← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أراده منهم من الحكمة الشرعية لخلقهم وهي عبادته وحده لا شريك له والتي بينها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . ولكن الكثير من الناس يأبى إلا التنازع، والبغي والعدوان، والغرور الذي ينتج عنه الخلاف المذموم الذي يقع بعد البينة والعلم. فواقع الناس صائر إلى ما أراده الله بحكمته الكونية من اختلافهم وتفرقهم إلى أهل باطل وخلاف مذموم، وأهل حق ﵏ فتمسكوا بدينه ولازموه١، بيّن ذلك ربنا بقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨، ١١٩] . فهذه هي الحال التي علم الله أنها ستكون من الناس، فأرادها وقدرها عليهم، وأذن بحصولها لتتحقق بها حكمته من وقوع الابتلاء والامتحان وتميز الفريقين، ووجود محبوبات له لا تحصل بدون ذلك، من وجود أناس يؤمنون بالغيب، ويعبدون الله عن حرية واختيار لا عن قهر واضطرار، يعرفون الله بالعقل والأخبار دون الحس والمشاهدة بالأبصار. ويجاهدون النفس والهوى وغيرها، من قوى الباطل، من شياطين

стр. 72

الإنس والجن، تصديقاً بالغيب، وثقة بكلام الله ووعده، بل ويقدمون أنفسهم في الدفاع عن دين الله، وذلك أسمى مراتب العبودية وأعظم محبوبات الله١. وسبب اختلاف الناس بعد أن يأتيهم العلم والبينة، هو البغي كما بيّن الله ذلك بقوله: ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] . والبغي هو: "طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية"٢. "والبغي المذموم هو تجاوز الحق إلى الباطل أو تجاوزه إلى الشبه"٣. فالاختلاف على هذا يكون سببه الظلم، والاعتداء، والطغيان في طلب العلم، حيث يؤدي إلى تجاوز العلم الذي أنزله الله، وتطلب الحق في غيره مما يقود إلى الاختلاف المذموم. ومن الدوافع التي تدفع بعض طلاب العلم إلى هذا التجاوز هو تنافسهم في الدنيا وحب الرئاسة وحسد بعضهم لبعض، حيث عمد بعضهم إلى تلك العلوم الغريبة عن الوحي الإلهي ليتفوقوا بها على أقرانهم،

стр. 73

ويأتوا بجديد يتميزون به. ومن ذلك الاغترار بالعقل الذي كان وما يزال من أقوى الدوافع في تجاوز الوحي الإلهي إلى غيره من العلوم، التي ضررها أكثر من نفعها. فقد اغتر كثير من الناس بعقولهم، وأعطوها أكبر من قدرها، وظنوا أنهم قادرون على إدراك علم وحقيقة سائر الموجودات، المشاهدات منها والمغيبات، فحملهم ذلك مع شهوة حب الاستطلاع، وطلب المزيد إلى عدم الاكتفاء بالوحي، غير شاعرين أن الله -سبحانه- إنما علّمهم ما يكفيهم للقيام بما خُلقوا من أجله، من تحقيق العبودية والاستخلاف في الأرض، وحجب عنهم الكثير من العلوم، إما لعدم حاجتهم لها، أو لضررها عليهم، أو لعدم قدرتهم على إدراكها. ولقد انتهى بهم هذا الغرور، إلى الإعجاب بطريقة الفلاسفة، الذين اعتمدوا على عقولهم من البداية، وجردوا أنفسهم -بزعمهم- لمعرفة الكون وخالقه، والحياة والغيب، زاعمين أن العقل وحده قادر على معرفة ذلك، وشغلوا الناس قديماً وحديثاً، بوضع أسس ومقومات ومقدمات تحكم النظر العقلي وتحدد مساراته، وبنظريات وافتراضات لم يستفد منها البشر عبر تاريخهم الطويل، مصالح تذكر. بل إن الشر الذي نتج عن تلك المذاهب الفلسفية يفوق بأضعاف كثيرة، ما زعمه أهلها من مصالحها، وما أقربهم إلى الذين وصفهم الله وحذر أهل الكتاب منهم بقوله: ﴿قُلْ يَا

стр. 74

أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] . وكم يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٤] . فقد خاض بعض العلماء في تلك العلوم التي خاض فيها الفلاسفة، وراق لهم زخرف القول، واستهوتهم تلك المصطلحات والمناهج، وظنوا أنهم قادرون على الجمع بين الوحي الإلهي وبين تلك العلوم الفلسفية، وسولت لهم أنفسهم أن الوحي لا يعارض تلك العلوم العقلية، بل يجب أن يؤيدها لأن كلا من العقل والوحي من عند الله، فلا يتصور تعارضهما، وهم بذلك لم يفرقوا بين العلم الذي جاء به الوحي من عند الله، والذي يستمد كماله وصلاحه من كمال الله وشمول علمه، وبين العلم البشري الذي يتميز بالضعف والقصور والحيرة نتيجة لضعف العقل البشري الذاتي وتأثير الشهوات والغرائز والعواطف والموروثات البيئية والفكرية عليه. ونتج عن هذا الاقتحام لتلك المتاهات الفكرية، أن ضل أصحابها عن الوحي الإلهي، وحرفوا الأديان، ونقصوا منها، وزادوا فيها من التصورات والعقائد والأهواء الجاهلية.

стр. 75

وتنوعت المعتقدات والتصورات المنحرفة، نتيجة لاختلاف العقول والأهواء، واختلف الناس باختلافها، فيرسل الله الرسل ينذرونهم من عاقبة هذا الاختلاف والانحراف، ويبشرونهم بثواب الرجوع إلى دين الله والبقاء عليه، وعدم مجاوزته. وقد بين الله أنه يهدي المؤمنين إلى الحق الذي اختلف الناس في تعيينه بقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] . فخص المهتدين بوصف المؤمنين. وهؤلاء المؤمنون الذين تكفل الله لهم بالهداية عند اختلاف الناس، هم الذين تمسكوا بما جاءت به الرسل ولم يحيدوا ولم يبدلوا، قال الربيع١ ابن أنس ﵀: "إن الله هدى المؤمنين الذين أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، لذلك كانوا شهداء على الناس يوم القيامة" ٢.

стр. 76

وهذا البيان الذي ذكره الربيع بن أنس لأهم صفات المؤمنين الذين هداهم الله عند الاختلاف إلى الحق الذي لا مرية فيه، فتولاهم الله وخصهم بعنايته، جزاء موافقاً لعملهم، حيث رضوا بالله وبدينه ولم يجاوزوه إلى غيره، وهم بهذا الثبات أصبحوا شهداء على معاصريهم بوجود الحق وإمكان معرفته واعتناقه. وهذه الآية تحمل النور الساطع والدليل القاطع لمن أراد الحق وتحراه، وتثلج صدور المؤمنين الذين حققوا إيمانهم بالثبات على المنهج الأول الذي كان عليه سلف الأمة، ونفروا من المحدثات وحذروا منها، لذلك قال أبو العالية١ ﵀:"في هذه الآية مخرج من الشبهات والضلالات والفتن"٢. والحق من جهة ظهوره أو خفائه، يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ففي يعضها يكون ظاهراً يعلن به أهله ويجاهرون به، وفي بعضها يكون مستتراً مضطهداً، يصعب على الناس تعلمه والاهتداء إليه، فيبعث الله عند ذلك من رسله وأنبيائه مَن يبين للناس الحق في أمور دينهم، ويزيل عنهم تلك الظلمات، التي رانت على قلوبهم وعقولهم.

стр. 77

وفي رسالة خاتم الأنبياء والرسل ﷺ ، تكفّل الله بحفظ الحق في فئة من الناس لا يزالون ظاهرين حتى قيام الساعة. وعند استحكام الجاهلية في بعض الأماكن في وقت من الأوقات، أو التباس الحق بالباطل وصعوبة الاهتداء إلى الحق، يبقى تحقيق وصف الإيمان هو سبب الهداية بإذن الله ويكون -والحالة هذه- بالتجرد لطلب الحق وإسلام الوجه لله، وسلوك طريق العلم الصحيح، والالتجاء إلى الله والاستعانة به وسؤاله الهداية للحق، فإن من فعل ذلك، وعلم الله من قلبه الصدق، فإنه سبحانه يهديه للحق كما دل على ذلك عموم قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] . وقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩] . وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] . ولقوله ﷺ في دعائه إذا قام من الليل: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ١.

стр. 78

وإذا كان البغي والغرور، وعدم الاكتفاء بالوحي الإلهي، والتطلع إلى ما وراء الوحي من العلوم، أهم دافع لاختلاف الناس بعد مجيء البينة والعلم، إلا أنه ليس بالدافع الوحيد لاختلافهم. فهناك فئات من الناس لها طبائع شيطانية، قد انتكست فطرها وقست قلوبها، لا يحبون الخير بل يعادونه، قد زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وختم الله على سمعهم وأبصارهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] . وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] . هذا النوع من الناس هم الذين قال الله فيهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] . فليس لهم هَم إلا الانغماس في الشهوات، والإفساد في الأرض، لا ينتفعون بعلم ولا هدى، فهم كالكلب الذي لا ينتفع بالراحة فيترك اللهث وإنما هو ملازم للهث، سواء تعب أو ارتاح، كما بين الله حال

стр. 79

بعضهم بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥، ١٧٦] . فهم بدافع طبائعهم الفاسدة، ومن أجل تحقيق شهواتهم ومصالحهم، يعادون الحق من أول يوم، ويسلكون كل سبيل لمحاربته، ومن ذلك استغلالهم للخلاف الذي يقع من أتباع الحق، فيروجون لتلك الاختلافات، وينشرونها بقصد نشر البلبلة وتوسيع الخلاف. وهناك طائفة ثالثة جمعت بين الداءين، داء الاختلاف بعد البينة، وداء الطبائع الشريرة، والأغراض الدنيوية الفاسدة، أولئك هم اليهود الذي جاءهم الهدى والنور، فلم يلتزموا به، ولم يحافظوا عليه، بل زادوا فيه ونقصوا، وحرفوا وبدلوا، ولبسوا الحق بالباطل، وكتموا الحق، ثم ازداد أمرهم سوءاً وضلالاً، عندما زعموا أن الله إله اليهود وحدهم، وكرهوا أن تنزل الهداية والوحي على غيرهم قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥] .

стр. 80

وقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠] . قلما اصطدمت أطماعهم الشريرة الباغية، بمشيئة الله وقضائه المحكم، ونزل النور والرحمة على غيرهم، شرقوا بغيظهم، وأحرق الحسد قلوبهم، وعزموا بغرورهم أن يقاوموا إرادة الله القوي العزيز، وانضمّوا إلى جند الشيطان، وبذلوا أقصى ما يستطيعون ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] . ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] . فقتلوا في ذلك الأنبياء، واضطهدوا أتباعهم، وتصدوا للرسالة الخاتمة بكل ما أوتوا من قوة، وسلكوا في سبيل الإفساد في الأرض كل الوسائل. وطائفة ضالة أخرى بَعُد بها العهد عن مشكاة النبوة والنور الإلهي، فخضعت للأوهام والخرافات، والعادات والتقاليد، وجعلت منها ديناً ألفته وتربّت عليه، وربت أجيالها، حتى صعب عليها فراقه، وخالفت الحق وناصبته العداء، محافظة على ميراثها وسِمَةِ أجدادها، وقد أشار الله

стр. 81

إلى هذا النوع بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠] . وانتشرت هذه الطوائف المخالفة للحق، وتوزعت في أرجاء المعمورة، وأصبح لكل منها أتباع وأنصار، يتعصبون لها، ويدافعون عنها بدافع من الانتماء الفكري، أو العرقي أو المكاني. وبعد أن كان الناس في بداية عهدهم أمة واحدة، اجتالتهم الشياطين وهوى الأنفس، والبغي والوهم، حتى أصبحوا فرقاً مختلفة، تتخبط في ظلمات الجهل والضلال ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] . حيث قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] وسيبقى هذا شأنهم إلى يوم القيامة، أمم تائهة ضالة، وطائفة على الحق ظاهرين. ونتيجة لوجود هذه الطوائف الضالة بين الناس من جهة، ووجود أهل الحق والنور الإلهي من جهة أخرى، وجد الصراع بين قوى الحق والباطل، سنة جارية أرادها الله إرادة كونية، فكان الناس كما اقتضت حكمته مختلفين.

стр. 82

وقد بين الله تعالى أن الاختلاف هو الدافع للصراع بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقر:٢٥٣] . ومن يستعرض واقع مسيرة البشر من آدم ﵇، وإلى اليوم يجد نماذج واضحة تؤكد هذه الحقيقة، حقيقة ملازمة الاختلاف والصراع بين الحق والباطل للناس إلى يوم القيامة. وقصص الأنبياء والمرسلين ﵈ مليئة بالشواهد على ذلك، كذلك قصص العلماء العاملين، والقادة المجاهدين، والدعاة والمصلحين. وقد دل الدليل الشرعي، والدليل الواقعي على أنه كلما ازداد البيان والإيضاح ازداد الخلاف والتفرق والصراع، فهذه الرسالة الخاتمة جاءت ببيان واضح مفصّل تفصيلاً دقيقاً شاملاً لجميع نواحي الحياة. قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء:١٢] . وظل الرسول ﷺ ثلاثة وعشرين عاماً يبين للناس الدين عقائده وشرائعه، على تؤدة وروية يبين لهم ما نزل إليهم من ربهم: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦] .

стр. 83

حتى بلغ البلاغ المبين، وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. وشربت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- ذلك العلم، فعملوا به وعلّموه لمن بعدهم. وظل هذا العلم والنور الإلهي ينقله من كل عصر عدوله، وبقي ظاهراً جلياً سليماً في جماعة من الناس محفوظاً بحفظ الله إلى أن يأتي أمر الله. ورغم هذا البيان الواضح والحفظ للرسالة، سرت في الأمة الإسلامية سنة الله الجارية، وقضاؤه النافذ بوقوع الاختلاف بعد العلم والبينة، بسبب بغي الناس وتعديهم، وبفعل الطبائع الشريرة الحاقدة المعادية للخير. فكان الخلاف في هذه الأمة أوسع منه فيمن قبلها، كما كان البيان فيها أوضح، وقد وردت الإشارة لذلك في قول النبي ﷺ : " ألا إن مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " ١.

стр. 84

ففي هذا الحديث دليل على أن الخلاف داء متأصل في الأمم التي جاءها الكتاب، وأن هذا الداء سينتقل إلى هذه الأمة، وأنها ستتشبه بالأمم الضالة اليهودية والنصرانية والفارسية. قال ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، فقيل يا رسول الله: كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك " ١. وقال ﵊: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموه، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "٢. والتشبه بهذه الأمم عام في كل شيء فيشمل الاختلاف والتفرق في الدين، وقد نبه الله على هذه الناحية من التشبه بقوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ

стр. 85

كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة:٦٩] . فقد أخبر الله سبحانه أن من هذه الأمة من سوف يتشبه بالأمم السابقة في الاستمتاع بالشهوات، والخوض بالشبهات، فإذا كان وقع هذا من بعض الأمم المعاصرين للنبي ﷺ ، فوقوعه ممن بعدهم من باب أولى-فهو أخبر عن أمر دائم مستمر، فيكون كل من حصل منه الاستمتاع والخوض إلى يوم القيامة مخاطباً بذلك١. وقد حذر الله من التشبه بالأقدمين في الاختلاف والتفرق بقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] . فأخبر سبحانه أنه سيكون في المسلمين مضاهاة لليهود والنصارى والفرس، وليس هذا إخباراً عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه ﷺ أنه قال: " لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون "،٢

стр. 86

وهذه الطائفة هي الجماعة، وهي التي ضمن لها الرسول ﷺ الجنة في حديث معاوية المتقدم: " ... وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " ١. هذه الطائفة هي التي بقيت على الأمر الأول، واستمسكت بالكتاب والسنة وجانبت البدع والمحدثات، وهي التي يهديها الله إلى الحق بإذنه ويثبتها عليه. وقد فسر كثير من السلف الطائفة المنصورة الظاهرة الباقية على الحق إلى أن يأتي أمر الله بأنهم: أصحاب الحديث منهم علي بن المديني٢، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك٣.. وغيرهم٤.

стр. 87

وأهم صفة لهم أنهم تمسكوا بما كان عليه السلف الصالح في العقيدة والشريعة، مستمدين دينهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قائمين بالدعوة إلى ذلك، قد فارقوا البدع والمحدثات وحذروا منها. قال الخطيب البغدادي١ مبيناً شرف أصحاب الحديث وثباتهم على الحق:"فقد جعل الله الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى لا يعوجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً، حتى أثبتوا بذلك أصلها وكانوا أحق بها وأهلها، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها والقوامون بأمرها وشأنها إذا صدف الناس عن الدفاع عنها، فهم دونها يناضلون.. أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون" ٢. فالفرقة الناجية هم أهل الحديث أتباع السلف الذين سلكوا منهجهم، باستمداد العلوم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولم

стр. 88

يقدموا بين يدي ذلك بدعة ولا هوى، ولا رأياً ولا كشفاً، ولا وجداً ولا غيره. وهذه الفرقة باقية فيمن سار على نهجهم إلى يوم القيامة. ونتيجة لهذا الخلاف الشديد الذي وقع داخل الأمة الإسلامية، ولذلك الخلاف العنيف القديم الذي حصل من الأمم الأخرى التي رفضت الإسلام وناصبته العداء من أول يوم، كان الصراع عنيفاً شديداً بين دعاة الحق ودعاة الباطل في تاريخ الأمة الإسلامية، ساعد على قوته وشدته على أهل الحق وجود طوائف المنافقين والذميين، بين صفوف المسلمين والذين يساعدون على اتساع الخلاف الداخلي، ويعينون العدو الخارجي، ويمهدون لمخططاتهم الهدامة داخل جسد الأمة الإسلامية. وقد جرت سنة الله تعالى أن يكون اللقاء الأول بين دعاة الحق، ودعاة الباطل صراعاً فكرياً يبدأ بالمحاجة والمجادلة، يقدم كل من الفريقين دليله على دعواه. وهذا النوع من الصراع مشروع لكل أحد، فكل إنسان من حقه أن يظهر وجهة نظره التي يعتقد أنها الحق، ولكن مع التزامه بشرطين أساسيين: أحدهما: أن يكون طالباً للحق. ثانيهما: أن يجادل بالحق، وذلك أن يقدم أدلة صحيحة معقولة، ويقبلها إذا قُدمت إليه، فإذا توفر هذان الشرطان كانت المجادلة مشروعة،

стр. 89

ودائماَ تكون النتيجة ظهور الحق على أيدي دعاته وتفوق حجتهم، أما بالنسبة لأهل الباطل ففي كثير من الأحيان يهتدي طالب الحق، ويتبين له الرشد من الضلال، وفي أحيان كثيرة أخرى يتحول الأمر إلى صراع فكري آخر، قائم على المكر والكيد ومكابرة الحق من قبل أهل الضلال، ومحاربته والصد عنه عن طريق نشر الأفكار الهدامة من الأكاذيب على تعاليم الدعوة وعلى صاحبها وأتباعها تشويهاً للحقائق، ومجادلة بالباطل، ومن ذلك نشر الشبهات، وتزيين الفواحش والدعوة إليها، والاستهزاء بالدعاة وأتباعهم وتحقيرهم بالفعل والقول. ويختلف رد فعل جماعة المؤمنين على هذه الأعمال العدوانية والحرب الفكرية الخبيثة، حسب حال الجماعة من جهة القوة والضعف، فتارة يكون بالصبر والاحتساب وانتظار فرج من الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩] . وتارة يكون الرد بالمعاقبة بالمثل كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] وكما فعل النبي ﷺ بالذين حاربوا الدعوة بافتراء الكذب، وهجاء المسلمين من اليهود والشعراء الكفار والقينات وغيرهم، حيث أجلى بعضهم، وأهدر دم بعض.

стр. 90

وقد بين حسان بن ثابت١ ﵁ بلاء الأنصار في الدعوة المحمدية، وأنهم ردوا على طوائف الضالين بأساليبهم بقوله: لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء٢ وهذا الصراع أحياناً ينتهي بعذاب من الله ينزل على الكافرين المعاندين، كما حصل لقوم نوح، ولوط، وهود، ولفرعون.. وغيرهم. وتارة يتحول إلى صراع مسلح حيث يكلّف الله الزمرة المؤمنة بجهاد الكفار وقتالهم بعدما يهيّئ لهم أسباب ذلك. ومن هذا العرض الموجز تبين أن الصراع بين الحق والباطل يأخذ أشكالاً متعددة أهمها ما يلي: ١- الصراع الفكري القائم على المحاجة والجدال. ٢- الصراع الفكري القائم على المكر، والكيد ونشر الأفكار الهدامة، من قبل قوى الضلال. ٣- الصراع المسلح.

стр. 91

وقد بين الله سبحانه في كتابه الكريم وفي سنة رسوله ﷺ هذه الأنواع الثلاثة من الصراع، وبين موقف المؤمنين تجاه كل نوع منها، وبين علماء الأمة في كتب التاريخ والتفسير والعقائد والفرق ... ما لاقته الأمة الإسلامية من الصراع المرير والحرب المسعورة من أنصار الباطل بجميع الوسائل، وفي مختلف العصور، كما بينوا في كتب الحديث والأحكام المعاملات ما ينبغي للمسلم عمله في مجابهة هذه التحديات. والصراع الفكري -القائم على المكر، والكيد والتآمر في الخفاء ونشر الأفكار الهدامة- هو أشد تلك الأنواع خطراً وأعظمها فتكاً، لملازمته للدعوة الإسلامية من بدايتها، إذ لم ينفك عنها يوماً من الأيام، ولازدياد خطره وعظم ضرره على مر الأيام، ولتطور أساليبه، واعتماده على النفاق والسرية والخبث، والتهرب من المسئولية والتظاهر بخدمة الإسلام والتمسك به مع التخطيط لمحاربته. وسوف أخصص المطلبين القادمين للكلام على هذا النوع في المكر، والله والمستعان.

стр. 92

المطلب الثاني: الصراع الفكري بين الحق والباطل في عصور الإسلام المتقدمة لقد كان العالم قبل الإسلام يموج بتيارات فكرية مختلفة اختلافاً شديداً، وكانت تلك الأفكار الضالة السائدة، وذلك الاختلاف القائم على أساسها، أهم أسباب تصارع البشرية وضلالها وشقائها. قال سيد قطب١ ﵀:" جاء الإسلام وفي العالم ركام هائل

стр. 93

من العقائد والتصورات، والفلسفات، والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال ... يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة ... والضمير البشري -تحت هذا الركام الهائل- يتخبط في ظلمات وظنون، لا يستقر منها على يقين، والحياة الإنسانية -بتأثير هذا الركام الهائل- تتخبط في فساد وانحلال، وظلم وذل، وفي شقاء وتعاسة، لا تليق بالإنسان، بل لا تليق بقطيع من الحيوان"١. لقد كان الإنسان -بعقله القاصر وعلمه المحدود- الينبوع لهذه الأفكار الضالة المتخبطة، فلم يكن -باستثناء أتباع الرسل- يستند إلى أصل ثابت ومنطلقات محددة صحيحة، تحكم سيره وتحدد هدفه. فقد كان للوهم والخرافة، والظن، وتأثير الشهوات والانفعالات

стр. 94

على العقول، وما توسوس به شياطين الجن في صدور الناس من زخرف القول ... تأثير في ابتكار ونمو تلك الأفكار الضالة التي سيطرت على عقول الناس قديماً وحديثاً. ومما لا شك فيه أن الجاهلية تكون في مكان أشد منها في مكان آخر، تبعاً لوجود العوامل التي تساعد على تركيزها في عقول الناس. ولعل أخف الجاهليات هي جاهلية العرب قبل الإسلام، وذلك أنه لم تكن قائمة على تلبيسات منطقية، وزخارف فلسفية، ولم تكن قد توغلت فيهم عقائد التناسخ والحلول، فقد كانت عقائدهم وهماً وخرافات، وعادات منها الطيب والخبيث، قلدوا فيها الآباء دون أن يعملوا فيها العقول، وألفوها حتى أصبحت ديناً لازماً لهم. فكانوا مع جاهليتهم أقرب إلى الفطرة، وأخف من غيرهم جاهلية، فكان ذلك -والله أعلم- مع فصاحتهم وسلامة فهمهم لمدلولات الكلام، وإقرارهم بربوبية الله وتعظيمهم له، من حكمة اختيار الله لهم لحمل الرسالة الخاتمة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] . أما المجتمعات التي تمركزت فيها الحضارات القديمة، ووجد فيها الفلاسفة والنظارة، فإن جاهليتها أوسع وأعمق، ذلك أن الفلاسفة صاغوا العقائد الجاهلية صياغة تقربها من العقول، وزخرفوها، ونسجوا الأدلة والمبررات والأساطير الوهمية حولها، مما زاد من استحكامها في عقول الناس، وأصبحت مع مرور الأيام أدياناً مقدسة، وتوسعت نتيجة اختلاف

стр. 95

أولئك النظارة وتعدد مذاهبهم. فظهرت المدارس الإغريقية في بلاد اليونان، وتنوعت الأديان الهندية والفارسية والصينية والمصرية، وأثرت هذه الوثنيات في الديانتين السماويتين اليهودية والنصرانية، كما أن كثيراً من عقائدهما انتقلت إلى الأديان الوثنية، والفلسفات العقلية نتيجة لاحتكاك البشر عبر الهجرات والتجارة وغيرها. هذا حال العالم عندما بُعث النبي محمد ﷺ بالحنيفية السمحة في أعلى مراتب النقاء والصفاء والوضوح، فيها البيان الشافي لكل ما يحتاجه البشر لتحقيق وظيفتهم على الأرض، من الاستخلاف فيها، وتحقيق العبودية لله، وتحصيل أسباب السعادة في الدارين. فقد تميزت الرسالة الخاتمة بالشمول لجميع متطلبات البشر، والعموم لجميع أجناسهم في كل مكان وزمان، فهي تحمل التعريف الصحيح بالله وحقه والكون والحياة، وعن مبدأ الإنسان ودوره في الحياة، ومصيره بعد الممات. كما تضمنت النظام الكامل السديد لعلاقة البشر مع خالقهم ومع بعضهم البعض ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] .

стр. 96

فهذه الشمولية تجلي للفرد والمجتمع التوازن والانسجام في الفكر والنفس والعمل، الذي هو أهم مقومات الحياة السعيدة المثمرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] . فكانت الرسالة المحمدية رحمة من الله للناس لتخليصهم من تلك الجاهليات التي جثمت على قلوبهم، ولوثت أفكارهم دهراً طويلاً. لقد عاش الرسول ﷺ في المدينة النبوية يؤسس للمجتمع المسلم، ويقيم جميع شئونه على منهج الله، ولم ينتقل ﷺ إلى جوار ربه إلا وقد تحول الإسلام بكل ما فيه من عقائد وتعاليم وأخلاق إلى واقع حي، تظهر مظاهره وثماره في الأفكار والقلوب والسلوك. وبعده ﷺ رسّخ الخلفاء الراشدون هذا الواقع، ووسعوا دائرته بالفتوحات الإسلامية، سعياً لتخليص البشر من الجاهليات، وما نتج عنها من ظلم وشقاء، وما هي إلى سنوات قليلة، حتى خلص المسلمون كثيراًَ من شعوب الأرض من الحكومات والجيوش التي كانت تحول بينهم وبين نور الإيمان، فدخل كثير من الناس في دين الله أفواجاً، وحل الأمن والعدل مكان الخوف والظلم والطغيان، وظهرت آثار تلك العقائد السامية الصافية، والتعاليم السديدة الرشيدة، صفاء في العقول، وسلامة في التفكير، وطمأنينة في القلوب، وصلاحاً في السلوك والأعمال، ونتج عن ذلك أعظم وأسمى حضارة عرفتها البشرية.

стр. 97

إلا أن الانتصار السريع في المجال العسكري لم يكن نهائياً، فقد كانت الجاهلية تخطط لجولة ثانية من الحرب، اتخذت من الفكر ميداناً لها، بعد أن أدرك قادتها قوة تأثر الأفكار على السلوك، وأن الحرب الفكرية هي السبيل الوحيد المتاح لهم في ذلك الوقت لمقاومة الإسلام. وسبب ذلك أن مواقف الناس في الشعوب التي دخلت في الإسلام، لم يكن واحداً، فمنهم من استبشر بهذا الدين، وانشرح صدره له، ومنهم من أذعن للوضع القائم دون أن يتفهم ويتحمس له، ومنهم من أخذ موقفاً معادياً وأخذ يعمل ضده. وأصحاب هذا الموقف الأخير هم عادة الملأ من أبناء الملوك والأمراء، وقادة الجيوش وأصحاب الجاه، ورجال الدين الذين سلبت منهم المناصب والمصالح الدنيوية فشرقوا بغيظهم، وزاد من غيظهم زوال ملكهم على أيدي العرب المسلمين الفاتحين، واقتسامهم لأموالهم ومزارعهم ونسائهم، وعزّ عليهم كثيراً هزيمة دينهم الذي ألفوه دهراً طويلاً. قال محمد محيي الدين عبد الحميد: "وقد دخل في الإسلام قوم خلصت قلوبهم من أدران التقليد والعصبية، وصفت نفوسهم لما يدعوهم إليه رسول الإيمان، واطمأنت خوالجهم إلى أمانة هذا الرسول الكريم وصدقِه فعضوا على ما دعاهم إليه بالنواجذ، واستمسكوا منه بالعروة الوثقى لا انفصام لها ...

стр. 98

ودخل في الإسلام -بجانب هؤلاء- أصناف من الناس أولهم جماعة من العرب شاقهم إلى الإسلام -حين جاء فتح الله والنصر- دخول قومهم فيه، فدخلوه تقليداً وانسياقاً مع الجمهور، ولم تكتحل أعينهم برؤية صاحب الرسالة، ولا انشرحت صدورهم بسماع تعاليمه منه، ولا صفت قلوبهم من آثار جاهليتهم، ولا نظفت من أدرانها، فكان سواء لديهم انتصرت الدعوة الإسلامية أم لم تنتصر. وثانيهم جماعة من عامة أهل الأديان الأخرى -على الأخص اليهودية والمجوسية- دخلوا في هذا الدين أيام الفتوح التي أخضعت الدولتين الكبيرتين اليونانية والفارسية، فراراً من حكم الإسلام على من يبقى على دينه منهم١، ولم تخالط بشاشة هذا الدين قلوبهم ... ولا استأصلت من أنفسهم أعلاق الحنين إلى دينهم القديم ... وثالثهم جماعة من دهاة الأديان الأخرى ذوو الخبث والمكر منهم-وعلى الأخص اليهودية والمجوسية أيضاً- تظاهروا بالدخول في الدين الجديد، وهم يضمرون في أنفسهم الكيد والمكر والخديعة، ويتحينون الفرصة للانقضاض على هذا الدين الذي بسط سلطانه على رقعة الأرض المعروفة يوم ذاك، ويعملون في الخفاء لإيجاد هذه الفرصة إن لم تواتهم من تلقاء نفسها، ويهيئون أذهان الطائفتين السابقتين وقلوبهم وجهودهم،

стр. 99

للقيام معهم فيما يعتزمون القيام به ... فيلبسون للناس مسوح١ الصلاح تارة، ومسوح الحرص على تعاليم الدين تارة أخرى، ثم يلبسون لهم مسوح محبة الرسول ﷺ وآل بيته الطاهرين ... فينفث هؤلاء سمومهم، فيؤولون تعاليم الشريعة، ويدخلون فيها ما ليس منها، ويضعون على الرسول أحاديث تؤيد دعواهم، ويطالبون الأغرار -وهم الطائفتان الأولى والثانية- بالقيام لنصرة الدين، أو لنصرة آل الرسول الذي جاء بهذا الدين، هذا فيما نعتقد هو الأصل الأصيل في الفُرقة التي حدثت في الإسلام، وهو غض طري، لم يكتمل عليه قرن واحد" ٢. فشن الحاقدون على الإسلام حرباً عليه من داخله، تستهدف الأصل الذي به ظهر وعز أهله، ألا وهو الإيمان بالله والالتزام بتعاليم الإسلام. ولم تكن هذه الحرب حرباً عشوائية، بل منظمة مدروسة، خطط لها

стр. 100

المفسدون من أبناء الفرس واليهود في اجتماعات ومشاورات عقدوها لهذا الشأن، تمخضت عن تنظيم مكر كان له أثر بالغ في تفريق المسلمين وإضلال كثير منهم عن دينه. كشف خبر هذا الكيد ابن حزم١ في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، حيث قال: "والأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى أنهم كانوا يسمون الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطراً، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى.. فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع

стр. 101

بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ ، واستشناع ظلم علي رضي الله عنه١، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام". ثم قال:"وقد سلك هذا المسلك أيضاً عبد الله بن سبإ الحميري٢ اليهودي، فإنه لعنه الله أظهر الإسلام ليكيد لأهله" ٣. "فابن حزم ﵀ يوضح لنا أن المجوس اجتمعوا لمحاربة الإسلام وأهله، بأسلوب الخداع والمكر، حين عجزوا عن مواجهته علناً فأظهروا الإسلام للكيد وأظهروا للناس محبة أهل البيت لما يعلمون من تقدير المسلمين لأهل بيت رسول الله ﷺ "٤.

стр. 102

وقد اختاروا بعد تأمل ودراسة لأحوال المسلمين أهل التشيع، وذلك لوجود ثغرتين خطيرتين فيهم مكّنتا المفسدين من التلاعب بهم، وبث ما يريدون من الفكر الهدام. الثغرة الأولى: عدم التزامهم بمنهج أهل الحديث القائم على تلقي العلم والحديث بالسند المتصل عن الثقات، فقد كانوا يأخذون قول كل من أعجبهم قوله، وأثار عواطفهم نحو أهل البيت، وتباكى على ما حصل عليهم من الظلم بزعمهم. الثغرة الثانية: عدم عرض أقوال الرجال على ميزان الشرع، وإنما الحق عندهم يعرف بالرجال، فمن ارتضوا ما ظهر من حاله، وأعجبوا بقوله قبلوا منه، وجعلوه حجة، فسهل على أهل الكيد والمكر التلاعب بهم وخداعهم. كما أن هذين المبدأين -وهما: تلقي العلم بالسند المتصل عن الثقات، وعرض أقوال الناس مهما كانوا على ميزان الكتاب والسنة-كانا بعد توفيق الله السبب الأهم في حفظ الله أهل الحديث على الصراط المستقيم، وتحصينهم من الأفكار المضللة. قال شيخ الإسلام ﵀ مبيناً حال هؤلاء وتلاعب المفسدين بهم حتى أصبحوا مأوى لكل فكر هدام، وغرض خبيث: "وهم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من

стр. 103

الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأخبار بين المعروف بالكذب، أو الغلط، أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم والآثار، وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات، فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية١، وتارة يتبعون المجسمة٢ والجبرية٣، وهم من أجهل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين، ومنهم من أدخل على الدين من الفساد

стр. 104

ما لا يحصيه إلا رب العباد. فملاحدة الإسماعيلية١ والنصيرية٢، وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا رب العالمين"٣.

стр. 105

وعلى هذا فالتشيع "كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية أو نصرانية أو زرادشتيه١ وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده، والخروج على مملكته. كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستاراً يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم" ٢. وكان رائد هؤلاء المفسدين عبد الله بن سبإ الحميري؛ الذي أنشأ فرقة السبئية، بل إن كل فرق الشيعة إنما حدثت من جراء ما أحدثه من الأفكار، وهو أول من قال بالنص على ولاية على ﵁، وبرجعته في آخر الزمان، والقول بتناسخ٣ الجزء الإلهي في الأئمة بعد

стр. 106

علي رضي الله عنه١، كما كان ابن سبإ السبب في إثارة الناس على عثمان٢ رضي الله عنه٣. وبدعة التشيع هي مفتاح باب الشرك والغلو في الصالحين وعبادتهم والتبرك بقبورهم، قال ابن تيمية ﵀:"ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه، فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقاً٤ يهودياً، أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ليحتال في إفساد دين المسلمين -كما احتال بولص٥ في إفساد دين

стр. 107

النصارى - سعى في الفتنة بين المسلمين حتى قتل عثمان، وفي المؤمنين من يستجيب للمنافقين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧] . ثم إنه لما تفرقت الأمة، ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة، وأظهر التكلم في أبي بكر وعمر، وصادف ذلك قلوباً فيها جهل وظلم، وإن لم تكن كافرة، فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكن الزنادقة أمروا ببناء المشاهد، وتعطيل المساجد محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم. ورووا في إنارة المشاهد، وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب، ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب ... وكذبوا..

стр. 108

على النبي ﷺ وأهل بيته، أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين بين الشرك والكذب"١. ولم يمض القرن الأول إلا وقد أثمرت جهود المفسدين الحاقدين عن قيام فرق الشيعة الضالة، التي استحوذت على عدد كبير من المنتسبين للإسلام، وتبنت كثيراً من الأفكار الهدامة، والعقائد الضالة، وتفرقت في البلاد، وأصبح لها علماؤها ودعاتها، الذين يهدمون في جسد الأمة من داخلها. وفي مقابل الشيعة الذين غلوا في علي ﵁، ظهرت فرقة الخوارج٢، التي أُسست على أفكار ضالة: كتكفير علي وعثمان ﵄، والإكفار بارتكاب الكبائر، ووجوب الخروج على الإمام الجائر٣.

стр. 109

فلما رأى الحاقدون ذلك وأنهم نجحوا في كيدهم هذا، كروا كرة أخرى على أهل السنة، ونفذوا إليهم من طريق التصوف والزهد المنحرف، الذي ظهرت بوادره في بداية القرن الثاني الهجري، والذي كان من أهم ركائزه الزهد في العلم، والتفرغ للذكر والعبادة -بزعمهم-. وهذا مقتل عظيم، ومنفذ خطير للأفكار الهدامة. وكان لدى هذه الطائفة ثغرة خطيرة، وهي تفريطهم في منهج أهل الحديث في التلقي، واعتمادهم في قبول المعارف على الذوق والإعجاب والعاطفة، والاغترار بأحوال الرجال وما ظهر لهم، فكانوا في هذا أشبه بأهل التشيع. وهي الحال التي تُعجب الشياطين، وتمكنهم من عملهم اللعين. قال ابن الجوزي١ ﵀ يصف حال هؤلاء القوم، وكيف تلاعبت بهم شياطين الإنس والجن، فأوقعوهم في الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة: "وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم، وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم، تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح

стр. 110

أبدانهم ... وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري. ثم جاء قوم فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات ... وجاء آخرون فهذّبوا مذهب التصوف، وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة، والسماع والوجد والرقص والتصفيق ... ثم ما زال الأمر ينمو، والأشياخ يضعون لهم أوضاعاً ويتكلمون بواقعاتهم. ويتفق بعدهم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم حتى سموه علم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر، ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصاً مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة، ثم تشبعت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء منقالبا بالحلول١
следующие страницы →