كتاب الخصومة
على المدعى البينة وعلى المنكر اليمين ويحكم الحاكم بالإقرار وبشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين المدعي وبيمين المنكر وبيمين الرد وبعلمه ولا يقبل شهادة من ليس بعدل ولا الخائن ولا ذي العداوة والمتهم والقانع لأهل البيت والقاذف ولا بدوى على صاحب قرية وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله: إذا انتفت التهمة وشهادة الزور من أكبر الكبائر وإذا تعارض البينتان ولم يوجد وجه ترجيح قسم المدعى وإذا لم يكن للمدعي بينة فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان فاجرا ولا تقبل البينة بعد اليمين ومن أقر بشيء عاقلا بالغا غير هازل ولا بمحال عقلا أو عادة لزمه ما أقر به كائنا ما كان ويكفى مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرهما كما سيأتي.
أقول: أما كون على المدعى البينة فلقوله ﷺ : " شاهداك أو يمينه" كما في الصحيحين من حديث الأشعث بن قيس وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ قال: للكندي "ألك بينة"؟ قال: لا قال: "فلك يمينه".
وأما كون على المنكر اليمين فلحديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح بلفظ البينة على المدعى واليمين على من أنكر وأخرج ابن حبان من حديث ابن عمر نحوه وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وروى عن مالك أنها لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه الفضل وهو رد للرواية بمحض الرأي.
وأما كونه يحكم الحاكم بالإقرار فليس في ذلك خلاف وهو أقوى مستندات
стр. 387
الحكم إذا لم يكن معلوم البطلان ولزوم المقر لما أقر به وجواز الحكم للحاكم بإقراره لا يحتاج إلى إيراد الأدلة عليه فقد كان النبي ﷺ يسفك به الدماء ويقيم الحدود ويقطع الأموال بل اكتفى به في أعظم الأمور وهو الرجم كما وقع من المقر عند رسول الله ﷺ كما في حديث "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح كما سيأتي فكيف بالإقرار فيما هو أخف من الرجم.
وأما الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين فهو نص القرآن الكريم وليس في ذلك خلاف إذا كان الشهود مرضيين كما قال: تعالى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
وأما الحكم بشهادة رجل ويمين المدعى فلحديث ابن عباس عند مسلم ﵀ وغيره أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشهادة وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والبيهقي من حديث جابر أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد وهو من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وقد روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق أخرجه أحمد والدارقطني وقد صحح حديث جابر أبو عوانة وابن خزيمة وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد ورجال إسناده ثقات وصححه أبو حاتم وأبو زرعه وأخرج ابن ماجه وأحمد من حديث سرق ورجاله رجال الصحيح إلا الراوي عن سرق فإنه مجهول وقد ذكر ابن الجوزي في التحقيق عدد من روى هذا الحديث أعني حكمه ﷺ بالشاهد واليمين من الصحابة فزاد على عشرين صحابيا وإليه ذهب الجمهور من الصحابة فمن بعدهم ويروى عن زيد ابن علي والزهري والنخعي وابن شبرمة والحنفية أنه لا يجوز الحكم بشاهد ويمين وأحاديث الباب ترد عليهم.
وأما كونه يجوز الحكم بيمين المنكر فلما قدمناه من أن اليمين على المنكر،
стр. 388
وقد ثبت في مسلم من حديث وائل ابن حجر أن النبي ﷺ قال: للكندي "ألك بينة" قال: لا قال: "فلك يمينه" فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء فقال: "ليس لك منه إلا ذلك".
وأما كونه يجوز الحكم بيمين الرد فلأن من عليه الحق قد رضي بها سواء قلنا أنها تجب على المدعي عند ردها من المنكر أم لا وقد استدل من لم يجعلها مستندا بمفهوم الحصر في قوله ﷺ : "ولكن اليمين على المدعى عليه" كما في بعض ألفاظ حديث ابن عباس عند مسلم وغيره ولقوله في حديث وائل: "ليس لك منه إلا ذلك" ولكن هذا إنما يفيد أنها لا تجب على المدعي إذا ردها المنكر وأما أنه يفيد عدم جواز الحكم بيمين الرد إذا طلبها المنكر ورضي بها وقبل ذلك المدعي فحلف فلا. وأما ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق فلو صح لكان صالحا لتخصيص ما تقدم ولكن في إسناده محمد ابن مسروق وهو غير معروف وفي إسناده إسحاق بن الفرات وفيه مقال: وقد أشار القرآن الكريم إلى رد اليمين في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة:١٠٨] ولكن فيه احتمال إذ يمكن أن يكون المراد برد اليمين عدم قبولها.
وأما النكول فلا يجوز الحكم به لأن غاية ما فيه أن من عليه اليمين بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها وعدم فعله لها ليس بإقرار بالحق بل ترك لما جعله الشارع عليه بقوله: ولكن اليمين على المدعى عليه فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد أمرين إما اليمين التي نكل عنها أو الإقرار بما ادعا المدعي وأيهما وقع كان صالحا للحكم به كما مر.
وأما كونه يجوز له الحكم بعلمه فلأن ذلك من العدل والحق اللذين أمره الله بالحكم بهما وليس في الأدلة ما يدل على المنع من ذلك وحديث "شاهداك أو يمينه" لا حصر فيه ومما يؤيد جواز الحكم بعلم الحاكم ما ثبت من قوله ﷺ للمدعي "ألك بينة"؟ فإن البينة ما يتبين به الأمر وليس بعد العلم بيان بل هو أعلى أنواع البيان فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم إلا مجرد الظن بأن
стр. 389
المقر صادق في إقراره والحالف بار في يمينه والشاهد صادق في شهادته وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن فكيف لا يجوز الحكم بالعلم واليقين وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا تصلح ولا تنطبق على محل النزاع وأقربها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ فقال: للمدعي أقم البينة فلم يقمها فقال: للآخر احلف فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء فقال: رسول الله ﷺ : "قد فعلت ولكن قد غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله" وفي رواية الحاكم بل هو عندك ادفع إليه حقه وأما أقوال الصحابة فلا تقوم بها الحجة إلا إذا أجمعوا على ذلك عند من يقول بحجية الإجماع.
وأما كونها لا تقبل شهادة من ليس بعدل فلقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات:٦] الآية وقد حكى في البحر الإجماع على أنها لا تصح شهادة فاسق التصريح.
وأما كونها لا تقبل شهادة الخائن وذي العداوة والمتهم فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي داود والبيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا يجوز شهادة القانع لأهل البيت وا لقانع الذي ينفق عليه أهل البيت" ولأبي داود في رواية "ولا زان ولا زانية". قال: ابن حجر في التلخيص وسنده قوي والغمر بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة الحقد أي لا تقبل شهادة العدو على العدو وأخرج الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة مرفوعا بلفظ "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين ولا قرابة" وفي إسناده يزيد ابن زياد الشامي وهو ضعيف وقد أخرج الطبراني والبيهقي من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناده عبد الأعلى أو شيخه يحيى بن سعيد الفارسي وهما ضعيفان وأخرج أبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد اللهبن عوف أن رسول الله ﷺ بعث مناديا أنها لا تجوز شهادة خصم
стр. 390
ولا ظنين" ورواه البيهقي من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة" يعني الذي بينك وبينه عداوة" ورواه الحاكم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه مثله قال: ابن حجر وفي إسناده نظر والمراد بالمتهم هو من يظن به أنه يشهد زورا لمن يحابيه كالقانع والعبد لسيده وقد حكى في البحر الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده.
وأما القاذف فلقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور:٤] بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] وقد وقع الخلاف في كتب التفسير والأصول في حكم التوبة المذكورة في آخر الآية.
وأما كونها لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية فلحديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجوز شهادة بدوي على قرية" أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي قال: المنذري رجال إسناده احتج بهم مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه قال في النهاية: إنما ذكر شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها وبنحو هذا قال: الخطابي وروى نحوه عن أحمد بن حنبل وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب أحمد وبه قال مالك وأبو عبيد: وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم انتهى وهذا توجيه قوي ومحمل سوي.
وأما كونها تجوز شهادة من شهد على تقرير فعله أو قوله: إذا انتفت التهمة فلأنه لم يرد ما يمنع من ذلك حتى نخصصه من عموم الأدلة وأيضا حديث قبول خبر المرضعة وقوله ﷺ بعد خبرها: "كيف وقد قيل"؟ ورتب على خبرها التحريم وقد تقدم في الرضاع وهي شهدت على تقرير فعلها كما لا يخفى ولم يستدل المانع إلا على أن الشاهد إذا شهد على تقرير قوله أو فعله لم يخل من تهمة وقد قيدنا ذلك بانتفاء التهمة.
وأما كون شهادة الزور من أكبر الكبائر فلحديث أنس في الصحيحين
стр. 391
وغيرهما قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: "الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"؟ قول الزور أو قال شهادة الزور" وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور فما يزال يكررها حتى قلنا ليته سكت".
وأما كونه إذا تعارض البينتان ولم يوجد وجه ترجيح قسم المدعى فلحديث أبي موسى عند أبي داود والحاكم والبيهقي أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله ﷺ فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين وقد أخرج نحوه ابن حبان من حديث أبي هريرة وصححه وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث تميم بن طرفة ووصله الطبراني عن جابر بن سمرة وثبتت قسمة المدعى عنه ﷺ في حديث أبي موسى المذكور أولا بزيادة ذكرها النسائي فقال: ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل منهما شاهدين فلما أقام كل واحد منهما شاهدين نزعت من يد الثالث ودفعت إليهما.
وأما كونه إذا لم يكن للمدعي بينه فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان فاجرا فلحديث الأشعث بن قيس في الصحيحين وغيرهما قال: كان بينى وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "شاهداك أو يمينه" فقلت إنه إذا يحلف ولا يبالى فقال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث وائل ابن حجر أن النبي ﷺ قال للكندي: "ألك بينة"؟ قال: لا قال: "فلك يمينه" فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف وليس يتورع من شيء فقال: "ليس لك منه إلا ذلك".
стр. 392
وأما كونها لا تقبل البينة بعد اليمين فلما يفيده قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" فاليمين إذا كانت تطلب من المدعي فهي مستند للحكم صحيح ولا يقبل المستند المخالف لها بعد فعلها أنه لا يحصل لكل منهما إلا مجرد ظن ولا ينقض الظن بالظن وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم والخلاف معروف.
وأما كون من أقر بشيء لزمه فلما تقدم وأما تقييده بكون المقر عاقلا بالغا فلأن المجنون والصبي ليسا بمكلفين فلا حكم لإقرارهما.
وأما تقييده بكونه غير هازل فلكون إقرار الهازل ليس هو الإقرار الذي يجوز أخذه به وهكذا إذا أقر بما يحيله العقل أو العادة لأن كذبه معلوم ولا يجوز الحكم بالكذب.
وأما كونه يكفي الإقرار مرة واحدة في الحدود وغيرها فلكون المقر بالشيء على نفسه قد لزمه إقراره واعتبار التكرار في الحدود سيأتى أنه لم يثبت عليه دليل يوجب المصير إليه.
стр. 393
كتاب الحدود
باب حد الزنى
...
كتاب الحدود
باب حد الزاني
إن كان بكرا حرا جلد مائة جلدة وبعد الجلد يغرب عاما وإن كان ثيبا جلد كما يجلد البكر ثم رجم حتى يموت ويكفي إقراره مرة وما ورد من التكرار في وقائع الأعيان فلقصد الإستثبات وأما الشهادة فلا بد من أربعة ولا بد أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج ويسقط بالشبهات المحتملة وبالرجوع عن الإقرار وبكون المرأة عذراء أو رتقاء وبكون الرجل مجبوبا أو عنينا وتحرم الشفاعة في الحدود ويحفر للمرجوم إلى الصدر ولا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها إن لم يوجد من يرضعه ويجوز الجلد حال المرض بعثكال ونحوه ومن لاط بذكر قتل ولو كان بكرا وكذلك المفعول به إذا كان مختارا ويعزر من نكح بهيمة ويجلد المملوك نصف جلد الحر ويحده سيده أو الإمام.
أقول: أما جلد الزاني البكر الحر مائة جلده فلقوله: تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وأما التغريب فلحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ في الصحيحين وغيرهما أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله وقال: الخصم الآخر وهو أفقه منه نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي فقال رسول الله ﷺ : "قل" قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنا بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة
стр. 394
وتغريب عام واغد يا أنيس - لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا إليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت قال مالك: العسيف الأجير وفي البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفى عام وإقامة الحد عليه وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" وقد ذهب إلى تغريب الزاني الذي لم يحصن الجمهور حتى ادعى محمد بن نصر في كتاب الإجماع الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين وقد حكى بن المنذر أنه عمل بالتغريب الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعا ولم يأت من لم يقل بالتغريب بحجة نيرة وغاية ما تمسكوا به عدم ذكره في بعض الأحاديث وذلك لا يستلزم العدم فاختلف من أثبت التغريب هل تغرب المرأة أم لا فقال: مالك والأوزاعي لا تغريب على المرأة لأنها عورة وظاهر الأدلة عدم الفرق.
وأما جلد الثيب فيما تقدم من الأدلة وغيرها كرجمه ﷺ لماعز ورجمه ﷺ لليهودي واليهودية ورجمه للغامدية والكل في الصحيح.
وأما كونه يكفي إقرار مرة فاعلم أن أخذ المقر بإقراره هو الثابت في الشريعة فمن أوجب تكرار الإقرار في فرد من أفراد الشريعة كان الدليل عليه ولا دليل ههنا بيد من أوجب تربيع الإقرار إلا مجرد ما وقع من ماعز من تكرار الإقرار ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أو غيره بأن يكرر الإقرار ولا ثبت عنه ﷺ أن إقرار الزنا لا يصح إلا إذا كان أربع مرات وإنما لم يقم على ماعز الحد بعد الإقرار الأول لقصد التثبت في أمره ولهذا قال له ﷺ : "أبك جنون"؟ ووقع منه ﷺ السؤال لقوم ماعز عن عقله وقد اكتفى ﷺ بالإقرار مرة واحدة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وثبت عنه ﷺ أنه رجم الغامدية ولم تقر إلا مرة واحدة كما قال: في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره وكما
стр. 395
أخرجه أبو داود والنسائي من حديث خالد ابن اللجلاج عن أبيه: أن النبي ﷺ رجم رجلا أقر مرة واحدة ومن ذلك حديث الرجل الذي ادعت المرأة أنه وقع عليها فأمر برجمه ثم قام آخر فاعترف أنه الفاعل فرجمه وفي رواية أنه عفا عنه والحديث في سنن النسائي والترمذي ومن ذلك رجم اليهودي واليهودية فإنه لم ينقل أنهما كررا الإقرار فلو كان الإقرار أربع مرات شرطا في حد الزاني لما وقع منه ﷺ المخالفة له في عدة قضايا فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسا في ثبوت العقل وعدمه والصحو والسكر ونحو ذلك وأحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة على من كان معروفا بصحة العقل ونحوه.
وأما اعتبار كون الشهود أربعة فذلك لمزيد الإحتياط في الحدود لكونها تسقط بالشبهة ولا وجه للإحتياط بعد الإقرار فإن إقرار الرجل على نفسه لا يبقي بعده ريبة بخلاف شهادة الشهود عليه وهذا أمر واضح وقد ذهب إلى ما ذكرناه جماعة من أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وحكاه صاحب البحر عن أبي بكر وعمر ﵄ والحسن البصري ومالك وحماد وأبي ثور والبتي والشافعي وذهب الجمهور إلى التربيع في الإقرار.
وأما اعتبار كون الشهود أربعة فلا أعلم في ذلك خلافا وقد دل عليه الكتاب والسنة.
وأما كونه لا بد من التصريح في الإقرار والشهادة بإيلاج الفرج في الفرج فلقوله ﷺ لماعز: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"؟ فقال: لا يا رسول الله قال: أفنكتها لا يكنى قال: نعم" فعند ذلك أمر برجمه أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عباس وأخرج أبو داود والنسائي والدارقطني من حديث أبي هريرة قال: جاء الأسلمي إلى رسول الله ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه فأقبل عليه في الخامسة فقال: "أنكتها"؟ قال: نعم قال: "كما يغيب المرود في المكحلة والرشأ في البئر"؟
стр. 396
قال: نعم الحديث وفي إسناده ابن الهصهاص قال البخاري: حديثه في أهل الحجاز ليس يعرف إلا بهذا الواحد وقد وقع من عمر بمحضر من الصحابة في استفصال شهود المغيرة بنحو هذا والقصة معروفة.
وأما كون الحد يسقط بالشبهات فلحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطيء في العقوبة" أخرجه الترمذي وقد رواه الترمذي أيضا من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وقد أعل الحديث بالوقف وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا" وقد روي من حديث علي ﵁ مرفوعا "ادرأوا الحدود بالشبهات" وروى نحوه عن عمر وابن مسعود بإسناد صحيح وفي الباب من الروايات ما يعضد بعضه بعضا ويقويه ومما يؤيد ذلك قوله: ﷺ : "لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها يعني امرأة العجلاني كما في الصحيحين من حديث ابن عباس.
وأما كونه يسقط الحد بالرجوع عن الإقرار فلحديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي أن ماعزا لما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحى جمل فضربه به وضربه الناس حتى مات فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هلا تركتموه" قال الترمذي: حديث حسن وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة ورجال إسناده ثقات وأخرج أبو داود والنسائي من حديث جابر نحوه وزاد أنه لما وجد مس الحجارة صرخ يا قوم ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه قال: "فهلا تركتموه وجئتموني به" وقد أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله طرفا من هذا الحديث وفي الباب روايات وقد ذهب إلى ذلك أحمد والشافعية والحنفية والعترة وهو مروى عن مالك في قول له وقد ذهب ابن ابي ليلى والبتي وأبو ثور ورواية عن مالك وقول للشافعي أنه لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار.
стр. 397
وأما سقوطه بكون المرأة رتقاء أو عذراء أو بكون الرجل مجبوبا أو عنينا فلكون المانع موجودا فتبطل الشهادة أو الإقرار لأنه قد علم كذب ذلك قطعا وقد روى أنه ﷺ بعث عليا لقتل رجل كان يدخل على مارية القبطية فذهب فوجده يغتسل في ماء فأخذ بيده فأخرجه من الماء ليقتله فرآه مجبوبا فتركه ورجع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك والقصة مشهورة وهذا معناها.
وأما كونها تحرم الشفاعة في الحدود فلما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره" وفي الصحيحين من حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية التي سرقت لما شفع فيها أسامة بن زيد فقال النبي ﷺ : "أتشفع في حد من حدود الله" وأخرج أحمد أهل السنن وصححه الحاكم وابن الجارود أن النبي ﷺ قال لصفوان: لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه "هلا كان قبل أن تأتيني به" وفي الباب أحاديث.
وأما كونه يحفر للمرجوم إلى الصدر فلكونه ﷺ أمر أن يحفر للغامدية إلى صدرها وهو في صحيح مسلم ﵀ وغيره من حديث عبد الله بن بريدة وفي مسلم وغيره أنه حفر لماعز حفرة ثم أمر به فرجم كما في حديث عبد الله بن بريدة في قصة ماعز وأخرجها أحمد وزاد حفرله حفرة فجعل فيها إلى صدره وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه أنه اعترف رجل بالزنا فقال: له رسول الله ﷺ : "أحصنت"؟ قال نعم فأمر برجمه فذهبنا فحفرنا له حتى أمكننا ورميناه بالحجارة حتى هدأ وقد ثبت في مسلم وغيره من حديث أبي سعيد قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا وثقناه ويؤيد هذا ما وقع في حديث غيره أنه هرب كما تقدم ولكن ترك الحفر له لا ينافي مشروعية الحفر.
وأما كونها لا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها إن لم يوجد من يرضعه
стр. 398
فلحديث سليمان بن بريدة عن أبيه عند مسلم رحمه اللذه وغيره أن النبي ﷺ جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز ابن مالك قال: "وما ذاك قالت: إني حبلى من الزنا قال: أنت قالت: نعم فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك" قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال: فأتى النبي ﷺ فقال: وضعت الغامدية فقال: "إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه" فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا رسول الله قال: فرجمها وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث عمران ابن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله ﷺ وليها فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني" ففعل فأمر بها رسول الله ﷺ فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت الحديث وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وابن عباس ﵃ وأحاديثهم عند مسلم رحمه الله تعالى وقد اختلفت الروايات ففي بعضها ما تقدم في حديث بريدة وفي بعضها أن النبي ﷺ أخر رجمها إلى الفطام فجاءت بعد ذلك فرجمت وقد جمع بينهما بمجموعات.
وأما كونه يجوز الجلد حال المرض ولو بعثكال ونحوه فلحديث أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد ابن عبادة قال: كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يرع الحي إلا وهو أمة من إمائهم يخبث بها فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ وكان ذلك الرجل مسلما فقال: "اضربوه حده فقال: يا رسول الله إنه أضعف مما تحسب لو ضربناه مائة قتلناه فقال: "خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ ثم اضربوه به ضربة واحدة" قال: ففعلوا روا أحمد وابن ماجه والشافعي والبيهقي والدارقطني عن فليح عن أبي سالم عن سهل بن سعد ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة عن أبي سعيد الخدري ورواه أبو داود من حديث رجل من الأنصار وأخرجه النسائي من حديث أبي أمامة بن
стр. 399
سهل بن حنيف عن أبيه وإسناد الحديث حسن وقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث علي ﵁ قال: أن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أجلدها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أحسنت اتركها حتى تماثل" وقد جمع بين هذا الحديث والحديث الأول بأن المريض إذا كان مرضه مرجوا أمهل كما في الحديث الآخر وإن كان مأيوسا جلد كما في الحديث الأول وقد حكي في البحر الإجماع على أنه تمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد والمرض المرجو فإن كان مأيوسا فقال: الهادي وأصحاب الشافعي أنه يضرب بعثكول إن احتمله وقال: المؤيد بالله والناصر لا يحد في مرضه وإن كان مأيوسا.
وأما كون من لاط بذكر يقتل ولو كان بكرا وكذا المفعول به إذا كان مختارا فلحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم والبيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" قال ابن حجر: رجاله موثوقون إلا أن فيه اختلافا وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا" وإسناده ضعيف قال: ابن الطلاع في أحكامه لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه رجم في اللواط ولا أنه حكم فيه وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة انتهى وأخرج البيهقي عن علي أنه رجم لوطيا قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنا كان أو غير محصن وأخرج أيضا عن أبي بكر ﵁ أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء فسأل أصحاب رسول الله عن ذلك فكان من أشدهم يومئذ قولا علي ابن أبي طالب قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم نرى أن نحرقه فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار وأخرج أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر
стр. 400
يوجد على اللوطية يرجم" وأخرج البيهقي عن ابن عباس أيضا أنه سئل عن حد اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة وقد اختلف أهل العلم في عقوبة اللواط بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر فذهب من تقدم من الصحابة إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا به وإليه ذهب الشافعي والناصر والقاسم بن إبراهيم وقد حكى صاحب شفاء الأوام إجماع الصحابة على القتل وحكى البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وروى عن النخعي أنه قال: لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم اللوطي قال المنذري حرق اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله ابن الزبير وهشام بن عبد الملك وذهب من عدا من تقدم إلى أن حد اللوطي حد الزاني وقال الشافعي: في الأظهر أن حد الفاعل حد الزنا إن كان محصنا رجم وإلا جلد وغرب وحد المفعول به الجلد والتغريب وفي قول كالفاعل وفي قول يقتل الفاعل والمفعول به وقال: أبو حنيفة يعزر باللواط ولا يجلد ولا يرجم.
وأما كونه يعزر من نكح بهيمة فلكون الحديث المروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه فقد روى الترمذي وأبو داود من حديث أبي رزين عن ابن عباس أنه قال: " من أتى بهيمة فلا حد عليه" وقال: إنه أصح من الحديث الأول والعمل على هذا عند أهل العلم وروى أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة نحو حديث ابن عباس في القتل ولكن في إسناده عبد الغفار قال ابن عدي أنه رجع عنه وذكر أنهم كانوا لقنوه وقد وقع الإجماع على تحريم إتيان البهيمة كما حكى ذلك صاحب البحر ووقع الخلاف بين أهل العلم فقيل يحد كحد الزاني وقيل يعزر فقط إذ ليس بزنا وقيل يقتل ووجه ما ذكرناه من التعزير أنه فعل محرما مجمعا عليه فاستحق العقوبة بالتعزير وهذا أقل ما يفعل به.
стр. 401
وأما كونه يجلد المملوك نصف جلد الحر فلقوله: تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد كما حكى ذلك صاحب البحر وقد أخرج عبد الله بن أحمد في المسند من حديث على قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة سوداء زنت لأجلدها الحد فوجدتها في دمها فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: "إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين". وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى كما تقدم بدون ذكر الخمسين وأخرج مالك في الموطأ عن عبد الله بن عياش المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا وذهب ابن عباس إلأ أنه لا حد على مملوك حتى يتزوج تمسكا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥] الآية وأجيب بأن المراد بالإحصان هنا الإسلام.
وأما كونه يحد العبد سيده أو الإمام فلعموم الأدلة الواردة في مطلق الحد وأما سيده فلحديث أبي هريرة في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثه فليبعها ولو بحبل من شعر" وقد ذهب إلى أن السيد يجلد مملوكه جماعة من السلف والشافعي وذهب العترة إلى أن حد المماليك إلى الإمام إن كان ثم إمام وإلا كان إلى السيد.
стр. 402
باب ما جاء حد السرقة
من سرق مكلفا مختارا من حرز ربع دينار فصاعدا قطعت كفه اليمنى ن ويكفي الإقرار مرة واحدة أو شهادة عدلين ويندب تلقين المسقط ويحسم موضع القطع وتعليق اليد في عنق السارق ويسقط بعفو المسروق عليه قبل البلوغ إلى السلطان لا بعده فقد وجب ولا قطع في ثمر ولا كثر مالم يؤوه الجرين إذا أكل ولم يتخذ خبنة وإلا كان عليه ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع وقد اثبت القطع في جحد العارية.
أقول أما اشتراط التكليف والإختيار فقد تقدم وجهه.
وأما قطع السارق فلقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨] الآية وأما اعتبار الحوز فقد استدل على ذلك بما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ وقد سأله رجل عن الحريسة التي تؤخذ من مراتعها قال: فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها قال: من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن وقد أخرجه أيضا أحمد والنسائي والحاكم وصححه وحسنه الترمذي والحريسة التي ترعى وعليها
стр. 403
حرس. وكذا حديث لا قطع في ثمر ولا كثر عند أحمد وأهل السنن، والحاكم وصححه ابن حبان والبيهقي من حديث رافع بن خديج وقد ذهب إلى اعتبار لحرز الأكثر وذهب أحمد إسحاق والظاهرية وطائفة من أهل الحديث إلى عدم اعتباره واستدلوا على عدم الإعتبار وإن كان قيامهم مقام المنع يكفيهم بما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي ومالك في الموطأ والشافعي والحاكم وصححه من حديث صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي فسرقت فاخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطعه فقلت يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما إنا أهبها له قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر أن رسول الله قطع يد سارق سرق برنسا من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم وقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى معناه وقد روى نحوه حديث صفوان من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وضعف إسناده ابن حجر ويجاب عن الاستدلال بهذه الأحاديث على عدم اعتبار الحرز بأن المساجد حرز لما دخل إليها ولو كان على صاحبه فيكون الحرز أعم مما وقع تبينه في كتب الفقه ولكنه يشكل على من اعتبر الحرز حديث قطع جاحد العارية وسيأتي ويمكن أن يكون ذلك خاصا بما ورد فيه فلا يعارض ما ورد في اعتبار الحرز في غيره.
وأما كون نصاب القطع ربع دينار فصاعدا فلحديث عائشة ﵂ في الصحيحين وغيرهما قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا وفي رواية لمسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا" وفي لفظ لأحمد اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنى عشر درهما وفي رواية للنسائي قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن" قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت: ربع دينار وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: قطع النبي ﷺ في مجن ثمنه
стр. 404
ثلاثة دراهم" وقد عرفت أن الثلاثة الدراهم هي صرف ربع الدينار كما تقدم في رواية أحمد قال: الشافعي وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ﷺ اثنا عشر درهما بدينار وهو موافق لما في تقدير الديات من الذهب بألف دينار ومن الفضة باثني عشر ألف درهم وقد ذهب إلى كون نصاب القطع ربع دينار أو ثلاثة دراهم الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة وفي المسألة اثنا عشر مذهبا قد أوضحتها في شرح المنتقي وأما ما روي من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" فقد قال: الأعمش كانوا يرون أنها بيض الحديد والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي ثلاثة دراهم كذا في البخاري وغيره.
وأما كونه يكفي الإقرار مرة واحدة فلما قدمناه في الباب الأول وقد قطع النبي ﷺ سارق المجن وسارق رداء صفوان ولم ينقل أنه أمره بتكرار الإقرار وأما ما وقع منه ﷺ من قوله ﷺ للسارق الذي اعترف بالسرق: " ما أخالك سرقت" قال: بلى مرتين أو ثلاثا فهذا هو من باب الإستثبات كما تقدم وقد ذهب إلى أنه يكفي الإقرار مرة واحدة مالك والشافعية والحنفية وذهبت العترة وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى اعتبار المرتين.
وأما اعتبار شهادة عدلين فلكون السرقة مندرجة تحت ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في اعتبار الشاهدين. وأما كونه يندب تلقين المسقط فلحديث أبي أمية المخزومي عند أحمد وأبي داود والنسائي بإسناد رجاله ثقات أن النبي ﷺ أتى بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله ﷺ : "ما أخالك سرقت" قال: بلى مرتين أو ثلاثا وقد روى عن عطاء أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق فيقول: أسرقت قل: لا، وسمي أبا بكر وعمر ﵄ أخرجه عبد الرزاق وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
стр. 405
وأما حسم موضع القطع وتعليق اليد في عنق السارق فلما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتى بسارق قد سرق شملة فقال: قالوا يا رسول الله إن هذا سرق فقال رسول الله ﷺ : "ما أخاله سرق" فقال: السارق بلى يا رسول الله فقال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به فقطع فأتي به فقال: تب إلى الله فقال: قد تبت إلى الله فقال: تاب الله عليك" وأخرج أهل السنن وحسنه الترمذي من حديث فضالة بن عبيد قال: أتى رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه وفي إسناد الحجاج ابن أرطاه قال: النسائي ضعيف لا يحتج.
وأما كونه يسقط بعفو المسروق عليه قبل البلوغ إلى السلطان لا بعده فلحديث صفوان المتقدم وأخرج النسائي وأبو داود وصححه من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب"
وأما كونه لا قطع في ثمر ولا كثر إلخ فلحديث عمرو بن شعيب ورافع بن خديج المتقدمين في أول الباب والكثر جمار النخل أو طلعها وإلزامه بالثمن مرتين تأديب له بالمال ولم يكتف ﷺ بذلك بل قال: وضرب نكال ليجمع له بين عقوبة المال والبدن والخبنة ما يحمله الإنسان في حضنه وقد تقدم ضبطها وتفسيرها.
وأما كونه ليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع فلحديث جابر عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن حبان عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو حديث جابر وأخرجه ابن ماجه أيضا والطبراني من حديث أنس نحوه.
وأما كونه قد ثبت القطع في جحد العارية فلما أخرج مسلم رحمه الله تعالى
стр. 406
وغيره من حديث عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها وأخرج أحمد والنسائي وأبو داود وأبو عوانة في صحيحه من حديث ابن عمر مثل حديث عائشة وقد ذهب إلى قطع جاحد العارية من لا يشترط الحرز وهم من تقدم وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع جاحد العارية قالوا لأن الجاحد للعارية ليس بسارق وإنما ورد الكتاب والسنة بقطع السارق ويرد بأن الجاحد إذا لم يكن سارقا لغة فهو سارق شرعا والشرع مقدم على اللغة وقد ثبت الحديث من طريق عائشة وابن عمر كما تقدم وكذا من حديث جابر وابن مسعود وغير هؤلاء وقد وقع في رواية من حديث ابن مسعود عند ابن ماجه والحاكم وصححه أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ووقع في مراسيل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليا فيمكن أن تكون هذه المخزومية قد جمعت بين السرقة وجحد العارية"
стр. 407
باب حد القذف
من قذف غيره بالزنا وجب عليه حد القذف ثمانين جلده ويثبت ذلك بإقراره مرة أو شهادة عدلين وإذا لم يتب لم تقبل شهادته فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود سقط عنه الحد وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا.
أقول: الدليل على ثبوت حد القذف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ وقد أجمع أهل العلم على ذلك وروى مالك عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أدركت عمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء وهلم جرا فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين واختلفوا هل ينصف للعبد أم لا فذهب الأكثر إلى الأول وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وابن حزم إلى أنه لا ينصف لعموم الآية.
وأما كونه يثبت بإقراره مرة فلكون إقرار المرء لازما له ومن ادعى أنه يشترط التكرار مرتين فعليه الدليل ولم يأت في ذلك دليل من كتاب ولا سنة.
وأما اعتبار شهادة العدلين فكسائر ما يعتبر فيه الشهادة كما اطلقه الكتاب العزيز.
وأما كونه يسقط حد القذف إذا جاء القاذف بأربعة شهود يشهدون على المقذوف أنه زنا فلأن القاذف حينئذ لم يكن قاذفا بل قد تقرر صدور الزنا بشهادة الأربعة فيقام الحد على الزاني وهكذا إذا أقر المقذوف بالزنا فلا حد
стр. 408
على من رماه به بل يحد المقر بالزنا وقد ثبت عنه ﷺ إنه جلد أهل الإفك كما في مسند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنة وأشار إلى ذلك البخاري في صحيحه فثبت حد القذف بالسنة كما ثبت بالقرآن ووقع في أيام الصحابة جلد من شهد على المغيرة بالزنا حيث لم تكمل الشهادة وذلك معروف ثابت.
стр. 409
باب حد الشرب
من شرب مسكرا مكلفا مختارا جلد على ما يراه الإمام إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر ولو بالنعال ويكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين ولو على القىء وقتله في الرابعة منسوخ
فصل: والتعزير في المعاصي التي لا توجب حدا ثابت بحبس او ضرب أو نحوهما ولا يجاوز عشرة أسواط:
أقول: أما اعتبار التكليف والإختيار فقد تقدم دليله.
وأما كون حد الشرب مفوضا إلى نظر الإمام فلما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر ﵁ أربعين وفي مسلم من حديثه أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال: عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين جلده فأمر به عمر وفي البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحارث قال: جيء بالنعمان شاربا فأمر رسول الله ﷺ من كان في البيت أن يضربوه فكنت فيمن ضربه بالنعال والجريد وفيه أيضا من حديث السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمرة أبي بكر وصدرا من إمرة عمر فنقوم نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان صدرا من أمرة
стр. 410
عمر فجلد فيها أربعين حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين وفيه أيضا من حديث أبي هريرة نحوه وفي الباب أحاديث يستفاد من مجموعها أن حد السكر لم يثبت تقريره عن الشارع وأنه كان يقام بين يديه على صور مختلفة بحسب ما تقتضيه الحال وفي الصحيحين عن علي ﵁ أنه قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي شيئا إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه.
وأما كونه يكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين فلما تقدم ولعدم وجود دليل على اعتبار التكرار.
وأما كون الشهادة تصح على القىء فلكون خروجها من جوفه يفيد القطع بأنه شربها والأصل عدم المسقط ولهذا حد الصحابة الوليد بن عقبة لما شهد عليه رجلان أحدهما أنه شربها والآخر أنه تقيأها فقال: عثمان ﵁ إنه لم يتقيأها حتى شربها كما في مسلم وغيره.
وأما كون قتله في الرابعة منسوخ فلما رواه الترمذي عن جابر عن النبي ﷺ " أن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" قال: ثم أتى النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله ومثله أخرج أبو داود والترمذي من حديث قبيصة بن ذؤيب وفيه ثم أتى به يعني في الرابعة فجلده ورفع القتل وفي رواية لأحمد من حديث أبي هريرة فأتى رسول الله ﷺ بسكران في الرابعة فخلى سبيله.
وأما جواز التعزير في المعاصي وأنه لا يجوز عشرة أسواط فلحديث أبي بردة بن نيار في الصحيحين وغيرهما أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنة وقال الحاكم: صحيح الإسناد من حديث بهز بن حكيم أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ثم خلى عنه وأخرج الحاكم له شاهدا من حديث أبي هريرة وفيه أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة وقد ثبت
стр. 411
أن عمر أمر أبا عبيدة بن الجراح أن يربط خالد بن الوليد بعمامته لما عزله عن إمارة الجيش كما في كتب السير وسبب ذلك أنه استنكر منه إعطاء شيء من أموال الله وتقدم في باب السرقة أن النبي ﷺ قال: وضرب النكال.
стр. 412
باب ما جاء في حد المحارب
هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن القيل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض يفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحا لكل من قطع طريقا ولو في المصر إذا كان قد سعى في الأرض فسادا فإن تاب قبل القدرة سقط عنه ذلك.
أقول: هذا ظاهر ما دل عليه الكتاب العزيز من غير نظر إلى ما حدث من المذاهب فإن الله سبحانه قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً﴾ فضم إلى محاربة الله ورسوله أي معصيتهما السعي في الأرض فسادا فكان دليلا على أن من عصى الله ورسوله بالسعي في الأرض فسادا كان حده ما ذكره الله في الآية ولما كانت الآية الكريمة نازلة في قطاع الطريق وهم العرنيون كان دخول من قطع طريقا تحت عموم الآية دخولا أوليا ثم حصر الجزاء في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] فخير بين هذه الأنواع فكان للإمام أن يختار ما رأى فيه صلاحا منها فإن لم يكن إمام من يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات فهذا ما يقتضيه نظم القرآن الكريم ولم يأت من الأدلة النبوية ما يصرف ما دل عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب وأما ما روى عن ابن عباس كما أخرجه الشافعي في مسنده أنه قال: في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا
стр. 413
نفوا من الأرض فليس هذا الاجتهاد مما تقوم به الحجة عل أحد ولو فرضنا أنه في الحكم التفسير للآية وإن كان مخالفا لها غاية المخالفة ففي إسناده ابن يحيى وهو ضعيف جدا لا تقوم بمثله الحجة وأما ما روى عن ابن عباس أيضا أن الآية نزلت في المشركين كما أخرجه أبو داود والنسائي عنه فذلك مدفوع بأنها نزلت في العرنيين وقد كانوا أسلموا كما في الأمهات ولو سلمنا ماروى عن ابن عباس لم تقم به حجة من قال: باختصاص ما في الآية بالمشركين لما تقرر من أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أن في إسناد ذلك علي بن الحسين بن واقد وهو ضعيف وقد ذهب إلى مثل ما ذهبنا إليه جماعة من السلف كالحسن البصري وابن المسيب ومجاهد وأسعد الناس بالحق من كان معه كتاب الله وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في العزنيين أنه فعل بهم أحد الأنواع المذكورة في الآية وهو القطع كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس والمراد بالصلب المذكور هو الصلب على الجذوع ونحوها حتى يموت إذا رأى الإمام ذلك أو يصلبه صلبا لا يموت فيه فإن اسم الصلب يصدق على الصلب المفضي إلى الموت والصلب الذي لا يفضي غلى الموت ولو فرضنا أنه يختص بالصلب المفضي إلى الموت لم يكن في ذلك تكرار بعد ذكر القتل لأن الصلب هو قتل خاص.
وأما النفي من الأرض فهو طرده عن الأرض التي أفسد فيها وقيل إنه الحبس وهو خلاف المعنى العربي.
وأما سقوط الحد عنه أن تاب قبل أن يقدر عليه فلنص القرآن بذلك.
стр. 414
باب من يستحق القتل حدا
"هو الحربي والمرتد والساحر والكاهن والساب لله أو لرسوله او للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين والزنديق بعد استتابتهم والزاني المحصن واللوطى مطلقا والمحارب.
أقول: أما الحربي فلا خلاف في ذلك لأوامر الله بقتل المشركين في مواضع من كتابه العزيز ولما ثبت عنه ﷺ ثبوتا متواترا من قتالهم وأنه كان يدعوهم إلى ثلاث ويأمر بذلك من يبعثه للقتال.
وأما المرتد فلقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" وهو للبخاري وغيره من حديث ابن عباس وحديث: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان" الحديث وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود ولحديث أبي معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة وقال: انزل وإذا رجل عنده موثق قال: ما هذا قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله.
وأما الساحر فلكون عمل السحر نوعا من الكفر ففاعله مرتد يستحق ما يستحق المرتد وقد روى الترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث جندب قال: قال رسول الله ﷺ حد الساحر ضربه بالسيف قال الترمذي والصحيح عن جندب موقوفا ثم قال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهو قول مالك بن أنس وقال: الشافعي إنما يقتل
стр. 415
الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ الكفر فإذا عمل عملا دون الكفر فلم ير عليه قتلا انتهى وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل ابن مسلم المكي وهو ضعيف وأخرج أحمد وعبد الرزاق والبيهقي أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة والأرجح ما قاله الشافعي لأن الساحر إنما يقتل لكفره فلا بد أن يكون ما عمله من السحر موجبا للكفر.
وأما الكاهن فلكون الكهانة نوعا من الكفر فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر فبالأولى الكاهن إذا كان معتقدا لصحة الكهانة ومن ذلك حديث أبي هريرة عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنا أو عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد" وفي الباب أحاديث.
وأما الساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة أو الطاعن في الدين فكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح ففاعلها مرتد حده حده. وقد أخرج أبو داود من حديث علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله ﷺ دمها ولكنه من رواية الشعبي عن علي وقد قيل إنه سمع منه وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ فقتلها فأهدر النبي ﷺ دمها ورجال إسناده ثقات وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل فاشتد غضبه فقلت أتأذن لي يا خليفة رسول الله أن أضرب عنقه قال: فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا قلت ائذن لى أن أضرب عنقه قال: أكنت فاعلا لو أمرتك قلت نعم قال: لا والله ما كان لبشر بعد رسول الله ﷺ وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن من سب النبي ﷺ وجب قتله ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة وخالفه القفال فقال: كفر بالسب
стр. 416
فيسقط القتل بالإسلام قال: الخطابي لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما انتهى وإذا ثبت ما ذكرناه في سب النبي ﷺ فبالأولى سب الله ﵎ أو سب كتابه أو الإسلام أو طعن في دينه وكفر من فعل هذا لا يحتاج إلى برهان.
وأما الزنديق فهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعتقد بطلان الشرائع فهذا كافر بالله وبدينه مرتد عن الإسلام أقبح ردة إذا ظهر منه ذلك بقول أو بفعل وقد اختلف أهل العلم هل تقبل توبته أم لا والحق قبول التوبة.
وأما اعتبار الاستتابةة في هؤلاء المذكورين فلحديث جابر عند الدارقطني والبيهقي أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت فأمر النبي ﷺ بأن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت وله طريقان ضعفهما ابن حجر وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة أن امرأة ارتدت يوم أحد فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت وأخرج أبو الشيخ في كتاب الحدود عن جابر أنه ﷺ استتاب رجلا أربع مرات وفي إسناده العلاء ابن هلال وهو متروك وأخرج البيهقي من وجه آخر وأخرج الدارقطني والبيهقي أن أبا بكر ﵁ استتاب امرأة يقال: لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها قال: ابن حجر وفي السير أن النبي ﷺ قتل أم قرفة يوم قريظة وهي غير تلك وأخرج مالك في الموطأ والشافعي أن رجلا قدم على عمر بن الخطاب ﵁ من قبل أبي موسى فسأله عن الناس فأخبره ثم قال: هل من مغربة خبر قال: نعم رجل كفر بعد إسلامه قال: فما فعلتم به قال: قربناه فضربنا عنقه فقال ﵁: هل حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني وقد اختلف أهل العلم في وجوب الاستتابة ثم كيفيتها والظاهر أنه يجب تقديم الدعاء إلى الاسلام قبل السيف كما كان رسول الله ﷺ يدعو أهل الشرك ويأمر بدعائهم إلى إحدى ثلاث خصال ولا يقاتلهم حتى يدعوهم فهذا ثبت في كل كافر فيقال: للمرتد إن رجعت إلى الإسلام وإلا
стр. 417
قتلناك وللساحر والكاهن والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة أو الطاعن في الدين أو الزنديق قد كفرت بعد إسلامك فإن رجعت إلى الإسلام وإلا قتلناك فهذه هي الإستتابة وهي واجبة كما وجب دعاء الحربي إلى الإسلام.
وأما كونه يقال: للمرتد بأي نوع من تلك الأنواع مرتين أو ثلاثا أو في ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر فلم يأت ما تقوم به الحجة في ذلك بل يقال: لكل واحد من هؤلاء ارجع إلى الإسلام فإن أبي قتل مكانه.
وأما الزاني المحصن واللوطى والمحارب فقد تقدم الكلام فيهم.
стр. 418
كتاب القصاص
...
كتاب ماجاء في القصاص
"يجب على المكلف المختار العامد إن اختار ذلك الورثة وإلا فلهم طلب الدية وتقتل المرأة بالرجل والعكس والعبد بالحر والكافر بالمسلم والفرع بالأصل لا العكس ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان ويسقط بإبراء أحد الورثة ويلزم نصيب الآخرين من الدية وإذا كان فيهم صغير انتظر في القصاص بلوغه ويهدر ما سببه من المجني عليه وإذا أمسك رجل وقتل آخر قتل القاتل وحبس الممسك وفي قتل الخطا الدية والكفارة وهو ما ليس بعمد أو من صبي أو مجنون وهي على العاقلة وهم العصبة.
أقول: أما وجوبه فبنص الكتاب العزيز ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] وبمتواتر السنة كحديث "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث منها النفس بالنفس" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود وفي مسلم وغيره من حديث عائشة وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي شريح الخزاعى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أصيب بدم أو خبل والخبل الجراح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو فإن أراد رابعة فخذوا على يده" وفي إسناده سفيان ابن أبي العوجاء السلمي وفيه مقال: وفيه أيضا محمد ابن إسحاق وقد عنعن وقد أخرج البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] الآية فمن عفي له من أخيه قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية
стр. 419
والاتباع بالمعروف لأن يتبع الطالب بمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فيما كتب على من كان قبلكم ولا خلاف بين أهل الإسلام في وجوب القصاص عند المقتضي وانتفاء المانع.
وأما اعتبار التكليف والإختيار فقد يقدم وجهه.
وأما اعتبار العمد فلما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث عائشة بلفظ "لا يحل قتل امرىء إلا في إحدى ثلاث خصال زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا أو رجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض" وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ "من قتل متعمدا سلم إلى أولياء المقتول فإن أحبوا قتلوا" الحديث وهو معلوم بالأدلة والإجماع من أهل الإسلام أن القصاص لا يجب إلا مع العمد ولا بد من أن يكون عدوانا لأن من قتل عمدا مقتولا يستحق القتل شرعا لا يجب عليه القصاص وأما كون القصاص لا يجب إلا مع اختيار الورثة له وإلا فلهم طلب الدية فلما تقدم من قوله ﷺ : "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين".
وأما كونها تقتل المرأة بالرجل والعكس فلما أخرجه مالك والشافعي من حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب في كتابه إلى اليمن "أن الذكر يقتل بالأنثى" ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلا ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي موصولا مطولا من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وفي هذا الحديث كلام طويل وقد صححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وقال: ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم يستغنى بشهرته عن الإستناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول وقال: يعقوب بن سفيان لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا فإن أصحاب رسول الله والتابعين يرجعون إليه ويدعون
стр. 420
رأيهم وقال الحاكم: قد شهد عمر ابن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب ومما استدل به على ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا؟ فلان أو فلان حتى سمى اليهودي فأومأت برأسها فجىء به فاعترف فأمر النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين وقد استوفيت الحديث في شرح المنتقى وإلى ذلك ذهب الجمهور واختلفوا هل تتوفى ورثة الرجل من ورثة المرأة نصف الدية أم لا؟ وقد حكى ابن المنذر الإجماع على قتل الرجل بالمرأة إلا رواية عن علي والحسن وعطاء ورواه البخاري عن أهل العلم هذا في قتل الرجل بالمرأة وأما قتل المرأة بالرجل فالأمر واضح وهكذا قتل العبد بالحر والكافر بالمسلم والفرع بالأصل وليس في ذلك خلاف.
وأما العكس من هذه الصور الثلاث فقد قيل إنه يقتل الحر بالعبد وهو يحكى عن الحنفية وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري هذا إذا كان العبد مملوكا لغير القاتل وأما إذا كان مملوكا له فقد حكي في البحر الإجماع على أنه لا يقتل السيد بعبده إلا عن النخعي وهكذا حكى الخلاف عن النخعي وبعض التابعين الترمذي واستدل المثبتون بما أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه" وفي إسناده ضعف لأنه من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه خلاف مشهور واستدل المانعون بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨] وفي الاستدلال لآية إشكال كالإشكال الذي في استدلال من استدل بقوله: تعالى النفس بالنفس واستدلوا أيضا بما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي ﷺ ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة وفي إسناده إسماعيل بن عياش ولكنه رواه عن الأوزاعي وهو شامي وإسماعيل قوى في الشاميين وفي إسناده أيضا محمد بن عبد العزيز الشامي وهو ضعيف.
стр. 421
وأخرج البيهقي وابن عدى من حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده" وفي إسناده عمر ابن عيسى السلمي وهو منكر الحديث كما قال: البخاري وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: "لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جويبر وغيره من المتروكين وأخرج البيهقي عن علي قال: "من السنه لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جابر الجعفي وهو متروك وأخرج البيهقي من حديث على نحو حديث عمرو بن شعيب وفي الباب أحاديث تشهد لهذه وتقويها.
وأما كونه لا يقتل المسلم بالكافر فلحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل مسلم بكافر" أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم وصححه وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر وأخرج البخاري وغيره عن علي أنه قال له أبو جحيفة هل عندكم من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحب وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت وما في هذه الصحيفة قال: "المؤمنون تتكافأ دمائهم وفكاك الأسير وأن لا يقتل المسلم بالكافر" وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقتل المسلم بالكافر الحربى وأما الذمي فذهب إلى ذلك الجمهور ولم يات من ذهب إلى قتل المسلم بالذمي بما يصلح للإستدلال به.
وأما كونه لا يقتل الأصل بالفرع فلحديث "لا يقتل الوالد بالولد" أخرجه الترمذي من حديث عمر وفي إسناده الحجاج بن أرطأة ولكن له طريق أخرى عن أحمد والبيهقي والدارقطني ورجال إسنادها ثقات وأخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث سراقة وفي إسنادهما ضعف وأخرجه أيضا من حديث ابن عباس وقد أجمع أهل العلم على ذلك لم يخالف فيه إلا البتي ورواية عن مالك.
وأما كونه يثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان
стр. 422
فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥] إلى آخر الآية وهي وإن كانت حكاية عن بني إسرائيل فقد قرر ذلك النبي ﷺ كما في حديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن الربيع كسرت ثنية جارية فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص وأما تقييد ذلك بالإمكان فلأن بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجنى عليه وخطاب الشرع محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجني عليه فإن كان لا يمكن إلا بمجاوزة للمقدار وبمخاطرة أو أضرار فالأدلة الدالة على تحريم دم المسلم وتحريم الإضرار به بما هو خارج عن القصاص مخصصه لدليل الإقتصاص.
وأما كونه يسقط بإبراء أحد الورثه ويلزم نصيب الآخرين من الدية فلما تقدم من كون أمر القصاص إلى الورثة وأنهم بخير النظرين فإذا أبرأوا من القصاص سقط وإن أبرأ أحدهم سقط لأنه لا يتبعض ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية وأخرج أبو داود من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" والمراد بالمقتتلين أولياء المقتول وينحجزوا أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كان امرأة وأما قوله: الأول فالأول أي الأقرب فالأقرب هكذا فسر الحديث أبو داود وفي إسناده حصن بن عبد الرحمن ويقال: ابن محصن أبو حذيفة الدمشقي قال: أبو حاتم الرازي لا أعلم من روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحدا نسبه وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قضى أن المرأة تعقل عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد فقوله: وهم يقتلون قاتلها يفيد ان ذلك حق لهم يسقط بإسقاطهم أو إسقاط بعضهم وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.
стр. 423
وأما كونه إذا كان صغير انتظر في القصاص بلوغه فدليله ما قدمناه من أن ذلك حق لجميع الورثة ولا اختيار للصبي قبل بلوغه.
وأما كونه يهدر ما سببه من المجني عليه فلحديث عمران بن حصين في الصحيحين وغيرهما أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنياته فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال: "يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك" وفيهما أيضا من حديث يعلى ابن أمية نحوه وإلى ذلك ذهب الجمهور. وأما كونه إذا أمسك رجل وقتل آخر قتل القاتل وحبس الممسك فلحديث ابن عمر عند الدارقطني عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك" وهو من طريق الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ورواه معمر وغيره عن إسماعيل قال: الدارقطني والارسال أكثر وأخرجه أيضا البيهقي ورجح المرسل وقال: إنه غير محفوظ قال: ابن حجر رجاله ثقات وصححه ابن القطان وأخرج الشافعي عن علي أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت وقد ذهب إلى ذلك العترة والحنفية والشافعية ويؤيدة قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] وبالجملة فقتل القاتل مندرج تحت الأدلة المثبتة للقصاص وأما حبس الممسك فذلك نوع من التعزير استحقه بسبب إمساكه للمقتول وقد روى عن النخعي ومالك والليث انه يقتل الممسك كالمباشر لأنهما شريكان.
وأما كون في قتل الخطأ الدية والكفارة فلنص الكتاب العزيز على ما في النظم القرآني من القيود والتفاصيل وقد وقع الإجماع على وجوب الدية والكفارة في الجمله وإن وقع الخلاف في بعض الصور كوجوب الكفارة من ماله معروف فمن لم
стр. 424
يوجبها جعل إيجابها من باب خطاب التكليف فقال: لا تجب إلا على مكلف ومن أوجبها جعله من باب خطاب الوضع وهكذا المجنون والكفارة هي ما ذكره الله تعالى من تحرير الرقبة وما بعده من الإطعام١ والصوم وأما الدية فسيأتي بيانها وبيان دية الخطأ الذي هو شبه العمد.
وأما كون دية الخطا على العاقلة وهم العصبة فلحدجيث أبي هريرة في الصحيحين قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد او أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها وفي لفظ لهما وقضى بدية المرأة على عاقلتها وفي مسلم وغيره من حديث جابر قال: كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقولة وأخرج أبو داود وابن ماجه أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله ﷺ دية المقتول على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال: رسول الله ﷺ " ميراثها لزوجها وولدها" وصححه النووي وفي إسناده مجالد وهو ضعيف وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب قريبا وفيه أن رسول الله ﷺ قضى أن يعقل المرأة عصبتها الحديث وقد أجمع العلماء على ثبوت العقل وإنما اختلفوا في التفاصيل وفي مقدار ما يلزم كل واحد من العاقلة.
стр. 425
كتاب الديات
مقدار الدية
...
كتاب الديات
دية الرجل المسلم مائة من الإبل أو مائتا بقرة أو ألفا شاة أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم أو مائتا حلة وتغلظ دية العمد وشبهه بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها ودية الذمي نصف دية المسلم ودية المرأة نصف دية الرجل والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على الثلث وتجب الدية كاملة في العينين والشفتين واليدين والرجلين والبيضتين وفي الواحدة منها نصفها وكذلك تجب كاملة في الأنف واللسان والذكر والصلب وأرش المأمومة والجائفة ثلث دية المجني عليه وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة عشرها وفي كل سن نصف عشرها وكذا في الموضحة وما عدا هذه المسماة فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى إحدها تقريبا وفي الجنين إذا خرج ميتا الغرة وفي العبد قيمته وأرشه بحبسها.
أقول: أما تقدير الدية بما ذكر فلحديث عطاء بن أبي رباح عن النبي ﷺ وفي رواية عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال: فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة رواه أبو داو د مسندا ومرسلا وفيه عنعنة محمد بن إسحاق وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه غير واحد ووثقه جماعة وفي حديث عمرو بن حزم أن في النفس الدية مائة من الإبل وقد تقدم تخرجه في قتل الرجل بالمرأة وفيه أيضا وعلى أهل الذهب ألف دينار وأخرج أبو