كتاب الشفعة
سببها الاشتراك في شيء ولو منقولا فإذا وقعت القسمة فلا شفعة ولايحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه ولاتبطل بالتراخي.
أقول: أما كون سببها الاشتراك ولومنقولا فلعموم الأحاديث الواردة في ذلك كحديث جابر في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل مالم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق بلا شفعة" أخرجه أيضا بنحو هذا اللفظ أهل السنن وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة فيها" أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم" وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا "الشفعة في كل شيء" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به.
وأما كون القسمة تبطل الشفعة فلما في هذه الأحاديث من التصريح بأنها في الشيء الذي لم يقسم ثم فسر القسمة بقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فالأحاديث الواردة في مطلق شفعة الجار كأحاديث "الجار أحق بصقبة١" وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيدة بعدم القسمة لأن الجار كما يصدق على الملاصق يصدق على المخالط.
وأما تقييد شفعة الجار باتحاد الطريق كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: قال النبي ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره" ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدة فهذا الحديث يؤيد ما قلناه من أنه لا شفعة إلا للخليط" لأن الطريق إذا كانت واحدة فالخلطة كائنة فيها ولم تقع القسمة الموجبة لبطلان الشفعة لعدم تصريف الطريق فالحق
стр. 282
أن سبب الشفعة هو واحد وهو الشركة قبل القسمة فما قيل من أن من أسبابها الاشتراك في الطريق والإشتراك في قرار النهر أو مجاري الماء هو راجع إلى السبب الذي ذكرناه لأن الإشتراك في طريق الشيء أو في سواقيه هو اشتراك في بعض ذلك الشيء وقد حققت المقام في رسالة مستقلة أو ردت فيها جميع ماورد في الشفعة من الأدلة وجمعت بينها جمعا نفسيا فليرجع إليها وقد حكى في البحر عن علي وعمر وعثمان وسعيد ابن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك والشافعي والأوزعي وأحمد وإسحاق وعبيد بن المحسن والإمامية أن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة" وحكى عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وابن سيرين أن الشفعة تثبت بالجوار" واستدلوا بالأحاديث الواردة في شفعة الجار. وأما كونه لا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه فلحديث جابر ﵁ عند مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعه أو حائط "ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به".
وأما كونها لا تبطل بالتراخي فلما في الأحاديث الصحيحة الواردة في الشفعة من الإطلاق.
وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ "لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل العقال:" ففي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن السليماني وهو ضعيف جدا وقال: أبو حيان لا أصل للحديث وقال: أبو زرعة منكر وقال: البيهقي ليس بثابت ولا يصح تأييد هذا الحديث الباطل بما روى من قول شريح فإنه لا حجة في ذلك على أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة أحكام نفى شفعة الغائب ونفى شفعة الصغير واعتبار الفور وقد هجر ظاهرة في الحكمين الأولين فكان ذلك مفيدا لترك الاحتجاج به في الحكم الثالث على فرض أنه غير باطل.
стр. 283
كتاب الإجارة
الإجارة
...
كتاب الإجارة
تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار فإن لم تكن كذلك استحق الأجير مقدار عمله عند أهله ذلك العمل وورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل وأجره المؤذن وقفيز الطحان ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن لا على تعليمه وأن يكرى العين مدة معلومة بأجرة معلومة ومن ذلك الأرض لا بشرط ما يخرج منها ومن أفسد ما استؤجر عليه أو أتلف ما استأجره منه ضمن.
أقول: أما كون الإجارة تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي فلإطلاق الأدلة الواردة في ذلك كحديث أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره" أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أيضا البيهقي وعبد الرزاق وإسحاق في مسنده وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير مرفوع ولفظ بعضهم من استأجر أجيرا فليسم له أجرته ولإطلاق حديث أبي هريرة عند البخاري وأحمد قال: قال رسول الله صلى اببه عليه وسلم: "يقول الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع جزءا ثم أكل ثمنه ورجل أستأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" وقد استأجر النبي ﷺ دليلا عند هجرته إلى المدينة كما في البخاري وغيره وثبت من حديث أبي هريرة عند البخاري قال: قال النبي ﷺ : "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال: أصحابه وأنت قال نعم: "كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدى بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سروايل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال: له زن وأرجح" وفيه أنه ﷺ لم يذكر له قدر أجرته بل أعطاه ما يعتاده في مثل ذلك وقد
стр. 284
كان الصحابة يؤجرون أنفسهم في عصره ويعملون الأعمال المختلفة حتى أن عليا ﵁ أجر نفسه من امرأة على أن ينزع لها كل ذنوب بتمرة فنزع ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداه فعدت له ست عشرة تمرة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأكل معه منها" أخرجه أحمد من حديث علي بإسناد جيد وأخرجه أيضا ابن ماجه وصححه ابن السكن وأخرجه البيهقي وابن ماجه من حديث ابن عباس أن عليا ﵁ أجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة" وأما المانع الشرعي فهو مثل الصور التي سيأتي ذكرها. وأما اعتبار كون الأجرة معلومة فلحديث أبي سعيد المتقدم.
وأما كون من لم يكن أجرته معلومة يستحق مقدار عمله عند أهل ذلك العمل فلحديث سويد ابن قيس السابق "ولكون ذلك هو الأقرب إلى العدل".
وأما النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب" أخرجه أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط ومثله في حديث رافع ابن خديج عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وصححه وهو أيضا في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي مسعود البدري قال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن وعسب الفحل" وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب وعلى عسب الفحل في البيع والمراد بمهر البغي ما تأخذه الزانية على الزنا والمراد بحلوان الكاهن عطية الكاهن لأجل كهانته والحلوان بضم الحاء المهملة مصدر حلوته إذا أعطيته وقد استدل بما تقدم بعض أهل الحديث فقال: إنه يحرم كسب الحجام وقد ورد في معنى ما تقدم أحاديث وفي بعضها التصريح بأنه خبيث وأنه سحت وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ احتجم حجمه أو طيبه واعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه وفيهما أيضا من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره" ولو كان سحتا لم يعطه والأولى الجمع بين الأحاديث بأن كسب
стр. 285
الحجام مكروه غير حرام إرشاد منه ﷺ إلى معالى الأمور ويؤيد ذلك حديث محيصة بن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات أنه كان له غلام حجام فزجره النبي ﷺ عن كسبه فقال: "ألا أطعمه أيتاما لي قال: لا قال: أفلا أتصدق به قال: "لا فرخص له أن يعلفه ناضجة" فلو كان حراما بحتا لم يرخص فيه أن يعلفه ناضحة ويستفاد منه أن إعطاءه ﷺ للحجام لا يستلزم أن يأكله أهله حتى تتعارض الأحاديث فقد يكون مكروها لهم ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في التنفير وقد يمكن الجمع بالمنع عن مثل ما منع منه محيصة والإذن لمثل ما أذن له به رخص له فيه.
وأما أجرة المؤذن: فلحديث عبادة ابن الصامت أن النبي ﷺ قال: لعثمان بن أبي العاص وأتخذ مؤذنا لايأخذ على آذانه أجرا" وفي لفظ "لا تتخذوا مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا" والحديث في الصحيح.
وأما قفيز الطحان فلحديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله ﷺ عن قفيز الطحان" أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده هشام أو كليب قيل لا يعرف وقد أورده ابن حبان في الثقات ووثقه مغلطاي وقفيز الطحان هو أن يطحن الطعام يجزئ منه وقيل المنهي عنه طحن الصبرة لا يعلم قدرها بجزء منها.
وأما جواز الإستئجار على تلاوة القرآن لا على تعليمه فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق الرجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله أجرا" حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا فقال: رسول الله ﷺ "إن أحق ما أخذنم عليه أجرا كتاب الله" وفي لفظ من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: أصبتم أقسموا واضربوا لي معكم سهم اوضحك النبي ﷺ " والحديث في الصحيحين بألفاظ وفي حديث خارجه بن الصلت عن عمه في رقية المجنون
стр. 286
بفاتحة الكتاب أن النبي ﷺ قال: "خذها فلمعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.
وأما كونه لا يجوز أخذها على تعليمه فلحديث أبي ابن كعب قال: "علمت رجلا القرآن فأهدى إلى قوسا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " إن أخذتها أخذت قوسا من نار فرددتها" أخرجه ابن ماجه والبيهقي وقد أعل بالإنقطاع وتعقب وأعل أيضا بجهالة بعض رواته وله شاهد عند الطبراني من حديث الطفيل بن عمر الدوسي قال: "أقرأني أبي ابن كعب القرآن فأهديت إليه قوسا فغدا إلى النبي ﷺ وقد تقلدها فقال: له النبي ﷺ تقلدها من جنهم" وعلى هذا يحمل حديث عبد الرحمن ابن شبل عن النبي ﷺ قال: "اقرأوا القرآن ولاتغلوا فيه ولاتجفوا عنه ولاتأكلوا به ولاتستكثروا به" أخرجه أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا البزار وله شواهد وحديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "اقرأو القرآن واسألوا الله به فإن من بعدكم قوما يقرأون القرآن يسألون الناس به" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وفي الباب أحاديث ووجه المنع من أخذ الأجرة على تعليمه أن ذلك من تبليغ الأحكام الشرعية وهو واجب وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وأصحابه وأبو حنيفة والهدوية وبه قال: عطاء والضحاك والزهري وإسحاق وعبد الله بن شقيق١.
وأما كونه يجوز أن تكرى العين مدة معلومة بأجره معلومة فلما ورد من إكراء الأرضي في عصره ﷺ كحديث رافع بن خديج في الصحيحين قال: "كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه
стр. 287
فربما خرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما بالورق فلم ينهنا" وفي لفظ لمسلم ﵀ وغيره "فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به" وسائر الأعيان لها حكم الأرض.
وأما كونه لا يجوز إكراء الأرض بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع لأن أحاديث أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع" وإن كانت ثابتة في الصحيحين وغيرهم فهي منسوخة بمثل حديث رافع المتقدم وما ورد في معناه وفي المسألة مذاهب وأدلة مختلفة واجتهادات مضطربة قد أوضحناها في شرح المنتقى وفي رسالة مستقلة ومن أصرح أحاديث النهي حديث جابر عند مسلم وغيره قال: كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القصرى ومن كذا ومن كذا فقال: النبي ﷺ : "من كان له أرض فليزرعها أو ليحثرها أخاه وإلا فليدعها" وفي حديث سعد بن أبي وقاص أنه نهاهم أن يكرو بذلك وقال: أكروا بالذهب والفضة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورجاله ثقات وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة نحو حديث جابر.
وأما كون من أفسد ما استؤجر عليه أو أتلف ما استأجره ضمن فلمثل حديث "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وهوحديث الحسن عن سمرة وفي سماعه منه كلام مشهور والمراد أن على اليد ضمان ما أخذت حتى تؤديه وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه والبزار من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن" وقد أخرجه النسائي مسندا ومنقطعا ويؤيده حديث عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني بعض الوفد الذين قدموا علي أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك
стр. 288
فأعنت فهو ضامن" أخرجه أبو داود فالمتطبب إنما ضمن لكونه أقدم على بدن المريض غير عالم بما يعلم به أهل هذه الصناعة فكان ضامنا وهكذا من استؤجر على عمل عين فأقدم على العمل فيها غير عالم بالصناعة وأفسدها بتعاطيه ضمن وهكذا من استأجر دابة ليركب عليها إلى مكان فسار بها سيرا غير معتاد فهلكت أو ترك علفها فماتت فإنه ضامن.
стр. 289
باب ما جاء في الإحياء والأقطاع
من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره فهو أحق بها وتكون ملكا له ويجوز للإمام أن يقطع من في إقطاعه مصلحة شيئا من الأرض الميتة أو المعادن او المياه.
أقول: أما كون من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها يملكها فلحديث جابر أن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرض ميتة فهي له" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وصححه وفي لفظ "من أحاط حائطا على أرض فهي له" أخرجه أحمد وأبو داود وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي وصححه ابن الجاورد من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا "من أحاط حائطا على أرض فهي له" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من احيا أرضا ميتا فهي له وليس لعرق ظالم حق" وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها" وأخرج أبو داود من حديث أسمر بن مضرس قال: "أتيت النبي ﷺ فبايعته فقال: من سبق إلى مالم يسبق إليه مسلم فهو له فخرج الناس يتعادون يتخاطون" أي يجعلون في الأرض خطوطا علامة لما سبقوا إليه وصححه الضياء في المختارة.
وأما كونه يجوز للإمام إقطاع الأراضي الميتة والمعادن والمياه فلما في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر من أنها كانت تنقل النوى من أرض الزبير التى أقطعه رسول الله ﷺ وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر أن
стр. 290
النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه وأجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه فقال: اقطعوه حيث بلغ السوط" وفي إسناده عبد الله بن عمر بن حفص وفيه مقال: خفيف وأقطع النبي وائل بن حجر أرضا بحضرموت كما أخرجه الترمذي وأبو داود وابن حبان والبيهقي والطبراني وابن المنذر بإسناد حسن وصححه الترمذي وأخرج أحمد من حديث عروة بن الزبير أن عبد الرحمن ابن عوف قال: أقطعني النبي ﷺ وعمر بن الحطاب أرض كذا وكذا" وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس قال: "دعا النبي ﷺ الأنصار ليقطع لهم البحرين فقالوا: يارسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها فلم يكن ذلك عند النبي فقال: إنكم ستلقون بعدى أثره فاصبروا حتى تلقوني" وأخرج أحمد وأبوداود من حديث ابن عباس قال: أقطع النبي ﷺ بلال بن الحارس المزني معادن القبيلة جليسها وغوويها" وأخرجاه أيضا من حديث عمرو بن عوف المزني وأخرج الترمذي وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي من حديث ابيض بن جمال "أنه وفد إلى النبي ﷺ استقطعه الملح فقطع له فلما أن ولى قال: له رجل من المجلس أتدري ما أقطعت له إنما أقطعته المال العد قال: فانتزعه منه" وفي الباب غير ذلك
стр. 291
كتاب الشركة
الناس شركاء في الماء والنار والكلأ وإذا تشاجر المستحقون للماء كان الأحق به الأعلى فالأعلى يمسكه إلى الكعبين ثم يرسله إلى من تحته ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة ويجوز الإشتراك في النقود والتجارات ويقسم الربح على ما تراضيا عليه وتجوز المضاربة به مالم تشتمل على ما لا يحل وإذا تشاجرا الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء ومن ضار شريكه جاز للإمام عقوبته بقلع شجره أوبيع داره.
أقول: أما الاشتراك في الماء والنار والكلأ فلحديث أبي حراش عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ" أخرجه أحمد وأبو داود وقد رواه أبو نعيم في الصحابة في ترجمه ابن حراش ولم يذكر الرجل وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: أبو حراش لم يدرك النبي ﷺ قال: ابن حجر رجاله ثقات وقد أخرج الحديث ابن ماجه عن ابن عباس وفي إسناده عبد الله بن حراش وهو متروك وقد صححه ابن السكن وأخرج ابن ماجه أيضا من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يمنع الماء والنار والكلأ" قال: ابن حجر إسناده صحيح وأخرج الخطيب من حديث عمر نحو ما في الباب وزاد "والملح" وفيه عبد الحكم بن ميسرة ورواه الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمر وله عنده طريق أخرى وأخرجه أبو داود من حديث بهيثة عن ابيها وأخرجه ابن ماجه من حديث عائشة أنها قالت: "يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال: "الملح والماء والنار" وإسناده ضعيف وأخرجه الطبراني عن أنس بلفظ "خصلتان لا يحل منعهما الماء والنار" وأخرجه العقيلي في الضعفاء من حديث
стр. 292
عبد الله بن سرجس وأحاديث الباب تنتهض بمجموعها وقد خصص الحديث بما وقع من الإجماع على أن الماء المحرز في الجرار ملك.
وأما كون الأحق بالماء الأعلى فالأعلى فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى في سبيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل" أخرجه أبو داود وابن ماجه قال: ابن حجر في الفتح وإسناده حسن وأخرجه الحاكم في المستردك من حديث عائشة وصححه الحكم وأعله الدارقطني بالوقف وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ثعلبة بن مالك وأخرجه عبد الرزاق من حديث أبي حاتم القرظي عن أبيه عن جده وأخرج ابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث عبادة أن النبي ﷺ قضى في شرب النحل من السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو بفنى الماء" وأحاديث الباب صالحة للإحتجاج بها.
وأما كونه لا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا الكلأ" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ" وفي لفظ للبخاري "لا تبيعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" وفي الباب أحاديث وفي لفظ لأحمد من حديث أبي هريرة "ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه".
وأما كون للأمام أن يحمي بعض المواضع لدواب المسلمين في وقت الحاجة فلحديث ابن عمر عند أحمد وابن حبان أن النبي ﷺ حمى البقيع للخيل خيل المسلمين" وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث الصعب بن جثامة وزاد "لا حمى إلا لله ورسوله" وهذه الزيادة في صحيح البخاري وفيه أن النبي ﷺ حمى البقيع وإن عمر ﵁ حمى سرف والربذة".
стр. 293
وأما كونه يجوز الإشتراك في النقود والتجارات فلحديث السائب بن أبي سائب أنه قال للنبي ﷺ "كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك لا تداريني ولاتماريني" أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه أن السائب المخزومي كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: "مرحبا بأخي وشريكي لا يداري ولا يماري" وله طرق غير هذه وأخرج البخاري عن أبي المنهال أن زيد بن أرقم والبراء ابن عازب كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ النبي ﷺ فأمرهما "أن ما كان يدا بيد فخذوه وماكان نسيئة فردوه" وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سغد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء" وفيه انقطاع وأخرج أحمد وأبو داود عن رويفع بن ثابت قال: "إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نقد أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح" وأخرجه الدارقطني والبيهقي.
وأما كونه تجوز المضاربة فقد روى عن حكيم بن حزام أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالى في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به بطن مسيل فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالى" وقد قيل إنه لم يصح في المضاربة شيء عن النبي ﷺ وإنما فعلها الصحابة منهم حكيم المذكور ومنهم علي كما رواه عبد الرزاق ومنهم ابن مسعود كما رواه الشافعي ومنهم العباس كما رواه البيهقي ومنهم جابر رواه البيهقي أيضا ومنهم أبو موسى وابن عمر كما رواه في الموطأ والشافعي والدارقطني ومنهم عمر كما رواه الشافعي ومنهم عثمان كما رواه البيهقي وقد روى في ذلك من المرفوع ما أخرجه ابن ماجه من حديث صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث فيهن البركة البيع إلى أجل والمقارضة وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع" ولكن في إسناده مجهولان.
стр. 294
وأما كونه إذا تشاجرا الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" وأخرج معناه عبد الله بن أحمد في المسند والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأخرجه أيضا عبد الرزاق من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا ابن عدي من حديث أنس.
وأما كونه لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: " لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" وروى نحوه أحمد وابن ماجه والبيهقي عن جماعة من الصحابة.
وأما كونه لا ضرر ولا ضرار بين الشركاء فلحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني وعبد الرزاق قال: ابن كثير أما حديث "لا ضرر ولا ضرار" فرواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت وروى من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وهو حديث مشهور انتهى.
فحديث ابن عباس هو المذكور في الباب وحديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وقد رواه من حديث ثعلبة بن مالك القرظى الطبراني في الكبير وأبو نعيم.
وأما كونه يجوز للإمام عقوبة من ضار شريكه بقلع شجره أو بيع داره فلحديث سمرة بن جندب أنه كان له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق عليه فطلب غليه أن يناقله فأبى فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهبه لى ولك كذا وكذا أمرا رغبة فيه فأبى قال: أنت مضار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 295
للأنصاري اذهب فاقلع نخلة" وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن سمرة ولم يسمع منه وقد روى المحب الطبراني من أحاديث الأحكام عن واسع بن حبان قال: "كان لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه" ثم ذكره نحو قصة سمرة.
стр. 296
كتاب الرهن
يجوز رهن مايملكه الراهن في دين عليه والظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون ولايغلق الرهن بما فيه.
أقول: الرهن جائز بالإجماع وقد نطق به الكتاب العزيز وتقييده بالسفر خرج مخرج الغالب كما ذهب إليه الجمهور وقال: مجاهد والضحاك والظاهرية لا يشرع إلا في السفر وقد رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله كما أخرجه البخاري وغيره من حديث أنس وهو في الصحيحين من حديث عائشة وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس وصححه الترمذي وصاحب الإقتراح وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر كما قال الجمهور:
وأما كون الظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون فلما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" وللحديث ألفاظ والمراد أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه وقد ذهب إلى ذلك أحمد وإسحاق والليث والحسن وغيرهم وقال: الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء بل الفوائد للراهن والمؤن عليه قالوا والحديث ورد على خلاف القياس ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار مبني على شفا جرف هار ولا يصح الاحتجاج بما ورد من النهي عن أن تحلب ماشية الرجل بغير إذنه كما في البخاري وغيره لأن العام لا يرد به الخاص بل يبني عليه. وأما كونه لا يغلق الرهن بما فيه فلحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمة" أخرجه الشافعي والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه وحسن الدارقطني
стр. 297
إسناده وقال: ابن حجر في بلوغ المرام إن رجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى والوصل زيادة وقد خرجت من مخرج مقبول والمراد بالغلاق هنا استحقاق المرتهن له حيث لم يفكه الراهن في الوقت المشروط وروى عبد الرزاق عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال: الرجل إن لم آتك بمالك فالرهن لك قال: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن، له غنمه وعليه غرمه وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب فأبطله الشارع والغنم والغرم هنا هو أعم مما تقدم من أن الظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون
стр. 298
كتاب الوديعة والعارية
يجب على الوديع والمستعير تأدية الأمانة إلى من أئتمنه ولايخن من خانه ولاضمان عليه إذا تلفت بدون جنايته وخيانته ولايجوز منع الماعون كالدلو والقدر وإطراق الفحل وحلب المواشي لمن يحتاج ذلك والحمل عليها في سبيل الله.
أقول: أما كونه يجب على كل واحد منهما تأدية المانة فلقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ولقوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وفي إسناده طلق بن غنام عن شريك وقد استشهد له الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس وفي إسناده أيوب بن سويد وهو مختلف فيه وقد تفرد به كما قال: الطبراني وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية من حديث أبي بن كعب وفي إسناده من لا يعرف وأخرجه أيضا الدارقطني عنه وأخرجه البيهقي والطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف وأخرجه الدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أنس وأخرجه أحمد وأبوداود والبيهقي عن رجل من الصحابة وفي إسناده مجهول غير الصحابي.
وأما كونه لا ضمان إذا تلفت العين المستعارة والمستودعة فلحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا ضمان على مؤتمن" أخرجه الدارقطني وفي إسناده ضعف وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن إلا لجناية على العين لما أخرجه الدارقطني في الحديث السابق من طريق أخرى بلفظ "ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا المستودع غير المغل ضمان" والمغل هو الخائن والجاني خائن وأما المستعير فقد ذهب إلى أنه لا يضمن إلا لجناية أو خيانة العترة والحنفية والمالكية وحكى في الفتح عن الجمهور أن
стр. 299
المستعير يضمنها إذا تلفت في يده إلا إذا كان التلف على الوجه المأذون فيه وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وفي سماع الحسن من سمرة مقال: مشهور وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث صفوان بن أمية أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدرعا فقال: أغصبا يا محمد قال: " بل عارية مضمونة".
وأما كونه لا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر فلحديث ابن مسعود قال: "كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر" أخرجه أبوداود وحسنه المنذري وروى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والدلو والحبل الماعون الزكاة.
وأما كونه لا يجوز منع إطراق الفحل وحلب المواشي والحمل عليها في سبيل الله فلما أخرجه مسلم ﵀ وغيره من حديث جابر عن النبي ﷺ صلى قال: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقرة تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها قلنا يارسول الله وما حقها؟ قال: " إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله" والمراد باطراق فحلها عاريته من يحتاج أن يطرق به ماشيته والمراد بمنحتها أن يعطي المحتاج لينتفع بحلبها ثم يزدها وأما الحمل عليها في سبيل الله فإذا طلب ذلك من لا ماشية له من صاحب المواشي التي فيها زيادة على حاجته.
стр. 300
كتاب الغصب
...
كتاب الغضب
لا يأثم الغاضب ويجب عليه رد ماأخذه ولايحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه وليس لعرق ظالم حق ومن زرعه في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه ولايحل الإنتفاع بالمغضوب ومن اتلفه فعليه مثله أو قيمته
أقول: أما كونه يأثم الغاصب فلأنه أكل مال غيره بالباطل واستولى عليه عدوانا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] وقال ﷺ "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" أخرجه الدارقطني من طرق عن أنس مرفوعا وفي أسانيدها ضعف وأخرجه أحمد والدارقطني من حديث أبي مرة الرقاشي عن عمه وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم عليه وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأخرجه الدارقطني عنه من طريق أخرى وأخرج البيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث السائب بن يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه" وحديث "إنما أموالكم ودماؤكم عليكم حرام" وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما وهو مجمع على تحريم الغصب عند كافة المسلمين ومجمع على وجوب رد المغصوب إذا كان باقيا وعلى تسليم عوضه إذا كان تالفا.
وأما كونه ليس لعرق ظالم حق إلى آخره فلحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والبيهقي والطبراني وابن أبي شيبة والطيالسي وأبو يعلي وحسنه البخاري.
وأما رفع الغرس عن أرض الغير فلما أخرجه أبو داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: "من أحيا أرضا فهي له وليس
стр. 301
لعرق ظالم حق" قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس وإنها لنخل عم وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وأخرجه البخاري تعليقا من حديث سعيد بن زيد قال: قال: رسول الله ﷺ "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق".
وأما كونه لا يحل الانتفاع بالمعصوب فلما تقدم من الأدلة القاضية بأنه لا يحل مال الغير لا عينا ولا انتفاعا وقد ورد في غصب الأرض التي لا ثمرة لغصبها إلا الانتفاع بها بالزرع ونحوه أحاديث منها عن عائشة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد نحوه وفي البخاري وغيره من حديث ابن عمر نحوه أيضا وفي مسلم من حديث أبي هريرة نحوه أيضا.
وأما كون من أتلفه فعليه مثله أو قيمته فلحديث عائشة "أنها لماكسرت إناء صفية الذي أهدت فيه إلى للنبي ﷺ فقال لها: "إناء كإناء وطعام كطعام" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وحسنه الحافظ في الفتح وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس ﵁ أن خادم رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا ودفع القصعة الصحيحة للرسول وحبس المكسورة" ولفظ الترمذي قال: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ طعاما في قطعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال: النبي ﷺ " طعام بطعام وإناء بإناء" وقد استدل بذلك من قال: إن القيمى يضمن بمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل وهو الشافعي والكوفيون وقال: مالك إن القيمى يضمن بقيمته مطلقا وبه قالت: الهدوية قيل ولا خوف في أن المثلى يضمن بمثله ولكنه قد ورد في حديث المصراة الثابت في الصحيح ردها وصاعا من تمر واللبن مثلى والبحث مستوفى في مواطنه
стр. 302
كتاب العتق
أفضل الرقاب أنفسها ويجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها ومن ملك رحمة عتق عليه ومن مثل بمملوكه فعليه أن يعتقه وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم ومن أعتق شركا له في عبد ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم وإلا عتق نصيبه فقط ويستسعى العبد ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق ويجوز التدبير فيعتق بموت مالكه وإذا احتاج المالك جاز له بيعه ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه فيصير عند الوفاء حرا ويعتق بقدر ما سلم وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرق ومن استولد أمته لم يحل له بيعها وعتقت بموته او تخيره لعتقها.
أقول: الترغيب في العتق قد ثبت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما وعن النبي ﷺ "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه" وأخرج الترمذي وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة عن النبي ﷺ قال: "أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما كان فكاكة من النار يجزي بكل عضو منها عضوا منه" وفي لفظ وأيما امرأة مسلمة اعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجزي بكل عضو من أعضائها عضو من أعضائها وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث وفي الصحيحين من حديث أبي ذر قال: قلت يارسول الله أي الأعمال أفضل قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قال: قلت أي الرقاب أفضل قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا".
وأما كونه يجوز العتق بشرط الخدمة فلحديث سفنية ابن عبد الرحمن قال: أعتقتني أم سلمة وشرطت على أن أخدم النبي ﷺ ما عاش أخرجه أحمد،
стр. 303
وأبو داود والنسائي وابن ماجه وقال: لا بأس بإسناده وأخرجه الحاكم وفي إسناده سعيد بن جهمان أبو حفص الأسلمي وقد وثقه ابن معين وغيره وقال: أبو حاتم لا يحتج بحديثه ووجه الحجة من هذا أن النبي ﷺ لا يخفي عليه مثل ذلك وقد قيل إن تعليق العتق بشرط الخدمة يصح إجماعا.
وأما كون من ملك رحمه عتق عليه فلحديث سمرة عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" ولفظ أحمد "فهو عتيق" وهو من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه مقال: معروف وقال: علي بن المدني هو حديث منكر وقال: البخاري لا يصح.
وأخرج النسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" وهو في رواية ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عنه قال النسائي: حديث منكر ولا نعلم أحدا رواه عن سيفان غير ضمرة وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث ولكنه قد وثقه يحيى بن معين وغيره وحديثه في الصحيحين وقد صحح حديثه هذا ابن حزم وعبد الحق وابن القطان وأخرج أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفا مثل حديث سمرة وهو من رواية قتادة عنه ولم يسمع منه وقد ذهب إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: أنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته وزاد مالك الإخوة ولا ينافي ماذكرناه حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: قال رسول الله ﷺ "لا يجزى والد عن ولده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" لأن إيقاع العتق تأكيدا لا ينافي وقوعه بالملك وقد تمسك بحديث أبي هريرة الظاهرية فقالوا: لا يعتق أحد على أحد.
وأما كونه من مثل بمملوكه يعتقه فلحديث ابن عمر عن مسلم رحمه الله
стр. 304
وغيره قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه" وفي مسلم أيضا عن سويد بن مقرن قال: كنا بنى مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: اعتقوها" وفي رواية "إذا استغنوا فليخلوا سبيلها" وفي مسلم أيضا من حديث أبي مسعود البدري قال: كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت صوتا من خلفي إلى أن قال: فإذا رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أقدر منك على هذا الغلام" وفيه قلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى فقال: "لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار" وأما كونه يعتقه الإمام او الحاكم فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في المملوك الذي حب سيده مذاكيره فقال: النبي ﷺ "علي بالرجل فلم يقدر عليه" فقال له النبي ﷺ : "اذهب فأنت حر" أخرجه أبو داود وابن ماجه وقد أخرجه أحمد وفي إسناده لحجاج بن أرطاة وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجال أحمد ثقات وأخرج أيضا الطبراني وقد حكى في البحر عن علي والهادي والمؤيد بالله والشافعية والحنفية أنه لا يعتق بمجرد المثلة بل يؤمر سيده بالعتق فإن تمرد فالحاكم وقال: مالك والليث والأوزعي وداود "بل يعتق بمجردها" قال: النووى في شرح مسلم إنه أجمع العلماء على أن ذلك العتق ليس واجبا وإنما هو مندوب رجاء الكفارة وإزالة إثم اللطم ومن أدلتهم إذنه ﷺ بأن يستخدومها كما تقدم ودعوى الإجماع غير صحيحة وإذنه ﷺ بالإستخدام لا يدل على عدم الوجوب بل الأمر قد دل على الوجوب والإذن بالإستخدام دل على كونه وجوبا متراخيا إلى وقت الاستغناء عنها وأما كونه من أعتق شركا له في عبد ضمن إلخ فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "من اعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق" زاد الدراقطني ورق ما بقي وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي المليح عن أبيه عن جده أن رجلا من قومه
стр. 305
أعتق شقصا له من مملوك فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خلاصه عليه في ماله وقال: ليس الله شريك وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعتق شقصا من مملوك فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه" ولا تنافي بين هذا وبين حديث ابن عمر بل الجمع ممكن وهو " أن من أعتق شركا له في عبد ولا مال له لم يعتق إلا نصيبه ويبقى نصيب شريكه مملوكا فإن اختار العبد أن ستسعى بما بقي استسعى وإلا كان بعضه حرا وبعضه عبدا" وأخرج أحمد من حديث إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده قال: كان لهم غلاما يقال: له طهمان أو ذكوان فأعتق جده نصفه فجاء العبد إلى النبي ﷺ فقال: النبي صلى تعتق في عتقك وترق في رقك قال: فكان يخدم سيده حتى مات" ورجاله ثقات وأخرجه الطبراني.
وأما كونه لا يصح شرط الولاء لغير من أعتق فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما أنها جاءت إليها بريرة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت في كتابتها شيئا فقالت: لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لى فعلت فذكرت بريرة ذلك لأهلها فأبوا وقالوا إن شاءت أن تتحسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لها رسول الله صلى ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق ثم قام فقال: "ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرط ليس في كتاب الله فليس له وإن شرطه مائة مرة شرط الله أحق وأوثق" وللحديث طرق وألفاظ.
وأما كونه يحوز التدبير فيعتق بموت مالكه، ويحوز له بيعه إذا احتاج" فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما "أن رجلا أعتق غلاما عن دبر فاحتاج فأخذه النبي فقال: من يشتريه منى فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه" وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا بلفظ المدبر من الثلث ورواه الدارقطني بلفظ "المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر
стр. 306
من الثلث" وفي إسناده عبيدة بن حسان وهو منكر الحديث وقد ذهب إلى جواز بيع المدبر للحاجة الشافعي وأهل الحديث ونقله البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء وبه قال: الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب كما حكاه صاحب البحر وحكى النووى عن الجمهور أنه لا يجوز بيع المدبر مطلقا.
وأما كونه يجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه فلقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور:٣٣] الآية وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية فقرر ذلك الإسلام ولا أعرف خلافا في مشروعيتها.
وأما كونه يصير عند الوفاء حرا أو يعتق منه بقدر ما سلم فلحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " يودى المكاتب بحصة ما أدى دية الحر وما بقي دية العبد" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وأخرج أحمد وأبوداود نحوه من حديث علي وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم وذهب آخرون إلى أن حكم المكاتب حكم العبد حتى يوفي مال الكتابة واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشرا أوقيات فهو رقيق" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وفي لفظ لأبي داود "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبة درهم" ولا يعارض هذا ما تقدم فالجمع ممكن بحمل هذا على مالا يمكن تبعضه من الأحكام وفي حديث أم سلمة أن النبي قال: "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه فأثبت له ههنا حكم الحر لأن العبد يجوز له أن ينظر إلى مولاته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] .
وأما كونه يرجع في الرق إذا عجز عن مال الكتابة فلكون المالك لم يعتقه إلا بعوض فإذا لم يحصل لم يحصل العتق وقد اشترت عائشة بريرة بعد أن كاتبها أهلها كما تقدم.
وأما كون من استولد أمته لم يحل له بيعها فلحديث ابن عباس عن النبي
стр. 307
صلى الله عليه وسلم: "من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: أعتقها ولدها" وأخرجه أيضا الدارقطني وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف كما تقدم وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس أيضا أم الولد حرة وإن كان سقطا" وإسناده ضعيف وأخرج البيهقي من حديث ابن لهيعة عن عبيد الله ابن أبي جعفر أن رسول الله ﷺ قال لأم إبراهيم: "أعتق ولدك" وهو معضل وقال ابن حزم: صح هذا بسند رواته ثقات عن ابن عباس وأخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: "لايبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها السيد مادام حيا وإذا مات فهي حرة" وقد أخرج مالك في المؤطأ والدارقطني أيضا من قول ابن عمر وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا وهذه الأحاديث وإن كان في إسانيدها ما تقدم فهي تنتهض للاحتجاج بها وقد أخذ بها الجمهور وذهب من عداهم إلى جواز وتمسكوا بحديث جابر قال: "كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا" أخرجه أبوداود وابن ماجه والبيهقي وأخرجه أيضا ابن حبان وليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك والخلاف في المسألة بين الصحابة فمن بعدهم معروف مشهور.
وأما كونها تعتق بموت سيدها الذي أستولدها فلقوله في الحديث المتقدم: "فهي معتقة عن دبر منه" أي من دبرحياته.
وأما كونها تعتق بتخير مستولدها لعتقها فلأن إيقاعه يوجب عتق من لم يوجد لعتقه سبب فمن قد وجد سبب عتقه أولى بذلك ولا سيما بعد قوله ﷺ : "أعتقها ولدها" فإنه يدل على أنه قد وقع العتق بالولادة ولكن بقي للسيد حق يوجب عليها بعض ما يجب على المملوك حتى يموت فإذا تخير العتق فقد رضي بإسقاط ذلك الحق.
стр. 308
كتاب الوقف
من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسا وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة وللمتولى عليه أن يأكل بالمعروف منه وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين ومن وقف شيئا مضارة لوارثه فهو باطل ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح المسلمين ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجد النبي ﷺ والوقف على القبور لرفع سمكها أو تزيينها أو فعل ما يجلب على من يراها الفتنة باطل.
أقول: قد ذهب إلى مشروعيته الوقف ولزومه جمهور العلماء قال: الترمذي لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين وجاء عن شريح أنه أنكره وقال: أبو حنيفة لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر وقد حكى الطحاوى عن أبي يوسف أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة يعني الدليل لقاء به وقال: القرطبي راد الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه ومما يدل على صحته ولزومه حديث أبي هريرة عند مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له" وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن عمر أصاب أرضا بخبير فقال: يارسول الله أصبت أرضا بخبير لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول وأخرج النسائي والترمذي وحسنه البخاري تعليقا من حديث عثمان أن النبي ﷺ قدم المدينة وليس فيها ماء مستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين
стр. 309
بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالى" وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "أما خالد فقد حبس أدراعه واعتده في سبيل الله".
وأما كون له أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة فلقوله: لعمر في الحديث السابق "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فإطلاق الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء فيما فيه قربة وقد فعل عمر ﵁ ذلك فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل كما تقدم.
وأما كون للمتولي أن يأكل منه فلما تقدم من وقف عمر ﵁ الذي قرره النبي ﷺ .
وأما كونه للواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين فلما تقدم من حديث عثمان ﵁ من قوله ﷺ : "فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين".
وأما كون من وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا فلأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه بل لم يأذن إلا بما كان بصدقة جارية ينتفع بها صاحبها لا بما كان إثما جاريا وعقابا مستمرا وقد نهى عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا ونهى رسول الله صلى عموما كحديث "لاضرر ولاضرار في الإسلام" وقد تقدم وخصوصا كما في ضرار الجار وضرار الوصية ونحوهما.
وأما كون من وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد يجوز صرفه في مصارفه ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجده صلى فلحديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم ﵀ وغيره قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله" فهذا يدل على جواز إنفاق ما في الكعبة إذا زال المانع وهو حداثة عهد الناس بالكفر وقد زال ذلك واستقر أمر الإسلام وثبت
стр. 310
قدمه في أيام الصحابة ﵃ فضلا عن زمان من بعدهم وإذا كان هو الحكم في الأموال التي في الكعبة فالأموال التي في غيرها من المساجد أولى بذلك بفحوى الخطاب فمن وقف على مسجده ﷺ أو على الكعبة أو على سائر المساجد شيئا يبقى فيها لاينتفع به أحد فهو ليس بمقترب ولا وقف ولا متصدق بل كانز يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] الآية ولا يعارض هذا ما ورى أحمد والبخاري عن أبي وائل قال: "جلست إلى شيبة في هذا المسجد فقال: جلس إلي عمر ﵁ في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت ما أنت بفاعل قال لم:؟ قلت: لم يفعله صاحباك فقال: هما المرآن اللذان يقتدى بهما لأن هذا من عمر ومن شيبة بن عثمان بن طلحة اقتداء بما وقع من النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وقد أبان حديث عائشة السبب الذي لأجله ترك ﷺ ذلك.
وأما الوقف على القبور فإن كان تلك الأمور فلا شك في بطلانه لأن رفعها قد ورد النهي عنه كما في حديث علي أنه أمره ﷺ أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه" وهو في مسلم وغيره وكذلك تزيينها وأشد من ذلك ما يجلب الفتنة على زائرها كوضع الستور الفائقة والأحجار النفيسة ونحو ذلك فإن هذا مما يوجب أن يعظم صاحب ذلك القبر في صدر زائره من العوام فيعتقد فيه ما لا يجوز وهكذا إذا وقف للنحر عند القبور ونحوه ممافيه مخالفة لما جاء عن الشارع أما إذا وقف على إطعام من يفد إلى ذلك القبر أو نحو ذلك فهذا هو وقف على الوافد لا على القبر وما صنع الواقف بوقفه على القبر إلا ما يعرضه للإثم فقد يكون ذلك سببا للإعتقادات الفاسدة وبالجملة فالوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر كبير إلا أن يقف على القبر مثلا لإصلاح ما تهدم من عمارته التي لا إشراف فيها ولا رفع ولا تزيين فقد يكون هذا وجه الصحة وإن كان غير القبر أحوج إلى ذلك كما قال: الصديق ﵁ الحي أولى بالجديد من الأكفان أو كما قال:
стр. 311
كتاب الهدايا
يشرع فبولها ومكافأة عليها وتجوز بين المسلم والكافر ويحرم الرجوع فيها وتجب التسوية بين الأولاد والرد لغير مانع شرعي مكروه.
أقول: أما كونه يشرع قبولها فلحديث أبي هريرة عند البخاري عن النبي ﷺ قال: "لو دعيت إلى كراع أو ذارع لأجبت ولو أهدي إلى كراع أو ذارع لقبلت" وأخرج أحمد والترمذي وصححه نحوه من حديث أنس وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية قالت: "قلت يا رسول الله تكره رد اللطف قال: "ما أقبحه لو أهدي إلي كراع لقبلته" وأخرج أحمد برجال الصحيح من حديث خالد بن عدي أن النبي ﷺ قال: "من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه" وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها" والأحاديث في قبوله الهدية والمكافأة عليها كثيرة وذلك معلوم منه ﷺ .
وأما كونها تجوز بين المسلم والكافر فلأن النبي ﷺ كان يقبل هدايا الكفار ويهدي لهم كما أخرجه أحمد والترمذي والبزار من حديث علي قال: "أهدى كسرى لرسول الله فقبل منه وأهدى له قيصر فقبل وأهدت له الملوك فقبل منها" وأخرج أبو داود من حديث بلال أنه أهدي إلى النبي ﷺ عظم فدك" وفي الصحيحين من حديث أنس أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله ﷺ جبة سندس" وأخرج أبو داود من حديثه أن ملك الروم أهدى إلى النبي ﷺ مشتقة سندس فلبسها" وفيهما أيضا من حديث علي ﵁ أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير فأعطاه عليا فقال: " شققه خمرا بين الفواطم" وأخرج البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتنى أمي راغبة في عهد قريش وهي مشركة فسألت النبي ﷺ أصلها؟
стр. 312
قال: "نعم" قال: ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] وقد أخرج أحمد والطبراني من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشى حلة وأوقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة فإن ردت إلي فهي لك" وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وثقه بن معين وغيره وضعفه جماعة والأحاديث في قبوله ﷺ لهدايا الكفار كثيرة جدا.
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححاه من حديث عياض بن حماد أنه أهدي للنبي ﷺ هدية أو ناقة فقال النبي ﷺ : "أسلمت قال: لا قال: إني نهيت عن زبد المشركين" وأخرج موسى بن عقبة في المغازي عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك أن عامر بن مالك الذي يقال له ملاعب الأسنة قدم على النبي ﷺ وأهدى له فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" قال: في الفتح ورجاله ثقات إلا أنه مرسل وقال: الخطابي يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا وقيل إنما رد ذلك إليهم لقصد الإغاظة أو لئلا يميل إليهم ولا يجوز الميل إلى المشركين١، وأما قبوله لهدية من تقدم ذكره فهي لكونهم قد صاروا من أهل الكتاب وقيل إن الرد في حق من يريد بهديته التوود والمولاة والقبول في حق من يرجى لك تأنيسه وتأليفه ويمكن أن يكون النهي لمجرد الكراهة التي لا تنافي الحواز جمعا بين الأدلة وزبد المشركين هم بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال مهملة قال: في الفاتح هو الرفد انتهي.
وأما كونه يكره الرجوع فيها فلكون الهدية هي هبة لغة وشرعا وقد ورد في ذلك حديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" وهو في مسلم أيضا وفي لفظ للبخاري "ليس لنا مثل السوء" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان،
стр. 313
والحاكم من حديث ابن عمر وابن عباس رفعاه إلى النبي ﷺ قال: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في قيئه" وقد دل قوله: لا يحل على تحريم الرجوع من غير نظر إلى التمثيل الذي وقع الخلاف فيه هل يدل على الكراهة أو على التحريم وقد ذهب إلى التحريم جمهور العلماء إلا هبة الوالد لولده كذا قال: في الفتح.
وأما كونها تجب التسوية بين الأولاد فلحديث جابر عند مسلم وغيره قال: "قالت امرأة بشير انحل ابنى غلاما وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ وقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي فقال: "له إخوة؟ " قال: نعم قال: "فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته"؟ قال: لا قال: "فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على الحق" وفي لفظ لأحمد من حديث النعمان ابن بشير "لا تشهدني على جور وإن لبنيك عليك حق أن تعدل بينهم" وفي الصحيحين من حديثه أن النبي ﷺ قال: له "أكل ولدك نحلته مثل هذا" فقال: لا فقال: " فأرجعه" وفي لفظ لمسلم من حديثه قال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم فرجع أبي في تلك الصدقة" وكذا البخاري ولكنه بلفظ العطية وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم" وأخرج الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور من حديث ابن عباس بلفظ: "سووا يبن أولادكم في العطية ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء" وفي إسناده سعيد بن يوسف وفيه ضعف وقد حسن في الفتح إسناده وهذه الأحاديث تدل على وجوب التسوية وأن التفضيل باطل جور يجب على فاعله استرجاعه وبه قال: طاوس والثورى وأحمد وإسحاق وبعض المالكية وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فقط وأجابوا عن الأحاديث بما لا ينبغي الالتفات إليه.
وأما كون الرد لغير مانع شرعي مكروه فلما قدمنا في أول البحث من الأدلة فإن كان ثم مانع شرعي من قبول الهدية لم يحل قبولها وذلك كالهدايا
стр. 314
لأهل الولايات توصلا إلى أن يميلوا مع المهدي فإن ذلك رشوة وستأتي الأدلة على تحريمها وقد ورد في هدايا الأمراء مايفيد أنها لا تحل وسيأتي الكلام على طرق حديث هدايا الأمراء في كتاب القضاء والعلة أنها تئول إلى الرشوة إما في الحكم أو في شيء مما يجب قيام الأمراء به ومن ذلك الهدية إلى من يعلم المهدي القرآن وقد تقدم الدليل على ذلك في الإجارات وهكذا حلوان الكاهن ومهر البغي ونحوهما ومن ذلك الهدية لمن يقضي للمهدي حاجة لحديث أبي إمامة عن النبي ﷺ قال: " من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا" أخرجه أبو دواد من طريق القاسم ابن عبد الرحمن الأموي مولاهم الشامي وفيه مقال: وبالجملة فكل مانع شرعي قام الدليل على مانعيته من قبول الهدية له حكم ما ذكرناه.
стр. 315
كتاب الهبات
إن كانت بغير عوض فلها حكم الهدية في جميع السلف وإن كانت بعوض فهي بيع ولها حكمه والعمري والرقبى توجبان الملك للمعمر والمراقب ولعقبة من بعده لارجوع فيها.
أقول: أما كون حكمها بلا عوض حكم الهدية فلكون الهدية هبة لغة وشرعا والفرق بينهما إنما هو اصطلاح جديد فإذا كانت الهبة بغير عوض كانت المكافأة عليها مشروعة وتجوز للكافر ومنه ولا يحل الرجوع فيها وتجب التسوية بين الأولاد ويكره الرد لغير مانع شرعي وأما إذا كانت بعوض فهي بيع لأن المعتبر في البيع إنما هو الترضي والتعارض وهما حاصلان في الهبة بعوض إذا كان ذلك واقعا عند التواهب.
وأما إذا كان في الموهوب له مكافأة غير مرادة للواهب عند الهبة فهي كالهدية وبالجملة فتنطبق على الهبة بغير عوض الأدلة المتقدمة في الهدية وتنطبق على الهبة بعض الأدلة المتقدمة في البيع وقد تقدمت فلا حاجة إلى إيرادها هنا.
وأما كون العمري والرقبي يوجبان الملك إلى آخره فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ قال: "العمري ميراث لأهلها" أو قال: " جائزة" وفيهما من حديث جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالعمري لمن وهبت له" وفي لفظ لمسلم "فمن أعمر عمري فهي للذي أعمر حيا وميتا ولعقبه" وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود إنما العمري التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها ولكن قد قيل إن ذلك من كلام أبي سلمة مدرج في حديث جابر فلا تقوم بهذه الرواية حجة ولا تصلح لتقييد الأحاديث المطلقة كالحدثين المتقدمين وحديث زيد بن ثابت عند أحمد وأبي داود وابن ماجه
стр. 316
وابن حبان قال: قال رسول الل ﷺ : "من أعمر عمري فهي لمعمره حياته ومماته لاترقبوا من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث" وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" ورجال إسناده ثقات وورد في محل النزاع ما أخرجه النسائي من حديث جابر بلفظ أن النبي ﷺ قضى بالعمري أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة" ويستنثى إن حدث بك حدث ولعقبك فهي إلي وإلى عقبي إنها لمن أعطاها ولعقبه وهكذا ما أخرجه أحمد من حديث جابر أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخل حياتها فماتت فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء قال: فأبى فاختصموا إلى النبي ﷺ فقسمها بينهم ميراثا" ورجاله رجال الصحيح وقد أخرجه أيضا أبو داود فهذا وما قبله يفيد أنها تكون للوارث وإن لم يذكر بل ذكر الموورث بل وإن استثنى وقال: إن حدث بك حدث فهي إلي فإن ذلك لا يفيد بل تكون للمعمر والمرقب ولورثته من بعده وقد ذهب إلى هذا جماعة من الشافعية وذهب الجمهور إلى أنه إذا قال: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي فهي عارية مؤقتة ترجع إلى المعمر عند موت المعمر وتمسكوا برواية جابر المتقدمة وقد قدمنا ماقيل فيها من الإدارج والعمرى بضم العين وسكون الميم مع القصر عند الأكثر وهي مأخوذة من العمر وهو الحياة سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول له أعمرتك أياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك فقيل لها عمرى لذلك والرقبى بضم الراء بوزن العمري مأخوذة من الرقبة لأن كل واحد منهما يرقب الآخر متى يموت لترجع إليه وكذا ورثته يقومون مقامه هذا أصلهما لغة.
стр. 317
كتاب الأيمان
الحلف إنما يكون باسم الله تعالى أو صفة له يحرم بغير ذلك ومن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو الخير وليكفر عن يمينه ومن أكره على اليمين فهي غير لازمة ولايأثم بالحنث فيها واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها ولا مؤاخذة باللغو ومن حق المسلم على المسلم إبراء قسمه وكفارة اليمين هي ماذكره الله في كتابه العزيز.
أقول: أما الحلف باسم الله عزوجل فظاهر وأما بصفة له فلحلفه ﷺ بمقلب القلوب كما في حديث ابن عمر في صحيح بخاري وغيره قال: كان أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: "لا ومقلب القلوب" وفي الصحيحين من حديث عمر أن النبي ﷺ قال: في زيد بن حارثة: "وأيم الله إن كان لخلقيا للإمارة" وهكذا ثبت عنه ﷺ الحلف بقوله: "والذي نفسي بيده" وهو في الصحيح وحكى النبي ﷺ عن جبريل أنه قال: "وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها" يعني الجنة وهو في الصحيح أيضا والأحاديث في هذا كثيرة.
وأما كون الحلف بغير اسم الله تعالى وصفاته حراما فلحديث ابن عمر عند مسلم ﵀ وغيره "أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: "إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله تعالى أو ليصمت" وفي لفظ: "من كان حالفا فلا يحلف إلابالله" وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن حبان والبيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن النبي ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر" وفي لفظ: "فقد أشرك" وهو عند أحمد من هذا الوجه وفي لفظ للترمذي والحاكم: "فقد كفر وأشرك" وفي الباب أحاديث.
وأما كون من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى فلحديث أبي هريرة
стр. 318
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وابن حبان ولفظ ابن ماجه "فله ثنياه" ولفظ النسائي "فقد استثنى" وأخرجه الحاكم وقد صححه ابن حبان وأخرج أبو داود عن عكرمة أن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم" قال: أبو داود قد أسنده غير واحد عن ابن عباس وقد رواه البيهقي موصلا ومرسلا ويؤيد أحاديث الباب ما في الصحيح أن سليمان ابن داود قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" الحديث وفيه "فقال النبي ﷺ : "لو قال إن شاء الله لم يحنث" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك فقال: أحمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال مالك: أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له قلت وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين فلا حنث عليه.
وأما كون من خلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه فقد ثبت في الصحبحين وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك" وفي لفظ "كفر عن يمينك وات الذى هو خير" وفي لفظ للنسائي وأبي داود "فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير" وأخرج مسلم وغيره من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي هريرة ﵁ نحوه وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي الباب أحاديث.
وأما كون من أكره على يمين فهى غير لازمة ولم يأثم بالحنث فيها فلكون
стр. 319
فعل المكره كلا فعل وقد رفع الله الخطاب به في التكلم بكلمة الكفر فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ولحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حديث فيه مقام طويل وتكليف الحالف بيمينه التى أكره عليها من تكليف ما لا يطاق وهو باطل بالأدلة العقلية والنقلية.
وأما كون اليمين الغموس هى التي يعلم الحالف كذبها فلحديث ابن عمر قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر فذكر الحديث وفيه "واليمين الغموس" وفيه قلت وما اليمين الغموس قال: "التي يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها كاذب" أخرجه البخاري.
وأما كونه لا مؤاخذة عليه باللغو فلقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وفي البخاري عن عائشة أنها قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله وبلى والله وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين وأخر ج أبو داود عن عائشة قالت: "إن رسول الله ﷺ قال: " هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرجه أيضا البيهقى وابن حبان وصحح الدارفطنى الوقف قال أبو داود: رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا وذهب الحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشي يظنه ثم يظهر خلافه وبه قال: جماعة وقيل أن يحلف وهو غضبان والخلاف في ذلك طويل وتفسير الصحابة للآية الكريمة مقدم على تفسير غيرهم.
وأما كون من حق المسلم إبرار قسمه فلما ثبت في الصحيحين من أمره ﷺ بذلك كما في حديث البراء وغيره وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة عن عائشة أن امرأة أهدت إليها تمرا فأكلت بعضه وبقى بعضه فقالت: أقسمت عليك إلا أكلت بقيته فقال: رسول الله ﷺ " أبريها فإن الإثم على المحنث" ورجاله رجال الصحيح.
стр. 320
وأما كون كفارة اليمين هى ما ذكره الله في كتابه العزيز فهو قوله: تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى آخر الآية [المائدة:٨٩]