وأما كونه لا يلبس الرجل ما يختص بالنساء ولا العكس فلحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والنسائي أن النبي ﷺ لعن الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل" وفي صحيح البخارى وغيره من حديث ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء" وفي الباب أحاديث.
وأما تحريم التحلي بالذهب على الرجال فلما تقدم من الأحاديث الواردة في تحريم الذهب وهو لا يكون إلا حلية إذ لا يمكن لبسه.
وأما ما يخلط في بعض الثياب بالحرير أو بغيره فهو فضة وإن سماه الناس ذهبا ومن الأدلة على ذلك ما ورد في المنع من خاتم الذهب وما ورد فيمن حلى جيبا له ولو بجر بصيصه١ وقد جمعت رسالة مستقلة في تحريم التحلي بقليل الذهب وكثيره وجمعت أيضا رسالة مستقلة في تحلي النساء بالذهب وهل يجوز ذلك أم لا فليرجع إليهما.
стр. 352
كتاب الأضحية
الاضحية
...
كتاب الأضحية
تشرع لأهل كل بيت وأقلها شاة ووقتها بعد صلاة النحر إلى آخر أيام التشريق وأفضلها أسمنها ولا يجزى ما دون الجذع من الضأن والثني من المعز ولا الأعور والمريض والأعرج والعجف وأعضب القرن والأذن ويتصدق منها ويأكل ويدخر والذبح في المصلى أفضل ولا يأخذ من له أضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي".
أقول: أما كونها تشرع لأهل كل بيت فلحديث أبي أيوب الأنصارى قال: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث أبي شريحة بإسناد صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث محنف بن سليم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية" وفى إسناده أبو رملة واسمه عامر قال: الخطاب مجهول وقد اختلف في وجوب الأضحية فذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة وذهب ربيعة والأوزاعى وأبو حنيفة والليث وبعض المالكية إلى أنها واجبة على الموسر وحكى عن مالك والنخعي وتمسك القائلون بالوجوب بمثل حديث "على كل أهل بيت أضحية" المتقدم وبمثل حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم وقال ابن حجر: في الفتح رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه الموقوف أشبه بالصواف قاله الطحاوي: وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" ومن أدلة الموجبين قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ والأمر للوجوب وقد قيل أن المراد تخصيص الرب تعالى بالنحر لا للأصنام ومن ذلك حديث جندب بن سفيان البجلي في الصحيحين وغيرهما قال: قال ﷺ : "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". ومن حديث جابر
стр. 353
نحوه وجعل الجمهور حديث أنه ﷺ ضحى عن من لم يضح من أمته بكبش" كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وأخرج نحوه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي رافع بإسناد حسن قرينة صارفة لما تفيده أدلة الموجبين ولا يخفى أنه يمكن الجمع بأنه ضحى عن غير الواجدين من أمته كما يفيده قوله: "من لم يضح من أمته مع قوله: "على كل أهل بيت أضحية" وأما مثل حديث "أمرت بالأضحى ولم يكتب عليكم" ونحوه فلا تقوم بذلك الحجة لأن في أسانيدها من رمي بالكذب ومن هو ضعيف بمرة.
وأما كون أقلها شاة فلما تقدم.
وأما كون وقتها بعد صلاة عيد النحر فلقوله ﷺ : "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله" وهو في الصحيحين كما تقدم قريبا وفي الباب أحاديث وفيها التصريح بأن المعتبر صلاة الإمام.
وأما كونه يمتد الوقت إلى آخر أيام التشريق فلحديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: كل أيام التشريق ذبح" أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي وله طرق يقوي بعضها بعضا وقد روى أيضا من حديث جابر وغيره وقد روى نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم والخلاف في المسألة معروف.
وأما كون أفضل الضحايا أسمنها فلحديث أبي رافع أن النبي ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين" الحديث وهو عند أحمد وغيره بإسناد حسن وأخرج البخارى من حديث أبي أمامة بن سهل "قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون".
وأما كونه لا يجزيء ما دون الجذع من الضأن فلحديث جابر عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر
стр. 354
عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "نعم أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن" وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: "يجوز الجذع من الضأن ضحية" وفي الصحيحين من حديث عقبة ابن عامر قال: قسم رسول الله ﷺ ضحايا بين أصحابه فصارت لعقبة جذعة فقلت يا رسول الله أصابني جذع فقال: "ضح به" وقد ذهب إلى أنه يجزئ الجذع من الضأن الجمهور.
وأما كونه لا يجزئ دون الثنى من المعز فلحديث أبي بردة في الصحيحين وغيرهما أنه قال: يا رسول الله إن عندي داجنا جذعه من المعز فقال: "اذبحها ولا تصلح لغيرك".
وأما ما روي في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة أن النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود فذكره للنبي ﷺ فقال: ضح به أنت" والعتود من ولد المعز ما أتى عليه حول فقد أخرج البيهقى عنه بإسناد صحيح أنه قال: أعطاني رسول الله ﷺ غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود منها فقال: "ضح به أنت ولا رخصة لأحد فيه بعدك" وقد حكى النووى الاتفاق على أنه لا يجزئ الجزع من المعز.
وأما كونه لا يجزئ الأعور إلى آخر ما ذكر من المعيب فلحديث البراء عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذى وابن حبان والحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عور ها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التى لا تنقى" أي التي لا مخ لها وقد وقع في رواية العجفاء بدل الكسيرة وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذى من حديث علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن" قال: قتادة العضب النصف فأكثر من ذلك وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم والبخارى في تاريخه قال: إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسيرة فالمصفرة التى
стр. 355
تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها والمستأصلة التى ذهب قرنها من أصله والبخقاء التى تبخق عينها والمشيعة التى لا تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسيرة التى لا تنقى وهذا التفسير هو في أصل الرواية وفي الباب أحاديث. وأما مسلوبة الإلية فأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقى من حديث أبي سعيد قال: "اشتريت كبشا أضحى به فعدا الذئب فأخذ الإلية فسألت النبي ﷺ فقال: "ضح به" وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدا.
وأما كون المضحي يتصدق منها ويأكل ويدخر فلحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " كلوا وادخروا وتصدقوا" وهو في الصحيحين وفي الباب أحاديث.
وأما كون الذبح في المصلى أفضل فلحديث ابن عمر عند البخارى وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يذبح وينحر بالمصلى".
وأما كون المضحي لا يأخذ شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي فلحديث أم سلمة ﵂ عند مسلم ﵀ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذى الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى وغيره أيضا "من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذى الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي" وقد اختلف العلماء في ذلك فدهب سعيد ابن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعى إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وقال: الشافعى وأصحابه مكروه كراهة تنزيه وحكى المهدي في البحر عن الإمام يحيى والهدوية والشافعي أن ترك الحلق والتقصير لمن أراد التضحية مستحب وقال: أبو حنيفة لا يكره.
стр. 356
باب الوليمة
فصل ماجاء في العقيقة
...
باب الوليمة
"هى مشروعة وتجب الإجابة إليها ويقدم السابق ثم الأقرب بابا ولا يجوز حصورها إذا اشتملت على معصية"
فصل ما جاء في العقيقة
"والعقيقة مستحبة وهى شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى يوم سابع المولود وفيه يسمى ويحلق رأسه ويصدق بوزنه ذهبا أو فضة".
أقول: أما مشروعيتها فلحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: لعبد الرحمن بن عوف "أولم ولو بشاة" وقد أولم النبي ﷺ على نسائه فأولم على صفية بتمر وسويق" كما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان من حديث أنس ﵁ وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديثه أنه جعل وليمتها التمر والأقط والسمن" وهو في الصحيحين بنحو هذا وفيه التصريح بأنه ما كان فيها من خبز ولا لحم وفي الصحيحين أيضا أن النبي ﷺ ما أولم على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة" وقد قال: بوجوب وليمة العرس مالك وقيل إن المشهور عنه أنها مندوبة وروى الوجوب عن أحمد وبعض الشافعية وأهل الظاهر وذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة.
وأما كونها تجب الإحابة إليها فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الققراء ومن لم يجب الدعوة
стр. 357
فقد عصى الله ورسوله" وفيهما من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها" وفي لفظ لهما من حديثه "إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وفي آخر لمسلم ﵀ وغيره من حديثه "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله" وفي مسلم وغيره من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم ﵀ وغيره "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" وقد نقل ابن عبد البر والقاضى عياض والنووي الإتفاق على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس قال: في الفتح وفيه نظر نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة وحكى في البحر عن العترة الشافعي أن الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها والأدلة المذكورة تدل على الوجوب لا سيما بعد التصريح بأن من لم يجب فقد عصى الله ورسوله ووقع الخلاف في إجابة دعوة غير العرس هل تجب أم لا؟ فمن قال: بوجوبها استدل بالرواية المطلقة المذكورة ومن قال: بعدم الوجوب قال: المطلقة محمولة على المقيدة وقد أوضحت ما هو الحق في شرح المنتقى وأما كونه يقدم السابق ثم الأقرب بابا فلحديث حميد ابن عبد الرحمن الحميري عن رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قال: "إذا احتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا فإذا سبق أحدهما فأجب الذى سبق" أخرجه أحمد وأبو داود وفي إسناده زيد ابن عبد الرحمن الدالانى وقد وثقه أبو حاتم وضعفه ابن حبان وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة أنها سألت النبي ﷺ فقالت: "إن لي جارين فإلى أيهما أهدي فقال: إلى أقربهما منك بابا" فهذا يشعر باعتبار القرب في الباب.
وأما كونه لا يجوز حضور الوليمة إذا اشتملت على معصية فلحديث علي عند ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: "صنعت طعاما فدعوت رسول
стр. 358
الله ﷺ فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع" وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل وهو منبطح" وفي إسناده انقطاع وقد ورد النهي عن القعود على المائدة التى يدار عليها الخمر من حديث عمر عند أحمد بإسناد ضعيف ومن حديث حابر عند الترمذى وحسنه وأخرجه أيضا أحمد والنسائي والترمذي والحاكم من حديثه مرفوعا وفي الباب غير ذلك ويؤيده أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ذلك "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" وهو في الصحيحين وغيرهما.
وأما العقيقة فيدل على مشروعيتها حديث سلمان بن عامر الضبي عند البخاري وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "مع الغلام عقيقة فأهرقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذى والحاكم وعبد الحق من حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق ر أسه" وقد قيل أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا هذا الحديث وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق فكأنه كره الإسم فقالوا: يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له قال: "من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاه" فكان هذا الحديث دليلا على أن الأحاديث الواردة في رهن الغلام بعقيقته ليست على الوجوب بل للاستحباب.
وأما كونها شاتين عن الذكر وشاة عن الأنثى فلحديث عمرو بن شعيب المذكور ولحديث عائشة عند أحمد والترمذي وابن حبان والبيهقى وصححه الترمذي قالت: قال رسول الله ﷺ : " عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة" وأخرج نحوه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطنى وصححه
стр. 359
الترمذى من حديث أم كرز الكعبية والمراد بقوله: "مكافأتان" المستويتان أو المتقاربتان ولا يعارض هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه عبد الحق وابن دقيق من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا"لأن الأحاديث المتقدمة متضمنة للزيادة وهي أيضا خطاب مع الأمة فلا يعارضها فعله ﷺ كما تقرر في الأصول وقد وقع الإجماع على أن العقيقة عن الأنثى شاة وأما الذكر فذهب الجمهور إلى أن العقيقة عنه شاتان وقال: مالك والهدوية شاة. وأما كونها يوم سابع المولود وفيه يسمى ويحلق رأسه فلحديث سمرة المتقدم.
وأما التصدق بوزن الشعر فلأمره ﷺ لفاطمة الزهراء أن تحلق شعر رأس الحسين وتتصدق بوزنه من الورق" أخرجه أحمد والبيهقي وفي إسناده ابن عقيل وفيه مقال: ويشهد له ما أخرجه مالك وأبو داود في المراسيل والبيهقي من حديث جعفر بن محمد زاد البيهقي عن أبيه عن جده أن فاطمة ﵂ وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بوزنه فضة" وأخرج الترمذي والحاكم من حديث علي ﵁ قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن شاة وقال: "يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة" فوزناه فكان وزنه درهما أو بعض درهم" وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: "سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى ويثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة" وفي إسناده رواد ابن الجراح وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات وفي لفظه ما ينكر وهو ثقب الأذن والتلطيخ بدم العقيقة وقد أخرج أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث بريدة الأسلمى قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح
стр. 360
شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران" وقد أخرج نحوه ابن حبان وابن السكن وصححاه من حديث عائشة وقد ذهب الظاهرية والحسن البصري إلى وجوب العقيقة وذهب الجمهور إلى أنها سنة وذهب أبو جنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة وقيل إنها عنده تطوع.
стр. 361
كتاب الطب
يجوز التداوي والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر ويحرم بالمحرمات ويكره الاكتواء ولا بأس بالحجامة والرقية بما يجوز من العين وغيرها".
أقول: أما جواز التداوى فلما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث جابر "أن النبي ﷺ قال: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله" وأخرج البخارى وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم من حديث أسامة قالت: الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: "نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا قالوا: يا رسول الله وما هو قال: الهرم " وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي خزامة قال: قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال: " هى من قدر الله".
وأما كون التفويض أفضل فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أتته امرأة سوداء فقالت: إ ني أصرع وإني أنكشف فادع الله لي قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك قالت:: أصبر" وفي الصحيحين أيضا من حديثه أن النبي ﷺ قال: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" ولا يخالف هذا ما تقدم من الأمر بالتداوى فالجمع ممكن بأن التفويض أفضل مع الإقتدار على الصبر كما يفيده قوله: "إن شئت صبرت" وأما مع عدم الصبر على المرض وصدور الحرج والحرد وضيق الصدر من المرض فالتداوى أفضل لأن فضيلة التفويض قد ذهب بعدم الصبر.
стр. 362
وأما كونه يحرم التداوي بالمحرمات فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن الدواء الخبيث أخرجه مسلم ﵀ وغيره وأخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام" وفي إسناده إسمعيل بن عياش وقد ثبت عنه ﷺ النهي عن التداوى بالخمر كما في صحيح مسلم ﵀ وغيره وفي البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" وقد ذهب إلى تحريم التداوي بالأدوية النجسة والمحرمة الجمهور ولا يعارض هذا إذنه ﷺ بالتداوي بأبوال الإبل كما ورد في الصحيح لأنها لم تكن نجسة ولا محرمة ولو سلمنا تحريمها لكان الجمع ممكنا ببناء العام على الخاص.
وأما كونه يكره الاكتواء فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره عن النبي ﷺ قال: "الشفاء في ثلاية في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي" وفي لفظ "وما أحب أن أكتوي" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ نهى عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا وقد ورد ما يدل على أن النهي عن الكي للتنزيه لا للتحريم كما في حديث جابر عند مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ ﵁ في أكحله مرتين وأخرج الترمذي وحسنة من حديث أنس أن النبي ﷺ كوى سعد بن زرارة من الشوكة ووجه الكراهة أن في ذلك تعذيبا بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وقد قيل إن وجه الكراهة غير ذلك وقد جمع بين الأحاديث بمجموعات ما ذكرنا.
وأما كونه لا بأس بالحجامة فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول "إن كان في شيء من أدويتكم خيرا في شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن اكتوي"
стр. 363
وتقدم حديث ابن عباس مثله وثبت من حديث أنس عند الترمذي وأبي داود بإسناد صحيح قال: كان النبي ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاحل وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة واحدى وعشرين وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وواحد وعشرين كان شفاء من كل داء" ولا بأس بإسناده وفي الباب أحاديث متضمنة لذكر الأيام التي تنبغي فيها الحجامة وليس المراد هنا إلا الإستدلال على جوازها.
وأما كونه لا بأس بالرقية بما يجوز فلحديث أنس عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره قال: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة والمراد بالحمة السم من ذوات السموم وبالنملة القروح تخرج من الجنب وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك فقال: "اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث جابر ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن الرقي فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله إنها كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقي قال: فعرضوها عليه فقال: "ما أرى بأسا فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" وفي الصحيحين من حديث عائشة قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من يدي وما ورد من الأدلة الدالة على النهي عن الرقى وأنها من الشرك فهي محمولة على الرقية بما لا يجوز كالتي تكون بأسماء الشياطين والطواغيت ونحو ذلك وكذلك يحمل على هذا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة عن أحمد وابن ماجه وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن النبي ﷺ أنه قال: "من اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل" وقد ورد في الصحيحين من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقى من العين وأخرج أحمد والنسائي
стр. 364
والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم قال: "نعم فلو كان شيء سبق القدر لسبقته العين" وأخرج نحوه مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث ابن عباس وفي الباب أحاديث وفيها ذكر الإستغسال من العين أي غسل وجه العائن ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم يصبب الماء على من أصيب بالعين على رأسه وظهره من خلفه أخرج ذلك أحمد ومالك في الموطأ والنسائي وصححه ابن حبان.
стр. 365
كتاب الوكالة
يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره في كل شيء ما لم يمنع منه مانع وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه موكله كانت الزيادة للموكل وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو غيره ورضي به صح.
أقول: أما كون الوكالة تجوز في كل شيء فلأنه قد ثبت منه ﷺ التوكيل في قضاء الدين كما في حديث أبي رافع أنه أمره ﷺ أن يقضي الرجل بكره وقد تقدم وثبت عنه ﷺ التوكيل في استيفاء الحد كما في حديث: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح وسيأتي وثبت عنه ﷺ التوكيل في القيام على بدنه وتقسيم جلالها وجلودها وهو في الصحيح وثبت عنه ﷺ التوكيل في حفظ زكاة رمضان كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وثبت عنه ﷺ أنه أعطى عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه وقد تقدم في الضحايا وثبت عنه ﷺ أنه وكل أبا رافع ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة وقد تقدم وثبت عنه ﷺ أنه قال: لجابر إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا كما أخرجه أبو داود والدارقطني وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ما يفيد جواز الوكالة فلا يخرج عن ذلك إلا ما منع منه مانع وذلك كالتوكيل في شيء لا يجوز للموكل أن يفعله ويجوز للوكيل كتوكيل المسلم للذمي في بيع الخمر أو الخنزير أو نحو ذلك فإن ذلك لا يجوز ولا يكون محللا للثمن لما ثبت عنه ﷺ أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقد تقدم وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل كقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف:١٩] وقوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥] وقد أورد البخاري في الوكالة ستة وعشرين حديثا ستة معلقة والباقية وموصولة وقد قام الإجماع على مشروعيتها.
وأما كون الوكيل إذا باع بزيادة على ما رسمه موكله كانت الزيادة
стр. 366
للموكل فلما ثبت في البخاري وغيره من حديث عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه دينارا ليشتري له به شاة فاشترى له شاتين فباع إحدهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى التراب لربح فيه وأخرج الترمذي من حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ بعثه ليشتري له أضحية بدينار فذكر نحو حديث عروة البارقي وفي إسناده انقطاع لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن حكيم ولم يسمع منه وأخرج أبو داود من حديث أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم نحو ذلك وفيه هذا الشيخ المجهول وقد ذهب إلى ما ذكرناه الجمهور وقال: الشافعي في الجديد وأصحابه والناصر أن العقد باطل أي عقد البيع من الوكيل في مثل الصورة المذكورة لأنه لم يأمره الموكل بذلك.
وأما كون المخالفة إلى ما هو أنفع أو إلى غيره مع الرضا صحيحة فلكون الرضا مناطا مسوغا لذلك ومجوزا له وإذا لم يرض لم يلزمه ما وقع من الوكيل مخالفا لما رسمه له لعدم المناط المعتبر وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث معن بن يزيد قال: كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت بها فخاصمه إلى النبي ﷺ فقال: "لك ما نويت يا يزيد ولك يا معن ما أخذت" ولعل هذه الصدقة صدقة تطوع لا صدقة فرض فقد وقع الإجماع على أنها لا تجزئ في الولد.
стр. 367
كتاب الضمانة
يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورا من جهته ومن ضمن بإحضار شخص وجب عليه إحضاره وإلا غرم ما عليه.
أقول: أما وجوب الغرامة على الضمين فلما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي أمام أنه ﷺ قال: "الزعيم غارم" وفي إسناده إسماعيل بن عياش ولكنه ثقة في الشاميين وقد رواه هنا عن شامي وهو شرحبيل بن مسلم فلم يصب ابن حزم في تضعيف الحديث بإسماعيل ابن عياش وقد أخرجه النسائي من طريقين إحداهما من طريق عامر الوصالي والأخرى من طريق حاتم بن حريث كلاهما عن أبي أمامة وقد صححه ابن حبان من طريق حاتم هذه وحاتم قد وثقه الدارمي وقد أخرج الحديث ابن ماجه والطبراني من طريق سعيد بن المسيب عن أنس وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عباس وضعفه بإسماعيل بن زياد السكوني ورواه أبو موسى المديني في الصحابة من طريق سويد بن جبلة قال: الدارقطني لا تصح له صحبة وحديثه مرسل قال: وبعضهم يقول له صحبة ورواه الخطيب في التلخيص من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان الليثي عن رجل عن آخر منهم وأخرج البخاري وغيره من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على من عليه دين فقال: أبو قتادة صلِّ عليه يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة وصححه وأخرجها أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم من حديث جابر وفي لفظ من حديث جابر هذا أن النبي ﷺ قال: لأبي قتادة: "قد أوفى الله حق الغريم وبرء منه الميت" قال: نعم فصلى عليه فلما قضاهما قال: له النبي ﷺ : "الآن بردت عليه جلده" أخرج ذلك أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم.
стр. 368
وأما كونه يرجع على المضمون عليه إذا كان مأمورا من جهته فلكون الدين عليه والأمر منه للضمين بالضمانة كالأمر بالتسليم فيرجع عليه بذلك.
وأما كون الضامن بإحضار شخص يجب عليه إحضاره أو غرم ما عليه فلعموم قوله ﷺ : "الزعيم غارم" والخلاف في الضمانة معروف وهذا خلاصة ما ورد في الشرع.
стр. 369
كتاب الصلح
هو جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم ولو عن إنكار وعن الدم كالمال بأقل من الدية أو أكثر.
أقول: أما جوازه فلقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] وأما استثناء الصلح الذي أحل حراما أو حرم حلالا فلحديث عمرو بن عوف عن أبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وابن حبان أن النبي ﷺ قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا وقد صحح الترمذي فلم يصب وقد اعتذر له ابن حجر فقال: كأنه اعتبر بكثرة طرقه وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: الحاكم على شرطهما وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس ومن حديث عائشة وكذلك أخرجه الدارقطني.
وأما جواز الصلح عن المعلوم والمجهول بمعلوم فلحديث أم سلمة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه قالت: جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي به سطاما في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان وقال: كل واحد منهما حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ : أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه وفي
стр. 370
إسناد الحديث أسامة ابن زيد بن أسلم المدني وفيه مقال: ولكن أصل الحديث في الصحيحين وقد استدل به على جواز الصلح والإبراء من المجهول وأخرج البخاري من حديث جابر أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين فاشتد الغرماء في حقوقهم قال: فأتيت النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطى ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي وقال: "سنغدو عليك" فغدا علينا حين أصبح فطاف في النحل ودعا في ثمرها بالبركة فجذذتها فقضيتها وبقي لنا من ثمرها وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول.
وأما جواز المصالحة عن الدم كالمال فلكون اللازم في الدم مع عدم القصاص هو المال فهو صلح بمال عن مال يدخل تحت عموم قوله تعالى: أو إصلاح بين الناس وتحت قوله ﷺ : "الصلح جائز" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال:"من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وذلك عقل العمد وما صولحوا عليه فهو لهم".
وذلك تشديد العقل وفي إسناده على بن زيد بن جدعان وفيه مقال.
وأما جواز الصلح ولو كان عن إنكار فلعموم الأدلة واندراج الصلح عن إنكار تحتها ولم يأت من منعه ببرهان وقد ذهب إلى الجمهور وحكى في البحر عن العترة والشافعي وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن إنكار وقد ثبت في الصحيح عن كعب في قصة المتخاصمين في المسجد في دين فأشار النبي ﷺ إلى صاحب الدين أن يضع شطر دينه ويتعجل الباقي وهو دليل على جواز الصلح مع الخصام ووضع البعض واستيفاء البعض.
стр. 371
كتاب الحوالة
من أحيل على ملىء فليحتل وإذا مطل المحال عليه أو أفلس كان للمحال أن يطلب المحيل بدينه.
أقول: أما كون من أحيل على مليء يقبل ذلك فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "مطل الغني ظلم ومن أحيل على مليء فليحتل" وفي لفظ لهما "وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع" وقد أخرج نحوه بن ماجه وأحمد والترمذي من حديث ابن عمر وفي إسناد ابن ما جه إسماعيل بن توبة وهو صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح وقد قيل أنه يشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف والمحتال عند الأكثر والمحال عليه عند بعض أهل العلم.
وأما كونه إذا مطل المحال عليه أو أفلس كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه فلكون الدين باقيا في ذمة المحيل لا يسقط عنه إلا بتسليمه إلى المحتال من المحال عليه فإذا لم يحصل التسليم كان دينه باقيا كما كان قبل الحوالة ويستفاد ذلك من قوله: "على مليء" فإن من مطل أو أفلس ليس بالمليء الذي أرشد ﷺ صاحب الدين أن يقبل الحوالة عليه.
стр. 372
كتاب المفلس
يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه إلا ما كان لا يستغني عنه وهو المنزل وستر العورة وما يقيه البرد ويسد رمقه ومن يعول ومن وجد ماله عنده بعينه فهو أحق به وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه كان الموجود أسوة الغرماء وإذا تبين إفلاسه فلا يجوز حبسه وليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله ويبيعه لقضاء دينه وكذا يجوز له الحجر على المبذر ومن لا يحسن التصرف ولا يمكن اليتيم من التصرف في ماله حتى يؤنس منه الرشد ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف.
أقول: أما كونه يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه مع مفلس فلحديث أبي سعيد عند مسلم ﵀ وغيره قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: "تصدقوا عليه" فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" وأخرج الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه وأخرج سعيد ابن منصور وأبو داود وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين فأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله ﷺ فباع رسول الله ﷺ لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء" قال عبد الحق: المرسل أصح وقال ابن الطلاع في الأحكام هو حديث ثابت فأفاد ما ذكرناه أن أهل الدين يأخذون جميع ما يجدونه مع المفلس لكنه لم يثبت أنهم أخذوا ثيابه التي عليه أو أخرجوه من منزله أو تركوه هو ومن يعول لا يجدون ما لا بد لهم منه ولهذا ذكرنا أنه يستثنى له ذلك.
стр. 373
وأما كون من وجد ماله عند مفلس فهو أحق به فلحديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به وأخرجه أحمد وأبو داود وقال: ابن حجر في الفتح إسناده حسن ولكن سماع الحسن عن سمرة فيه مقال معروف وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره" وفي لفظ لمسلم ﵀ أنه ﷺ قال: في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه وفي لفظ لأحمد "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئا فهو له" وأخرج الشافعي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: في مفلس أتوه به لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ من أفلس أو مات فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به وأخرج مالك في الموطأ وأبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرسلا أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باع من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" وقد وصله أبو داود فقال: عن أبي هرير ة وفي إسناده إسماعيل بن عياش ولكنه ههنا روى عن الحديث الزبيدي وهو شامي وهو قوى في الشاميين وقد ذهب إلى أن البائع أولى بعين ماله الموجود عند المفلس الجمهور وخالفت في ذلك الحنفية فقالوا: لا يكون أولى به والحديث يرد عليهم وقد ذهب الجمهور أيضا إلى أن المشترى إذا كان قد قضى بعض الثمن لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه بل يكون أسوة الغرماء كما أفاده ما تقدم في الرواية من قوله: ولم يكن اقتضى من ماله شيئا وقال: الشافعي والهدوية أن البائع أولى به وهكذا إذا مات المشترى والسلعة قائمة فذهب مالك وأحمد إلى أنها تكون أسوة الغرماء وقال: الشافعي: البائع أولى بها.
وأما كونه إذ نقص مال المفلس كان الموجود أسوة الغرماء فذلك هو
стр. 374
العدل لأن الديون اللا زمة مستوية في استحقاق قضائها من مال المفلس وليس بعضها بأولى به من بعض إلا لمخصص ولا مخصص هنا وقد أشار إلى هذا ما تقدم في الرواية من قوله: "فصاحب المتاع أسوة الغرماء".
وأما كونه لا يجوز حبس المفلس إذا تبين إفلاسه فلأنه خلاف حكم الله سبحانه قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] ولمفهوم قوله: ﷺ : "لي الواجد ظلم" وهو حديث صحيح قد تقدم في الباب الذي قبل هذا والمفلس ليس بواجد فلا يحل عرضه ولا عقوبته وأما إذا لم يتبين إفلاسه ولا كونه واجدا فهذا هو محل اللبس والواجب البحث عن حاله بحسب الإمكان حتى يتبين كونه واجدا فيعاقب بالحبس ونحوه كما دل عليه حديث "مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته" وفي لفظ "ليُّ الواجد ظلم" والكل في الصحيح أو يتبين كونه غير واجد فينظر إلى ميسرة وأما حبس من تبين إفلاسه فلا يجوز بوجه فإنه ظلم بحت.
وأما كونه يجوز للحاكم أن يحجر المفلس عن التصرف في ماله فلحجره ﷺ على معاذ كما تقدم وكذا بيع الحاكم مال المفلس لقضاء دينه كما فعله ﷺ في مال ومعاذ.
وأما جواز الحجر على المبذر ومن لا يحسن التصرف فلقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] قال: في الكشاف السفاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقوم به الناس معايشهم كما قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥] ومما يدل على عدم إنكاره ﷺ على قرابة حسان لما سألوه أن يحجر عليه إن صح ذلك ويدل ذلك رده ﷺ لبيضة التي تصدق بها من لا مال له كما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث جابر وكذلك رده ﷺ .
стр. 375
صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه كما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان من حديث أبي سعيد وكذلك رده ﷺ عتق من أعتق عبدا له عن دبر ولا مال له غيره كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام وأخرج الشافعي في مسنده والبيهقي عن عروة بن الزبير قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا فقال: علي ﵁ لآتين عثمان فلأحجرن عليه فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك في بيعك فأتى عثمان ﵁ فقال: احجر على هذا فقال: الزبير أنا شريكه فقال: عثمان أأحجر على رجل شريكه الزبير ففي هذه القصة دليل على أن الحجر كان عندهم أمرا معروفا ثابتا في الشريعة ولولا ذلك لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة ولكان الجواب من عثمان على علي بان هذا غير جائز وكذلك الزبير وعبد الله بن جعفر لو كان مثل هذا الأمر غير جائز لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة وقد ذهب إلى جواز الحجر على السفيه الجمهور.
وأما كونه لا يمكن اليتيم من ماله حتى يؤنس منه الرشد فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء:٦] الآية.
وأما كونه يجوز لولي أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦] ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية في ولي اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه بالمعروف وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو ابن شعيب عن أبي عن جده أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل" والمراد بقوله: "ولا مبادر" ما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] أي مسرفين ومبادرين كبر الأيتام فهذه الآية والحديث مخصصان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] .
стр. 376
كتاب اللقطة
من وجد لقطة فليعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها دفعها إليه وإلا عرف بها حولا وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه ويضمن مع مجيء صاحبها ولقطة مكة أشد تعريفا من غيرها ولا بأس بأن ينتفع الملتقط بالشىء الحقير كالعصا والسوط ونحوهما بعد التعريف به ثلاثا وتلتقط ضالة الدواب إلا الإبل.
أقول: أما كونه يعرف عفاصهاوهو الجلد الذي يكون على رأس القارورة ووكاءها وهو الخيط الذي يشد به الوعاء فلحديث عياض بن حماد قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها وإن لم يجيء صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء" وأخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن حبان وفي الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعصافها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فلتستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" وسأله عن ضالة الإبل فقال: "مالك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" وسأله عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأطها إياه وإلا فهي لك وفي مسلم وغيره من حديث أبي كعب أن النبي ﷺ قال: عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائا ووكائها فأعطها إياه وإلا فاستمتع بها فدل ما ذكرناه على أنه إذا جاء صاحبها دفعها إليه وإلا عرف بها حولا وبعد الحول يصرفها فإن جاء بعد ذلك غرمها له إن كان قد أتلفها وألرجعها بعينها إن كانت باقية كما يفيده قوله: ﷺ : "فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب التعريف بعد الحول وقد ورد في لفظ للبخاري رحمه الله تعالى
стр. 377
من حديث أبي ما يدل على أن التعريف يجب بعد الحول ولفظه قال: وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: "عرفها" فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: عرفها حولا فلم أجد ثم أتيته ثالثا فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها" فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة وقد وقع الخلاف بين الحفاظ في هذه الرواية فعن بعضهم بعضهم أن الزيادة على العام غلط كما جزم بذلك ابن حزم قال ابن الجوزي والذي يظهر لي أن سلمة أخطأ فيها ثم ثبت واستمر على عام واحد وجمع بعضهم بأن الزيادة على العام محمولة على مزيد الورع والكلام في ذلك يطول والمراد بقوله: في الحديث ولتكن وديعة عندك أنه يجب ردها فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب الرد لعوضها بعد الإستنفاق لها.
وأما كون لقطة مكة أشد تعريفا من غيرها فلما ثبت في الصحيح أنها لا تحل لقطة مكة إلا لمعرف مع أن التعريف لا بد منه في لقطة مكة وغيرها فحمل ذلك على المبالغة في التعريف لأن الحاج قد يرجع إلى بلده ولا يعود فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف وقد قيل غير ذلك.
وأما كونه لا بأس أن ينتفع الملتقط بالشيء الحقير كالعصا والسوط ونحوهما فلما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به وفي إسناده المغيرة بن زياد وفيه مقال: وقد وثقه وكيع وابن معن وابن عدى وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ : "مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" وقد أخرج أحمد والطبراني والبيهقي من حديث يعلى بن مرة مرفوعا "من التقط لقطة يسيرة حبلا أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام" زاد الطبراني "فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها" وفي إسناد عمر بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف وأخرج عبد الرزاق من حديث أبي سعيد أن عليا ﵁ جاء إلى النبي ﷺ بدينار وجده في السوق فقال: النبي ﷺ :
стр. 378
عرفه ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعرفه فقال: كله وأما إذا كان الشيء مأكولا فلا يجب التعريف به بل يجوز أكله في الحال لما تقدم من قوله ﷺ في التمرة.
وأما كونها تلتقط ضالة الدواب إلا الإبل فللحديث المتقدم عن زيد بن خالد وإلحاق سائر الدواب بالشاة لكونها مثلها في معنى قوله ﷺ "هي لك أو لأخيك أو للذئب" ولا يخرج من ذلك إلا الإبل كما صرح به ﷺ ومما يفيد ذلك ما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى من حديث زيد ابن خالد أن النبي ﷺ قال: " لا يأوي الضالة إلا ضال ما لم يعرفها" فإن الضالة تصدق على الشاة وغيرها وقيد ذلك بالتعريف فدل على جواز الإلتقاط وخرجت الإبل بالحديث الآخر.
стр. 379
كتاب القضاء
إنما يصح قضاء من كان مجتهدا متورعا من أموال الناس عادلا في القضية حاكما بالسوية ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك ومن كان متأهلا للقضاء فهو على خطر عظيم وله مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدا في البحث وتحرم عليه الرشوة والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا ولا يجوز له الحكم حال الغضب وعليه التسوية بين الخصمين إلا إذا كان أحدهما كافرا والسماع منهما قبل القضاء وتسهيل الحجاب بحسب الإمكان ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة والشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح وحكمه ينفذ ظاهرا فقط، فمن قضي له بشيء فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع.
أقول: أما كون إنما يصح قضاء من كان مجتهدا فلما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء بالعدل والقسط وبما أراه الله ولا يعرف العدل إلا من كان عارفا بما في الكتاب والسنة من الأحكام ولا يعرف ذلك إلا المجتهد لأن المقلد إنما يعرف قول إمامه دون حجته وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا لا من كان مقلدا فما أراه الله شيئا بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه وممايدل على اعتبار الإجتهاد حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" أخرجه ابن ماجه وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه وقد جمع ابن حجر طرقة في جزء مفرد وجه الدلالة منه أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا وأما المقلد فهو يحكم بما قال: إمامه ولا يدري أحق هو أم باطل فهو القاضي الذي قضى للناس على جهل وهو أحد قاضيي النار ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ
стр. 380
هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ولا يحكم بما أنزل الله إلا من يعرف التنزيل والتأويل ومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه ﷺ إلى اليمن فقال: له بم تقضي؟ قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد" قال: فبسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد"؟ قال: فبرأيي وهو حديث مشهور قد بينت طرقه ومن أخرجه في بحث مستقل ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة ولا رأى له بل لا يدري بأن لحكم موجود في الكتاب أو السنة فيقضي به أو ليس بموجود فيجتهد رأيه فإذا ادعى المقلد أنه حكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه أنه حكم بالطاغوت.
وأما اعتبار كونه متورعا عن أموال الناس عادلا في القضية حاكما بالسوية فلكون من لم يتورع عن أموال الناس لا يتورع عن الرشوة وهي تحول بينه وبين الحق كما سيأتى وهكذا من لم يكن عادلا لجرأة فيه أو مداهنة أو محاباة فهو يترك الحق وهو يعلم به فهو أحد قضاة النار لأنه عرف الحق وجار في الحكم.
وأما كونه يحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه فلحديث عبد الرحمن ابن سمرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول ﷺ يا عبد الرحمن ابن سمرة: "لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها".
وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنة من حديث أنس رضي الله عن قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن جبر عليه ينزل ملك عليه يسدده"
وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" ولا ينافي هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود بإسناد لا مطعن فيه من
стр. 381
حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار" لأن إثم الطلب قد لزمه بالطلب وحصل له الثواب بعد ذلك بالعدل الغالب على الجور
وأما كونه لا يحل للإمام تولى من كان حريصا على القضاء أو طالبا له فلحديث أبي موسى في الصحيحين قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي فقال: أحدهما يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله وقال: الآخر مثل ذلك فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا يسأله أو أحدا يحرص عليه"
وأما كون من كان متأهلا للقضاء فهو على خطر عظيم فلحديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم والبيهقي والدارقطني وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله فإن قال: ألقه ألقاه في مهوى فهوى أربعين خريفا" وفي إسناده عثمان بن محمد الأخنس وفيه مقال: وأخرج ابن ماجه والترمذي وحسنة الحاكم في المستدرك والبيهقي وابن حبان من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه" وفي لفظ للترمذي "تخلى عنه ولزمه الشيطان" وفي الباب أحاديث مشتملة على الترغيب وقد استوفيت ذلك في شرح المنتقى.
وأما كون له مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدا في البحث فلحديث عمرو بن العاص الثابت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" وقد ورد في روايات أنه إذا أصاب فله عشرة أجور.
وأما كونه يخرم عليه الرشوة والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا.
стр. 382
فلحديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : "لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان والطبراني والدارقطني من حديث عبد الله ابن عمرو كحديث أبي هريرة وأخرج أحمد والحاكم من حديث ثوبان قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش يعنى الذي يمشي بينهما" وفي إسنادهما ليث بن أبي سليم قال: البزار إنه تفرد به وفي إسناده أيضا أبو الخطاب قيل وهو مجهول وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم وعن عائشة وأم سلمة أشار إليها الترمذي وقد أجمع أهل العلم على تحريم الرشوة وقد استدل على تحريم الرشوة بقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة:٤٢] كما روى عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما فسرا الآية بذلك وحكي عن مسروق عن ابن مسعود أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة؟ فقال: لا ومن لا يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك فإن أهدي لك فلا تقبل وقد سبق حديث في هذا المعنى في كتاب الهدايا ويدل على تحريم الهدية التي أهديت للقاضي لأجل كونه قاضيا حديث "هدايا الأمراء غلول" أخرجه البيهقي وابن عدى من حديث ابن أبي حميد قال ابن حجر: وإسناده ضعيف ولعل وجه الضعف أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال: ابن حجر وإسناده أشد ضعفا وأخرجه سنيد بن داود في تفسيره من حديث جابر وفي إسناده إسماعيل ابن مسلم وهو ضعيف أيضا وأخرجه الخطيب في تلخيص التشابه من حديث أنس بلفظ "هدايا العمال سحت" وأخرج أبو داود من حديث بريدة عن النبي ﷺ بلفظ "من استعلمناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول" وقد بوب البخاري من أبواب القضاء باب هدايا العمال وذكر حديث ابن اللتبية المشهور ومما يؤيد ذلك أن الهدية للقاضي لأجل كونه قاضيا نوع من الرشوة عاجلا أو آجلا.
стр. 383
وأما كونه لا يجوز له الحكم في حال الغضب فلحديث أبي بكرة في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه في الصحيحين وغيرهما أنه اختصم هو وأنصاري فقال: النبي ﷺ للزبير اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى أخيك فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر لأن النبي ﷺ معصوم في غضبه ورضاه بخلاف غيره فإن الغضب يحول بينه وبين الحق وظاهر النهي التحريم وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح حكم الغضبان إن وافق الحق.
وأما كونها تجب عليه التسوية إلا إذا كان أحدهما كافرا فلحديث علي عند أبي أحمد الحاكم في الكنى أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي فقال: لو كان خصمي مسلما جلست معه بين يديك ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تساووهم في المجالس" وقد قال: أبو أحمد الحاكم بعد إخراجه أنه منكر وأورده ابن الجوزي في العلل من هذا الوجه وقال: لا يصح ورواه البيهقي من وجه آخر من طرق جابر الجعفي عن الشعبي قال: خرج على السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرف علي الدرع وذكر الحديث وفي إسناده عمرو بن سمرة عن جابر الجعفي وهما ضعيفان وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن الزبير قال: قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم وفي إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف.
وأما كونه يجب السماع منهما قبل القضاء فلحديث علي عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنة وابن حبان وصححه أن رسول الله ﷺ قال: " يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء" وللحديث طرق.
стр. 384
وأما كونه يجب عليه تسهيل الحجاب بحسب الإمكان فلحديث عمرو بن مرة عند أحمد والترمذي والحاكم والبزار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله باب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ابن مريم الأزدي مرفوعا بلفظ "من تولى شيئا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته" قال: ابن حجر في الفتح أن إسناده جيد وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ "أيما أمير احتجب عن الناس فأهملهم احتجب الله عنه يوم القيامة" قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر وإنما قلنا بحسب الإمكان لأن لنفسه عليه حقا ولأهله عليه حقا فلا يلزمه استيعاب كل أوقاته فإن ذلك يكدر ذهنه ويشوش فهمه ولا يحتجب كل أوقاته فإن ذلك ظلم لأهل الخصومات وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي ﷺ لما جلس على قف البئر وثبت في الصحيح أيضا في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا أن عمر استأذن له الأسود لما قال: يا رباح استأذن لي وقد ثبت في الصحيح أيضا أنه كان لعمر حاجب يقال: له يرفا-.
وأما كونه يجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة فلما ثبت في البخاري من حديث أنس أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير وقد يجب عليه ذلك إذا كان لا يمكنه إنفاذ الحق ودفع الباطل إلا بهم.
وأما كونه يجوز للحاكم الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح فلحديث كعب بن مالك في الصحيحين وغيرهما أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى " يا كعب قال: لبيك يا رسول الله قال: ضع من دينك هذا وأومأ إليه أي الشطر قال: قد فعلت يا رسول الله قال: قم فاقضه" وهذا الحديث فيه دليل على ما ذكرناه من الشفاعة والإستيضاع
стр. 385
والإرشاد إلى الصلح أيضا وقد سبق في كتاب الصلح ما يدل على مشروعيته من الكتاب والسنه والقاضي داخل في عموم الأدلة.
وأما كون حكمه ينفذ ظاهرا فقط إلخ فلحديث أم سلمة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وقد حكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام قال: النووي والقول بأن حكم الحاكم لا يحلل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللإجماع المذكور وبالجملة فلا وجه لما ذهبت إليه الحنفية من أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا ويحلل الحرام وقد جاء في هذا المقام بما لا ينفق على من في العلم قدم.
стр. 386
كتاب الخصومة
على المدعى البينة وعلى المنكر اليمين ويحكم الحاكم بالإقرار وبشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين المدعي وبيمين المنكر وبيمين الرد وبعلمه ولا يقبل شهادة من ليس بعدل ولا الخائن ولا ذي العداوة والمتهم والقانع لأهل البيت والقاذف ولا بدوى على صاحب قرية وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله: إذا انتفت التهمة وشهادة الزور من أكبر الكبائر وإذا تعارض البينتان ولم يوجد وجه ترجيح قسم المدعى وإذا لم يكن للمدعي بينة فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان فاجرا ولا تقبل البينة بعد اليمين ومن أقر بشيء عاقلا بالغا غير هازل ولا بمحال عقلا أو عادة لزمه ما أقر به كائنا ما كان ويكفى مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرهما كما سيأتي.
أقول: أما كون على المدعى البينة فلقوله ﷺ : " شاهداك أو يمينه" كما في الصحيحين من حديث الأشعث بن قيس وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ قال: للكندي "ألك بينة"؟ قال: لا قال: "فلك يمينه".
وأما كون على المنكر اليمين فلحديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح بلفظ البينة على المدعى واليمين على من أنكر وأخرج ابن حبان من حديث ابن عمر نحوه وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وروى عن مالك أنها لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه الفضل وهو رد للرواية بمحض الرأي.
وأما كونه يحكم الحاكم بالإقرار فليس في ذلك خلاف وهو أقوى مستندات
стр. 387
الحكم إذا لم يكن معلوم البطلان ولزوم المقر لما أقر به وجواز الحكم للحاكم بإقراره لا يحتاج إلى إيراد الأدلة عليه فقد كان النبي ﷺ يسفك به الدماء ويقيم الحدود ويقطع الأموال بل اكتفى به في أعظم الأمور وهو الرجم كما وقع من المقر عند رسول الله ﷺ كما في حديث "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح كما سيأتي فكيف بالإقرار فيما هو أخف من الرجم.
وأما الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين فهو نص القرآن الكريم وليس في ذلك خلاف إذا كان الشهود مرضيين كما قال: تعالى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
وأما الحكم بشهادة رجل ويمين المدعى فلحديث ابن عباس عند مسلم ﵀ وغيره أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشهادة وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والبيهقي من حديث جابر أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد وهو من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وقد روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق أخرجه أحمد والدارقطني وقد صحح حديث جابر أبو عوانة وابن خزيمة وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد ورجال إسناده ثقات وصححه أبو حاتم وأبو زرعه وأخرج ابن ماجه وأحمد من حديث سرق ورجاله رجال الصحيح إلا الراوي عن سرق فإنه مجهول وقد ذكر ابن الجوزي في التحقيق عدد من روى هذا الحديث أعني حكمه ﷺ بالشاهد واليمين من الصحابة فزاد على عشرين صحابيا وإليه ذهب الجمهور من الصحابة فمن بعدهم ويروى عن زيد ابن علي والزهري والنخعي وابن شبرمة والحنفية أنه لا يجوز الحكم بشاهد ويمين وأحاديث الباب ترد عليهم.
وأما كونه يجوز الحكم بيمين المنكر فلما قدمناه من أن اليمين على المنكر،
стр. 388
وقد ثبت في مسلم من حديث وائل ابن حجر أن النبي ﷺ قال: للكندي "ألك بينة" قال: لا قال: "فلك يمينه" فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء فقال: "ليس لك منه إلا ذلك".
وأما كونه يجوز الحكم بيمين الرد فلأن من عليه الحق قد رضي بها سواء قلنا أنها تجب على المدعي عند ردها من المنكر أم لا وقد استدل من لم يجعلها مستندا بمفهوم الحصر في قوله ﷺ : "ولكن اليمين على المدعى عليه" كما في بعض ألفاظ حديث ابن عباس عند مسلم وغيره ولقوله في حديث وائل: "ليس لك منه إلا ذلك" ولكن هذا إنما يفيد أنها لا تجب على المدعي إذا ردها المنكر وأما أنه يفيد عدم جواز الحكم بيمين الرد إذا طلبها المنكر ورضي بها وقبل ذلك المدعي فحلف فلا. وأما ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق فلو صح لكان صالحا لتخصيص ما تقدم ولكن في إسناده محمد ابن مسروق وهو غير معروف وفي إسناده إسحاق بن الفرات وفيه مقال: وقد أشار القرآن الكريم إلى رد اليمين في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة:١٠٨] ولكن فيه احتمال إذ يمكن أن يكون المراد برد اليمين عدم قبولها.
وأما النكول فلا يجوز الحكم به لأن غاية ما فيه أن من عليه اليمين بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها وعدم فعله لها ليس بإقرار بالحق بل ترك لما جعله الشارع عليه بقوله: ولكن اليمين على المدعى عليه فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد أمرين إما اليمين التي نكل عنها أو الإقرار بما ادعا المدعي وأيهما وقع كان صالحا للحكم به كما مر.
وأما كونه يجوز له الحكم بعلمه فلأن ذلك من العدل والحق اللذين أمره الله بالحكم بهما وليس في الأدلة ما يدل على المنع من ذلك وحديث "شاهداك أو يمينه" لا حصر فيه ومما يؤيد جواز الحكم بعلم الحاكم ما ثبت من قوله ﷺ للمدعي "ألك بينة"؟ فإن البينة ما يتبين به الأمر وليس بعد العلم بيان بل هو أعلى أنواع البيان فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم إلا مجرد الظن بأن
стр. 389
المقر صادق في إقراره والحالف بار في يمينه والشاهد صادق في شهادته وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن فكيف لا يجوز الحكم بالعلم واليقين وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا تصلح ولا تنطبق على محل النزاع وأقربها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ فقال: للمدعي أقم البينة فلم يقمها فقال: للآخر احلف فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء فقال: رسول الله ﷺ : "قد فعلت ولكن قد غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله" وفي رواية الحاكم بل هو عندك ادفع إليه حقه وأما أقوال الصحابة فلا تقوم بها الحجة إلا إذا أجمعوا على ذلك عند من يقول بحجية الإجماع.
وأما كونها لا تقبل شهادة من ليس بعدل فلقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات:٦] الآية وقد حكى في البحر الإجماع على أنها لا تصح شهادة فاسق التصريح.
وأما كونها لا تقبل شهادة الخائن وذي العداوة والمتهم فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي داود والبيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا يجوز شهادة القانع لأهل البيت وا لقانع الذي ينفق عليه أهل البيت" ولأبي داود في رواية "ولا زان ولا زانية". قال: ابن حجر في التلخيص وسنده قوي والغمر بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة الحقد أي لا تقبل شهادة العدو على العدو وأخرج الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة مرفوعا بلفظ "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين ولا قرابة" وفي إسناده يزيد ابن زياد الشامي وهو ضعيف وقد أخرج الطبراني والبيهقي من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناده عبد الأعلى أو شيخه يحيى بن سعيد الفارسي وهما ضعيفان وأخرج أبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد اللهبن عوف أن رسول الله ﷺ بعث مناديا أنها لا تجوز شهادة خصم
стр. 390
ولا ظنين" ورواه البيهقي من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة" يعني الذي بينك وبينه عداوة" ورواه الحاكم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه مثله قال: ابن حجر وفي إسناده نظر والمراد بالمتهم هو من يظن به أنه يشهد زورا لمن يحابيه كالقانع والعبد لسيده وقد حكى في البحر الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده.
وأما القاذف فلقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور:٤] بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] وقد وقع الخلاف في كتب التفسير والأصول في حكم التوبة المذكورة في آخر الآية.
وأما كونها لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية فلحديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجوز شهادة بدوي على قرية" أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي قال: المنذري رجال إسناده احتج بهم مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه قال في النهاية: إنما ذكر شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها وبنحو هذا قال: الخطابي وروى نحوه عن أحمد بن حنبل وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب أحمد وبه قال مالك وأبو عبيد: وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم انتهى وهذا توجيه قوي ومحمل سوي.
وأما كونها تجوز شهادة من شهد على تقرير فعله أو قوله: إذا انتفت التهمة فلأنه لم يرد ما يمنع من ذلك حتى نخصصه من عموم الأدلة وأيضا حديث قبول خبر المرضعة وقوله ﷺ بعد خبرها: "كيف وقد قيل"؟ ورتب على خبرها التحريم وقد تقدم في الرضاع وهي شهدت على تقرير فعلها كما لا يخفى ولم يستدل المانع إلا على أن الشاهد إذا شهد على تقرير قوله أو فعله لم يخل من تهمة وقد قيدنا ذلك بانتفاء التهمة.
وأما كون شهادة الزور من أكبر الكبائر فلحديث أنس في الصحيحين