← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

علي رضي الله عنه١، كما كان ابن سبإ السبب في إثارة الناس على عثمان٢ رضي الله عنه٣. وبدعة التشيع هي مفتاح باب الشرك والغلو في الصالحين وعبادتهم والتبرك بقبورهم، قال ابن تيمية ﵀:"ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه، فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقاً٤ يهودياً، أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ليحتال في إفساد دين المسلمين -كما احتال بولص٥ في إفساد دين

стр. 107

النصارى - سعى في الفتنة بين المسلمين حتى قتل عثمان، وفي المؤمنين من يستجيب للمنافقين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧] . ثم إنه لما تفرقت الأمة، ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة، وأظهر التكلم في أبي بكر وعمر، وصادف ذلك قلوباً فيها جهل وظلم، وإن لم تكن كافرة، فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكن الزنادقة أمروا ببناء المشاهد، وتعطيل المساجد محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم. ورووا في إنارة المشاهد، وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب، ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب ... وكذبوا..

стр. 108

على النبي ﷺ وأهل بيته، أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين بين الشرك والكذب"١. ولم يمض القرن الأول إلا وقد أثمرت جهود المفسدين الحاقدين عن قيام فرق الشيعة الضالة، التي استحوذت على عدد كبير من المنتسبين للإسلام، وتبنت كثيراً من الأفكار الهدامة، والعقائد الضالة، وتفرقت في البلاد، وأصبح لها علماؤها ودعاتها، الذين يهدمون في جسد الأمة من داخلها. وفي مقابل الشيعة الذين غلوا في علي ﵁، ظهرت فرقة الخوارج٢، التي أُسست على أفكار ضالة: كتكفير علي وعثمان ﵄، والإكفار بارتكاب الكبائر، ووجوب الخروج على الإمام الجائر٣.

стр. 109

فلما رأى الحاقدون ذلك وأنهم نجحوا في كيدهم هذا، كروا كرة أخرى على أهل السنة، ونفذوا إليهم من طريق التصوف والزهد المنحرف، الذي ظهرت بوادره في بداية القرن الثاني الهجري، والذي كان من أهم ركائزه الزهد في العلم، والتفرغ للذكر والعبادة -بزعمهم-. وهذا مقتل عظيم، ومنفذ خطير للأفكار الهدامة. وكان لدى هذه الطائفة ثغرة خطيرة، وهي تفريطهم في منهج أهل الحديث في التلقي، واعتمادهم في قبول المعارف على الذوق والإعجاب والعاطفة، والاغترار بأحوال الرجال وما ظهر لهم، فكانوا في هذا أشبه بأهل التشيع. وهي الحال التي تُعجب الشياطين، وتمكنهم من عملهم اللعين. قال ابن الجوزي١ ﵀ يصف حال هؤلاء القوم، وكيف تلاعبت بهم شياطين الإنس والجن، فأوقعوهم في الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة: "وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم، وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم، تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح

стр. 110

أبدانهم ... وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري. ثم جاء قوم فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات ... وجاء آخرون فهذّبوا مذهب التصوف، وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة، والسماع والوجد والرقص والتصفيق ... ثم ما زال الأمر ينمو، والأشياخ يضعون لهم أوضاعاً ويتكلمون بواقعاتهم. ويتفق بعدهم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم حتى سموه علم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر، ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصاً مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة، ثم تشبعت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء منقالبا بالحلول١

стр. 111

ومنهم من قال بالاتحاد١، وما زال إبليس يخبّطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سنناً" ٢. فهذا الكلام الرصين من هذا العالم المستبصر، يبين لنا كيف يتعاون شياطين الإنس والجن على إضلال الناس، وكيف يكمل بعضهم عمل بعض، فالشيطان يوسوس في القلوب، ويقذف بها الشبهات، ويزين الباطل، ويغري به، وشياطين الإنس يأتون الناس بزي أهل الإيمان، والزهد والورع، وهم دعاة دين الشيطان، فيلبسون الحق بالباطل، ويجعلون من أنفسهم قدوة في فعل ما زينته الشياطين في القلوب من الباطل، ولا يزالون يستجرون الغُفّل من الناس حتى يخرجوهم من الإيمان ويقذفوهم في ظلمات الباطل، وهم -مع ذلك- يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

стр. 112

فالتصوف أصبح المنفذ الثاني -بعد التشيع- الذي نفذ من خلاله أعداء الإسلام لمحاربة الإسلام والهدم فيه من الداخل. قال إحسان إلهي ظهير ﵀: "فظهر التصوف بصورة مذهب مخصوص، وبطائفة مخصوصة اعتنقه قوم، وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير كثير، وتدبر عميق، كمسلك للزهد، ووسيلة للتقرب إلى الله، غير عارفين بالأسس التي قام عليها هذا المشرب، والقواعد الني أسس عليها هذا المذهب، بسذاجة فطرية، وطيبة طبيعية، كما تستّر بقناعه، وتنقّب بنقابه.. آخرون لهدم الإسلام وكيانه، وإدخال اليهودية والمسيحية في الإسلام وأفكارهما من جانب، والزرادشتية والمجوسية والشعوبية١ من جانب آخر، وكذلك الهندوكية٢

стр. 113

والبوذية١ والفلسفة اليونانية الأفلاطونية من ناحية أخرى، وتقويض أركان الإسلام، وإلغاء تعاليم سيد الرسل ﷺ ، ونسخ الإسلام وإبطال شريعته، بنعرة وحدة الوجود٢، ووحدة الأديان٣ ... وترجيح من يسمى

стр. 114

بالولي على أنبياء الله ورسله، ومخالفة العلم، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وترويج الحكايات والأباطيل، والأساطير باسم الكرامات والخوارق، وغير ذلك من الخرافات والترهات" ١. وكما أن ابن سبإ وغيره من دعاة الباطنية، امتطوا ظهر التشيع لبَثِّ الفكر الهدام، فقد كان التصوف ميداناً لزمرة أخرى أشد وأخبث في المكر والإفساد. فالحلاج٢ بثّ فكرة الحلول في أوكار الطرق الصوفية وشطحاتها الكلامية، ووجد في مصطلحات القوم وأوهامهم ما يمكنه من ترويج فكره الجاهلي الملحد.

стр. 115

وتبعه على ذلك ابن عربي١، الذي قال بفكرة وحدة الوجود، وألف كُتباً ضمنها الكفر الصريح، وإنكار وجود الله تعالى بذاته، بائناً عن خلقه، متفرداً بصفات الكمال، وهدم بتلك الكتب أعظم أساس قام عليه الدين، ألا وهو التوحيد. وتبعهما على هذا الفكر كثير من المفسدين، وضل بفكرهم كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولم يأت القرن السابع الهجري، إلا والفكر الصوفي الفلسفي قد صار كالمستنقعات لكل الشرور الفكرية، والضلالات الموجودة في جميع الأديان والمذاهب، وليس عند كثير من فرق الصوفية شيء من الإسلام إلا أسماء ألبسوها تلك الأصول الجاهلية. ومن أساليب أهل التشيع والتصوف التي لبسوا بها باطلهم: التأويل ودعوى الظاهر والباطن، والتي تلاعبوا بها بنصوص الكتاب والسنة، وأدخلوا ما أرادوا من الشر والفكر الهدام كتفسير معنوي باطني للنصوص.

стр. 116

كما يتهربون بهذه الدعوى من تبعات مقالاتهم الكفرية الإلحادية١. وكان من كيد أعداء الدين التحريض على الفتنة، وإيقاد نار الفرقة، وتعميق الخلاف بين المسلمين، وإحياء النعرات العرقية، وإذكاء النزعة الشعوبية. ومن كيدهم للإسلام وأهله وضع الأحاديث ونقل الإسرائيليات وأساطير أهل الكتاب وغيرهم. قال أنور الجندي: "وقد ذهب أغلب الباحثين إلى أن أكثر الأحاديث الموضوعة من الإسرائيليات، إنما وضعت عن تدبير وتخطيط وخصومة وكيد، وأنها من عوامل الحرب الفكرية والعقائدية الضارية، التي شنها اليهود وغلاة النحل المبتدعة على الإسلام والمسلمين بكافة الوسائل من التخفي والتسلل والتمويه، بقصد تمزيق وحدة المسلمين، وتلهيتهم عن دينهم القويم، وتشتيتهم عن صراطه المستقيم. ويصف بعض الباحثين هذه الظاهرة بأنها ليست إلا حرباً حقيقية لكتاب الله، أرادوا بها صرف كل من يقرأ تفسيراً من التفاسير عما يريده الله في كتابه من هداية البشر إلى حكايات وأعاجيب وأساطير تستهوي البسطاء، ثم تتراكم هذه الأساطير، وتعترض حركة الأفهام السليمة"٢.

стр. 117

ومن هذا النوع من المكر ترجمة كتب الفلسفة، والأديان المنحرفة والوثنية وآدابها مما كان له الأثر العظيم في انحراف كثير من المسلمين وظهور البدع والفرق الضالة، قال شيخ الإسلام ﵀:"وأظهر الله من نور النبوة شمساً، طمست ضوء الكواكب، وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفي بعض نور النبوة، فعرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند، في أثناء الدولة العباسية. ثم طلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فعُربت، ودرسها الناس وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر"١. ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن الترجمة للفلسفة اليونانية كانت عاملاً في إضعاف الدولة الإسلامية، وهزيمتها بعد ذلك عسكرياً أمام أعدائها، فيقول: "وإنني أريد أن أعقب، بصفتي قارئاً ومتخصصاً في الفلسفة الإسلامية٢ -بأن الترجمة الفلسفية اليونانية، التي وصلت إلى قمة الجهاز السياسي في عهد المأمون٣ كانت إحدى عوامل الهزيمة الثقافية،

стр. 118

بل الهزيمة العسكرية، فكان الحسم لصالحهم بعد ذلك عبر الغزو التتاري، والغزو الصليبي" ١. وهذا الربط بين ترجمة الفلسفة، وبين الهزيمة الثقافية، والعسكرية، هو الحق الذي لا مرية فيه، وذلك أن سر ظهور الإسلام وتمكن أهله في الأرض إنما كان بالتزام أهله بالدين الصافي، واستغنائهم عن معارف الجاهلية، ثم بعد الترجمة كان ما أشار إليه ابن تيمية من ظهور البدع، وما تبع ذلك من الخلاف، وذهاب الريح، فضعف السبب الذي به ظهر الإسلام، وكان من أهم أسباب الهزيمة العسكرية. كما أن قبول المسلمين لتلك الفلسفات واستخدامها في معرفة العقائد، وتقريرها بمثابة شهادة وتزكية لها بالصلاح، وهذا يرفع من شأنها كما أنه في الوقت نفسه يشعر بحاجة المسلمين وفقرهم لها، وهذه هزيمة ثقافية، مع أن الواقع أن الإسلام في أشد الغنى عنها.

стр. 119

فلا يحتاجون إليها ولا إلى غيرها لمعرفة دينهم، ولو اقتصر استخدام تلك العلوم العقلية على المطالب المادية، كالصناعة والزراعة والطب ونحوها، لكان ذلك حسناً. أما الزعم بأنها الطريق إلى معرفة العقائد والأخلاق فهذا خطأ كبير وسبب من أسباب ضعف المسلمين وهزيمتهم، بل إن بعض الكتاب الغربيين يرى أن خوض الفلاسفة اليونان أنفسهم في هذه المطالب، كان سبباً في تأخر الحضارة اليونانية حيث قال: "إن الفلسفة التي تخوض فيما وراء الطبيعة، وفي علم الأخلاق من العقبات، التي حالت دون تقدم الحضارة اليونانية القديمة" ١. ولم يقتصر كيد الحاقدين على ما تقدم، بل كروا كرة هوجاء على جميع أصول الإسلام وأسسه، وراموا هدم عقائده، والتحلل من شرائعه، وتفكيك دعائمه الاجتماعية، فحدث في زمن المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر، أخذه معبد الجهني٢ عن سوسن٣ النصراني

стр. 120

الذي أظهر الإسلام ثم تنصر وورثه عن معبد غيلان الدمشقي١ والجعد بن درهم٢. وجاء من بعدهم الجهم بن صفوان٣، فنفث في روع أناس من شروره الفكرية، فصبغت تلك الشرور كثيراً من الفرق المنتسبة إلى الإسلام على درجات متفاوته.

стр. 121

فتكلم بفكرة الجبر، وتعطيل صفات البارئ ﵎، وفكرة الإرجاء١ وأن الإيمان هو المعرفة بالله، والكفر هو الجهل به، وقال بخلق القرآن٢، وغير ذلك من الأفكار الخبيثة التي أحدثت جدلاً وفرقة، ونتج عنها فتن داخل الأمة الإسلامية.

стр. 122

ثم ظهرت فرقة المعتزلة على يدي واصل بن عطاء١، وعمرو بن عبيد٢ متأثرين بأفكار الجهمية، وراموا الرد على الجهمية بطريقة خالفوا فيها أهل الحق، كما تبنوا بعض أفكار الجهمية، كالقول بخلق القرآن وتعطيل الصفات وغير ذلك، فأخذوا من التجهم بنصيب.

стр. 123

ثم ظهرت الماتريدية١ والأشاعرة٢، وزعموا التوسط بين منهج أتباع السلف الصالح، وبين المعتزلة، فوافقوا المعتزلة والجهمية ببعض قولهم، ووافقوا السلف ببعض قولهم، فأخذوا من التجهم بنصيب. وقد امتطت هذه الفرق -كما فعل المتشيعة والمتصوفة- التأويل لإبطال دلالة نصوص التنزيل، قال ابن القيم ﵀: "الفصل الخامس والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربعة الني هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان وهي: قولهم: أن كلام الله، وكلام رسوله أدلة لفظية، لا تفيد علماً ولا يحصل منها يقين.

стр. 124

وقولهم: إن آيات الصفات، وأحاديث الصفات مجازات لاحقيقة لها. وقولهم: إن أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة التي رواها العدول، وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن. وقولهم: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي، أخذنا بالعقل، ولم نلتفت إلى الوحي. فهذه الطواغيت الأربعة التي فعلت بالإسلام ما فعلت، وهي التي محت رسومه، وأزالت معالمه، وهدمت قواعده، وأسقطت حرمة النصوص من القلوب، ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد، فلا يحتج عليه المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله، إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت، واعتصم به واتخذه جُنة يصد به عن سبيل الله، والله تعالى بحوله وقوته، ومَنّه وفضله، قد كسر هذه الطواغيت طاغوتاً طاغوتاً، على ألسنة خلفاء رسله، وورثة أنبيائه فلم يزل أنصار الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض، ويرجمونهم بشهب الوحي، وأدلة المعقول" ١.

стр. 125

ومع مرور الأيام انقسمت تلك الفرق على أنفسها، وزاد اختلافها وانحرافها وشقت طريقها بين أفراد المجتمع المسلم وكثر أتباعها، ومما ساعد على ذلك: ١- ضعف الإيمان وغلبة الجهل، وذلك أن الإيمان الراسخ القائم على التوحيد الخالص، والعلم المستمد من الكتاب والسنة، هو الحصن الحصين الذي يحصن الله به عباده من الفكر الهدام وسائر الفتن. ٢- إظهار القائلين بهذه الأفكار، الداعين إليها للزهد والورع والحماس، وادعاء الحرص على الإسلام، وتحملهم الكثير من التضحيات والمشاق، مما جعل كثيراً من الناس يغترون وينخدعون بهم. ٣- تقبل بعض المعروفين بالعلم لبعض هذه الأفكار، ومدحهم لأساطين الفلاسفة وعلومهم. ٤- تسامح بعض الخلفاء والولاة والسلاطين مع أهل الأهواء والبدع، وعدم الحزم في مقاومتهم، ومناصرة بعضهم لهم وفرضهم لأفكارهم. ٥- استيلاء بعض الحكام المنتمين إلى بعض الفرق الضالة على الحكم، في بعض البلاد الإسلامية. فهذه الأمور -وغيرها- كانت ثغرات نفذت منها الأفكار الهدامة إلى المجتمع المسلم، وما إن دخلت حتى وجدت آذاناً تستمع إليها، وقلوباً

стр. 126

مفتوحة لها، فتغلغلت وسرت كسريان النار في الهشيم، وأُشربت كثير من القلوب الفتنة. وحفظ الله الحق في طائفة من الناس، استمسكوا به وتجافوا عن البدع والمحدثات، وقاموا بما استطاعوا من النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم، إلا أن الانحراف استبد وفرض وجوده، واستحكم في المجتمع ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] . ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة:٤١] . واستمر خطر الفكر الهدام والفرق الضالة يزيد مع مرور الزمن، ويقوى سلطان أهله واستحواذهم على المسلمين، حتى إذا جاء العصر الحديث فإذا الجهل والضلال قد استحكم في عقائد كثير من المسلمين وشرائعهم، وأصبحت البدعة سنة، والسنة بدعة، وألفوا ذلك ودافعوا عنه، وعادوا ما سواه، ولو كان الحق الذي ينطق به الكتاب. من أصدق الشواهد على هذه الحال، ذلك الوقوف المنكر والمجابهة لأهل التوحيد والدعوة إلى تنقية الدين مما خالطه من الفكر الهدام والانحرافات والرجوع إلى سنة المصطفى ﷺ وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن آزره في دعوته ﵏ فرموهم بالبدعة والضلال وحاربوهم باسم الإسلام.

стр. 127

وليس غريباً -وهذه حالهم- أن يتسلط عليهم أعداؤهم من النصارى واليهود، والشيوعيين فيشنوا عليهم حملات استعمارية، وقع في إثرها كثير من البلاد الإسلامية، تحت الاستعمار الصليبي الغادر، والشيوعي الملحد الفاجر، حيث شنّ على المسلمين نوعاً جديداً من الغزو الفكري الرهيب بغرض الإجهاز على الإسلام واقتلاعه من جذوره، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وقد جاء المجال للكلام على الصراع الفكري في العصر الحديث، ويكون ذلك في المطلب القادم، والله المستعان.

стр. 128

المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث إن استخدام لفظ الغزو في التعبير عن كيد أعداء الأمة في العصر الحديث مناسب لطبيعة ذلك الكيد، وذلك أن جهود أعداء الإسلام في العصور الحديثة تختلف عن تخطيط أولئك الحاقدين في القديم. ففي القديم كان الإسلام قوياً مهيمناً، وفي الحديث نجد أن أهل الإسلام في أدنى مستويات الانحطاط الفكري والعسكري والاجتماعي. وفي القديم كان الالتزام قوياً، وكان يكثر وجود العلماء العاملين السائرين المستمسكين بالإيمان الصحيح، وكانت لهم مكانتهم عند العامة والخاصة، أما في الوقت الذي بدأت فيه الجولة الجديدة من الحرب الفكرية في العصور المتأخرة، كان المجتمع المسلم قد تنازعته الأهواء والفرق، فعكرت صفوه، وتدنس بعض العلماء بلوثات الأفكار الهدامة، والمذاهب المختلفة، والمناهج الضالة. وفي القديم كان الحاقدون يتظاهرون بالإسلام، ويفسدون بدعوى الإصلاح والحرص على الإسلام، أما في الحديث فرواد المجابهة الفكرية هم من النصارى واليهود، وهم يعملون لحساب دول ومنظمات قوية غنية. لذلك غلب على المواجهة القديمة، لفظ الصراع لوجود المقاومة العنيفة التي قام بها المسلمون من العلماء والخلفاء وغيرهم.

стр. 129

وفي العصر الحديث فالواقع يدل على وقوع الأمة الإسلامية تحت غزو فكري عنيف، سبق الغزو المسلح ومهد له، ورافقه واستمر بعده، وقد كان ميدان هذا الغزو هو المعارف الإسلامية، من العقائد والشرائع، والأخلاق والنظم، والأدب والتاريخ، وجميع المجالات الفكرية. مفهوم الغزو الفكري: بيّن بعض الباحثين مفهوم الغزو الفكري بقوله: "هو من شعب الجهد البشري المبذول ضد عدو ما، لكسب معارك الحياة منه، ولتذليل قياده، وتحويل مساره، وضمان استمرار هذا التحويل حتى يصبح ذاتياً إذا أمكن. وهذا هو أقصى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للمغلوب، وإن كان في الوقت نفسه هو أقصى درجات نجاح الغزاة. وسلاح هذا الغزو: الفكرة، والرأي والحيلة، والنظريات والشبهات، وخلابة المنطق، وبراعة العرض ... ولدادة الخصومة، وتحريف الكلم عن مواضعه، وغير ذلك. ويتميز الغزو الفكري: بالشمول والامتداد، فهو حرب دائبة لا يحصرها ميدان بل تمتد إلى شعب الحياة الإنسانية جميعاً، وتسبق حروب السلاح وتواكبها، حتى تستمر بعدها لتكسب ما عجز السلاح عن تحقيقه، فتشل إرادة المهزوم وعزيمته حتى يلين ويستكين، وتنقض تماسكه النفسي حتى يذوب كيانه، فيقبل التلاشي والفناء في بوتقة أعدائه، أو

стр. 130

يصبح امتداداً ذليلاً لهم" ١. والمراد هنا هو ذلك الجهد الفكري المنظم، الذي شنه أعداء الإسلام، وبخاصة اليهود والنصارى والشيوعيون على الأمة الإسلامية في العصر الحديث. وقد مرت جهود أعداء الأمة في مجال الغزو الفكري في العصر الحديث بثلاث مراحل: الأولى: مرحلة الإعداد، وهي ما قبل الاستعمار العسكري المباشر، ويشمل ذلك التخطيط للتفريق بين المسلمين، وإسقاط الدولة العثمانية، وإيجاد الفكرة القومية٢، لدى شعوب العالم الإسلامي، وإثارة الكراهية

стр. 131

بين العرب والترك، وقد نشطت هذه المرحلة في القرن التاسع عشر الميلادي١. الثانية: مرحلة الاستعمار العسكري، وقعت معظم البلدان الإسلامية تحت حكم المستعمرين النصارى، في أوائل القرن العشرين الميلادي، وبذلك استلم أعداء الأمة مباشرة مراكز التعليم والتربية، والحكم والإعلام وسائر مؤسسات الدولة، فوجهوها وجهة غربية إلحادية، وأقاموها على الأفكار والنظريات الضالة التي توافق وضع المستعمر وتحقق أهدافه. وأثيرت الأفكار الجاهلية، والشكوك والطعن في الإسلام، والدعوة إلى مسايرة الغرب علناً في مجالات واسعة، كالإذاعات والمسارح، والسينما والمدارس، والصحف وغيرها٢. الثالثة: مرحلة ما بعد الاستعمار: وهي فترة تعتبر في كثير من البلاد

стр. 132

استمراراً لمرحلة الاستعمار العسكري، حيث إن المستعمربن يسلمون الحكم لمن ربوهم على أفكارهم واتجاهاتهم، أو تستلمه زمرة -بمساعدة المستعمر- من المنحرفين المنتسبين إلى بعض الأفكار الخبيثة كالشيوعية أو القومية البعثية أو غيرها. ففرض على الشعوب الإسلامية ما غرسه الاستعمار، أو وقعت تحت أوضاع أشد خطراً وكفراً وتسلطاً١. ويرجع كثير من الباحثين بداية التخطيط للحرب الفكرية الحديثة، إلى توجيهات ملك فرنسا لويس التاسع٢ الذي كان يقود بعض الحملات الصليبية بنفسه، حيث أسر في أحدها وسجن في المنصورة بمصر، وقتل في حملة أخرى.

стр. 133

وقد أخذ يفكر بعمق – وهو في معتقله بالمنصورة في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين. وبعد ذلك وضع خيوط المؤامرة الفكرية الجديدة على الإسلام، ولخصها في أربعة أمور: ١- تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات سِلْمية صليبية تستهدف ذلك الغرض، ولا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة. ٢- تجنيد المبشرين١ الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام، ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين جنوداً للغرب. ٣- العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق

стр. 134

الإسلامي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، وقد اقترح لويس لهذه القاعدة الأماكن الساحلية في لبنان وفلسطين١. وقد سار الأوربيون بالفعل في طريق تنفيذ وصية لويس، حيث أعدوا جيوشاً من المستشرقين٢ والمنصرين، الذين قاموا بحركة تشويه للإسلام بهدف تشكيك المسلمين فيه، كما قاموا بإنشاء قاعدة نصرانية لهم في لبنان، ويهودية في فلسطين٣. والحق أن لويس بقراراته هذه وقع على أمرين هامين: الأول: أنه أدرك السر في قوة المسلمين، وهي عقيدتهم وتمسكهم بتعاليم دينهم، وأنه لا سبيل للغرب ولا لغيرهم للانتصار على المسلمين

стр. 135

مع تمسكهم به١.

стр. 136

وما داموا قد حددوا السبب الحقيقي: "فإن العلاج والمقاومة يكون من السهولة بمكان، وقد عرفوا سر قوة المسلمين وهو: عقيدتهم وشريعتهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم الإسلامية. إذاً -لا بد من توجيه الحرب إلى الإسلام نفسه كدين وعقيدة، ومنهج حياة، وعادات وتقاليد، ولا بد من زعزعة الإسلام في قلب المسلم، وتخريب العقيدة في قلوب المسلمين، أو بمعنى آخر قالوا: لا بد من القضاء على الإسلام كعقيدة وشريعة، ونظام ليسهل القضاء على المسلمين كقوة" ١. الثاني: أنه وقع على الكيد المؤثر في حرب الإسلام، وهو أسلوب الغزو الفكري، الذي يفوق بعشرات المراحل أسلوب الغزو العسكري، ذلك أنه يمتاز بعدة أمور منها: ١- الخداع: فالعدو من خلال هذا الغزو لا يقف أمامك عياناً بياناً، بل هو مستخف، يأتيك من وراء حجاب ويداهمك بدون شعور

стр. 137

منك، قد يأتيك في صورة مقال جذاب، أو كتاب بغلاف براق، أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني، أو فيلم أو مسلسل، بل إنه قد يأتيك من خلال واحد من أبناء جلدتك ووطنك، بل ودينك أحياناً. ٢- الخطورة: الغزو الفكري أخطر بكثير من الغزو العسكري، لأنه عميق التأثير في الشعوب المغزوّة، إذ يمتد تأثيره عشرات بل مئات السنين أحياناً، والشعب الذي يُحارَب بالغزو الفكري ينصرف بمحض اقتناعه هو كما يريد الغازي ... ٣- البساطة: فالغزو الفكري سهل وبسيط، وأقل تكلفة من الغزو العسكري، الذي يكلف كثيراً من الدماء والطاقات١. ومما يزيد في ضراوة المعركة أن معظم الطبقة التي تملك زمام البلاد الإسلامية من المفكرين والسياسيين مع القيم الغربية قلباً وقالباً٢. وزاد من خطر هذه الهجمة الفكرية، التقاء المصالح والجهود النصرانية واليهودية في التخطيط للسيطرة على العالم وتدمير الإسلام، والتقاء هؤلاء مع الشيوعيين على عداوة الإسلام، واعتباره الخطر الأول عليهم، وعملهم جميعاً على محاربته بكل الوسائل الفكرية والمادية. وقد استخدموا لهذا الغرض جيوشاًَ من المبشرين والمستشرقين، الذين

стр. 138

كان دورهم هو نشر الفكر الهدام في صفوف المسلمين، وصرفهم عن المفاهيم الصحيحة التي جاء بها الإسلام في كل المجالات. وقد أدرك المستشرقون ومَنْ وراءهم من قادة الاستعمار أن عقيدة كثير من المسلمين قد شابها ما شابها من الانحراف، وعملت فيها جهود الحاقدين القديمة، ولولا ذلك ما نجحت مخططاتهم الحديثة بسهولة، ولذلك اتجهت أهدافهم إلى ترسيخ الانحراف، والعمل على منع عودة المسلمين إلى الفهم الصحيح للإيمان المستمد من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، وقد عملوا لتحقيق ذلك في عدة مجالات: منها: إحياء تلك الجهود القديمة وإذكاء نارها. قال أنور الجندي: "إن من أخطر التحديات التي تواجه الإسلام في العصر الحديث ابتعاث الفكر الوثني ... القديم ... هذا الفكر الذي يجمع بين الوثنية والإلحاد والتعددية، والإشراق والمادية، والذي عرفه العرب والمسلمون بعد ترجمة الفلسفة اليونانية، والفارسية والهندية، وظهر أثره في الفلسفة وعلم الكلام، والتصوف والدعوات الباطنية المتجددة عن المجوسية وغيرها"١. ومنها: العمل على استحداث المزيد من الأفكار الضالة، والفرق

стр. 139

الهدامة، فلقد شجع الاستعمار قيام عدد من الفرق، والمذاهب والجماعات المنحرفة، والتي تتبنى آراء تهدم مبادئ الإسلام من أساسه، وكان الهدف من إنشاء هذه الجماعات هو: ١- ضرب الإسلام كعقيدة وشريعة، وتشكيك المسلمين في دينهم بعد أن حاولوا إبعاده عن مجال التطبيق. ٢- أن تساعد هذه الفرق على إسقاط شريعة الجهاد، التي أقضّت مضاجع المستعمرين، وذلك لاستمرار سيطرتهم على بلدان العالم الإسلامي. ٣- أن تساعد على إشاعة الفرقة الفكرية بين المسلمين وشغلهم بالرد على بعضهم، واستنفاد قوتهم في الجدل والمناقشات. ٤- أن تساعدهم على نشر عقائدهم الباطلة، فقد تبنت هذه الجماعات كثيراً من عقائد النصارى واليهود والماركسيين، وبذلك تستخدم هذه الجماعات كمدارس تبشيرية جديدة داخل العالم الإسلامي١. ومنها: التحريض على ضرب الحركات الإسلامية، وإجهاض الدعوات التي تهدف إلى عودة المسلمين إلى دينهم، وتبصرهم بكيد أعدائهم؛ ومن هذا الباب تشويه سمعة الدعاة، ووصفهم بالتطرف

стр. 140

والإرهاب، ونشر الافتراءات عليهم١. ومن ذلك تشجيع الدول الاستعمارية على مزاولة الضغوط على الحكومات الإسلامية، بعدم انتهاج وتطبيق أحكامه، والالتزام به في سياساتها المختلفة. وقد اعتمد المستشرقون في كيدهم الفكري وغدرهم الخفي على حيلة المنهج العقلي المتجرد وادعوا أنهم يلتزمون به، ويبحثون عن الحق في دراستهم وفق أسس منطقية، ونظرة عقلية محايدة، فخدعوا الكثير من كتّاب ورجال الفكر من المسلمين فقبلوا أقاويلهم، ومفترياتهم ظناً منهم أنها نتائج بحث علمي متجرد. والحق أن دعوى التجرد والحياد، ودعوى المنطقية العقلية لا صحة لها في الواقع، وإنما هي أوهام وظنون وخدع قولية وتلبيسات شيطانية جعلها المستشرقون ومن سار في ركابهم من الحاقدين ستاراً للطعن في الإسلام، والتشكيك في تعاليمه وزخرفة الباطل. فالباحث والناقد والدارس –مهما كان- لا بد أن يكون له منهج يسير عليه، وميزان يزن به ويُرجع الحكم إليه. فالحكم بالخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطإ، يختلف باختلاف البشر ومشاربهم الفكرية، وقناعاتهم الشخصية، فلا بد أن يكون عند الباحث والناقد تحديد

стр. 141

مسبق لهذه المفاهيم يحكم به، ويحتكم إليه، لكن بعض الباحثين لا يجهر بمنهجه ويدّعي التجرد من باب التدليس وإعطاء نتائجه قوة وقبولاً. أما دعوى تحكيم العقل ومنطقه، وأن هناك منطقاً عقلياً مشتركاً بين جميع الناس يزنون به الأمور ويحتكمون إليه، فهي دعوى باطلة، وفتنة قديمة متجددة، ولا وجود لمثل هذا العقل أصلاً. وإنما الموجود هو إعمال الناظر العقل في أمر ما لينظر هل يستقيم على منهجه أو لا، قال سيد قطب ﵀: "إن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو مثال!.. فهناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل علان ... وليس هناك عقل مطلق لا ينتابه النقص والهوى، والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى مقرراته، وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثير، فإننا ننتهي إلى فوضى! " ١.٢

стр. 142

وبالإضافة إلى قصور العقل في القوة، وقصوره في العلم، وتأثير الشهوة والعواطف والانفعالات عليه، فهو أيضاً متأثر بالتصورات الفكرية، والقناعات الموروثة من البيئة أو الدين، أو التعصب للجنس أو الوطن أو نحوها. ومع ذلك فإن الكافر والفاسق ميدان لوسوسة الشياطين، وإمدادهم لأعوانهم بزخرف القول والباطل، كما قال رب العالمين: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١، ٢٢٢] . فكيف بعد هذا تقبل دعوى من هذه حاله، بالنظر الصحيح، والتجرد والحياد العلمي. وليس الغرض هو التأريخ أو استقصاء الحركات الهدامة، وجهود

стр. 143

الأعداء، وإنما بيان خطورة الغزو الفكري الحديث، واعتماده على الأفكار الهدامة، مما يبين أهمية العناية بالإيمان ليتحقق أثره، في تحصين الأمة ضد الأفكار الضالة بمختلف أنواعها. وسوف أورد أهم الأساليب التي استخدمها الغرب الصليبي خاصة، وتعاون على تحقيقها أعداء الأمة عامة، وجندوا أنفسهم لمحاربة الإسلام والمسلمين بها، وقد لخص هذه الأساليب صاحب كتاب: المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام فيما يلي١: ١- فتح المدارس الأجنبية في ديار المسلمين وتكثيرها وتنويعها، وإرسال القُسوس والرهبان.. ليشرفوا على هذه المدارس، ويربوا أجيال المسلمين على أعينهم، ففتحوا المدارس التي كمن التبشير والاستعمار في طيات كتبها المسمومة، وفي صور أساتذتها الحاقدين على الإسلام، والذين وهبوا أنفسهم لمكافحة الإسلام ودحر المسلمين. ٢- ومنها إرسال البعوث، وتكثير الإرساليات التبشيرية لتنشر مكامن التبشير في كل مكان، وتشكك الشباب المسلم في دينه وعقيدته، وتحيطه بسياج من أوهامها وضلالاتها، ومن وسائلهم فتح المستشفيات والمستوصفات ودور التمريض لنفس الغرض الخبيث.

стр. 144

٣- ومنها إرسال أكبر قدر ممكن من شباب المسلمين وأبنائهم، إلى ديار الغرب لينهلوا من ثقافته المسمومة هناك، ويعودوا إلى ديارهم وقد ودعوا هناك دينهم، وخُلقهم ومبادئهم، ورجعوا يحملون هم الأمانة١. أمانة التبشير وحرب رسالة الإسلام. ٤- ومنها نشر الكتب المفسدة العابثة المضللة، التي تشغل الشباب عن ثقافتهم الأصلية، وتلهيهم بالعبث والخيال الماجن الذي سيجرهم إلى المجون والجنون. ٥- ومن هذه المخططات السيطرة قدر المستطاع على برامج التعليم في الديار الإسلامية، وتوجيه التعلم توجيهاً علمانياً٢ لا يؤمن بدين ولا يصدق برسول وينطلق نحو الإلحاد والفساد. ٦- ومنها نشر المجلات الخليعة، والسينمات المسمومة، والتلفزيون المشحون بما يثير غرائز الشباب، ويشغلهم بالتفكير في إشباع غرائزهم عن التفكير في مصالح أمتهم، ومستقبل دينهم وعقيدتهم وحرية

стр. 145

أوطانهم وأمتهم. ٧- ومنها العمل المتواصل لإفساد شبابنا ورجالنا بزجاجة الخمر، وفتاة الهوى، والصورة الخليعة، والقصة الماجنة، وإرسال القينات١ والفاتنات أفواجاً أفواجاً، إلى ديار المسلمين ليفسدن باسم الفن، ويهدمن باسم الحرية، ويخربن باسم الترفيه. ٨- ومنها فتح نوافذ للحضارة الغربية، والثقافة الغربية وتمجيدها، والدعاية لها، لينظر منها شباب الإسلام فيفتن بمباهجها، وتأخذه مظاهرها الخلابة الكاذبة، فيبدأ يأخذ بثقافتها ويعجب بحضارتها، ويحتقر بعد ذلك أمته وبلاده، لسوء حاضرها الماثل أمام عينيه، وقد جهل ما هو ماضيها، وفُتِن بحاضر الغربيين. حتى أصبح قلبه معهم هناك، وإن كان جسمه هنا، وروحه مع الغرب، وإن عاش في الشرق وسكنه وولد فيه. ٩- ومنها السيطرة الاقتصادية والتحكم في الأسواق، وامتصاص أكبر قدر ممكن من ثروة البلاد الإسلامية، وإشاعة الفقر والبطالة بين المسلمين، وهم أي المسلمون إن اشتغلوا بدنياهم لمعالجة عوزهم، وسد حاجاتهم وفقرهم نسوا دينهم، وأُشغلوا عنه، وأهمتهم أنفسهم وأهلوهم واحتاجوا إلى الغرب يستجدونه ويستقرضون منه ويسترضونه.
следующие страницы →