحين وغيرهما فيهما أيضا من حديث أم سلمة أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله ﷺ فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا تكتحل كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر" وفي الصحيحين من حديث أم عطية قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا

стр. 245

من حيضها في نبذة من كست أظفار" وفي الباب أحاديث وقد روى ما يعرض هذه الأحاديث فأخرج أحمد وابن حبان وصححه من حديث أسماء بنت عميس قالت: دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب فقال: لا تحدي بعد يومك هذا" وهي كانت امرأته بالإتفاق وقد أجيب بأنه حديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد وقع الإجماع على خلافه وقيل إنه منسوخ وقد أعله البيهقي بالإنقطاع وهذه الأحاديث المؤقتة في الإحداد بأربعة أشهر وعشر هي في غير الحامل وأما هي فعليها ذلك حتى تنقضي عدتها بالوضع وأما كون عليها المكث في البيت الذي كانت فيه إلخ فلحديث فريعة١ بنت مالك عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت له إن نعي زوجي أتاني وأنا في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له فلو تحولت إلى دور أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني قال: تحولي فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتدت أربعة أشهر وعشرا" وفي بعض ألفاظه أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته فأخذ به وقد أعل هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به وأخرج النسائي وأبو داود وغزاه المنذري إلى البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله عليها من الربع والثمن ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا وقد ذهب إلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم وقد روى جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم

стр. 246

وقد روى جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة لا سيما إذا عارضت المرفوع وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلا أن رجالا استشهدوا بأحد فقال: نساؤهم يا رسول الله إنا نستوحش في بيوتنا افنبيت عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوى كل واحدة إلى بيتها وهذا مع إرساله لا تقوم به الحجة.

стр. 247

فصل في الترهيب في وطء السبايا ويحب استبراء الأمة المسبية والمشتراه ونحوهما بحيضة إن كانت حائضا والحامل بوضع الحمل ومنقطعة الحيض حتى يتبين عدم حملها ولا تستبرأ بكر ولاصغيرة ولا يلزم البائع ونحوه. أقول: أما المسبية فلما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاوس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" لما أخرجه مسلم وغيره أن النبي ﷺ هم أن يعلن الذي أراد وطء امرأة حامل من السبى لعنة تدخل معه قبره" وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" وأخرج ابن أبي شيبة من حديث علي قال: "نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل ختى تضع ولا توطأ حائل حتى تستبرئ بحيضة" وفي إسناده ضعف وانقطاع وأخرج أحمد والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره" وفي إسناده بقية وحجاج بن أرطأة وهما مدلسان وهو يشمل المسبية وغيرهما كالمشتراه والموهوبة وكذلك حديث رويفع بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم

стр. 248

الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن أبي شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه وهو كما يتناول الحامل المشتراة ونحوها كذلك يتناول من يجوز حملها من الغير كائنا من كان لأن العلة كونه يسقس ماءه ولد غيره وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وقال:"لا تسق ماءك زرع غيرك" وأصله في النسائي وأخرج البخاري عن ابن عمر "إذا وهبت الوليدة أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء" ويدل على استبراء المشتراة التي هي حامل أو التي جوز حملها الأدلة الواردة في المسبية لأن العلة واحدة وأما العذراء والصغيرة فليستا ممن يصدق تلك العلة وإن كان حمل البالغة العذراء ممكنا مع بقاء البكارة ولكنه في غاية الندرة فلا اعتبار به وأما ما أخرجه البخاري وغيره أن النبي ﷺ بعث عليا إلى اليمن ليقبض الخمس فاصطفى على منه سبية فأصبح وقد اغتسل ثم بلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينكره" بل قال: في بعض الروايات لنصيب على أفضل من وصيفة فيحمل على أنها كانت صغيرة أو بكرا جمعا بين الأدلة وأنه قد كان مضى لها من وقت من السبى ما تبين به أنها غير حامل وأما كون منقطعة الحيض تستبرأ حتى يتبين عدم حملها فلأنه لا يمكن العلم بعدم الحمل إلا بذلك إذ لا حيض بل المفروض أنه منقطع لعارض أو أنها ضهيأ، وأما من قد بلغت سن اليأس من المحيض قفد صار حملها مأيوسا كحيضها ولا اعتبار بالنادر. وأما كونه لا استبراء على البائع فلعدم الدليل على ذلك لا بنص ولا بقياس صحيح بل هو محض رأي.

стр. 249

باب ما جاء في النفقة تجب على الزوج للزوجة والمطلقة رجعيا ولا بائنا ولا في عدة الوفاة فلا نفقة ولا سكنى إلا أن يكون حاملين وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر والعكس وعلى السيد لمن يملكه ولا تجب على القريب لقربيه إلا من باب صلة الرحم ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه. أقول: أما وجوبها على الزوج للزوجة فلا أعرف في ذلك خلافا وقد أوجبها القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥] وقد قرر دلالة هذه الآية على المطلوب الموزعي في تفسيره المسمى ببدر التمام في الآيات والأحكام ولحديث إذنه ﷺ لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف" وهو في الصحيحين وغيرهما ولقوله ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على الزوج " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت" وهو عند أهل السنن وغيرهم. وأما وجوبها للمطلقة رجعيا فلحديث فاطمة بنت قيس أنه قال لها ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" أخرجه أحمد والنسائي وفي لفظ لأحمد: "فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" وفي إسناده مجالد بن سعيد وقد توبع وأعل بالوقف ولكن الرفع زيادة مقبولة إذا صح مخرجها أو حسن وقد أثبت لها القرآن السكنى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ويستفاد من النهي عن الاخراج

стр. 250

وجوب النفقة مع السكنى ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] ويدل على وجوب النفقة قوله: تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٤١] وقوله تعالى في آخر الآية الأولى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] وهو الرجعة وكان ذلك في الرجعية. وأما البائنة فلا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم ﵀ وغيره عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا "لا نفقة لها ولا سكنى" وفي الصحيحين وغيرهما عنها أنها قالت: "طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى" وقد صح حديثها بلا نزاع وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أنه قال لها رسول الله ﷺ : "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا " وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث وقال: عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت وقد قالت: فاطمة حين بلغها ذلك بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] حتى قال: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] فأي أمر يحدث بعد الثلاث وقد ذهب إلى عدم وجوب النفقة والسكنى للبائنة أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم وحكاه في البحر عن ابن عباس والحسن البصري وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي والإمامية والقاسم وذهب الجمهور إلى أنه لا نفقة لها ولها السكنى لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] وقد تقدم ما يدل على أنها في الرجعية وذهب عمر بن الحطاب وعمر بن عبد العزيز والثورى وأهل الكوفة والناصر والإمام يحيى إلى وجوب النفقة والسكنى. وأما عدم وجوبها لمن في عدة الوفاة فلعدم وجود دليل يدل على ذلك في غير الحامل ولا سيما بعد قوله: ﷺ "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" ويؤيده أيضا في تعليل الآية المتقدمة بقوله: تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾
следующие страницы →