← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد روى جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة لا سيما إذا عارضت المرفوع وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلا أن رجالا استشهدوا بأحد فقال: نساؤهم يا رسول الله إنا نستوحش في بيوتنا افنبيت عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوى كل واحدة إلى بيتها وهذا مع إرساله لا تقوم به الحجة.

стр. 247

فصل في الترهيب في وطء السبايا ويحب استبراء الأمة المسبية والمشتراه ونحوهما بحيضة إن كانت حائضا والحامل بوضع الحمل ومنقطعة الحيض حتى يتبين عدم حملها ولا تستبرأ بكر ولاصغيرة ولا يلزم البائع ونحوه. أقول: أما المسبية فلما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاوس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" لما أخرجه مسلم وغيره أن النبي ﷺ هم أن يعلن الذي أراد وطء امرأة حامل من السبى لعنة تدخل معه قبره" وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" وأخرج ابن أبي شيبة من حديث علي قال: "نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل ختى تضع ولا توطأ حائل حتى تستبرئ بحيضة" وفي إسناده ضعف وانقطاع وأخرج أحمد والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره" وفي إسناده بقية وحجاج بن أرطأة وهما مدلسان وهو يشمل المسبية وغيرهما كالمشتراه والموهوبة وكذلك حديث رويفع بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم

стр. 248

الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن أبي شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه وهو كما يتناول الحامل المشتراة ونحوها كذلك يتناول من يجوز حملها من الغير كائنا من كان لأن العلة كونه يسقس ماءه ولد غيره وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وقال:"لا تسق ماءك زرع غيرك" وأصله في النسائي وأخرج البخاري عن ابن عمر "إذا وهبت الوليدة أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء" ويدل على استبراء المشتراة التي هي حامل أو التي جوز حملها الأدلة الواردة في المسبية لأن العلة واحدة وأما العذراء والصغيرة فليستا ممن يصدق تلك العلة وإن كان حمل البالغة العذراء ممكنا مع بقاء البكارة ولكنه في غاية الندرة فلا اعتبار به وأما ما أخرجه البخاري وغيره أن النبي ﷺ بعث عليا إلى اليمن ليقبض الخمس فاصطفى على منه سبية فأصبح وقد اغتسل ثم بلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينكره" بل قال: في بعض الروايات لنصيب على أفضل من وصيفة فيحمل على أنها كانت صغيرة أو بكرا جمعا بين الأدلة وأنه قد كان مضى لها من وقت من السبى ما تبين به أنها غير حامل وأما كون منقطعة الحيض تستبرأ حتى يتبين عدم حملها فلأنه لا يمكن العلم بعدم الحمل إلا بذلك إذ لا حيض بل المفروض أنه منقطع لعارض أو أنها ضهيأ، وأما من قد بلغت سن اليأس من المحيض قفد صار حملها مأيوسا كحيضها ولا اعتبار بالنادر. وأما كونه لا استبراء على البائع فلعدم الدليل على ذلك لا بنص ولا بقياس صحيح بل هو محض رأي.

стр. 249

باب ما جاء في النفقة تجب على الزوج للزوجة والمطلقة رجعيا ولا بائنا ولا في عدة الوفاة فلا نفقة ولا سكنى إلا أن يكون حاملين وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر والعكس وعلى السيد لمن يملكه ولا تجب على القريب لقربيه إلا من باب صلة الرحم ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه. أقول: أما وجوبها على الزوج للزوجة فلا أعرف في ذلك خلافا وقد أوجبها القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥] وقد قرر دلالة هذه الآية على المطلوب الموزعي في تفسيره المسمى ببدر التمام في الآيات والأحكام ولحديث إذنه ﷺ لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف" وهو في الصحيحين وغيرهما ولقوله ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على الزوج " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت" وهو عند أهل السنن وغيرهم. وأما وجوبها للمطلقة رجعيا فلحديث فاطمة بنت قيس أنه قال لها ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" أخرجه أحمد والنسائي وفي لفظ لأحمد: "فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" وفي إسناده مجالد بن سعيد وقد توبع وأعل بالوقف ولكن الرفع زيادة مقبولة إذا صح مخرجها أو حسن وقد أثبت لها القرآن السكنى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ويستفاد من النهي عن الاخراج

стр. 250

وجوب النفقة مع السكنى ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] ويدل على وجوب النفقة قوله: تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٤١] وقوله تعالى في آخر الآية الأولى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] وهو الرجعة وكان ذلك في الرجعية. وأما البائنة فلا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم ﵀ وغيره عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا "لا نفقة لها ولا سكنى" وفي الصحيحين وغيرهما عنها أنها قالت: "طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى" وقد صح حديثها بلا نزاع وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أنه قال لها رسول الله ﷺ : "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا " وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث وقال: عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت وقد قالت: فاطمة حين بلغها ذلك بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] حتى قال: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] فأي أمر يحدث بعد الثلاث وقد ذهب إلى عدم وجوب النفقة والسكنى للبائنة أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم وحكاه في البحر عن ابن عباس والحسن البصري وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي والإمامية والقاسم وذهب الجمهور إلى أنه لا نفقة لها ولها السكنى لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] وقد تقدم ما يدل على أنها في الرجعية وذهب عمر بن الحطاب وعمر بن عبد العزيز والثورى وأهل الكوفة والناصر والإمام يحيى إلى وجوب النفقة والسكنى. وأما عدم وجوبها لمن في عدة الوفاة فلعدم وجود دليل يدل على ذلك في غير الحامل ولا سيما بعد قوله: ﷺ "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" ويؤيده أيضا في تعليل الآية المتقدمة بقوله: تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾

стр. 251

[الطلاق:١] وهو الرجعة ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر ويفيده أيضا مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] وهو أيضا يدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي أو البائن أو الوفاة وكذلك يدل على ذلك قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس "لا نفقة لك إلا تكوني حاملا" وقد روى البيهقي عن جابر يرفعه في الحامل المتوفى عنها قال: "لانفقة لها" قال: ابن حجر ورجاله ثقات لكن قال: البيهقي المحفوظ وقفه ولوصح رفعه لكان نصا في محل النزاع وينبغي أن يقيد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة بما تقدم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلغها موت زوجها وهي فيه فإن ذلك يفيد أنها إذا كانت في بيت الزوج بقيت فيه حتى تنقضي العدة ويكون ذلك جمعا بين الأدلة من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام فلا إشكال. وأما كونها تجب للولد على والده الموسر فلحديث هند بنت عتبة المتقدم ويؤيده ما تقدم في الفطرة من وجوبها على الرجل ومن يمون. وأما وجوب نفقة الوالد على ولده الموسر فلأن النقفة هي أقل ما يفيده قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الجاورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديث "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه فكلوا من أموالهم" أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم ويؤيد ذلك حديث "من أبر يا رسول الله؟ قال: "أمك" قال: ثم من قال: "أمك" قال: ثم من قال: "أباك" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. وأما وجوب النفقة على السيد لمن يملكه فلحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال:"للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل مالا يطيق" وحديث "فليطعمه مما يأكل ويلسبه مما يلبس" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ذر.

стр. 252

وأما كونها لا تجب نفقة سائر القرابة إلا من باب صلة الرحم فلعدم ورود دليل يخص ذلك بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة والرحم المحتاج إلى نفقة أحق الأرحام بالصلة وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] وأما كون من تجب نفقته تجب كسوته وسكناه فلما يستفاد من الآيات القرانية والأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها.

стр. 253

باب ما جاء في الرضاع إنما يثبت حكمه بخمس رضعات من تيقن وجود اللبن وكون الرضيع قبل الفطام ويحرم به ما يحرم من النسب ويقبل قول المرضعة ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر. أقول: أما كون الرضاع لا يثبت إلا بخمس رضعات فلحديث عائشة عند مسلم وغيره أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس رضعات فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن" وللحديث طرق ثابتة في الصحيح ولا يخالفه حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان" أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن وكذلك حديث أم الفضل عند مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان والأملاجة والأملاجتان" وأخرج نحوه أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير لأن غاية ما في هذه الأحاديث أن المصة والمصتين والرضعة والرضعتين والإملاجة والأملاجتين لا يحرمن وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا وهو لا يخالف حدييث الخمس الرضعات لأنها تدل على أن ما دون الخمس لا يحرمن وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما وهو أن يحرم مازاد على الرضعة والرضعتين فهو مدفوع لحديث الخمس وهي مشتملة على زيادة فوجب قبولها والعمل بها ولا سيما عند قول من يقول إن بناء الفعل على المنكر يفيد التخصيص والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره لغير

стр. 254

عارض وقد ذهب إلى اعتبار الخمس ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وابن حزم وجماعة من أهل العلم وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضي التحريم وإن قل. وأما اعتبار تيقن وجود اللبن فلأنه سبب ثبوت حكم الرضاع فلو لم يكن وجوده معلوما وارتضاع الصبي معلوما لم يكن لإثبات حكم الرضاع وجه مسوغ. وأما اعتبار كون الرضيع قبل الفطام فلحديث أم سلمة عند الترمذي وصححه والحاكم أيضا وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي وابن عدي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "لارضاع إلا ماكان في الحولين" وقد صحح البيهقي وقفه ورحجه ابن عدي وابن كثير وأخرج أبو داود الطيالسي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام" وقد قال المنذري أنه لا يثبت وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: "لما دخل على رسول الله ﷺ وعندي رجل فقال: من هذا قلت أخي من الرضاعة قال: يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة". وأما كونه يحرم به ما يحرم من النسب فقد تقدم الاستدلال عليه فيمن يحرم نكاحه من كتاب النكاح. وأما كونه يقبل قول المرضعة فلما أخرجه البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحارث "أنه تزوح أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عنى قال: فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: " وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما فنهاه " وفي لفظ "دعها عنك" وهو في الصحيح وفي لفظ آخر "كيف وقد قيل ففارقها عقبة " وقد

стр. 255

ذهب إلى ذلك عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق والأوزعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وروى عن مالك. وأما كونه يجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر فلحديث زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة "إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت: عائشة مالك في رسول الله أسوة حسنه" وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: "يارسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه حتى يدخل عليك" أخرجه مسلم وغيره وقد أخرجه مسلم وغيره وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة وقد روى هذا الحديث من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة ورواه من التابعين جماعة كثيرة ثم رواه عنهم الجمع الجم وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن عيينة وداود الظاهري وابن حزم وهو الحق وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك.

стр. 256

باب الحضانة ... باب ماجاء في الحضانة الأولى بالطفل أمه مالم تنكح ثم الخالة ثم الأب ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيهم صلاحا وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه فإن لم يوجد أكفله من كان له في كفالته مصلحة. أقول: أما الأم فلحديث عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يارسول الله إن ابني هذا كانت بطني له وعاء وحجري له حواء وثديى له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: "أنت أحق به مالم تنكحي" أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه وقد وقع الإجماع على أن الأم أولى من الأب وحكى ابن المنذر الاجماع على أن حقها يبطل بالنكاح وقد روى عن عثمان أنه لا يبطل بالنكاح وإليه ذهب الحسن البصري وابن حزم واحتجوا ببقاء ابن أم سلمة في كفالتها بعد أن تزوجت بالنبي ﷺ ويجاب عن ذلك بأن مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يحتج به لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها واحتجوا أيضا بما سيأتي في حديث ابنة حمزة فإن النبي ﷺ قضى بأن الحق لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقد قال: الخالة بمنزلة الأم ويجاب عن هذا بأنه لا يدفع النص الوارد في الأم ويمكن أن يقال: إن هذا يكون دليلا على ماذهبت إليه الحنفية والهادوية من أن النكاح إذا كان بمن هو رحم للصغير فلا يبطل به الحق ويكون حديث ابنة حمزة مقيدا لقوله: ﷺ : "مالم تنكحي". وأما كون الخالة أولى بعد الأم ممن عداها فلحديث البراء بن عازب في الصحيحين وغيرهما أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي:

стр. 257

أنا أحق بها هي ابنة عمي وقال: جعفر بنت عمي وخالتها تحتى وقال: زيد ابنة أخي فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" والمراد بقول زيد ابنة أخي أن حمزة قد كان النبي ﷺ آخي بينهما ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه قد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن فمقتضى التشبيه أن الخالة أقدم من غيرها من غير فرق بين الأب وغيره وقد قيل إن الأب أقدم منها إجماعا وليس ذلك بصحيح والخلاف معروف والحديث يحج من خالفه. وأما إثبات حق الأب في الحضانة فهو وإن لم يرد دليل يخصه لكنه قد استفيد من قوله: ﷺ للأم "أنت أحق به مالم تنكحي" فإن هذا يدل على ثبوت أصل الحق للأب بعد الأم ومن بمنزلتها وهي الخالة وكذلك إثبات التخيير بينه وبين الأم في الكفالة فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة. وأما كونه يعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا فلأنه إذا عدمت الأم والخالة والأب والصبي محتاج إلى من يحضنه بالضرورة والقرابة أشفق به فيعين الحاكم من يقوم بأمره منهم ممن يرى فيه صلاحا للصبي وقد أخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: "إن امرأة عمر بن الخطاب خاصمته إلى أبي بكر في ولد عليها فقال: أبو بكر هي أعطف وألطف وأرحم وأحنى وهي أحق بولدها مالم تتزوج" فهذه الأوصاف تفيد أن أبا بكر ﵁ جعل العلة العطف واللطف والرحمة والحنو. وأما كونه يثبت التخيير للصبي بعد بلوغ سن الاستقلال بين الأم والأب فلحديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي أن النبي ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه" وفي لفظ "أن امرأة جاءت فقالت: يارسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني فقال: رسول الله ﷺ استهما عليه قال: زوجها من يحاقني في ولدي فقال: النبي ﷺ : "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت" فأخذ بيد أمه فانطلقت به" أخرجه أهل السنن وابن أبي شيبة وصححه الترمذي وابن حبان

стр. 258

وابن القطان وأخرج أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والدارقطني من حديث عبد الحميد ابن جعفر الأنصاري عن جده أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن صغير له لم يبلغ قال: فأجلس النبي ﷺ الأب هاهنا والأم ههنا ثم خيره وقال: اللهم اهده فذهب إلى أبيه. وأما كونه يكلفه من كان له في كفالته مصلحة إذا لم يوجد فلكونه محتاجا إلى ذلك ولم يوجد من له في ذلك حق بنص الشرع فكانت المصلحة معتبرة في مصلحة ابنه كما اعتبرت في ماله وقد دلت على ذلك الأدلة الواردة في أموال اليتامى من الكتاب والسنة.

стр. 259

كتاب البيع البيع ... كتاب البيع المعتبر فيه مجرد التراضي ولو بإشارة من قادر على النطق ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب والسنور والدم وعسب الفحل وكل حرام وفضل الماء وما فيه غرر كالسمك في الماء وحبل الحبلة والمنابذة والملامسة وما في الضرع والعبد الآبق والمغانم حتى تقسم والثمر حتى يصلح والصوف في الظهر والسمن في اللبن والمحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخاضرة والعربون والعصير إلى من يتخذه خمرا والكالئ بالكالئ وما اشتراه قبل قبضه والطعام حتى يجري فيه الصاعان ولا يصح الاستثناء في البيع إلا إذا كان معلوما ومنه استثناء المبيع ولا يجوز التفريق بين المحارم ولا أن يبيع حاضرلباد والتناجش والبيع على البيع وتلقي الركبان والاحتكار والتسعير ويجب وضع الجوائح ولا يحل سلف وبيع ولاشرطان في بيع ولا بيعتان في بيعة وربح مالم يضم وبيع ماليس عند البائع ويجوز بشرط عدم الخداع والخيار في المجلس ثابت مالم يتفرقا. أقول: أما كون المعتبر مجرد التراضي ولو بإشارة من قادر على النطق فلكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة وأنه لا يجوز البيع بغيرها ولا يفيدهم ماورد في الروايات من نحو بعتك وبعت منك فإنا لا ننكر أن البيع يصح ذلك وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها ولم يرد في ذلك شيء وقد قال الله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء:٢٩] فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية بأي لفظ وقع وعلى أي صفة كان وبأي إشارة مفيدة حصل وقال ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" فإذا وجدت طيبة النفس مع التراضي فلا يعتبر غير ذلك.

стр. 260

وأما كونه لا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما أنه سمع ﷺ يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". وأما عدم جواز بيع الكلب والسنور فلما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب" وفيهما من حديث أبي جحيفة نحوه وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور" وأخرج النسائي باسناد رجاله ثقات قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد. وأما الدم فلحديث أبي جحيفة في الصحيحين قال: إن رسول الله حرم ثمن الدم. وأما عسب الفحل وهو ماء الفحل يكريه صاحبه لينزي به فلما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن ثمن عسب الفحل" ومثله مافي صحيح مسلم من حديث جابر وفي الباب أحاديث ورخص في الكرامة وهي ما يعطى على عسب الفحل من غير شرط شيء عليه كذا في الحجة. وأما الحرام فلما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر قيل يارسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا وهو حرام" ثم قال: "قاتل الله اليهود إن شاء الله لما حرم شحومها جملوه١ ثم باعوه فأكلوا ثمنه" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن

стр. 261

عباس أن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه". وأما فضل الماء فلحديث أياس بن عبدة أن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء" رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وقال: القشيري هو على شرط الشيخين ولحديث جابر عند مسلم وأحمد وابن ماجه بنحوه وقد ورد مقيدا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ" وفي لفظ "لا يباع الماء ليمنع به الكلأ" وهو في مسلم. وأما مافيه غرر فلحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر" وأخرج أحمد من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر" وفي إسناده يزيد ابن أبي زياد وقد رجح البيهقي وقفه ولكنه داخل في بيع الغرر. وأما حبل الحبلة فلنهيه ﷺ عن ذلك كما في مسلم وغيره من حديث ابن عمر وفي الصحيحين كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت فنهاهم ﷺ عن ذلك وقد قيل إنه بيع ولد الناقة الحامل في الحال وقيل بيع ولد ولدها كما في الرواية وقد ورد النهي عن شراء ما في بطون الأنعام كما في حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه والبزار والدارقطني وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه ضعف. وأما المنابذة والملامسة فلحديث أبي سعيد في الصحيحين قال: نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة في البيع" والملامسة يلمس ثوب الآخر بيده بالليل والنهار ولا يقلبه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض كذا في الرواية وفي الباب عن أنس عند البخاري ومسلم.

стр. 262

وأما ما في الضرع والعبد الآبق والمغانم والثمرة حتى تصلح والصوف في الظهر والسمن في اللبن فلحديث أبي سعيد ﵁ المتقدم في النهي عن شراء مافي بطون الأنعام فإن فيه النهي عن بيع ما في ضروعها وعن شراء العبد الآبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وقد ورد النهي عن بيع المغانم حتى تقسم من حديث ابن عباس عند النسائي ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وقد روى النهي عن بيع الثمر حتى يطعم والصوف على الظهر واللبن في الضرع والسمن في اللبن من حديث ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عمر بن فروح وقد وثقه يحيى بن معين وغيره وأحاديث النهي عن بيع الغرر تشد من عضد جميع ما في هذه الروايات لأن الغرر يصدق على جميع هذه الصور وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع" وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي هريرة وفي الصحيحين من حديث أنس نحوه. وأما المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخاضرة فلحديث أنس عند البخاري قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة والملامسة والمزابنة" وفي الصحيحين من حديث جابر قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة" وفي الباب أحاديث المحاقلة بيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد والجميع بيع غرر وجهالة والمخاصرة بيع الثمرة خضراء قبل بدو صلاحها. وأما بيع العربون فلما أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع العربون" وبيع العربون هو أن يعطي المشتري درهما أو نحوه قبل البيع على أنه إذا ترك الشراء كان الدرهم للبائع بغير شيء ولا يعارض هذا ما أخرجه عبد الرازق في مسنده عن زيد بن أسلم أنه سئل النبي ﷺ عن العربون في البيع فأجاوه لأن في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف وأيضا الحديث مرسل.

стр. 263

وأما بيع العصير إلى من يتخذ خمرا فلحديث "لعن الله بائع الخمر وشاربها ومشتريها وعاصرها" وأخرجه الترمذي وابن ماجه ورجاله ثقات من حديث أنس وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه وأبو داود وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وقد قيل إنه غير معروف وقيل إنه معروف وهو من أمراء الأندلس وصحح الحديث ابن السكن وأخرج الطبراني في الأوسط عن بريدة مرفوعا "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة" وإسناده حسن وفي الباب أحاديث. وأما بيع الكالئ بالكالئ أي المعدوم بالمعدوم فلحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم وصححه أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن بيع كاليء بكاليء دين بدين" وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف وقد قال: أحمد فيه لا تحل الرواية عنه عندي ولا أعرف هذا الحديث عن غيره وقال: ليس في هذا أيضا حديث صحيح ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين انتهى وتقوية الأحاديث الواردة في اشتراط التقابض كحديث "إذا كان يدا بيد" وهو في الصحيح وحديث "مالم يتفرقا وبينكما شيء". وأما بيع ما اشتراه قبل قبضه فلحديث جابر عند مسلم وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه" وأخرج مسلم أيضا وغيره قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حتى تستوفى" وأخرج أحمد من حديث حكيم ابن حزام أن النبي ﷺ قال: له "إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه١" وفي إسناده العلا ابن خالد الواسطي وأخرج أبو داود والدارقطني والحاكم وابن حبان وصححاه من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم" وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.

стр. 264

وأما كونه لا يصح الاستنثاء في المبيع إلا إذا كان معلوما فلحديث جابر عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثنيا" وزاد النسائي والترمذي وابن حبان وصححاه إلا إن يعلم والمراد أن يبيع شيئا ويستثني منه شيئا مجهولا إلا إذا كان معلوما فيصح ومن الثنيا المعلومة استثنى جابر لظهر جملة إلى المدينة بعد أن باعه من النبي ﷺ وهو في الصحيحين وغيرهما من حديثه. وأما كونه لا يجوز التفريق بين المحارم فلحديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" وأخرج أحمد والترمذي والدارقطني والحاكم وصححه وحديث علي أمرني النبي ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما فذكرت ذلك له فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعمها إلا جمعيا" وأخرجه أحمد وقد صححه ابن خزيمة وابن الجاورد وابن حبان والحاكم وغيرهم حديث أبي موسى قال: لعن رسول الله ﷺ : "من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه" أخرجه ابن ماجه والدارقطني ولا بأس بإسناده وحديث علي أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك ورد البيع" أخرجه أبو داود والدارقطني والحاكم وصححه وقد أعل بالانقطاع وفي الباب أحاديث وقد قيل إنه مجمع على ذلك وفيه نظر١. وأما بيع الحاضر للباد فلحديث ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن يبع حاضر لباد" أخرجه البخاري وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" وفي الصحيحين من حديث أنس قال: "نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه لأبيه وأمه". وأما التناجس وهو الزيادة في ثمن السلعة مواطأة لرفع ثمنها فلحديث

стр. 265

أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ نهى عن أن يبيع حاضر لباد وأن تناجشوا" وفيهما من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن النجش". وأما البيع على البيع فلحديث ابن عمر عند أحمد والنسائي أن النبي ﷺ قال: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه" وهو في الصحيحين أيضا بنحو ذلك وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه" وقد ورد أن من باع من رجلين فهو للأول منهما" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم. وأما تلقي الركبان فلحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: نهى النبي ﷺ أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق" وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: نهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع" وفيهما أيضا نحو ذلك من حديث ابن عمر وابن عباس. وأما الاحتكار فلحديث ابن عمر عند أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلي مرفوعا: "من أحتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وفي إسناده أصبغ بن عبد زيد وفيه مقال: وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا: "لا يحتكر إلا خاطئ" وأخرج نحوه أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة. وأما التسعير فلحديث أنس عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي والبزار وأبي يعلى أن السعر غلا على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله سعر لنا فقال: " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال" وصححه ابن حبان والترمذي وفي الباب أحاديث. وأما ووضع الجوائح فلحديث جابر أن النبي ﷺ وضع الجوائح" أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود وأخرجه أيضا مسلم ﵀ بلفظ: "أمر

стр. 266

بوضع الجوائح" وفي لفظ لمسلم وغيره "إن كنت بعت من أخيك ثمرا فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك" وفي الباب عن عائشة في الصحيحين وعن انس فيهما أيضا وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة والليث وسائر الكوفيين. وأما كونه لايحل سلف وبيع وشرطان في بيع فلحديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: " لايحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولاربح مالم يضمن ولاتبع ماليس عندك" أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والترمذي وصححه وكذلك صححه ابن خزيمة والحاكم والمراد بالسلف هنا القرض قال: مالك هو أن يقرضه قرضا ثم يبايعه عليه يزداد عليه وهو فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن وقد يكون السلف بمعنى السلم وذلك مثل أن يقول أبيعك عبدي هذا بألف على أن تسلفني ماله في كذا وكذا والشرطان في بيع أن يقول بعتك هذا بألف إن كان نقدا وبألفين إن كان سيئة وقيل هو أن يقول بعتك ثوبي بكذا وعلى قصارته وخياطته. وأما البيعتان في بيعة فلحديث أبي هريرة عند احمد والنسائي وأبي داود والترمذي وصححه "أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة" ولفظ أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا" وأخرجه احمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: "نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة" قال: سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسئ كذا وبنقد كذا ورجاله رجال الصحيح وما ذكره سماك هو معنى البيعتين في بيعة وقد تقدم تفسير الشرطين في بيع مثل هذا وليس بصحيح بل المراد بالشرطين في بيعه أن البيع واحد شرط فيه شرطان وهنا البيع البيعان. وأما ربح مالم يضمن فلما تقدم في دليل لايحل سلف وبيع وهو ان يبيع شيئا لم يدخل في ضمانه كالبيع قبل القبض. وأما بيع ماليس عند البائع فلحديث حكيم بن حزام قال: قلت يارسول

стр. 267

الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي أبيعه منه ثم ابتاعه من السوق فقال: لا تبع ماليس عندك" أخرجه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والمراد بقوله: ماليس عندك ماليس في ملكك وقدرتك. وأما كونه يجوز شرط عدم الخداع فلحديث ابن عمر في الصحيحين قال: "ذكر رجل لرسول الله أنه يخدع في البيوع فقال: "من بايعت فقل لا خلابة" وفي الباب أحاديث والخلابة الخديعة وظاهره أن من قال بذلك ثبت له الخيار سواء غبن أو لم يغبن. وأما كون الخيار في المجلس ثابتا مالم يفترقا فلحديث حكيم بن حزام في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار مالم يفترقا" وفيهما أيضا نحوه من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى إثبات خيار المجلس جماعة من الصحابة منهم علي وأبو برزة الأسلمي وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم ومن التابعين شريح والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة نقل ذلك عنهم البخاري ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريح وغيرهم وبالغ ابن حزم فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين إلا النخعي وحده ونقل صاحب البحر ذلك عن الصادق والباقر وزين العابدين وأحمد بن عيسى والناصر والإمام يحيى وحكاه أيضا عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وذهب الحنفية والمالكية وغيرهم إلى أنها إذا وجبت الصفقة فلا خيار والحق القول الأول.

стр. 268

باب ما جاء في الربا يحرم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل يدا بيد وفي إلحاق غيرها بها خلاف فإن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي وإن صحبه غيره ولا بيع الرطب بما كان يابسا إلا لأهل العرايا ولا بيع اللحم بالحيوان ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه ولا يجوز بيع العينة. أقول: الستة الأجناس المذكورة هي المنصوص عليها في الأحاديث كحديث أبي سعيد بلفظ: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء". وهو في الصحيح وسائر الأحاديث في الصحيحين وغيرهما هكذا ليس فيها إلاذكر الستة الأجناس وقد اختلف في الإلحاق هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة غيرها فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء مع الإتفاق في الجنس وتحريم النساء فقط مع الإختلاف في الجنس والإتفاق في العلة فقالت: الظاهرية أن لا يلحق بها غيرها وذهب من عداهم إلى أنه يلحق بها مايشاركها في العلة واختلفوا في العلة ما هي فقيل الاتفاق في الجنس والطعم وقيل الجنس والتقدير بالكيل والوزن والإقتيات وقيل الجنس ووجوب الزكاة وقد استدل لمن قال: بالإلحاق بما أخرجه الدارقطني والبزار من حديث عبادة وأنس أن النبي ﷺ قال: "ماوزن فمثل

стр. 269

بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان فلا بأس به" وقد أشار إلى هذا الحديث صاحب التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقة أبو زرعة وغيره وضعفه جماعة وهذا الحديث كما يدل على إلحاق غير الستة بها كذلك يدل على أن العلة الاتفاق في الكيل والوزن مع اتحاد الجنس ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس حديث ابن عمر في الصحيحين قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن: كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله" وفي لفظ لمسلم وعن كل ثمر يخرصه" فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب ورواية مسلم تدل على أعم من ذلك ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في المؤطأ عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان" وأخرجه أيضا الشافعي وأبو داود في المراسيل ووصله الدارقطني في الغرائب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه وصوب الرواية المرسلة وتبعه ابن عبد البر وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار وفي إسناد ثابت بن زهير وهو ضعيف وأخرجه أيضا من رواية أبي أميمة بن أبي يعلي عن النافع أيضا وأبو أمية ضعيف وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عند الترمذي في رخصة العرايا وفيه عن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمرة يخرصه ومما يدل على أن المعتبر الإتفاق في الوزن حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم بلفظ "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء". وأخرج أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل" وعند مسلم والنسائي وأبي داود من حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن" ومما ورد في اعتبار الكيل حديث ابن عمر

стр. 270

المتقدم، وفيه "وإن كان كرما أن تبيعه بزبيب كيلا" ومما سيأتي قريبا من النهي عن بيع الصبرة لا يعلم كيلها. وأما جواز التفاضل مع اختلاف الأجناس فلما ثبت في الصحيح من حديث عبادة صامت عن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" وفي الباب أحاديث. وأما كونه يعتبر العلم بالتساوي فلما وقع في الأحاديث الصحيحة من قوله: "مثلا بمثل سواء بسواء وزنا بوزن" فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمساواة والمماثلة ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم وغيره قال: نهى رسول الله ﷺ بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر" فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع إلا بعد العلم. وأما كونه لا تأثير لمصاحبة شيء آخر لأحد المثلين فلحديث فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره قال: "اشتريت قلادة يوم خبير باثنى عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثنى عشر دينار فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل" وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب وقال: به الشافعي وأحمد وإسحاق وذهب جماعة منهم الحنفية والهدوية إلى جواز التفاضل مع مصاحبة شيء شيء آخر إذا كانت الزيادة مساوية لما قابلها. وأما كونه لا يجوز بيع الرطب بما كان يابسا فلحديث ابن عمر المتقدم في النهي عن أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيع بزبيب كيلا وكذلك حديث رافع بن خديج وسهل ابن أبي حثمة المتقدمان. وأما جواز ذلك لأهل العرايا فلحديث زيد ابن ثابت عند البخاري وغيره:

стр. 271

أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا" وفي لفظ في الصحيحين "رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرأ يأكلونها رطبا" وأخرج أحمد والشافعي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" وفي الباب أحاديث والمراد أن النبي ﷺ رخص للفقراء الذين لا نخل لهم أن يشتروا من أهل النخل رطبا يأكلونه في شجرة بخرصه تمرا والعرايا جمع عرية وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ومن خالف فالأحاديث ترد عليه. وأما المنع من بيع اللحم بالحيوان فلما تقدم قريبا. وأما جواز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه فلحديث جابر عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي قال: "إن النبي ﷺ اشترى عبدا بعبدين" وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه وأخرج مسلم ﵀ أيضا وغيره من حديث أنس أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبى" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أمره أن يبعث جيشا على إبل كانت عنده قال: فحملت الناس عليه حتى نفذت الإبل وبقيت بقية من الناس قال: فقلت يا رسول الله الإبل قد نفذت وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال: لي ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى ينفذ هذا البعث قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ " وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال: وقوى في الفتح إسناده وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن الجاورد من حديث سمرة قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة" وهو من رواية الحسن عن سمرة ولم يسمع منه وقد جمع الشافعي بين الحديثين بأن المراد به النسيئة من الطرفين فيكون ذلك من بيع الكاليء بالكاليء لا من طرف واحد فيجوز.

стр. 272

وأما كونه لايحوز بيع العينة فلحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم البلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم". أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه قال: الحافظ رجاله ثقات والمراد بالعينة بكسر العين المهملة بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن ويدل على المنع من ذلك ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت: لها عائشة بئسما اشتريت وبئسما شريت إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلاأن يتوب" أخرجه الدارقطني وفي إسناده الغلية بنت أيفع وقد روى عن الشافعي أنه لايصح وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده وقد ذهب إلى عدم جواز العينة مالك وأبوحنيفة وأحمد والهدوية وجوز ذلك الشافعي وأصحابه وقد ورد النهي عن العينة من طرق عقد لها البيهقي في سننه بابا.

стр. 273

باب الخيارات يجب على من باع ذا عيب أن يبينه وإلا ثبت للمشترى الخيار والخراج بالضمان وللمشتري الرد بالغرر ومنه المصراة فيردها وصاعا من تمر أو ما يتراضيان عليه ويثبت الخيار لمن خدع أو باع قبل وصول السوق ولكل من المتبايعين بيعا منهيا عنه الرد ومن اشترى شيئا لم يره فله رده إذا رآه وله رد مااشتراه بخيار وإذا اختلف البيعان فالقول ما يقوله: البائع. أقول: أما وجوب بيان العيب على البائع فلحديث عقبة بن عامر عن ابن ماجه والدارقطني والحاكم والطبراني قال: "سمعت رسول الله يقول: "المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلابينه" وقد حسن إسناده الحافظ في الفتح وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك ومن حديث واثلة مرفوعا وفي إسناده أبو جعفر الرازي وأبو سباع والأول مختلف فيه والثاني مجهول وأخرج ابن ماجه والترمذي والنسائي وابن الجاورد والبخاري تعلقيا من حديث العداء ابن خالد قال: "كتب لي النبي ﷺ هذا ماشتراه العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم من المسلم" ويؤيده هذه الأحاديث حديث "من غشنا فليس منا" وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ فدلت هذه الأحاديث على أنه من باع ذا عيب ولم يبينه فقد باع بيعا لا يحل شرعا فيكون المشتري بالخيار إن رضيه فقد أثم البائع وصح البيع لوجود المناط الشرعي وهو

стр. 274

التراضي وإن لم يرضه كان له رده لأن العلم بالعيب كشف عن عدم الرضا الواقع حال العقد فلم يوجد المناط الشرعي ولما ورد في رد المعيب وسيأتي. وأما كون الخراج بالضمان فلحديث عائشة عند أحمد وأهل السنن والشافعي وصححه الترمذي وابن حبان وابن الجاورد والحاكم وابن القطان وابن خزيمة أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان" وفي رواية أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب فقال: البائع غلة عبدي فقال النبي ﷺ : "الغلة بالضمان" والمراد بالخراج الدخل والمنفعة أي يملك المشترى الخراج الحاصل من البيع بضمان الأصل الذي عليه أي بسببه وأما الرد بالغرر فلأن المشتري إنما رضي بالمبيع عند العقد قبل علمه بالغرر فإذا تبين له الغرر كشف عن عدم الرضا الذي هو المناط الشرعي ومن ذلك المصراة فإنه يثبت الخيار فيها لوجود الغرر الكائن بالتصرية وهوحبس اللبن في الضروع ليخيل للمشتري غزارته فيغتر وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" وفي رواية مسلم وغيره "من اشترى مصراة فهو منها بالخيار ثلاثة أيام وإن شاء أمسكها وإن شاء ردها ومعها صاعا من تمر لا سمراء". وأما كونه يجوز رد ما يتراضيان عليه فلأن حق الآدمي مفوض إليه فإذا رضي بأخذ عوض عنه جاز ذلك كما لو رضي بإسقاطه أو بعضه. وأما كونه يثبت بالخيار لمن خدع فإن كان مع شرط عدم الخداع فلا ريب في ذلك لما تقدم من حديث ابن عمر أن رجلا كان يخدع في البيوع فقال له النبي ﷺ من بايعت فقل لا خلابة" وهو في الصحيحين وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل لحيان بن منقذ الذي كان يخدع في البيوع الخيار ثلاثة أيام" كما في حديث ابن عمر في رواية منه وكذلك في حديث غيره وأما إذا لم يشترط فالبيع الذي وقع ليس هو البيع المسلم إلى المسلم بل هو مشتمل على الخبث والخداع

стр. 275

والغائلة فللمخدوع الخيار لكونه كذلك ويكون الخداع كشفا عن عدم الرضا المحقق الذي هو المناط كما تقدم تقريره. وأما كونه يثبت الخيار لمن باع قبل وصول السوق فلحديث أبي هريرة عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره قال: نهى النبي ﷺ أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق١". وأما كونه لكل واحد من المبتايعين الخيار إذا وقع البيع على صورة منهي عنها كتلك الصور المتقدمه فوجهه أن النهى إن كان مقتضيا للفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول فوجود العقد كعدمه وهو غير لازم لواحد منهما فالرد بالخيار هو بمعنى الرد لما هو غير لازم وإن كان النهي غير مقتض للفساد فوقوع العقد على صورة من تلك الصور إن رضيه كل واحد منهما فقد حصل المناط الشرعي وهو الرضا وإن لم يحصل منهما الرضا أو من أحدهما لوقوعه على وجه يخالف الشرع فقدْ فقدَ المناط. وأما كون من اشترى شيئا لم يره فله الرد إذا رآه فلحديث أبي هريرة مرفوعا "من اشترى مالم يره فله الخيار إذا رآه" أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عمر بن إبراهيم الكردي وهو ضعيف ولكنهما أخرجا عن مكحول مرسلا عن النبي ﷺ نحوه وفي إسناده أيضا أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ومثل هذا لا تقوم به الحجة ولكن الخيار في الغالب يمكن الاستدلال عليه بأحاديث النهي عن الغرر فإن مالم يقف الإنسان على حقيقته لايخلو عن نوع غرر سواء كان بعناية البائع أم لا وأيضا لا بد من حصول المناط الشرعي وهو التراضي فإذا لم يرض المشتري بالبيع عند رؤيته فقد الرضا فعدم المصحح. وأما كون له رد ما اشتراه بخيار وذلك نحو يشتري شيئا على أن له فيه الخيار مدة معلومة فلما ورد في الأحاديث الصحيحة الواردة في خيار المجلس

стр. 276

بلفظ كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار بهذا المعنى ولكنه قد اختلف في تفسير بيع الخيار فقيل هذا وقيل غيره ويؤيده ثبوت الشرط ماتقدم من حديث من كان يخدع في البيوع ان النبي ﷺ قال: له إذا بايعت فقل لاخلابة وفي بعض الروايات ولك الخيار ثلاثة أيام وقد تقدم ذلك وأما كونه إذا اختلف البيعان فالقول ما يقوله: البائع فلحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم وابن السكن قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول مايقوله صاحب السلعة أو يترادان" وفي لفظ "والمبيع قائم بعينه" وفي لفظ "إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع" وفي لفظ "ولابينة بينهما" وفي الباب روايات كثيرة قد استوفيتها في شرح المنتقى وحاصلها يفيد أن القول قول البائع وقد قيل أن هذا الحديث مخصص لأحاديث أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين وسيأتي وقيل بينهما عموم وخصوص من وجه وقد اختلف أهل العلم في ذلك اختلافا طويلا.

стр. 277

باب السلم هو أن يسلم رأس المال في مجلس العقد على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم ولايأخذ إلاما سماه أو رأس ماله ولايتصرف قبل قبضه. أقول: السلم هو نوع مخصوص من أنواع البيع فلا يجوز أن يكون المالان مؤجلين لأن ذلك هو بيع الكالئ بالكالئ وقد تقدم المنع منه فلا بد أن يكون رأس المال مدفوعا عند العقد وقد وقع الإتفاق على أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس وقد شرط في السلم جماعة من أهل العلم شروطا لم يدل عليها دليل. وأما اعتبار أن يكون المسلم فيه معلوما والأجل معلوما فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" وأخرج أحمد والبخاري من حديث عبد الرحمن بن أبزي وعبد الله بن أبي أوفى قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى وقيل أكان لهم زرع أو لم يكن قالا ماكنا نسألهم عن ذلك" وفي لفظ لأحمد وأهل السنن إلا الترمذي وما نراه عندهم. وأما كونه لا يأخذ إلا ما سماه أو رأس المال فلحديث ابن عمر عند الدارقطني قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه" وفي لفظ "من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله".

стр. 278

وأما كونه لا يتصرف فيه قبل قبضه فلما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" وفي إسناده عطية بن سعيد العوفي وفيه مقال، والمعنى أنه لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشيء قبل قبضه ولا يجوز بيعه قبل قبضه وقد اختلف أهل العلم في ذلك.

стр. 279

باب القرض يجب إرجاع مثله ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا ولايجوز أن يجر القرض نفعا لمقرض. أقول: أما وجوب رد المثل فلأنه إذا وقع التواطؤ على أن يكون القضاء زائدا على أصل الدين فذلك هو الربا بل قد ورد مايدل على أن مجرد الهدية من المستقرض للمقرض ربا كما أخرجه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: "قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال: لي إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدي إليك حمل بر أو حمل شعير أو حمل قت فلاتأخذه فإنه ربا". وأما كونه يجوز أن يكون القضاء أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا فلحديث جابر في الصحيحين قال: "أتيت رسول الله ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني" وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة قال: "كان لرجل على رسول الله ﷺ سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فطلبوا سنة فلم يجدوا إلاسنا فوقها فقال: أعطوه فقال: أوفيتني أوفاك الله" فقال: النبي "إن خيركم أحسنكم قضاء" وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي رافع وهذان الحديثان كما يدلان على جواز أن يكون القضاء أفضل يدلان على أنه لايصح قرض الحيوان وإليه ذهب الجمهور ومنع من ذلك الهدوية. وأما كونه لايجوز أنم يجر القرض نفعا للمقرض فلحديث أنس عند ابن ماجه أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي إليه حمله على الدابة فلا يركبها ولا

стр. 280

يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" وفي إسناده يحيى ابن إسحاق الهنائى وهو مجهول وفي إسناده أيضا عتبة بن حميد العتبي وقد ضعفه أحمد والراوي عنه إسماعيل بن عياش وهو ضعيف وقد أخرج البخاري في التاريخ من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "إذا أقرض فلا يأخذ هدية" وأخرج البيهقي عن ابن مسعود وأبي كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس في السنن الكبرى موقوفا عليهم أن كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجه الربا" وأخرج البيهقي أيضا نحو ذلك في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا عليه وقد تقدم ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن سلام وقد أخرجه الحارث بن أبي أسامة من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة" وفي رواية "كل قرض جر منفعة فهو ربا" وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك وفي الباب من الأحاديث والآثار مايشهد بعضها لبعض.

стр. 281

كتاب الشفعة سببها الاشتراك في شيء ولو منقولا فإذا وقعت القسمة فلا شفعة ولايحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه ولاتبطل بالتراخي. أقول: أما كون سببها الاشتراك ولومنقولا فلعموم الأحاديث الواردة في ذلك كحديث جابر في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل مالم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق بلا شفعة" أخرجه أيضا بنحو هذا اللفظ أهل السنن وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة فيها" أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم" وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا "الشفعة في كل شيء" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به. وأما كون القسمة تبطل الشفعة فلما في هذه الأحاديث من التصريح بأنها في الشيء الذي لم يقسم ثم فسر القسمة بقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فالأحاديث الواردة في مطلق شفعة الجار كأحاديث "الجار أحق بصقبة١" وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيدة بعدم القسمة لأن الجار كما يصدق على الملاصق يصدق على المخالط. وأما تقييد شفعة الجار باتحاد الطريق كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: قال النبي ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره" ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدة فهذا الحديث يؤيد ما قلناه من أنه لا شفعة إلا للخليط" لأن الطريق إذا كانت واحدة فالخلطة كائنة فيها ولم تقع القسمة الموجبة لبطلان الشفعة لعدم تصريف الطريق فالحق

стр. 282

أن سبب الشفعة هو واحد وهو الشركة قبل القسمة فما قيل من أن من أسبابها الاشتراك في الطريق والإشتراك في قرار النهر أو مجاري الماء هو راجع إلى السبب الذي ذكرناه لأن الإشتراك في طريق الشيء أو في سواقيه هو اشتراك في بعض ذلك الشيء وقد حققت المقام في رسالة مستقلة أو ردت فيها جميع ماورد في الشفعة من الأدلة وجمعت بينها جمعا نفسيا فليرجع إليها وقد حكى في البحر عن علي وعمر وعثمان وسعيد ابن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك والشافعي والأوزعي وأحمد وإسحاق وعبيد بن المحسن والإمامية أن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة" وحكى عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وابن سيرين أن الشفعة تثبت بالجوار" واستدلوا بالأحاديث الواردة في شفعة الجار. وأما كونه لا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه فلحديث جابر ﵁ عند مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعه أو حائط "ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به". وأما كونها لا تبطل بالتراخي فلما في الأحاديث الصحيحة الواردة في الشفعة من الإطلاق. وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ "لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل العقال:" ففي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن السليماني وهو ضعيف جدا وقال: أبو حيان لا أصل للحديث وقال: أبو زرعة منكر وقال: البيهقي ليس بثابت ولا يصح تأييد هذا الحديث الباطل بما روى من قول شريح فإنه لا حجة في ذلك على أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة أحكام نفى شفعة الغائب ونفى شفعة الصغير واعتبار الفور وقد هجر ظاهرة في الحكمين الأولين فكان ذلك مفيدا لترك الاحتجاج به في الحكم الثالث على فرض أنه غير باطل.

стр. 283

كتاب الإجارة الإجارة ... كتاب الإجارة تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار فإن لم تكن كذلك استحق الأجير مقدار عمله عند أهله ذلك العمل وورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل وأجره المؤذن وقفيز الطحان ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن لا على تعليمه وأن يكرى العين مدة معلومة بأجرة معلومة ومن ذلك الأرض لا بشرط ما يخرج منها ومن أفسد ما استؤجر عليه أو أتلف ما استأجره منه ضمن. أقول: أما كون الإجارة تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي فلإطلاق الأدلة الواردة في ذلك كحديث أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره" أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أيضا البيهقي وعبد الرزاق وإسحاق في مسنده وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير مرفوع ولفظ بعضهم من استأجر أجيرا فليسم له أجرته ولإطلاق حديث أبي هريرة عند البخاري وأحمد قال: قال رسول الله صلى اببه عليه وسلم: "يقول الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع جزءا ثم أكل ثمنه ورجل أستأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" وقد استأجر النبي ﷺ دليلا عند هجرته إلى المدينة كما في البخاري وغيره وثبت من حديث أبي هريرة عند البخاري قال: قال النبي ﷺ : "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال: أصحابه وأنت قال نعم: "كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدى بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سروايل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال: له زن وأرجح" وفيه أنه ﷺ لم يذكر له قدر أجرته بل أعطاه ما يعتاده في مثل ذلك وقد

стр. 284

كان الصحابة يؤجرون أنفسهم في عصره ويعملون الأعمال المختلفة حتى أن عليا ﵁ أجر نفسه من امرأة على أن ينزع لها كل ذنوب بتمرة فنزع ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداه فعدت له ست عشرة تمرة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأكل معه منها" أخرجه أحمد من حديث علي بإسناد جيد وأخرجه أيضا ابن ماجه وصححه ابن السكن وأخرجه البيهقي وابن ماجه من حديث ابن عباس أن عليا ﵁ أجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة" وأما المانع الشرعي فهو مثل الصور التي سيأتي ذكرها. وأما اعتبار كون الأجرة معلومة فلحديث أبي سعيد المتقدم. وأما كون من لم يكن أجرته معلومة يستحق مقدار عمله عند أهل ذلك العمل فلحديث سويد ابن قيس السابق "ولكون ذلك هو الأقرب إلى العدل". وأما النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب" أخرجه أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط ومثله في حديث رافع ابن خديج عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وصححه وهو أيضا في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي مسعود البدري قال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن وعسب الفحل" وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب وعلى عسب الفحل في البيع والمراد بمهر البغي ما تأخذه الزانية على الزنا والمراد بحلوان الكاهن عطية الكاهن لأجل كهانته والحلوان بضم الحاء المهملة مصدر حلوته إذا أعطيته وقد استدل بما تقدم بعض أهل الحديث فقال: إنه يحرم كسب الحجام وقد ورد في معنى ما تقدم أحاديث وفي بعضها التصريح بأنه خبيث وأنه سحت وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ احتجم حجمه أو طيبه واعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه وفيهما أيضا من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره" ولو كان سحتا لم يعطه والأولى الجمع بين الأحاديث بأن كسب

стр. 285

الحجام مكروه غير حرام إرشاد منه ﷺ إلى معالى الأمور ويؤيد ذلك حديث محيصة بن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات أنه كان له غلام حجام فزجره النبي ﷺ عن كسبه فقال: "ألا أطعمه أيتاما لي قال: لا قال: أفلا أتصدق به قال: "لا فرخص له أن يعلفه ناضجة" فلو كان حراما بحتا لم يرخص فيه أن يعلفه ناضحة ويستفاد منه أن إعطاءه ﷺ للحجام لا يستلزم أن يأكله أهله حتى تتعارض الأحاديث فقد يكون مكروها لهم ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في التنفير وقد يمكن الجمع بالمنع عن مثل ما منع منه محيصة والإذن لمثل ما أذن له به رخص له فيه. وأما أجرة المؤذن: فلحديث عبادة ابن الصامت أن النبي ﷺ قال: لعثمان بن أبي العاص وأتخذ مؤذنا لايأخذ على آذانه أجرا" وفي لفظ "لا تتخذوا مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا" والحديث في الصحيح. وأما قفيز الطحان فلحديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله ﷺ عن قفيز الطحان" أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده هشام أو كليب قيل لا يعرف وقد أورده ابن حبان في الثقات ووثقه مغلطاي وقفيز الطحان هو أن يطحن الطعام يجزئ منه وقيل المنهي عنه طحن الصبرة لا يعلم قدرها بجزء منها. وأما جواز الإستئجار على تلاوة القرآن لا على تعليمه فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق الرجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله أجرا" حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا فقال: رسول الله ﷺ "إن أحق ما أخذنم عليه أجرا كتاب الله" وفي لفظ من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: أصبتم أقسموا واضربوا لي معكم سهم اوضحك النبي ﷺ " والحديث في الصحيحين بألفاظ وفي حديث خارجه بن الصلت عن عمه في رقية المجنون
следующие страницы →