مسبق لهذه المفاهيم يحكم به، ويحتكم إليه، لكن بعض الباحثين لا يجهر بمنهجه ويدّعي التجرد من باب التدليس وإعطاء نتائجه قوة وقبولاً.
أما دعوى تحكيم العقل ومنطقه، وأن هناك منطقاً عقلياً مشتركاً بين جميع الناس يزنون به الأمور ويحتكمون إليه، فهي دعوى باطلة، وفتنة قديمة متجددة، ولا وجود لمثل هذا العقل أصلاً.
وإنما الموجود هو إعمال الناظر العقل في أمر ما لينظر هل يستقيم على منهجه أو لا، قال سيد قطب ﵀:
"إن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو مثال!.. فهناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل علان ... وليس هناك عقل مطلق لا ينتابه النقص والهوى، والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى مقرراته، وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثير، فإننا ننتهي إلى فوضى! " ١.٢
стр. 142
وبالإضافة إلى قصور العقل في القوة، وقصوره في العلم، وتأثير الشهوة والعواطف والانفعالات عليه، فهو أيضاً متأثر بالتصورات الفكرية، والقناعات الموروثة من البيئة أو الدين، أو التعصب للجنس أو الوطن أو نحوها.
ومع ذلك فإن الكافر والفاسق ميدان لوسوسة الشياطين، وإمدادهم لأعوانهم بزخرف القول والباطل، كما قال رب العالمين:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١، ٢٢٢] .
فكيف بعد هذا تقبل دعوى من هذه حاله، بالنظر الصحيح، والتجرد والحياد العلمي.
وليس الغرض هو التأريخ أو استقصاء الحركات الهدامة، وجهود
стр. 143
الأعداء، وإنما بيان خطورة الغزو الفكري الحديث، واعتماده على الأفكار الهدامة، مما يبين أهمية العناية بالإيمان ليتحقق أثره، في تحصين الأمة ضد الأفكار الضالة بمختلف أنواعها.
وسوف أورد أهم الأساليب التي استخدمها الغرب الصليبي خاصة، وتعاون على تحقيقها أعداء الأمة عامة، وجندوا أنفسهم لمحاربة الإسلام والمسلمين بها، وقد لخص هذه الأساليب صاحب كتاب: المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام فيما يلي١:
١- فتح المدارس الأجنبية في ديار المسلمين وتكثيرها وتنويعها، وإرسال القُسوس والرهبان.. ليشرفوا على هذه المدارس، ويربوا أجيال المسلمين على أعينهم، ففتحوا المدارس التي كمن التبشير والاستعمار في طيات كتبها المسمومة، وفي صور أساتذتها الحاقدين على الإسلام، والذين وهبوا أنفسهم لمكافحة الإسلام ودحر المسلمين.
٢- ومنها إرسال البعوث، وتكثير الإرساليات التبشيرية لتنشر مكامن التبشير في كل مكان، وتشكك الشباب المسلم في دينه وعقيدته، وتحيطه بسياج من أوهامها وضلالاتها، ومن وسائلهم فتح المستشفيات والمستوصفات ودور التمريض لنفس الغرض الخبيث.
стр. 144
٣- ومنها إرسال أكبر قدر ممكن من شباب المسلمين وأبنائهم، إلى ديار الغرب لينهلوا من ثقافته المسمومة هناك، ويعودوا إلى ديارهم وقد ودعوا هناك دينهم، وخُلقهم ومبادئهم، ورجعوا يحملون هم الأمانة١.
أمانة التبشير وحرب رسالة الإسلام.
٤- ومنها نشر الكتب المفسدة العابثة المضللة، التي تشغل الشباب عن ثقافتهم الأصلية، وتلهيهم بالعبث والخيال الماجن الذي سيجرهم إلى المجون والجنون.
٥- ومن هذه المخططات السيطرة قدر المستطاع على برامج التعليم في الديار الإسلامية، وتوجيه التعلم توجيهاً علمانياً٢ لا يؤمن بدين ولا يصدق برسول وينطلق نحو الإلحاد والفساد.
٦- ومنها نشر المجلات الخليعة، والسينمات المسمومة، والتلفزيون المشحون بما يثير غرائز الشباب، ويشغلهم بالتفكير في إشباع غرائزهم عن التفكير في مصالح أمتهم، ومستقبل دينهم وعقيدتهم وحرية
стр. 145
أوطانهم وأمتهم.
٧- ومنها العمل المتواصل لإفساد شبابنا ورجالنا بزجاجة الخمر، وفتاة الهوى، والصورة الخليعة، والقصة الماجنة، وإرسال القينات١ والفاتنات أفواجاً أفواجاً، إلى ديار المسلمين ليفسدن باسم الفن، ويهدمن باسم الحرية، ويخربن باسم الترفيه.
٨- ومنها فتح نوافذ للحضارة الغربية، والثقافة الغربية وتمجيدها، والدعاية لها، لينظر منها شباب الإسلام فيفتن بمباهجها، وتأخذه مظاهرها الخلابة الكاذبة، فيبدأ يأخذ بثقافتها ويعجب بحضارتها، ويحتقر بعد ذلك أمته وبلاده، لسوء حاضرها الماثل أمام عينيه، وقد جهل ما هو ماضيها، وفُتِن بحاضر الغربيين.
حتى أصبح قلبه معهم هناك، وإن كان جسمه هنا، وروحه مع الغرب، وإن عاش في الشرق وسكنه وولد فيه.
٩- ومنها السيطرة الاقتصادية والتحكم في الأسواق، وامتصاص أكبر قدر ممكن من ثروة البلاد الإسلامية، وإشاعة الفقر والبطالة بين المسلمين، وهم أي المسلمون إن اشتغلوا بدنياهم لمعالجة عوزهم، وسد حاجاتهم وفقرهم نسوا دينهم، وأُشغلوا عنه، وأهمتهم أنفسهم وأهلوهم واحتاجوا إلى الغرب يستجدونه ويستقرضون منه ويسترضونه.
стр. 146
١٠- ومنها تمجيد وإحياء الحضارات القديمة كالحضارة الآشورية١، والحضارة الفينيقية٢، والحضارة الفرعونية٣، وتسليط الأضواء عليها، لينبهر بها الشباب المسلم، وينسى حضارته الإسلامية الأصلية، وقد طمسوا عنه أخبارها، وشوهوا له حقائقها، وفتحوا عينيه على حضارتهم وأمجادهم ومدنيتهم الحاضرة.
١١- ومنها العمل على إلغاء المحاكم الشرعية في ديار المسلمين، وإلغاء دور الإفتاء والسيطرة على أوقاف المسلمين، ونشر القوانين الوضعية ودراستها، حتى أنشئت كليات للحقوق في أكثر البلاد
стр. 147
الإسلامية، ويدرس القانون الروماني والقانون الفرنسي وغيرهما من القوانين الأجنبية، ولا تدرس الشريعة الإسلامية إلا في زاوية من زواياها وهي الأحوال الشخصية فقط، أما حقائق الشريعة الإسلامية وتشريعاتها المختلفة فلا نعلم عنها شيئاً، ونجهل حتى أبسط مبادئها وأحكامها.
١٢- ومنا إضعاف سلطان الإسلام في نفوس المسلمين، ويقوم هذا الأسلوب على السخرية بعلماء الدين، وتصويرهم بصورة الجهلاء، الجامدين تارة، والمنافقين المستغلين لسلطان وظائفهم ونفوذهم تارة أخرى، وبت الإشاعات ونشر الاتهامات المختلفة حولهم لتقليص نفوذهم وسيطرتهم على نفوس المسلمين. ولقد نجح الأعداء إلى حد كبير في الحقبة الأخيرة من هذا القرن، حتى شوهوا سمعة العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين وتكتسب منهم الدعوة، ويقتبس منهم نور الإسلام وحقائقه، حتى زهدوا الناس في طلب العلم الديني، وأصبح العالم الإسلامي اليوم لا يشكو نقصاً في شيء، كما يشكو النقص في علماء الدين في معظم ديار الإسلام.
١٣- ومن هذه المخططات تشويه حقائق الإسلام ووضع الإسلام في قفص الاتهام، والتركيز على القرآن الكريم وتوجيه الهجوم عليه، وترجمته لغرض محاربته.
١٤- ومنها توجيه الأدب والصحافة وجهة علمانية، لا دينية، والسيطرة على دور النشر والتوزيع، وإنشاء دور ضخمة للطباعة والنشر والتأليف، تتولى نشر ما يريد الاستعمار ورجاله في أوساط المسلمين، وقد
стр. 148
أنشئت فعلاً في بعض العواصم الإسلامية كثير من هذه الدور.
١٥- ومنها تشويه التاريخ الإسلامي، والتشكيك في حوادثه، وإبراز الجوانب الضعيفة أو المؤسفة فيه.. كما فعل كثير من المستشرقين في هذا الميدان حتى أشبعوا شبابنا حقداً على الإسلام، وكرّهوهم ونفّروهم من تراثهم وتاريخهم.
١٦- ومن هذه المخططات إنشاء المذاهب والمبادئ الهدامة، كالماسونية١ والبهائية٢ والقاديانية٣ وغيرها، وإشغال المسلمين بها
стр. 149
وإخراجهم من دينهم بزعامات فارغة، يوجهها رجال من الشرق والغرب وهم جميعاً أعداء الإسلام.
١٧- ومنها العمل على إلغاء الخلافة الإسلامية، وتفريق كلمة المسلمين وجعلهم أمماً وشعوباً مختلفة، بعد أن كانوا تحت لواء الخلافة أمة واحدة.
١٨- ومنها العمل على إفساد المرأة المسلمة، ثم إخراجها باسم الثقافة والحرية والديمقراطية١ سافرة ومتبرجة، وجعلها أحبولة الفساد في المجتمعات الإسلامية، ومن ثم تعطيل الأسرة، وهدم كيان المجتمع الإسلامي.
١٩- ومنها محاربة اللغة العربية الأصلية، والدعوة إلى العامية، أو الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية، لقطع الصلة بين ماضي المسلمين وحاضرهم، وضياع كنوزهم العلمية التي تركها سلفهم الصالح، وكانوا بها خير أمة أخرجت للناس.
стр. 150
٢٠- اتفاق الاستعمار والصهيونية١ العالمية على مكافحة الإسلام، ووضع قدم للاستعمار في فلسطين قلب البلاد الإسلامية بواسطة اليهود، وباسم العطف على قضاياهم وشعبهم المنكوب، وتحويل قضية فلسطين من قضية إسلامية مقدسة، إلى قضية قومية لا ارتباط لها بالإسلام؛ وحربهم لنا في القدس إنما هي امتداد للحروب الصليبية.
٢١- ومن هذه المخططات وأهمها وأخطرها إحياء العاطفة القومية وإثارة النعرات القومية بين المسلمين.
وبعد هذا الاستعراض الموجز لأهم مخططات الاستعمار الصليبي، لهدم الإسلام، أرى أنه ينبغي الوقوف عند نقطة هامة، وهي ما ورد في رقم ٢٠ من الإشارة إلى اتفاق الاستعمار والصهيونية العالمية على مكافحة الإسلام.
وهذا الاتفاق ما تم إلا بعد التقاء المصالح اليهودية، والصليبية والذي
стр. 151
تم بعد أن استطاع المحتكرون والفلاسفة اليهود، السيطرة على الاقتصاد والفكر الأوربي، فوجهوه وجهة تتلاءم مع مخططاتهم التي وضعوها لإفساد العالم تمهيداً للسيطرة عليه وإقامة دولة اليهود الكبرى١، كما ورد ذلك في تعاليم التلمود٢ والبروتوكولات الصهيونية٣.
стр. 152
وأرى من المناسب أن أذكر أهم المخططات اليهودية لتتبين شدة الهجمة الفكرية الموجهة إلى الإسلام، ومدى التوافق بين التخطيط الصليبي الاستعماري، واليهودي الصهيوني، وقد لخص أهم هذه المخططات صاحب كتاب الإسلام والدعوات الهدامة وسوف أذكر منها ما له صلة بكيد اليهود ضد الإسلام خاصة، فمن ذلك١:
١- محاربة الأديان بصورة عامة، وبث روح الإلحاد والإباحية بين الشعوب، والغض من قدْر وقدرة العلماء والمتخصصين في العقائد والأديان.
٢- تدمير القوى البشرية، ومعنويات الأمم، واستذلالها واستعبادها.
٣- السيطرة على الشباب والأطفال من أول الغايات، وتنشئتهم على الكذب، والتمويه والمخادعة وعلى الأنانية، وحب المنفعة والسعي وراءها بكل الطرق، وكسر سلطة الآباء عليهم، والاستعانة على ذلك بالأندية، والفرق الرياضية الموسيقية والفن.
٤- إشعال الثورات والفتن والاضطرابات، وإنفاق الأموال الطائلة في سبيل الأغراض الهدامة.
٥- إيجاد جيل من العلمانيين في العالم، لمعالجة القضايا على أساس مادي وإبعاد الآثار العقائدية والدينية عن مخططات السياسة والاجتماع.
стр. 153
٦- التركيز على المذاهب والفلسفات، وبث الدعاية للمبادئ المستقاة منها –والتي تحارب الدين- وتسميتها بأسماء جذابة كعلم السياسة، والاجتماع والاقتصاد بحيث تسود هذه المبادئ على تعاليم الدين.
٧- التركيز على المرأة، والدعوة إلى تحريرها، ونزعها من الدين والأسرة واجتذابها إلى المرقص والمحافل، وتدمير الأسرة، وإفراد الرجل من عائلته وإفساد أخلاقه، وترغيبه في المعيشة المتفلّتة.
٨- الدعوة إلى التعليم العلماني اللاديني، الذي يفسد قلوب الشباب، ويغرس مقوّمات الرذيلة، واقتلاع العفة من عقول الفتيات، ويجهر فيه بالإلحاد وإنكار الخالق ﵎.
٩- التحريض على الفساد: عن طريق الثقافة، والصحافة، وذلك بنشر الروايات والصور الخليعة، والأغاني البذيئة، ونشر الخرافات، وإشاعة الأدب المكشوف الإباحي، وتسهيل أسبابه عن طريق نشر الرذائل والخمر، ومحلات البغاء والملاهي.
١٠- إحياء الوثنيات القديمة، ومحاربة تعاليم الدين.
١١- الترويج للفلسفات المادية، وبناء جميع العلوم على أساسها، وتمجيد العقل، والزعم بأن العلم العقلي هو الأساس الوحيد لكل معتقد، ورفض كل عقيدة بُنيت على أساس الوحي، والدعوة إلى الإلحاد عن طريق حرية العقيدة.
стр. 154
١٢- السيطرة قدر الإمكان على الإعلام والتعليم، ودور النشر ووكالات الأنباء، واستخدامها في إثارة الرأي العام، وإفساد الأخلاق، وتحطيم الأسرة، لتسود عبادة المال والشهوات.
وقد استخدم اليهود لتنفيذ هذه المخططات عدة أساليب منها:
١- احتكار المال والصناعات الحساسة، فكثير من البنوك والشركات الكبيرة، وأسواق الأسهم والمال العالمية، بأيديهم، مما يمكّنهم من الضغط غير المباشر على رجال السياسة، بل والتأثير في مجريات الانتخابات في الدول الديمقراطية.
٢- عن طريق المنظمات السرية والعلنية، ومن أشهرها وأخطرها الماسونية، وهي تسمى عند كثير من الباحثين حكومة العالم الخفية، وذلك أنها تؤثر في مجريات الأحداث عن طريق أتباعها الموجودين في جميع الدول تقريباً، والذين يتقلد بعضهم مناصب حساسة، فمنهم: الوزراء والقضاة، وضباط في الجيش، والشرطة، والمباحث، بل ومنهم رؤساء بعض الدول، ورجال الفكر، وغير ذلك من المراكز الحساسة التي لها تأثير في توجيه الشعوب سياسياً واقتصادياً وفكرياً.
٣- عن طريق وسائل الإعلام.
فلقد أدرك اليهود في الوقت الذي أصدروا فيه بروتوكولاتهم الصهيونية في آخر القرن التاسع عشر، أهمية الإعلام المتمثلة في ذلك الوقت في الأدب والصحافة، وأنهما أعظم قوتين تعليميتين –كما قالوا-،
стр. 155
لذلك قرروا شراء العدد الأكبر من الصحف الدورية –وهدفهم من ذلك الظفر بالسلطان الكبير جداً على العقل الإنساني١، وأن لا يصل طرف خبر إلى المجتمع من غير موافقتهم٢.
وخططوا لنشر كتب رخيصة الثمن لتعليم العامة، وتوجيه عقولهم الاتجاهات التي يرغبونها٣، لكي يتمكّنوا من إثارة عقل الشعب متى أرادوا وتهدئته إذا أرادوا٤، والظفر بإرادة المجتمعات غير اليهودية إلى حد أنها لا ترى أمور العالم إلا بالمناظير الملونة، التي يضعها الإعلام على عيونها٥.
وقرروا استخدام الإعلام لإلهاء الشعوب، عن طريق الإعلان في الصحف وغيرها من وسائل الإعلان داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في مجالات: الفن والرياضة وما إليها، هذه المتع التي ستلهي ذهن الشعب حتماً.
وحالما يفقد الشعب تدريجياً نعمة التفكير في المستقبل بنفسه،
стр. 156
سيهتف جميعاً معنا –على حد قولهم١.
ومن ذلك استخدام الإعلام في توجيه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة، التي يمكن أن تبدو تقدمية وتحررية٢.
والنتيجة النهائية التي يطمحون إليها من وراء السيطرة على الإعلام، هي إثمار الملحدين وتحطيم كل عقائد الأديان٣.
ومن أجل هذا الغرض سعى اليهود إلى شراء وإنشاء آلاف الشبكات التلفزيونية في أنحاء العالم، وسيطروا على محطات الإذاعة العالمية، وامتلكوا عشرات الآلاف من الصحف والمجلات وغيرها من الدوريات٤.
ولم يكتفوا بذلك بل احتكروا معظم دور النشر الفعالة في العالم، وأوجدوا لهم نفوذاً وضغوطاً على ما لا يملكونه منها٥.
واهتموا بشكل خاص بوكالات الأنباء، فأكثرها وأهمها بأيديهم، كما ركزوا على السيطرة على صناعة السينما والتلفزيون، والمسرح
стр. 157
والثقافة، والإعلان التجاري١.
وقد ساعدهم على ذلك التقاء مصالحهم مع مصالح الغرب الصليبي، في حرب الإسلام، والسعي إلى السيطرة العالمية، وتحويل العالم جميعاً إلى أنماط الحضارة الغربية. فتساعد الفريقان على تسخير الإعلام وغيره من الأساليب في تحقيق هذه الأغراض.
والحق أن جهود أعداء الإسلام من الصليبيين الحاقدين، واليهود الصهاينة المفسدين، نجحت نجاحاً لم يكن يخطر لهم على بال، فتغلغلت تلك الأفكار الجاهلية والمبادئ الغربية والقيم الإباحية تغلغلاً مفزعاً في معظم المجتمعات الإسلامية.
وقد ساعد على نجاحها عدة عوامل، نجملها فيما يلي:
١- ضعف الأمة الإسلامية في وقت المجابهة الفكرية الحديثة، نتيجة للانحراف الخطير في مفهوم الإيمان، وسوء المعتقد، وانتشار الفرق المخالفة والبدع.
كل ذلك كان من آثار الجهود القديمة التي أثرت فيه وترسبت واختمرت حتى أصبح ينظر إليها عند كثير ممن ينتسب إلى الإسلام أنها هي الإسلام.
٢- قوة التخطيط ودقته وشموله، وتظافر جهود أعداء الله من اليهود
стр. 158
والنصارى والشيوعيين، والمنافقين على تنفيذه.
٣- أن هذه الجهود الفكرية الحاقدة جاءت من القوي المنتصر الذي امتلك كثيراً من زخارف الحياة الدنيا ومتعها ومغرياتها، وتقدم في العلوم الدنيوية، وبرع في الصناعة مما جعل الكثير من الناس –وخاصة الشباب- ينساق إلى فكره وينخدع بزخرف قوله.
٤- وقوع كثير من الدول الإسلامية تحت الاستعمار الصليبي، أو الشيوعي المباشر حيث فرض عليه الفكر الهدام فرضاً، وأبعد الإسلام عن نواحي الحياة، وشنت عليه حرب في كل الميادين، وبخاصة الحكومات الشيوعية التي فرضت الأفكار الإلحادية وربت عليها أجيالاً، خلال وقوع كثير من البلاد الإسلامية تحت الحكم الشيوعي، الروسي والصيني لعشرات السنين.
واستمر ذلك بعد الاستقلال، حيث وقعت معظم الشعوب الإسلامية تحت حكومات إن لم تكن أسوأ من الاستعمار، فليست بأحسن منه.
٥- تقدم وسائل الإعلام وامتلاك قوى الشر لزمامها.
لقد تقدمت الوسائل الإعلامية تقدماً مذهلاً، ومن المؤسف أن ذلك تم على أيدي أعداء الإيمان ومن أجل تنفيذ أغراضهم.
فتطورت الطباعة وتنوعت أساليب النشر، وتقدم البث الإذاعي والتلفزيوني بعد استخدام الأقمار الصناعية، وتطورت بشكل خطير جداً صناعة الأفلام والمواد التلفزيونية، واخترع الفيديو الذي سهل إلى حد
стр. 159
كبير جهود المفسدين.
وها نحن هذه الأيام نعيش بداية طامة إعلامية كبرى، أقضَّت مضاجع الغيورين على هذا الدين، وأدخلت الوحشة في قلوب المؤمنين، ألا وهي البث المباشر١.
إنها ولا شك أكبر إنجاز يتحقق للشيطان في هذا العصر.
وليست الخطورة في الوسيلة، وإنما الخطورة تكمن في كونها بأيدي المفسدين حزب إبليس اللعين.
فهي ولا شك سلاح قوي فعال، لو كان بأيدي أهل الحق لكان قوة لهم على دعوتهم، وسعيهم للإصلاح في الأرض.
وامتلاك الجاهلين لها يؤذن بشر عظيم، وخطر جسيم يتهدد عقائد المسلمين، وسلوكهم وأخلاقهم، وكل قيم الخير والفضيلة، بل ويهدف في الصميم إلى اقتلاع الإيمان من الأرض اقتلاعاً ومحو رسومه.
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ
стр. 160
اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وسوف تكون معظم مواد هذا البث –كما هو في قرارات المشرفين عليه- في خدمة الدول التي تسعى إلى السيطرة على العالم، والصهيونية العالمية التي تخطط لإقامة الدولة اليهودية الكبرى، والمنصّرين الذين ملؤوا الدنيا جعجعة وصراخاً مبشرين بالتثليث، وتأليه البشر، والكفر بالله.
وقد عقدت مؤتمرات لدراسة كيفية الاستفادة من البث المباشر في التنصير١، كما سيكون فيها لدعاة الإباحية، ونشر الفاحشة والرذيلة حظاً وافراً.
وخلاصة القول:
أن الغزو الفكري الحديث أحدث انقلاباً جذرياً في حياة المسلمين، في معظم البلاد الإسلامية، وابتعد بكثير منهم عن الطريق المستقيم، وهذا الخطر ما يزال يزحف ويشتد، والمكر يتعاظم ويتنامى.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾ [الأنفال:٣٠] .
وكان من أبرز آثاره:"تحطيم مظلة الأعراف الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، فانطلقت تسري في أوصالها كل موبقات الحضارة الأوربية،
стр. 161
حتى وصلت في ظل الاحتلال إلى مرحلة الشيوع والظهور، ثم إلى مرتبة الاستقرار والاستحسان، ثم درجة الشرعية١ التي تحميها القوانين الوافدة وتدرّج بالمغلوبين الانحلال، بداية بالسلوك الفردي فالانحراف الجماعي عن نهج الدين، واستهوت مظاهر الحياة الغربية الناس، فأقبل كثير منهم على الخمور والفجور، والقمار والربا، ونحو ذلك، ثم دب دبيب التهاون في الدين، فتناول العبادات والعقائد وغيرها، فتكاسل الناس عن أداء العبادات، وانتشر في الجو ضروب من الفلسفة، والمذاهب الضالة، واستمالت الشباب وغير الشباب، وصارت العلاقات الجنسية والنزعة الإباحية الشغل الشاغل للسينما، وكثير من المجلات والصحف.. فانحرف الشباب وفسدت روابط الأسرة٢، إلا من رحم الله.
وقد عمّ السيل وطمّ، بانهيار الفضائل الاجتماعية وغيرها، عندما
стр. 162
شهد العالم الإسلامي تغيراً اجتماعياً استجابة لدعوات التغريب١ على يد المستعمرين ومؤسساتهم التبشيرية والاستشراقية ... ولكنه وِفْق الأسلوب الجديد، أصبح يتم على أيدي المسلمين أنفسهم من تلاميذ المستشرقين والمبتعثين، يساندهم في تنفيذ هذا المخطط بعض الحكام من المسلمين"٢.
كما أثمرت جهود المنصرين تنصير كثير من أبناء المسلمين الذي درسوا في مدارسهم، أو ألجأتهم الحاجة أو الإعجاب إلى اتباع دين النصارى؛ كما اعتقد كثير من المنتسبين إلى الإسلام الأفكار الكافرة، كالفكرة الشيوعية، أو القومية البعثية، أو العلمانية، أو غير ذلك من الفلسفات الضالة.
وكثمرة لتشجيع المستعمرين ازدهرت المظاهر الوثنية، من عبادة القبور والحج إلى المشاهد، والطرق الصوفية الضالة التي استحوذت على كثير ممن لديهم نزعة إلى التدين في كثير من البلاد الإسلامية.
стр. 163
أما الاقتصاد في العالم الإسلامي، فقد أسس تأسيساً كاملاً على الربا، وعلى نظريات ونظام الغرب الرأسمالي، أو الشرق الاشتراكي الشيوعي، وأصبح موجهاً ومرتبطاً بالدول الاستعمارية، أو المنظمات الاقتصادية العالمية والتي هي في الحقيقة يد خفية للاستعمار.
أما الناحية السياسية فقد توزع العالم الإسلامي إلى دويلات، ومناطق نفوذ اقتسمتها الدول الاستعمارية الغربية أو الشرقية، واستبعد الحكم بالشريعة الإسلامية من جميع البلاد الإسلامية إلا من رحم الله، وحورب محاربة شديدة، وأصبح الخلاف والخصام سمة مميزة للدول الإسلامية في علاقتها فيما بينها.
وفقد المسلمون الكثير من بلادهم، وحول كثير منها إلى دول نصرانية أو شيوعية، وأعطيت فلسطين قبلة المسلمين الأولى إلى شرار الخلق من اليهود الصهاينة، فهي حال تسر العدو وتدمي قلب المؤمن الغيور.
لكن مع هذا الكيد الخبيث الماكر الشديد الوطأة، ومع هذا النجاح الكبير الذي تحقق لأعداء الله، ومع الضعف والفرقة والانحراف في مجتمعات المسلمين، مع ذلك كله فالإسلام –والحمد لله- باق.
فهو في جانبه العلمي محفوظ بحفظ الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وما زالت طائفة من أهل الحق تلتزم به علما
стр. 164
وعملاً ... دعوة وجهاداً، والأمل قبل ذلك منوط بعناية الله ورعايته. فالدين دينه..
والمؤمنون أولياؤه.. والناس خلقه وعبيده.. والأمر بيده.. وأمره نافذ لا يحول دونه شيء.
فليس مكر الماكرين غائباً عن رب العالمين ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] .
ومكر الأعداء وكيدهم الجديد، وما عندهم من القوة والعدة والوسائل عظيم شديد، لا يُقدر عليه بالمقارنة بجهد البشر، وما عند المسلمين من الأسباب المادية، لكنه بإزاء قدرة الله لا يساوي شيئاً.
وقد جعل الله الدنيا ميدان صراع، ولا بد لأهل الحق أن يدخلوا الميدان ويقوموا بنصرة ما أكرمهم الله به من الحق، ويدافعوا عنه، ويعملوا على مقاومة الباطل ويستعينوا بالله، ويتوكلوا عليه ويحسنوا الظن به. وهو معهم سبحانه –إذا قاموا- يوفقهم للأسباب، ويبارك في المتيسر من أسبابهم ولو كان ضعيفاً، ويكمِّل ما نقص منها، ويخذل عدوهم، ويمدهم بنصره، ويهيئ لهم من رحمته ما لا يخطر لهم على بال! فالحق قليله كثير، والباطل كثيره قليل. والحق ظاهر، والباطل زاهق.
стр. 165
وكل ذلك مشروط بمجيء الحق وقيام أهله به، فإذا جاء الحق زهق الباطل بإذن الله وأمره ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] . ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩] . ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] .
وفي كل وقت يشتد فيه الهجوم والتآمر على الإسلام، تخرج –والحمد لله- بشارات تدل على عناية الله بهذا الدين. ومن ذلك ما حصل في هذا الزمان، فقد ظهرت عدة مظاهر تبشر بالخير، من ذلك رجوع كثير من الناس رجالاً ونساء كهولاً وشباباً إلى الالتزام بالدين.
ودفع الإحساس بالخطر الكثير من العلماء وطلبة العلم والدعاة الصالحين من الأدباء والشعراء، والغيورين من الموسرين إلى الاهتمام ومضاعفة الجهد، في تعليم الناس وتوعيتهم، وطبع الكتب النافعة، ودعم الأشرطة المفيدة، واستخدام كل سبيل متاح مشروع، في مقاومة أعداء الله ومخططاتهم.
ووجد وعي كبير بضرورة تطهير العقائد، وإزالة البدع، والرجوع إلى الفهم الصحيح للإيمان. وازدادت المطالبة من الشعوب الإسلامية بتحكيم شرع الله، ورفض حكم الطاغوت.
والتزم كثير من النساء بالحجاب، وازداد الإقبال على الجامعات
стр. 166
والمعاهد الإسلامية إقبالاً شديداً، وزاد الطلب على الكتاب والشريط الإسلامي، بل وتنامى عدد مَن يعتنق الإسلام من غير المسلمين.
وشهد الربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري قيام مؤسسات ومنظمات إسلامية عالمية وجامعات متقدمة، وهدف الجميع نشر الإسلام، والدفاع عنه، والتبصير بقضايا المسلمين في أنحاء العالم، والدفاع عنها، وكشف مخططات أعداء الله، والتحذير منها، وتشجيع البحوث التي تخدم هذه المجالات كلها. كما قامت جهود إعلامية، وهي وإن كانت متواضعة جداً بالمقارنة إلى ما عند العدو، إلا أنها مباركة، ظهر أثرها الفعال في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وهي تتنامى مع الأيام، ونرجو أن يتولاها الله بالرشد والسداد.
والمظاهر المباركة كثيرة والحمد لله، وذلك يدل على صلابة الإسلام في وجه الأعاصير ولو كانت شديدة، وما ذاك إلا بحفظ الله له، وأن الدين الخاتم لن يخلو منه زمان حتى يأتي أمر الله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ومن هذا الاستعراض الموجز للحرب الفكرية، القديمة والحديثة الموجهة إلى الإسلام نستخلص عدة نتائج هامة:
الأولى: شدة عداوة اليهود والنصارى والمشركين لهذا الدين، وسعيهم الخبيث ومكرهم المستمر الذي لا يفتر في مقاومته بكل الأساليب.
стр. 167
الثانية: تركيزهم على الحرب الفكرية، لإدراكهم خطورتها، وأنها السبيل الأمثل لحرب الإسلام، وتحطيم قيم الإيمان، وتزداد قناعتهم يوماً بعد يوما بذلك، بفعل النجاحات التي تتحقق لهم في مجال الغزو الفكري، لذلك فهم يحاولون بقدر الإمكان عدم اللجوء إلى الحرب العسكرية إلا عند الضرورة.
الثالثة: أنه يجب على أهل الإسلام مدارسة الكيفية التي يتصدون ويقاومون بها هذه الجهود الخطيرة، ولا شك أن هناك جهوداً مشكورة لكنها لم تتعد إلى الآن مجال التوعية، وبعض الأعمال الخيرية.. ولم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، من إيجاد خطة متكاملة منسقة، يجتمع عليها العلماء والدعاة والقادة، وتتكاتف جهود أهل الإسلام على تنفيذها من منطلق قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٣٦] .
الرابعة: أن أي وسيلة أو طريق يتبناه أهل الإسلام لمقاومة هذه الجهود الفكرية العدوانية لن يؤتيَ ثماره إلا إذا كانوا على حال توجب لهم ولاية الله، فيدخلون الميدان وقد تولاهم الله وأيدهم بنصره، وحيث أن الإيمان والتقوى هو السبيل الوحيد لتحصيل الولاية، فيكون الالتزام بالإيمان الصحيح هو الخطوة والسبب الأهم في مقاومة الفكر الهدام، والتخطيط الخبيث. مع أن للإيمان آثاراً أخرى –بجانب كونه سبباً لولاية
стр. 168
الله- تحصن الفرد والجماعات المؤمنة ضد الفكر الجاهلي.
وعلى هذا يكون هذا البحث مساهمة في تبيين أهم جوانب الخطة الإسلامية، التي ينبغي أن يهتم بها للتصدي للغزو الفكري، وتسليط للضوء على السبب الأول والأهم في هذا المجال، فأرجو من الله التوفيق والتسديد، والله المستعان.
стр. 169
الباب الأول: الإيمان سبب لتحصيل ولاية الله " الأثر الخارجي "
*
...
غرض هذا الباب بيان أن الله تعالى جعل الإيمان والتقوى السبب الأوحد للحصول على ولايته، فإذا جاء العبد بشرطها -وهو الإيمان والتقوى- فإن الله يتولاه.
وعلى هذا فحصول العبد على ولاية الله، أهم الآثار التي يجنيها من تحقيقه الإيمان، وولاية الله هي أغلى مطلوب، وأهم وأسمى غاية يسعى لها ذوو الألباب، إذ عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة.
والولاية: مدار معناها في اللغة على القرب والمحبة والنصرة١.
وولاية الله لعبده المؤمن: أن يعامله ويدبّر أمره بما يقتضيه قربه منه، ومعيّته الخاصة ولطفه به، فيحوطه بعنايته ورعايته، ويحفظه وينصره ويحميه، فيكون بولاية الله في حصن منيع.
فالله يكفي عبده ما يهمه ويدافع عنه، ويخرجه من الظلمات إلى النور.
ويصرف عنه الشرور -ومنها الأفكار الخبيثة- أو يصرفه عنها بما يهيئ له من الأسباب.
وسوف أتكلم على هذا الأثر العظيم في فصلين:
الفصل الأول: صفات المتحقين للولاية.
الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة.
وقدجاء المجال للكلام على الفصل الأول والله المستعان.
стр. 170
الفصل الأول: صفات المستحقين لولاية الله
*
...
تقدم ١ الكلام على طبيعة الإيمان المؤثر، وأهم الأسس التي يقوم عليها، وهو الإيمان الجالب لولاية الله والآثار الأخرى المباركة التي جعلها الله أسبابا تحتمي بها العبد من الفكر الخبيث، وغيره من الشرور.
ولاشك أن المفهوم الصحيح للإيمان ضروري لمعرفة الطريق إلى تحصيل ولاية الله، وأنه يكون بالالتزام الكامل به.
وحيث إن المسلمين يتفاوت التزامهم بالإيمان، فأرى أنه من المهم أن أذكر مراتب المؤمين لكي يتبين نصيب كل منهم من ولاية الله وحظه من التحصين ضد الشرور الفكرية وغيرها ٢.
стр. 171
المبحث الأول: مراتب أهل الإيمان
إن المجتمع المسلم يضم أفراداً مختلفين من حيث تحقيقهم للإيمان الذي كلفهم الله به، فمنهم من ظلم نفسه بترك شيء مما أوجبه الله عليه، أو بفعل بعض ما حرم عليه، ومنهم من التزم بالإيمان الواجب فاعلاً الواجبات تاركاً المحرمات، مبادراً إلى التوبة عند الخطيئات.
ومنهم من زاد على ذلك بالمسارعة في الخيرات.
وعلى هذا فهم ثلاثة أقسام على وجه الإجمال، كل قسم في مرتبة، وإن كان أهل كل مرتبة يتفاوتون فيما بينهم.
وأساس تقسيم المؤمنين على هذه المراتب، هو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي الأقسام الثلاثة الواردة في الآية اصطفاهم الله واختارهم للإيمان والتوحيد، فهم مؤمنو هذه الأمة الذين اشتركوا في أصل الإيمان، ولم يشركوا بالله شيئاً، لكن اختلفوا وتفاوتوا في تكميل الإيمان.
وقد أورد ابن جرير أقوال من قال بذلك من السلف، ورجح هذا
стр. 172
القول١، كما رجحه ابن كثير وغيرهما من المفسرين٢.
قال الشيخ عبد الرحمن٣ السعدي: "اشترك هؤلاء الثلاثة في أصل الإيمان، وفي اختيار الله لهم من بين الخليقة، وفي أنه منّ عليهم بالكتاب، وفي دخول الجنة.
وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان، وفي مقدار الاصطفاء من الله، وميراث الكتاب، وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم" ٤.
وقبل أن أتكلم على مراتب أهل الإيمان، أتطرق باختصار إلى بيان ضابط أصل الإيمان الذي من جاء به دخل في زمرة المصطفين.
стр. 173
المطلب الأول: بيان أصل الإيمان
أصل الإيمان، به يدخل العبد في الإسلام، وبه يكون اعتبار سائر الأعمال، وبصلاح ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأعمال أو فسادها، قال ﷺ :" ... ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب " ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد" ٢.
فالتصديق: هو قول القلب، وهو المعرفة والإثبات لما دلت عليه الشهادتان.
والحب: عمل القلب نحو المشهود لهما، وهو الله ﵎ في شهادة أن لا إله إلا الله، ومحمد بن عبد الله في شهادة أن محمداً رسول الله، فيحب الله ورسوله ﷺ ودينه.
والانقياد: عمل القلب أيضاً، وهو القبول وعقد العزم على الامتثال لما دلت عليه الشهادتان.
стр. 174
ولا بد مع هذا الذي يقوم بالقلب، من النطق بالشهادتين؛ وجمع بينهما الرسول ﷺ بقوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به " ١.
قال النووي٢ ﵀ معقباً على هذا الحديث: "وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به الرسول ﷺ " ٣.
قوله: الإقرار بالشهادتين: التلفظ بهما.
مع اعتقادهما: هو قول القلب وعمله كما تقدم.
واعتقاد ما جاء به الرسول ... اعتقاد أن الرسول ﷺ صادق في كل ما أخبر به، وليس المراد أن من شرط الإيمان أن يعرف كل ما جاء به النبي ﷺ ويعتقده.
стр. 175
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا يكون مسلماً إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام ... فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار، وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الريب ... لكن لا بد من الإقرار بأنه رسول الله، وأنه صادق في كل ما أخبر عن الله" ١.
وبناء على ما تقدم يتبين أن أصل الإيمان ينعقد بثلاثة أمور:
الأول: النطق بالشهادتين.
الثاني: قول القلب وهو العلم والتصديق بمعناهما، وأن الرسول ﷺ صادق في كل ما أخبر به عن الله.
الثالث: عمل القلب، وهو قبول التوحيد والبراءة من ضده، والمحبة لله ولرسوله ولدينه، والعزم على الانقياد لهما.
فإذا جاء العبد بأصل الإيمان فهو مأمور مكلف بتكميل إيمانه، ليس له أمن في الحياة الدنيا ولا في الآخرة إلا بذلك، فإذا امتثل العبد الطاعات، واجتنب المحرمات، فقد استكمل عرى الإيمان الواجب، وأصبح في مرتبة المقتصد.
стр. 176
روى البخاري تعليقاً أن عمر بن عبد العزيز١ كتب إلي عدي بن عدي٢: "أن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ... " ٣.
стр. 177
المطلب الثاني: مرتبة الظالم لنفسه
إذا جاء العبد بأصل الإيمان والصلاة وبعض الطاعات، لكن عصى الله بالإخلال ببعض الطاعات، أو فعل بعض المحرمات، كان إيمانه ناقصاً بقدر مخالفته، ولا يستحق اسم الإيمان المطلق، بل هو في مرتبة الظالم لنفسه الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
قال ابن كثير ﵀: " فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرِّط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات" ١.
فالظالم لنفسه: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحاً، وأدى الصلاة، ولكن ظلم نفسه بأن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ومات وهو مصرّ على بعض الكبائر، ولم تبلغ كبيرته الكفر.
وتُسمى مرتبة الظالم لنفسه، ويُسمى من كان من أهلها: مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، أو المسلم الظالم لنفسه.
وأهل هذه المرتبة عندهم من الإيمان المجمل ما كانوا به مسلمين، وإن ماتوا عليه دخلوا الجنة، لكن لم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، وليس عندهم من المعرفة بالله ورسوله وبدينه ما يوجب لهم رسوخ الإيمان وقوة اليقين الذي يحصنهم ضد الشبهات المضللة، ويخمد الشهوات المحرمة، إلا أن يشاء الله لهم ذلك ويهيئ لهم أسبابه، قال ابن تيمية ﵀:
стр. 178
"فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون وعندهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان في قلوبهم إنما يحصل لهم شيئاً فشيئاً إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكّكوا لشكّوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفاراً ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب١، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله، ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتُلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع النفاق ... فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق، ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان، ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يُظهر الردة، إذا كان العدو غالباً، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسول باطناً وظاهراً، لكن
стр. 179
إيماناً لا يثبت على المحنة. ولهذا يكثر من هؤلاء ترك الفرائض، وانتهاك المحرمات" ١.
وهؤلاء في عداد المسلمين، تجري عليهم أحكامهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لكنهم على خطر -إذا لم يتوبوا من ظلمهم ويكملوا إيمانهم- من أمرين:
الأول: أن تتسلط عليهم شياطين الإنس والجن -بسبب ظلمهم- فتستجرهم بالشهوات والشبهات إلى الكفر أو النفاق.
الثاني: تعرضهم للعقوبات في الدنيا والآخرة.
وقد صدر التحذير من المولى القدير، بهذين الأمرين لمن عصاه وتعدى حدوده، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
قال ابن كثير ﵀: "أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل أو حد وحبس، أو نحو ذلك" ٢.
стр. 180
وقد بين الله بعض أنواع العذاب الدنيوي الذي قد يعاقب به العصاة بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥] .
أما في الآخرة فهم تحت مشيئة الله، إذا لم يأت أحدهم بشرك أو كفر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] .
ثم هم بعد ذلك أقسام، وقد لخص أحوالهم في ذلك اليوم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ فقال:
"أما الظالم لنفسه فهو المؤمن الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وترك من واجبات الإيمان ما لا يزول معه الإيمان بالكلية، وهذا القسم ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: من يرد يوم القيامة وقد كفّر عنه السيئات كلها، إما بدعاء أو شفاعة أو آثار خيرية ينتفع بها في الدنيا، أو عذاب في البرزخ بقدر ذنوبه، ثم رفع عنه العقاب، وعمل الثواب عمله، فهذا أعلى هذا القسم، وهو الظالم لنفسه.