← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وابن حبان قال: قال رسول الل ﷺ : "من أعمر عمري فهي لمعمره حياته ومماته لاترقبوا من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث" وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" ورجال إسناده ثقات وورد في محل النزاع ما أخرجه النسائي من حديث جابر بلفظ أن النبي ﷺ قضى بالعمري أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة" ويستنثى إن حدث بك حدث ولعقبك فهي إلي وإلى عقبي إنها لمن أعطاها ولعقبه وهكذا ما أخرجه أحمد من حديث جابر أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخل حياتها فماتت فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء قال: فأبى فاختصموا إلى النبي ﷺ فقسمها بينهم ميراثا" ورجاله رجال الصحيح وقد أخرجه أيضا أبو داود فهذا وما قبله يفيد أنها تكون للوارث وإن لم يذكر بل ذكر الموورث بل وإن استثنى وقال: إن حدث بك حدث فهي إلي فإن ذلك لا يفيد بل تكون للمعمر والمرقب ولورثته من بعده وقد ذهب إلى هذا جماعة من الشافعية وذهب الجمهور إلى أنه إذا قال: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي فهي عارية مؤقتة ترجع إلى المعمر عند موت المعمر وتمسكوا برواية جابر المتقدمة وقد قدمنا ماقيل فيها من الإدارج والعمرى بضم العين وسكون الميم مع القصر عند الأكثر وهي مأخوذة من العمر وهو الحياة سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول له أعمرتك أياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك فقيل لها عمرى لذلك والرقبى بضم الراء بوزن العمري مأخوذة من الرقبة لأن كل واحد منهما يرقب الآخر متى يموت لترجع إليه وكذا ورثته يقومون مقامه هذا أصلهما لغة.

стр. 317

كتاب الأيمان الحلف إنما يكون باسم الله تعالى أو صفة له يحرم بغير ذلك ومن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو الخير وليكفر عن يمينه ومن أكره على اليمين فهي غير لازمة ولايأثم بالحنث فيها واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها ولا مؤاخذة باللغو ومن حق المسلم على المسلم إبراء قسمه وكفارة اليمين هي ماذكره الله في كتابه العزيز. أقول: أما الحلف باسم الله عزوجل فظاهر وأما بصفة له فلحلفه ﷺ بمقلب القلوب كما في حديث ابن عمر في صحيح بخاري وغيره قال: كان أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: "لا ومقلب القلوب" وفي الصحيحين من حديث عمر أن النبي ﷺ قال: في زيد بن حارثة: "وأيم الله إن كان لخلقيا للإمارة" وهكذا ثبت عنه ﷺ الحلف بقوله: "والذي نفسي بيده" وهو في الصحيح وحكى النبي ﷺ عن جبريل أنه قال: "وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها" يعني الجنة وهو في الصحيح أيضا والأحاديث في هذا كثيرة. وأما كون الحلف بغير اسم الله تعالى وصفاته حراما فلحديث ابن عمر عند مسلم ﵀ وغيره "أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: "إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله تعالى أو ليصمت" وفي لفظ: "من كان حالفا فلا يحلف إلابالله" وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن حبان والبيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن النبي ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر" وفي لفظ: "فقد أشرك" وهو عند أحمد من هذا الوجه وفي لفظ للترمذي والحاكم: "فقد كفر وأشرك" وفي الباب أحاديث. وأما كون من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى فلحديث أبي هريرة

стр. 318

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وابن حبان ولفظ ابن ماجه "فله ثنياه" ولفظ النسائي "فقد استثنى" وأخرجه الحاكم وقد صححه ابن حبان وأخرج أبو داود عن عكرمة أن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم" قال: أبو داود قد أسنده غير واحد عن ابن عباس وقد رواه البيهقي موصلا ومرسلا ويؤيد أحاديث الباب ما في الصحيح أن سليمان ابن داود قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" الحديث وفيه "فقال النبي ﷺ : "لو قال إن شاء الله لم يحنث" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك فقال: أحمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال مالك: أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له قلت وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين فلا حنث عليه. وأما كون من خلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه فقد ثبت في الصحبحين وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك" وفي لفظ "كفر عن يمينك وات الذى هو خير" وفي لفظ للنسائي وأبي داود "فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير" وأخرج مسلم وغيره من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي هريرة ﵁ نحوه وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي الباب أحاديث. وأما كون من أكره على يمين فهى غير لازمة ولم يأثم بالحنث فيها فلكون

стр. 319

فعل المكره كلا فعل وقد رفع الله الخطاب به في التكلم بكلمة الكفر فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ولحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حديث فيه مقام طويل وتكليف الحالف بيمينه التى أكره عليها من تكليف ما لا يطاق وهو باطل بالأدلة العقلية والنقلية. وأما كون اليمين الغموس هى التي يعلم الحالف كذبها فلحديث ابن عمر قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر فذكر الحديث وفيه "واليمين الغموس" وفيه قلت وما اليمين الغموس قال: "التي يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها كاذب" أخرجه البخاري. وأما كونه لا مؤاخذة عليه باللغو فلقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وفي البخاري عن عائشة أنها قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله وبلى والله وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين وأخر ج أبو داود عن عائشة قالت: "إن رسول الله ﷺ قال: " هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرجه أيضا البيهقى وابن حبان وصحح الدارفطنى الوقف قال أبو داود: رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا وذهب الحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشي يظنه ثم يظهر خلافه وبه قال: جماعة وقيل أن يحلف وهو غضبان والخلاف في ذلك طويل وتفسير الصحابة للآية الكريمة مقدم على تفسير غيرهم. وأما كون من حق المسلم إبرار قسمه فلما ثبت في الصحيحين من أمره ﷺ بذلك كما في حديث البراء وغيره وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة عن عائشة أن امرأة أهدت إليها تمرا فأكلت بعضه وبقى بعضه فقالت: أقسمت عليك إلا أكلت بقيته فقال: رسول الله ﷺ " أبريها فإن الإثم على المحنث" ورجاله رجال الصحيح.

стр. 320

وأما كون كفارة اليمين هى ما ذكره الله في كتابه العزيز فهو قوله: تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى آخر الآية [المائدة:٨٩]

стр. 321

كتاب النذر أنما يصح إذا ابتغى به وجه الله تعالى فلا بد أن يكون قربة ولا نذر في معصية الله، ومن النذر في المعصبة ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد أو مفاضلة بين الورثة مخالفة لما شرعه الله تعالى ومنه النذر على القبور وعلى ما لم يأذن به الله ومن يوجب على نفسه فعلا لم يشرعه الله تعالى لم يجب عليه وكذلك إن كان مما شرعه الله تعالى وهو لا يطيقه ومن نذر نذرا لم يسمه أو كان معصية أو لا يطيقه فعليه كفارة يمين ومن نذر بقربه وهو مشرك ثم أسلم لزمه الوفاء ولا ينفذ النذر إلا من الثلث وإذا مات الناذر بقربه ففعلها عنه ولده أجزاه ذلك. أقول: أما كونه لا يصح النذر إلا إذا ابتغى به وجه الله فلأنه قد ورد النهى عن النذر كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من مال البخيل" وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة نحوه ثم ورد الإذن بالنذر في الطاعة والنهى عنه في المعصية كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" وعلى ذلك يحمل قوله: تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وقد أخرج الطبراني يسند صحيح عن قتادة في قوله: تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا وورد بلفظ الحصر أنه لا نذر إلا فيما ابتغى به وجه الله كما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لا نذر إلا فيما ابتغى به وجه الله" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث ابن عباس قال: قال: رسول الله " من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين" وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث

стр. 322

عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأما كون من النذر في المعصية ما فيه مخالفة شرعه الله تعالى من المواريث لأن المخالفة لذلك معصية ولا نذر في معصية كما تقدم. وأما النذر على القبور فلكون ذلك ليس من النذر في الطاعة ولا من النذر الذي يبتغى به١ وجه الله تعالى بل قد يكون من النذر في المعصية إذا تسبب عنه اعتقاد باطل في صاحب القبر كما يتفق ذلك كثيرا وقد أخرج أبو داود بإسناد صالح عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة فقال: له عمر إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك ولا تنذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك" وأخرج مالك والبيهقى بسند صحيح وصححه ابن السكن عن عائشة "أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة فقالت: يكفر عن اليمين" وإذا كان هذا في الكعبة فغيرها من المشاهد والقبور أولى ومن ذلك النذر على ما لم يأذن به الله تعالى كالنذر على المساجد لتزخرف أو على أهل المعاصي ليستعينوا بذلك على معاصيهم فإن ذلك من النذر في المعصية وأقل الأحوال أن يكون النذر على ما لم يأذن به الله خارجا عن النذر الذى أذن به الله وهو النذر في الطاعة وما ابتغى به وجه الله فيشمل هذا كل نذر على مباح أو مكروه محرم. وأما كون من أوجب على نقسه فعلا لم يشرعه الله تعالى لم يجب عليه فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره قال: "بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر ان يقوم في الشمس ولا يقعد

стр. 323

ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم فقال النبي ﷺ : " مروه ليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" وأخرج أحمد من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده نحوه فيمن نذر أن لا يزال في الشمس حتى يفرغ النبي ﷺ من خطبته فقال له النبي ﷺ : "إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله". وأما كون من نذر فعلا شرعه الله تعالى وهو لا يطيقه لم يجب عليه الوفاء به فلحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادى بين ابنيه فقال: ما هذا قالوا نذر أن يمشي قال: "إن الله تعالى عن تعذيب هذا لنفسه لغنى وأمره أن يركب" زاد النسائي في رواية "نذر أن يمشي إلى بيت الله" وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين" وأخرجه أيضا ابن ماجه وزاد "ومن نذر نذرا أطاقه فليف به" ومن ذلك أمره ﷺ لمن نذر أن يمشي إلى الكعبة بالركوب كما في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر وفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث ابن عباس ﵀ وفي مسند أحمد من حديث عقبة بن عامر. وأما كون من نذر نذرا لم يسمه أو كان معصية أو لا يطيقه فعليه كفارة يمين فلحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه والترمذي وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسمه كفارة يمين" وهو في صحيح مسلم بدون قوله: "إذا لم يسمه" وقد تقدم حديث ابن عباس قريبا فيمن نذر نذرا لم يسمه وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين" كذا نسب صاحب المنتقى إلى مسلم وفيه نظر وهو عند أبي داود وابن ماجه وأحمد وأخرج أحمد وأهل السنن أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" وفي إسناده مقال: وأخرج أبو داود وابن ماجه بإسناد من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين".

стр. 324

وهكذا أمر النبي ﷺ "المرأة التي نذرت أن تمشي وهي لا تطيق أن تكفر" كما أخرجه أحمد وأبو داود. وأما كون من نذر بقربة وهو مشرك ثم أسلم يلزمه الوفاء فلحديث عمر في الصحيحين وغيرهما أنه قال: قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسحد الحرام فقال: " أوف بنذرك" وأخرج أحمد وابن ماجه عن ميمونة بنت كردم أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال: "أبها وثن أو طاغية"؟ قال: لا قال: "أوف بنذرك" ورجال إسناده رجال الصحيح وأخرج أبو داود ونحوه من حديث ثابت بن الضحاك وإسناده صحيح. وأما كونه لا ينفذ النذر إلا من الثلث فلحديث كعب بن مالك فب الصحيحين أنه قال: يا رسول الله "إن من توبتى أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال النبي ﷺ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وفي لفظ لأبي داود إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة قال: لا قلت فنصفه قال: لا قلت فثلثه قال: "نعم" وفي إسناده محمد بن إسحاق وفي لفظ لأبي داود أنه قال: "يجزى عنك الثلث" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله "إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله فقال: يجزى عنك الثلث". وأما كونه يجزى عن نذر من مات أن يفعله ولده فلحديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: "إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال: رسول الله ﷺ اقضه عنها" أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح وأصل القصة في الصحيحين وفي البخاري أن ابن عمر أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ثم ماتت أن تصلى عنها وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس نحو ذلك بإسناد صحيح وقد روى عنها خلاف ذلك.

стр. 325

كتاب الأطعمة مدخل ... كتاب الأطعمة الأصل في كل شيء الحل ولا يحرم إلا ما حرم الله تعالى ورسوله وما سكتا عنه فهو عفو فيحرم ما في الكتاب العزيز وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير والحمر الإنسية والجلالة قبل الإستحالة والكلاب والهر وما كان مستخبثا وما عدا ذلك فهوحلال. أقول: أما كون الأصل الحل فلمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية فإن النكرة في سياق النفي تدل على العموم ولمثل حديث سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفرا فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفى لكم" أخرجه ابن ماجه والترمذي وفي إسناد ابن ماجه سيف بن هرون البرجمى وهو ضعيف وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته" وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وأخرج البزار وقال: سنده صالح والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء رفعه بلفظ "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم:٦٤] " وأخرج الدار قطنى من حديث أبي ثعلبة رفعه: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم,

стр. 326

لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها" وفي الكتاب والسنة مما يتقرر به هذا الأصل الكثير الطيب فيتوجه الاقتصار في رفع الحل على ما ورد فيه دليل يخصه ومن التخصيص قوله تعالى: في آخر تلك الآية ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] وكذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآية. ومن ذلك كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير لحديث ابن عباس عند مسلم ﵀ وغيره قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير" ولحديث أبي ثعلبة الخشنى عند مسلم ﵀ أيضا وغيره أن رسول الله ﷺ قال: " كل ذى ناب من السباع فأكله حرام" وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما والمراد بالناب السن الذى خلف الرباعية جمعه أنياب وذلك كالأسد والنمر والذئب وكل ذى ناب يتقوى به ويصاد وقال: في النهاية وهو ما يفترس الحيوان به ويأكل قسرا كالأسد والذئب والنمر ونحوها قال: في القاموس والسبع بضم الباء المفترس من الحيوان انتهى والمخلب بكسر الميم وفتح اللام قال: أهل اللغة والمراد به ما هو في الطير بمنزلة الظفر للإنسان. ومن ذلك الحمر الأنسية لحديث البراء ابن عازب في الصحيحين وغيرهما "أنه ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأنسية" وفيهما من حديث ابن عمر نحوه وفيهما أيضا من حديث أبي ثعلبة الخشنى نحوه وفي الباب غير ذلك وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. ومن ذلك الجلالة قبل الإستحالة وألبانها لحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقى وصححه الترمذى وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس "النهى عن أكل الجلالة وشرب ألبانها" وأخرج أحمد والنسائي والحاكم والدارقطنى والبيهقى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو ذلك.

стр. 327

وفي الباب غير ذلك وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل والثورى والشافعية وذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة فقط وظاهر النهي التحريم والعلة تغير لحمها ولبنها فإذا زالت العلة بمنعها عن ذلك حتى يزول الأثر فلا وجه للتحريم لأنها حلال بيقين إنما حرمت لمانع وقد زال. ومن ذلك الكلاب ولا خلاف في ذلك يعتد به وهو مستخبث وقد وقع الأمر بقتله عموما وخصوصا وقد نهى النبي ﷺ عن أكل ثمنه كما تقدم وسيأتي وتقدم إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقد جعله بعضهم داخلا في ذوات الناب من السباع. ومن ذلك الهر لحديث جابر عن أبي داود وابن ماجه والترمذي أن النبي ﷺ نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها" وفي إسناده عمر بن يزيد الصنعاني وهو ضعيف لكن يشد من عضده ما ثبت من النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور وهو في الصحيح وقد تقدم ولا فرق بين الوحشى والأهلى وللشافعية وجه في حل الوحشي. ومن ذلك ما كان مستخبثا لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [لأعراف:١٥٧] فما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد الاستخباث فهو حرام وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة فتندرج تحت قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وقد أخرج أبو داود عن ملقام بن تلب قال: "صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما" وقد قال: البيهقى إن إسناده غير قوي وقال: النسائي ينبغى أن يكون ملقام بن تلب ليس بالمشهور وهذا الحديث ليس فيه ما يخالف الآية وغايته عدم سماعه لشيء من النبي ﷺ وهو لا يدل على العدم وقد أخرج ابن عدى والبيهقى من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ نهى عن أكل الرخمة" وفي

стр. 328

إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف جدا فلا ينتهض الاحتجاج به وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عيسى بن نملية الفزارى عن أبيه قال: "كنت عند ابن عمر ﵁ فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذة الآية ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام:١٤٥] الآية فقال: شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي ﷺ فقال: "خبيث من الخبائث" فقال: ابن عمر إن كان قاله رسول الله ﷺ فهو كما قال" وعيسى بن نملية ضعيف فلا يصح الحديث لتخصيص القنفذ من أدلة الحل العامة وقد قيل إن من أسباب التحريم الأمر بقتل شيء كالخمس الفواسق والوزغ ونحو ذلك والنهى عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع ونحو ذلك ولم يأت عن الشارع ما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله أو نهي عن قتله حتى يكون الأمر والنهى دليلين على ذلك ولا لازمة عقلية ولا عرفية فلا وجه لجعل ذلك أصلا من أصول التحريم بل إن كان المأمور بقتله أو المنهي عن قتله مما يدخل في الخبائث كان تحريمه بالآية الكريمة وإن لم يكن من ذلك كان حلالا عملا بما أسلفنا من أصالة الحل وقيام الأدلة الكافية على ذلك ولهذا قلنا وما عدا ذلك فهو حلالا.

стр. 329

باب ما جاء في الصيد ما صيد بالسلاح الجارح والجوارح كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه وما صيد بغير ذلك فلا بد من التذكية وذا شارك الكلب المعلم كلب آخر لم يحل صيدهما وإذا أكل الكلب المعلم ونحوه من الصيد لم يحل فإنما أمسك على نفسه وإذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية ميتا ولو بعد أيام في غير ماء كان حلالا ما لم ينتن أو يعلم أن الذى قتله غير سهمه. أقول: أما صيد بالسلاح الجارح والجوارح فلحديث أبي ثعلبة الخشنى في الصحيحين قال: قلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسى وبكلبي المعلم وبكلبي الذى ليس بمعلم فما يصلح لي فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" وفي الصحيحين من حديث عدى بن حاتم قال: "قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قال: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها قال: قلت فإني أرمى بالمعراض الصيد فأصيد قال: "إذا رميت بالمعراض فخزق١ فكل وإن أصابه بعرضه فلا تأكل" وفي رواية "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاة" وفي لفظ من حديثه عند أحمد وأبي داود "قلت وإن

стр. 330

قتل؟ قال: وإن قتل ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك" وفي الصحيحين من حديثه "فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه" وفي حديث ابن عباس عند أحمد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل إنما أمسكه على نفسه فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل فإنما أمسكه على صاحبه" وقد أخرج أحمد وأبو داود من حديث عبد الله ابن عمرو أن أبا ثعلبة الخشنى قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتنى في صيدها قال: إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك فقال: يا رسول الله ذكي وغير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن أكل منه قال: "وإن أكل منه" قال: يا رسول الله افتنى في قوسي قال: كل ما أمسك عليك قوسك قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: "ذكي وغير ذكي" قال: وإن تغيب عني؟ قال: "وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك" وقد قال: ابن حجر أنه لا بأس بإسناده وفيه نظر لأن في إسناده داود بن عمرو الأودي الدمشقى وفيه مقال: وخلاف وقد أخرج نحو هذا الحديث أبو داود من حديث أبي ثعلبة نفسه ولا ينتهض هذا لمعارضة ما في الصحيحين من النهى عن أكل ما أكل منه الكلب وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عدى بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: " ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك" وقد أكل ﷺ من حمار الوحش الذى صاده أبو قتادة طعنا برمحه وهو في الصحيح وقد تقدم في الحج وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز تحليل ما صيد بالجوارح فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤] الآية وأباح الأكل فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وقد دل ما ذكرناه من هذه الأدلة على ما اشتمل عليه المختصر من أن ما صيد بالجارح والجوارح كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه وما صيد بغير ذلك فلا بد من التذكية وقد نزل ﷺ المعراض إذا أصاب فخزق منزله الجارح واعتبر مجرد الخزق كما في حديث عدي المذكور وفي لفظ لأحمد من حديث عدي قال: قلت يا رسول الله إنا قوم نرمى فما يحل لنا قال: يحل لكم ما ذكيتم وما ذكرتم اسم الله عليه فخزقتم فكلوا" فدل على

стр. 331

أن المعتبر مجرد الخزق وإن كان القتل بمثقل فيحل ما صاد من يرمي بهذه البنادق الجديدة التى يرمى بها بالبارود والرصاص لأن الرصاص تخزق خزقا زائدا على خزق السلاح فلها حكمة وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله على ذلك. وأما كونه لا يحل صيد الكلب المعلم إذا شاركه غيره فلما تقدم في حديث عدى من قوله: ﷺ "ما لم يشركها كلب ليس معها" وفي لفظ له في الصحيحين قال: قلت يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمى قال: " إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه" قلت إني أرسل كلبي أجد معه كلبا لا أدرى أيهما أخذه قال: "فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" وفي لفظ له "فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله". وأما كونه لا يحل الصيد إذا أكل منه الكلب المعلم فلما تقدم من الأدلة على ذلك وتقدم أيضا ترجيحها على حديث عبد الله بن عمرو. وأما كونه إذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه إلخ فلحديث أبي ثعلبة الخشنى عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت بسهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن" أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وغيره وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الصيد قال: إذا رميت بسهمك فاذكر الله فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" وفي لفظ من حديث لأحمد والبخارى عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل" وفي لفظ لمسلم نحوه وفي لفظ للبخارى من حديثه "إنا نرمي الصيد فنقتفى أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتا وفيه سهمه قال: يأكل إن شاء" وفي لفظ للترمذى وصححه قال: قلت يا رسول الله أرمى الصيد فأجد فيه سهمي من الغد قال: " إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل"

стр. 332

باب الذبح هو ما أنهر الدم وفرى الأدواج وذكر اسم الله عليه ولو بحجر أو نحوه ما لم يكن سنا أو ظفرا ويحرم تعذيب الذبيحة والمثل بها وذبحها لغير الله وإذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح وذكاة الجنين ذكاة أمه وما أبين من الحي فهو ميتة ويحل ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال وتحل الميتة للمضطر. أقول: أما كون الذبح ما أنهر الدم إلخ فلحديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما قال: قلت يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى فقال النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس وأبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفري الآوداج" وفي إسناده عمر بن عبد الله الصنعاني وهو ضعيف وأخرج أحمد والبخارى من حديث كعب بن مالك أنها كانت لهم غنم ترعى بسلع فبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها فقال: لهم لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله ﷺ أو أرسل إليه من يسأله عن ذلك وأنه سأل رسول الله ﷺ أو أرسل إليه فأمره بأكلها" وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت أن ذئبا نيب شاة فذبحوها بمروره فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان من حديث عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الظرار وشقة العصا فقال: ﷺ أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله"

стр. 333

والظرار الحجر أو المدر وأخرج البخارى وغيره من حديث عائشة أن قوما قالوا يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا فقال: "سموا عليه أنتم وكلوا" قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر" وهذا لا ينافى وجوب التسمية على الذابح بل فيه الترخيص لغير الذابح إذا شك في اللحم هل ذكر اسم الله عليه عند الذبح أم لا؟ فإنه يجوز له أن يسمي ويأكل. وأما كونه يحرم تعذيب الذبيحة فلحديث شداد بن أوس عن رسول الله ﷺ "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر أن تحد الشفار وأن توار ى عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز" وفي إسناده بن لهيعة وفيه مقال: معروف. وأما تحريم المثلة فلما ورد في تحريمها من الأحاديث الثابتة في الصحيح وغيره وهى عامة. وأما تحريم ذبحها لغير الله فلما ثبت عنه ﷺ من "لعن من ذبح لغير الله" كما في حديث مسلم رحمه الله تعالى وغيره ولقوله تعالى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٣] وكان أهل الجاهلية يتقربون إلى الأصنام والنجوم بالذبح لأجلهم إما بالإهلال عند الذبح بأسمائهم وأما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لهم فنهوا عن ذلك وهذا أحد مظان الشرك. وأما جواز الطعن والرمي إذا تعذر الذبح فلحديث أبي العشراء عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة قال: "لو طعنت في فخذها لأجزاك" أخرجه أحمد وأهل السنن وفي إسناده مجهولون وأبو العشراء لا يعرف من أبوه ولم يروعنه غير حماد بن سلمة فهو مجهول لا تقوم الحجة بروايته والذى يصلح للاستدلال به حديث رافع بن خديج في الصجيجين وغيرهما قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فند بعير من إبل القوم ولم

стр. 334

يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه فقال: رسول الله ﷺ إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا. وأما كون ذكاة الجنين ذكاة أمه فلحديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه وأبي داود والترمذي والدارقطنى وابن حبان وصححه عن النبي ﷺ أنه قال: "في الجنين ذكاته ذكاة امه" وللحديث طرق يقوى بعضها بعضا وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة تشهد له. وأما كون ما أبين من الحي فهو ميتة فلحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ما قطع من بهيمة وهي حية فما قطع منها فهو ميتة" أخرجه ابن ماجه والبزار والطبراني وقد قيل أنه مرسل وأخرج أحمد والترمذي وأبو داود والدارمي والحاكم من حديث أبي واقد الليثي عن النبي ﷺ قال:"ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" وأخرج ابن ماجه والطبراني وابن عدي نحوه من حديث تميم الدارى. وأما كونه يحل ميتتان ودمان فلحديث ابن عمر عن أحمد وابن ماجه والدارقطني والشافعي والبيهقى قال: قال رسول الله ﷺ : "أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال" وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن أبي أوفى قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد" وفيهما ايضا من حديث جابر "أن البحر ألقى حوتا ميتا فأكل منه الجيش فلما قدموا قالوا للنبي ﷺ فقال: كلوا رزقا أخرج الله لكم أطعمونا منه إن كان معكم فأتاه بعضهم بشيء" وفي البخارى عن عمر قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة:٩٦] قال: "صيده ما أصطيد وطعامه ما رمي به" وفيه عن ابن عباس "كل من صيد البحر صيد يهودي أو نصراني أو مجوسي انتهى" وإلى هذا ذهب الجمهور فقالوا: ميتة البحر حلال سواء ماتت بنفسها أو

стр. 335

بالصطياد وذهب الحنفية والهدوية إلى أنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمى أو بإلقاء الماء له أو جزره عنه وفكلوه وأما ما مات فيه فطفا فلا تاكلوه" وفي إسناده يحيى بن سليم وهو ضعيف الحفظ وقد روى من غير هذا الوجه وفيه ضعف. وأما كونها تحل الميتة للمضطر فلقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ [الأنعام:١١٩] وقد ثبت تحليل الميتة عند الجوع من حديث أبي واقد الليثي عن أحمد والطبراني برجال ثقات ومن حديث جابر ابن سمرة عند أحمد وأبي داود بإسناد لا مطعن فيه ومن حديث الفجيع العامري عن أبي داود وقد اختلف في المقدار الذى يحل تناوله وظاهر الآية أنه يحل ما يدفع الضرر لأن من اندفعت ضرورته فليس بمضطر.

стр. 336

باب ما جاء في الضيافة . يجب على من وجد ما يقرى به من نزل من الضيوف أن يفعل ذلك وحد الضيافة إلى ثلاثة أيام وما كان وراء ذلك فصدقة ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى يخرجه وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه ومن ذلك حلب ماشيته وأخذ ثمرته وزرعه لا يجوز إلا بإذنه إلا أن يكون محتاجا إلى ذلك فليناد صاحب الإبل أو الحائط فإن أجابه وإلا فليشرب وليأكل غير متخذ خبنة. أقول: أما وجوب الضيافة على من وجد القرى إلخ فلحديث عقبة ابن عامر في الصحيحين قال: قلت يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى فقال: "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فأقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغي لهم" وفيهما من حديث أبي شريح الخزاعى عن رسول الله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته يا رسول الله قال: يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث المقدام أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" وإسناده صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وإسناده صحيح أيضا وفي الباب أحاديث وقد ذهب الجمهور إلى ان الضيافة مندوبة لا واجبة واستدلوا بقوله: "فليكرم

стр. 337

ضيفه جائزته" قالوا: والجائزة هي العطية والصلة وأصلها الندب ولا يخفى أن هذا اللفظ لا ينافي الوجوب وأدلة الباب مقتضيه لذلك لأن التغريم لا يكون للإخلال بأمر مندوب وكذلك قوله: واجبة فإنه نص في محل النزاع وكذلك قوله: "فما كان وراء ذلك فهو صدقة". وأما كونه يحرم طعام الغير بغير إذنه فلقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] وكل ما دل على تحريم مال الغير دل على ذلك لأنه مال وإنما خص منه ما ورد فيه دليل يخصه كالضيف إذا حرمه من تجب عليه ضيافته كما مر. ومن ذلك حلب ماشيته وأخذ ثمرته وزرعه للآدلة العامة والخاصة أما العامة فظاهر كالآية الكريمة وحديث خطبة الوداع ونحو ذلك وأما الأدلة الخاصة فمثل حديث ابن عمرفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينثل طعامه وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ما شية أحد إلا بإذنه" وأخرج أحمد من حديث عمير مولى أبي اللحم قال: أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى إذا دنونا من المدينة قال: فدخلوا وخلفوني في أظهرهم فأصابتني مجاعة شديد وقال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من ثمر حوائطها قال: فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين فاتى صاحب الحائط وأتى بي رسول الله ﷺ فأخبره خبري وعلي ثوبان فقال لي: "أيهما أفضل فأشرت إلى أحدهما فقال: خذه وأعط صاحب الحائط الآخر، فخلى سبيلي" وفي إسناده ابن لهيعة وله طريق أخرى عند أحمد وفي إسناده أيضا أبو بكر بن يزيد بن المهاجر غير معروف الحال وقد أعل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق عن محمد بن يزيد وهو ضعيف وأخرج أحمد والترمذي وابن ما جه من حديث ابن عمر قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يدخل الحائط فقال: "يأكل غير متخذ خبنة".

стр. 338

وأخرج أبو داود والترمذي من حديث سمرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا فإن أجابه أحد فليستأذن وإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل" وهو من سماع الحسن عن سمرة وفيه مقال معروف. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فليناد صاحب الحائط ثلاثا فإن أجابه وإلا فليأكل وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد يا صاحب الإبل أو ياراعى الغنم فإن أجابه وإلا فليشرب". وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث رافع قال: كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رافع لم ترم نخلهم"؟ قال: قلت يا رسول الله الجوع قال: "لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك". وأخرج أبو داود والنسائي من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة رافع وفيها فقال رسول الله ﷺ لصاحب الحائط: "ما علمت إذا كان جاهلا ولا أطعمت إذا كان جائعا" والمراد بالخبنة ما يحمله الإنسان في حضنه وهو بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها نون ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن تغريم النبي ﷺ لأبي اللحم لعدم المناداة منه ولو فرضنا عدم صحة الجمع بهذا كانت أحاديث الإذن عند الحاجة مع المناداة أرجح.

стр. 339

باب آداب الأكل يشرع للآكل التسمية والأكل باليمين ومن حافتى الطعام لا من وسطه ومما يليه ويلعق أصابعه والصفحة والحمد عند الفراغ والدعاء ولا يأكل متكئا. أقول: أما مشروعية التسمية فلحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وصححه قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله فإن نسي فى أوله فليقل بسم الله على أوله وآخره" وأخرجه مسلم وغيره من حديث جابر ﵁ سمع النبي ﷺ يقول: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال: الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء" وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليستحل الطعام الذى لم يذكر اسم الله عليه" الحديث وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكل بلقمتين فقال: رسول الله ﷺ "أما إنه لو سمى لكفى لكم" وقال: حسن صحيح وفي الباب أحاديث وأما مشروعية الأكل باليمين فلحديث ابن عمر عند مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ قال: " لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله".

стр. 340

وأما مشروعية الأكل من حافتي الطعام فلحديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه أن النبي ﷺ قال: "البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تاكلوا من وسطه" وأخرجه أبو داود بلفظ "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصفحة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها". وأما مشروعية الأكل مما يليه فلحديث عمر بن أبي سلمة في الصحيحين وغيرهما قال: كنت غلاما في حجر النبي ﷺ وكانت يدى تطيش في الصفحة فقال لي: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك". وأما مشروعية لعق الأصابع والصفحة فلحديث أنس رحمه الله تعالى وغيره أن النبي ﷺ كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان وأمرنا أن نسلت القصعة وقال: إنكم لا تدرون فى أي طعامكم البركة" وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث جابر أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصفحة وقال: "فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة". وأما مشروعية الحمد عند الفراغ والدعاء فلحديث أبي أمامة عند البخارى وغيره أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والبخارى في التاريخ من حديث أبي سعد قال: "كان النبي ﷺ إذا أكل أو شرب قال: "الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وأ خرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذى أطعمنى هذا ورزقتيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه".

стр. 341

وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقى لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزى من الطعام والشراب إلا اللبن" وأخرجه الترمذي بنحوه وحسنه ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف وقد رواه عن محمد ابن حرملة قال: أبو حاتم بصري لا أعرفه. وأما كونه لا يأكل متكئا فلحديث أبي جحيفة عند البخارى وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أنا فلا آكل متكئا".

стр. 342

كتاب الأشربة كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام ويجوز الإنتباذ في جميع الآنية ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين ويحرم تخليل الخمر ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه ومظنه ذلك بما زاد على ثلاثة أيام وآداب الشرب أن يكون ثلاثة أنفاس وباليمين ومن قعود وتقديم الأيمن فالأيمن ويكون الساقي آخرهم شربا ويسمي في أوله ويحمد في آخره ويكره التنفس في السقاء والنفخ فيه والشرب من فمه وإذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات لم يحل شربه وإن كان جامدا ألقيت وما حولها ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. أقول: أما كون كل مسكر حراما فلما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" فشمل ذلك جميع أنواع الخمر من الشجرتين وغيرهما فيتناوله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة:٩٠] الآية وفي لفظ لمسلم "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن التبع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال: ﷺ "كل شراب أسكر فهو حرام" وفيهما نحوه من حديث أبي موسى وفي الباب أحاديث. وأما كون ما أسكر كثيره فقليله حرام فلحديث عائشة عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن حبان والدارقطني وأعله بالوقف قالت: قال: رسول الله ﷺ "كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" ورجاله رجال الصحيح إلا عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدنى قال: المنذرى لم أر أحدا قال: فيه كلاما وقال: الحاكم هو معروف بكنيته يعنى أبا عثمان وأخرج أحمد وابن ماجه والدارقطنى وصححه من حديث ابن عمر عن

стр. 343

النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنة وقال: ابن حجر رجاله ثقات من حديث جابر وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه ثم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي الباب أحاديث. وأما جواز الانتباذ في جميع الآنية فلما أخرجه مسلم وغيره من حديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا" وفي لفظ مسلم رحمه الله تعالى أيضا وغيره "نهيتكم عن الظروف وأن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام" وفي الباب أحاديث مصرحة بنسخ ما قد كان وقع منه ﷺ من النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت والحنتم ونحوها كما هو مذكور في الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما. وأما كونه لا يجوز انتباذ جنسين مختلطين فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا" وفيهما من حديث أبي قتادة نحوه ولمسلم نحوه من حديث أبي سعيد وله أيضا نحوه من حديث أبي هريرة وفي الباب أحاديث ووجه النهي عن انتباذ الخليطين أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط فيظن المنتبذ أنه لم يبلغ حد الإسكار وقد بلغه قال: النووي ومذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه لا التحريم وإنما يحرم إذا صار مسكرا ولا تخفى علامته وقال بعض االمالكية: هو للتحريم وقد ورد ما يدل على منع انتباذ جنسين سواء كانا مما ذكر فى الأحاديث السابقة أم لا وهو ما أخرجه النسائي وأحمد من حديث أنس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين شيئين فينبذا يبغي أحدهما على صاحبه" ورجال إسناده ثقات. وأما كونه يحرم تخليل الخمر فلحديث أنس عند أحمد وأبي داود والترمذي وصححه أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلا فقال: لا"

стр. 344

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي من حديثه أيضا أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا فقال: "أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا قال: لا" وقد عزاه المنذرى في مختصر السنن إلى مسلم رحمه الله تعالى وله حديث ثالث نحوه أخرجه الدارقطنى وأخرج أحمد من حديث أبي سعيد نحوه. وأما كونه يجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه فلحديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه "قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش فقال: "اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر" وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير "قال: "اشربه ما لم يأخذه شيطانه" قيل وفى كم يأخذه شيطانه؟ قال: "في ثلاث" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث ابن عباس أنه كان ينقع للنبي ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخادم أو يهراق" قال: أبو داود معنى يسقى الخادم يبادر به الفساد. وأما كون مظنة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام فلحديث ابن عباس المذكور وقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث عائشة أنها كانت تنتبذ لرسول الله ﷺ غدوة فإذا كان من العشى فتعشى شرب على عشائه وإن فضل شيء صبته أو أفرغته ثم تنتبذ له من الليل فإذا أصبح تغذى فشرب على غذائه قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية" وهو لا ينافى حديث ابن عباس المتقدم أنه كان يشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة لأن الثلاث مشتملة على زيادة غير منافية والكل في الصحيح. وأما كون من آداب الشراب أن يكون ثلاثة أنفاس فلحديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى أنه كان يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: "أنه أروى وأمرأ" والمراد أنه كان يتنفس بين كل شربتين في غير الإناء وأما التنفس في الإناء

стр. 345

فمنهى عنه" لحديث أبي قتادة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه" وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد أن النبي نهى عن النفخ في الشراب فقال: رجل القذاة أراها في الشراب؟ فقال: أرقها فقال: إنى لا أروى من نفس واحد قال: أبن القدح إذن عن فيك". وأما باليمين فلما تقدم في آداب الأكل. وأما من قعود فلحديث أبي سعيد عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائما" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليستقيء" ولا يعارض هذا حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم قائما" ولا ما أخرج البخاري وغيره من حديث علي ﵁ أنه شرب وهو قائم ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما وأن رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت" ولا ما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث ابن عمر قال: كنا نأكل عند رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام لأنه يمكن الجمع بأن الكراهة للتنزيه وإن كان قوله: فمن نسى فليستقيء يشعر بعدم الجواز فقد يكون ذلك في حق من قصد مخالفة السنة على أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة ويخصص القول الشامل له وللأمة فيكون الفعل خاصا به كما تقرر في الأصول. وأما كونه يقدم الأيمن فالأيمن فلحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: "الأيمن فالأيمن" وفيهما من حديث سهل بن

стр. 346

سعد أن النبي ﷺ أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال: للغلام أتأذن لي أن أعطى هؤلاء فقال: الغلام والله يا رسول الله لا أوثر نصيبي منك أحدا فتله١ رسول الله ﷺ في يده" وأما كون الساقى آخرهم شربا فلحديث أبى قتادة عند ابن ماجه وأبي داود والترمذي وصححه وقال: المنذرى رجال إسناده ثقات عن النبي ﷺ قال: "ساقي القوم آخرهم شربا" وقد أخرجه أيضا مسلم رحمه الله تعالى بلفظ "قلت لا أشرب حتى يشرب رسول الله ﷺ فقال: "إن الساقي آخرهم شربا". وأما مشروعية التسمية والحمد فلحديث ابن عباس عند الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا الله إذا أنتم شربتم واحمدوا الله إذا أنتم رفعتم" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والبخارى في التاريخ من حديث أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ إذا أكل وشرب قال: "الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين". وأما كراهة التنفس في السقاء والنفخ فقد تقدم أدلة ذلك في الشرب ثلاثة أنفاس. وأما كراهة الشرب من فم السقاء فلحديث أبي سعيد في الصحيحين قال: نهى النبي ﷺ عن اختناث الأسقية أن يشرب من أفواهها" وفي رواية لهما "واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب منه" وفي البخارى من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب من السقاء" وزاد أحمد قال: أيوب فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية وفي البخارى وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من في السقاء" وهذا لا يعارضه ما رواه ابن ماجه والترمذي وصححه من حديث كبشة قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائما

стр. 347

فقمت إلى فيها فقطعته" وأخرج أحمد وابن شاهين والترمذي في الشمائل والطبراني والطحاوي من حديث أم سليم نحوه وأخرج أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن بشر نحوه أيضا لأن فعله ﷺ قد يكون لبيان الجواز فتحمل أحاديث النهي على الكراهة لا على التحريم وقد يكون ما فعله ﷺ لعذر فتحمل أحاديث النهي على عدم العذر وقد جزم ابن حزم بالتحريم وروى عن أحمد عن أحاديث النهى ناسخة. وأما كون ما وقعت فيه النجاسة إذا كان مائعا لم يحل شربه وإن كان جامدا ألقيت وما حولها فلحديث ميمونة عند البخارى وغيره أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم" وأخرجه أبو داود والنسائي في لفظ لهما من هذا الحديث أنه ﷺ سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال:"إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه" وصححه ابن حبان وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي وإن كان مائعا فلا تقربوه" وقد أخرجه النسائي وحكم غير الفأرة مما هو مثلها في النجاسة والاستقذار حكمها إذا وقع في سمن أو نحوه. وأما تحريم الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة فلحديث حذيفة في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وفيهما أيضا من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وفي لفظ مسلم ﵀ إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب أو الفضة وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث البراء بن عازب قال:"نهانا رسول الله ﷺ عن الشرب في الفضة قال: من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة" وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث عائشة نحو حديث أم سلمة.

стр. 348

كتاب اللباس ستر عورة واجب في الملأ والخفاء ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير إذا كان فوق أربع أصابع إلا للتداوي ولا يفترشه ولا المصبوغ بالعصفر ولا ثوب شهرة ولا ما يختص بالنساء ولا العكس ويحرم على الرجل التحلي بالذهب لا بغيره". أقول: أما وجوب ستر العورة في الملأ والخلا فلحديث حكيم ابن حزام١ عن أبيه عن أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر فقال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قلت فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها" فقلت فإن كان أحدنا خاليا قال: "فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه" وقد اختلف أهل العلم في حد العورة وكذلك اختلفت الأدلة وقد استوفيت ذلك في شرح المنتقى. وأما كونه لا يلبس الرجل الخالص من الحرير إذا كان فوق أربع أصابع فلحديث عمر في الصحيحين قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وفيهما نحوه من حديث أنس وفيهما وغيرهما من حديث ابن عمر أنه رأى عمر حلة من إستبرق تباع فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ابتغ هذه فتجمل بها للعيد والوفود فقال: رسول الله ﷺ "إنما هذه لباس من لا خلاق له" وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي موسى "أن النبي ﷺ قال: "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتى وحرم على ذكورها" وفي إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال: أبو حاتم إنه لم يلقه وقد صححه أيضا ابن حزم وروى من

стр. 349

حديث علي ﵁ عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان قال: أخذ النبي ﷺ حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي" زاد ابن ماجه "حل لإناثهم" وهو حديث حسن وأخرج البيهقى بإسناد حسن نحوه وأخرج البزار من حديث عمرو بن جرير البجلى نحوه أيضا وفي إسناده قيس ابن أبي حازم وفي الباب أحاديث وقد ذكر المهدي في البحر أنه مجمع على تحريم الحرير للرجال وقال فيه إنه خالف في ذلك ابن علية وانعقد الإجماع بعده على التحريم وقال القاضي عياض: إنه حكى عن قوم إباحته وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة وقد اختلف أهل العلم في الحرير المشوب بغيره واستدل المانعون من لبسه بما ورد من منعه ﷺ للبس حلة السيراء كما في الصحيحين من حديث علي ﵁ ولكنه قد وقع الخلاف في تفسير حلة السيراء ما هي فقيل إنها ذات الخطوط وقيل المختلفة الألوان وهذان التفسيران لا يدلان على مطلوب من استدل بذلك على المنع من لبس المشوب على أنه قد قيل إنه الحرير المحض واستدل من لم يقل بتحريم المشوب بل حرم الخالص فقط بمثل حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قال: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من قز" وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن وهو ضعيف والمصمت بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة وهو الذى جميعه حرير لا بخالطه شيء قطن ولا غيره وهذا البحث طويل الذيول. وأما تقييد التحريم بما كان فوق أربع أصابع فلحديث عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا ورفع لنا رسول الله ﷺ يديه الوسطى والسبابة وضمهما" وفي لفظ لمسلم ﵀ وغيره نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة". وأما جواز لبسه للتداوي فلحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما.

стр. 350

وأما كونه لا يحل فراش الحرير فلحديث حذيفة عند البخارى قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال: "هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" وفي معنى ذلك أحاديث وهذا نص في محل النزاع. وأما الإسترواح بالقياس على جواز افتراش ما فيه تصاوير فقياس في مقابلة النص وهو فاسد الإعتبار وإلى التحريم ذهب الجمهور وروى عن ابن عباس وأنس أنه يجوز افتراش الحرير وإليه ذهب الحنفية والهدوية واستدل لهم بأن افتراش الحرير إهانة وليس هذا مما يستدل به على المسائل الشرعية على فرض عدم المعارض فكيف وقد عارضه الدليل الصحيح الصريح. وأما المنع من المصبوغ بالعصفر فلحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب أهل الكفر فلا تلبسها" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره أيضا من حديث علي قال: نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب وعن لباس القسي وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس المعصفر" وفي الباب أحاديث والعصفر يصبغ الثوب صبفا أحمرا على هيئة مخصوصة فلا يعارضه ما ورد في لبس مطلق الأحمر كما في الصحيحين من حديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ مربوعا بعيد ما بين المنكبين وله شعر يبلغ شحمة أذنه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه" وفي الباب أحاديث يجمع بينها بأن الممنوع منه هو الأحمر الذى صبغ بالعصفر والمباح هو الأحمر الذى لم يصبغ به. وأما المنع من ثوب الشهرة فلحديث ابن عمر "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ورجال إسناده ثقات والمراد به الثوب الذى يشهر لابسه بين الناس ويلحق بالثوب غيره من الملبوس ونحوه مما يشهر به اللابس له لوجود العلة".

стр. 351

وأما كونه لا يلبس الرجل ما يختص بالنساء ولا العكس فلحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والنسائي أن النبي ﷺ لعن الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل" وفي صحيح البخارى وغيره من حديث ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء" وفي الباب أحاديث. وأما تحريم التحلي بالذهب على الرجال فلما تقدم من الأحاديث الواردة في تحريم الذهب وهو لا يكون إلا حلية إذ لا يمكن لبسه. وأما ما يخلط في بعض الثياب بالحرير أو بغيره فهو فضة وإن سماه الناس ذهبا ومن الأدلة على ذلك ما ورد في المنع من خاتم الذهب وما ورد فيمن حلى جيبا له ولو بجر بصيصه١ وقد جمعت رسالة مستقلة في تحريم التحلي بقليل الذهب وكثيره وجمعت أيضا رسالة مستقلة في تحلي النساء بالذهب وهل يجوز ذلك أم لا فليرجع إليهما.

стр. 352

كتاب الأضحية الاضحية ... كتاب الأضحية تشرع لأهل كل بيت وأقلها شاة ووقتها بعد صلاة النحر إلى آخر أيام التشريق وأفضلها أسمنها ولا يجزى ما دون الجذع من الضأن والثني من المعز ولا الأعور والمريض والأعرج والعجف وأعضب القرن والأذن ويتصدق منها ويأكل ويدخر والذبح في المصلى أفضل ولا يأخذ من له أضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي". أقول: أما كونها تشرع لأهل كل بيت فلحديث أبي أيوب الأنصارى قال: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث أبي شريحة بإسناد صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث محنف بن سليم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية" وفى إسناده أبو رملة واسمه عامر قال: الخطاب مجهول وقد اختلف في وجوب الأضحية فذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة وذهب ربيعة والأوزاعى وأبو حنيفة والليث وبعض المالكية إلى أنها واجبة على الموسر وحكى عن مالك والنخعي وتمسك القائلون بالوجوب بمثل حديث "على كل أهل بيت أضحية" المتقدم وبمثل حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم وقال ابن حجر: في الفتح رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه الموقوف أشبه بالصواف قاله الطحاوي: وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" ومن أدلة الموجبين قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ والأمر للوجوب وقد قيل أن المراد تخصيص الرب تعالى بالنحر لا للأصنام ومن ذلك حديث جندب بن سفيان البجلي في الصحيحين وغيرهما قال: قال ﷺ : "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". ومن حديث جابر

стр. 353

نحوه وجعل الجمهور حديث أنه ﷺ ضحى عن من لم يضح من أمته بكبش" كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وأخرج نحوه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي رافع بإسناد حسن قرينة صارفة لما تفيده أدلة الموجبين ولا يخفى أنه يمكن الجمع بأنه ضحى عن غير الواجدين من أمته كما يفيده قوله: "من لم يضح من أمته مع قوله: "على كل أهل بيت أضحية" وأما مثل حديث "أمرت بالأضحى ولم يكتب عليكم" ونحوه فلا تقوم بذلك الحجة لأن في أسانيدها من رمي بالكذب ومن هو ضعيف بمرة. وأما كون أقلها شاة فلما تقدم. وأما كون وقتها بعد صلاة عيد النحر فلقوله ﷺ : "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله" وهو في الصحيحين كما تقدم قريبا وفي الباب أحاديث وفيها التصريح بأن المعتبر صلاة الإمام. وأما كونه يمتد الوقت إلى آخر أيام التشريق فلحديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: كل أيام التشريق ذبح" أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي وله طرق يقوي بعضها بعضا وقد روى أيضا من حديث جابر وغيره وقد روى نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم والخلاف في المسألة معروف. وأما كون أفضل الضحايا أسمنها فلحديث أبي رافع أن النبي ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين" الحديث وهو عند أحمد وغيره بإسناد حسن وأخرج البخارى من حديث أبي أمامة بن سهل "قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون". وأما كونه لا يجزيء ما دون الجذع من الضأن فلحديث جابر عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر

стр. 354

عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "نعم أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن" وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: "يجوز الجذع من الضأن ضحية" وفي الصحيحين من حديث عقبة ابن عامر قال: قسم رسول الله ﷺ ضحايا بين أصحابه فصارت لعقبة جذعة فقلت يا رسول الله أصابني جذع فقال: "ضح به" وقد ذهب إلى أنه يجزئ الجذع من الضأن الجمهور. وأما كونه لا يجزئ دون الثنى من المعز فلحديث أبي بردة في الصحيحين وغيرهما أنه قال: يا رسول الله إن عندي داجنا جذعه من المعز فقال: "اذبحها ولا تصلح لغيرك". وأما ما روي في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة أن النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود فذكره للنبي ﷺ فقال: ضح به أنت" والعتود من ولد المعز ما أتى عليه حول فقد أخرج البيهقى عنه بإسناد صحيح أنه قال: أعطاني رسول الله ﷺ غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود منها فقال: "ضح به أنت ولا رخصة لأحد فيه بعدك" وقد حكى النووى الاتفاق على أنه لا يجزئ الجزع من المعز. وأما كونه لا يجزئ الأعور إلى آخر ما ذكر من المعيب فلحديث البراء عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذى وابن حبان والحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عور ها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التى لا تنقى" أي التي لا مخ لها وقد وقع في رواية العجفاء بدل الكسيرة وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذى من حديث علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن" قال: قتادة العضب النصف فأكثر من ذلك وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم والبخارى في تاريخه قال: إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسيرة فالمصفرة التى

стр. 355

تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها والمستأصلة التى ذهب قرنها من أصله والبخقاء التى تبخق عينها والمشيعة التى لا تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسيرة التى لا تنقى وهذا التفسير هو في أصل الرواية وفي الباب أحاديث. وأما مسلوبة الإلية فأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقى من حديث أبي سعيد قال: "اشتريت كبشا أضحى به فعدا الذئب فأخذ الإلية فسألت النبي ﷺ فقال: "ضح به" وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدا. وأما كون المضحي يتصدق منها ويأكل ويدخر فلحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " كلوا وادخروا وتصدقوا" وهو في الصحيحين وفي الباب أحاديث. وأما كون الذبح في المصلى أفضل فلحديث ابن عمر عند البخارى وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يذبح وينحر بالمصلى". وأما كون المضحي لا يأخذ شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي فلحديث أم سلمة ﵂ عند مسلم ﵀ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذى الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى وغيره أيضا "من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذى الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي" وقد اختلف العلماء في ذلك فدهب سعيد ابن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعى إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وقال: الشافعى وأصحابه مكروه كراهة تنزيه وحكى المهدي في البحر عن الإمام يحيى والهدوية والشافعي أن ترك الحلق والتقصير لمن أراد التضحية مستحب وقال: أبو حنيفة لا يكره.
следующие страницы →