← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

روى البخاري تعليقاً أن عمر بن عبد العزيز١ كتب إلي عدي بن عدي٢: "أن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ... " ٣.

стр. 177

المطلب الثاني: مرتبة الظالم لنفسه إذا جاء العبد بأصل الإيمان والصلاة وبعض الطاعات، لكن عصى الله بالإخلال ببعض الطاعات، أو فعل بعض المحرمات، كان إيمانه ناقصاً بقدر مخالفته، ولا يستحق اسم الإيمان المطلق، بل هو في مرتبة الظالم لنفسه الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. قال ابن كثير ﵀: " فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرِّط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات" ١. فالظالم لنفسه: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحاً، وأدى الصلاة، ولكن ظلم نفسه بأن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ومات وهو مصرّ على بعض الكبائر، ولم تبلغ كبيرته الكفر. وتُسمى مرتبة الظالم لنفسه، ويُسمى من كان من أهلها: مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، أو المسلم الظالم لنفسه. وأهل هذه المرتبة عندهم من الإيمان المجمل ما كانوا به مسلمين، وإن ماتوا عليه دخلوا الجنة، لكن لم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، وليس عندهم من المعرفة بالله ورسوله وبدينه ما يوجب لهم رسوخ الإيمان وقوة اليقين الذي يحصنهم ضد الشبهات المضللة، ويخمد الشهوات المحرمة، إلا أن يشاء الله لهم ذلك ويهيئ لهم أسبابه، قال ابن تيمية ﵀:

стр. 178

"فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون وعندهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان في قلوبهم إنما يحصل لهم شيئاً فشيئاً إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكّكوا لشكّوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفاراً ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب١، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله، ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتُلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع النفاق ... فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق، ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان، ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يُظهر الردة، إذا كان العدو غالباً، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسول باطناً وظاهراً، لكن

стр. 179

إيماناً لا يثبت على المحنة. ولهذا يكثر من هؤلاء ترك الفرائض، وانتهاك المحرمات" ١. وهؤلاء في عداد المسلمين، تجري عليهم أحكامهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لكنهم على خطر -إذا لم يتوبوا من ظلمهم ويكملوا إيمانهم- من أمرين: الأول: أن تتسلط عليهم شياطين الإنس والجن -بسبب ظلمهم- فتستجرهم بالشهوات والشبهات إلى الكفر أو النفاق. الثاني: تعرضهم للعقوبات في الدنيا والآخرة. وقد صدر التحذير من المولى القدير، بهذين الأمرين لمن عصاه وتعدى حدوده، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] . قال ابن كثير ﵀: "أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل أو حد وحبس، أو نحو ذلك" ٢.

стр. 180

وقد بين الله بعض أنواع العذاب الدنيوي الذي قد يعاقب به العصاة بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥] . أما في الآخرة فهم تحت مشيئة الله، إذا لم يأت أحدهم بشرك أو كفر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] . ثم هم بعد ذلك أقسام، وقد لخص أحوالهم في ذلك اليوم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ فقال: "أما الظالم لنفسه فهو المؤمن الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وترك من واجبات الإيمان ما لا يزول معه الإيمان بالكلية، وهذا القسم ينقسم إلى قسمين: أحدهما: من يرد يوم القيامة وقد كفّر عنه السيئات كلها، إما بدعاء أو شفاعة أو آثار خيرية ينتفع بها في الدنيا، أو عذاب في البرزخ بقدر ذنوبه، ثم رفع عنه العقاب، وعمل الثواب عمله، فهذا أعلى هذا القسم، وهو الظالم لنفسه.

стр. 181

القسم الثاني: من ورد يوم القيامة وعليه سيئات، فهذا توزن حسناته وسيئاته، ثم هم بعد ذلك ثلاثة أنواع: أحدها: من ترجح حسناته على سيئاته، فهذا لا يدخل النار، بل يدخل الجنة برحمة الله، وبحسناته وهي من رحمة الله. ثانيهما: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فهؤلاء أصحاب الأعراف، وهي موضع مرتفع بين الجنة والنار، يكونون عليه ما شاء الله، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة ... ثالثهما: من رجحت سيئاته على حسناته فهذا قد استحق دخول النار، إلا أن يمنع من ذلك مانع من شفاعة أحد من أقاربه، أو معارفه ممن جعل الله لهم في يوم القيامة شفاعة، لعلوّ مقاماتهم عند الله وكرامتهم عليه، أو تدركه رحمة الله المحضة بلا واسطة، وإلا فلا بد له من دخول النار يعذب فيها بقدر ذنوبه، ثم مآله إلى الجنة، ولا يبقى في النار أحد في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها" ١. وخلاصة القول أن أهل هذه المرتبة -مرتبة الظالم لنفسه- هم الذين جاؤوا بأصل الإيمان، وأدوا الصلاة، ثم زادوا على ذلك أعمالاً صالحة لكنهم خلطوها بأخرى سيئة، وإن معهم من الإيمان ما يدخلون به في

стр. 182

زمرة المسلمين، وينفعهم في دخول الجنة إن ماتوا عليه، لكن ليس معهم من قوة الإيمان ورسوخه ما يحصنهم أمام الشهوات والشبهات، ومنها الأفكار الهدامة، لذلك يكثر منهم النفاق العملي، وتنقص ولاية الله لهم بقدر بُعدهم عن تكميل إيمانهم، كما نخلص إلى أنهم ليسوا من المعنيين بقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] . أما في الآخرة فإنهم من أهل الجنة، لكن منهم من يدخلها ابتداء برحمة الله ومغفرته، بعد شفاعة أو سبب آخر، ومنهم من يدخلها بعد أن يعذب في النار، والله أعلم.

стр. 183

المطلب الثالث: مرتبة المقتصد تقدم أن من جاء بأصل الإيمان مطالب بتكميل إيمانه بفعل الفرائض والشرائع والسنن، والانتهاء عن المحرمات والمكروهات. فمن فعل ذلك وعبد الله مخلصاً عن علم وبصيرة كان في مرتبة المقتصد وتسمى: كمال الإيمان الواجب، ويسمى أهلها: المقتصدون، والأبرار، وأصحاب اليمين. قال ابن كثير ﵀:"ومنهم مقتصد وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات" ١. فالمقتصد: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحاً، وتقرب إلى الله بما افترضه الله عليه، وانتهى عما نهاه عنه. وقد يتساهل ببعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، ويتوسع في المباحات. لكنه يبادر إلى التوبة عند المعاصي والخطيئات. وهي أدنى منازل التقوى المعتبرة في حصول ولاية الله، وذلك أن حقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وقاية، هي فعل الطاعات واجتناب المحرمات٢.

стр. 184

وقد بين الله تعالى أعمال البر التي من جاء بها كان من الأبرار المتقين، وهذا البيان يكفينا في معرفة حقيقة التقوى التي تُنال بها ولاية الله، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] . وقد استدل بهذه الآية الإمام البخاري ﵀ في باب أمور الإيمان من كتاب الإيمان١ على أن الإيمان الكامل يستلزم الأعمال الصالحة الظاهرة. وقد بين ابن حجر ﵀ وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب٢، ثم قال: "ووجهه أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات ... فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون"٣.

стр. 185

وبهذا يتبين أن أول منازل التقوى، هي مرتبة كمال الإيمان الواجب، التي يكون أهلها من الأبرار المستحقين لولاية الله. ومن زاد في القربة كان قدمه في الإيمان أرسخ، ونصيبه من الولاية أوفر، فيترقى إلى كمال الإيمان المستحب، ويأتي بكمال التقوى التي فسرها النبي ﷺ بقوله: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس "١، أي بعد أدائهم للفرائض، وانتهائهم عن المحرمات يتورعون عن المكروهات والمتشابهات، ويسارعون في النوافل والخيرات، فهم المقربون المحسنون السابقون، وسيأتي الكلام على مرتبتهم إن شاء الله. وعلى هذا فأهل هذه المرتبة -مرتبة المقتصد- جاؤوا بالإيمان والتقوى التي استحقوا بها ولاية الله، التي توجب لأهلها السلامة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٩٠-٩١] .

стр. 186

وهم من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . [فصلت: ٣٠-٣١] وبين سبحانه أنهم أهل الفلاح، وذكر أوصافهم التي أوجبت لهم ذلك والتي لا يبلغ الإيمان تمامه الواجب بدونها، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١-١١] . وأهم ما يميز هؤلاء عمن دونهم -من الظالمين لأنفسهم- أن قلوبهم عمرت باعتقاد الأركان الستة الواردة في حديث جبريل ﵇: " قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله،

стр. 187

واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ... " ١. فكان لاستشعار قلوبهم لهذه المعتقدات، أكبر الأثر في تعلقها بالله، ومراقبته والإخلاص في عبادته، والإشفاق من يوم القيامة. فحملهم ذلك على الاستقامة على طاعته، والانتهاء عن معصيته، متقين بذلك سخط الله وأهوال يوم القيامة. وقد بين الله ذلك من حالهم في سورة الإنسان بقوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:٥-١١] . وأهل هذه المرتبة هم من المؤمنين حقاً الذين ابتُلوا فظهر صدقهم قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ

стр. 188

الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١-٣] . وقد تقدم أن أهل مرتبة الظالم لنفسه معهم من الإيمان ما لو ماتوا عليه لدخلوا الجنة، لكن عند حصول الفتنة والابتلاء، فمنهم من ينافق، ومنهم من يدفعه الابتلاء إلى السعي إلى تحصيل العلم واليقين والعمل الصالح، فيرتفع بذلك إلى كمال الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] . ولا يقف امتحانهم عند هذا الحد، بل لا يزال الله يحدث لهم من الابتلاء ما يظهر به مدى صدقهم وثباتهم، قال جل ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّر ِالصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] . وسئل الرسول ﷺ : أي الناس أشد بلاء. قال:" الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه

стр. 189

خطيئة" ١. فالابتلاء للمؤمن كالنار للذهب، يزيد في نقائه وصلابته، فلا يزال يدفعه إلى التعلق بالله واللّياذ به، ومحاسبة النفس، وإصلاح دينه، ولا يزال ثوابه يعمل عمله في تكفير سيئاته، وزيادة حسناته، حتى يكون أهلاً لولاية الله التامة، فالاصطفاء بعد الابتلاء. كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] . وأهل هذه المراتب وإن كانوا من المؤمنين المتقين، المستحقين لولاية الله إلا أنهم ليسوا معصومين، فقد يصدر من أحدهم بعض الصغائر أو الكبائر، لكنهم ملازمون للتوبة مبادرون لها، كما وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ

стр. 190

يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] . ولا تخرجهم هذه المعاصي، وإن كانت كبائر تابوا منها، من هذه المرتبة. أما ما أعده الله من النعيم لأهل هذه الدرجة، فقد بين الله تعالى أنه مع عظمه، إلا أنه أقل من نعيم المقربين الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٦٢-٧٨] . وفي سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ

стр. 191

أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٢٧-٤٠] . وفي سورة الإنسان: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:١١-٢٢] . ففرق سبحانه بين ما أعده من النعيم لأصحاب اليمين، وما أعده للمقربين المحسنين في سورة الواقعة والرحمن، وأشار إلى شيء من ذلك في سورة المطففين فقال في وصف الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ

стр. 192

مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢-٢٨] . ففي قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ ذكر شراب الأبرار، وشراب المقربين، قال ابن جرير ﵀ في المراد بقوله: تسنيم: "وأما سائر أهل التأويل، فقالوا: هو عين يمزج بها الرحيق لأصحاب اليمين، وأما المقربون فيشربونها صرفاً" ١. وسوف يأتي مزيد من البيان لهذا المعنى عند الكلام على مرحلة السابق بالخيرات إن شاء الله. وخلاصة القول أن أهل مرتبة المقتصد هم الذين جاؤوا بكمال الإيمان الواجب، وعبدوا الله على بصيرة، وسلمت قلوبهم من الشرك والريب، وأمراض الشبهات والشهوات، كما سلمت أعمالهم من الإصرار على معاصي الله، فهم ملازمون لطاعته واستغفاره. وهم في الدنيا أهل ولاية الله وعنايته وتسديده ... ولا يمنع ذلك من أن تصيبهم بعض المصائب والمكروهات، تمحيصاً للذنوب، وتحقيقاً للصبر والإيمان، وزيادة في الحسنات، ورفعة في الدرجات، وتكفيراً للسيئات. وفي الآخرة يتولاهم الله أيضاً، فيؤمّنهم من الفزع الأكبر، ويدخلهم

стр. 193

الجنة ابتداء قد حرم الله عليهم النار، لكن لا يمنع ذلك من أن ينال بعضهم بعض المكروه عند الموت، أو في القبر، أو في الحشر، تكفيراً لما قد أصاب في الدنيا من المعاصي. وفي الجملة هم أهل السلامة والأمن في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٠-٣٣] .

стр. 194

المطلب الرابع: مرتبة السابق بالخيرات وتسمى كمال الإيمان المستحب، وهي درجة المقربين المحسنين والسابقين والمسارعين في الخيرات من الأنبياء والصديقين. فهم المقربون الذين تقربوا إلى الله "بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباته، أحبهم الرب حباً تاماً كما قال تعالى في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" ١ يعني الحب المطلق ... " ٢. وهم المحسنون، الذين كمّلوا مراتب الإسلام والإيمان، وارتفعوا إلى مرتبة الإحسان، فعبدوا الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فقد استشعروا رؤيته لهم، وبذلوا ما استطاعوا من النفع لعباده، فجمعوا بين الإحسان في عبادة الرب، ومعاملة الخلق. وأعظم ما تميزت به هذه الطائفة هو قوة معرفتهم بالله، بشهود وحدانيته، واستحقاقه وحدهُ للألوهية، واستشعار قلوبهم لمعاني صفاته من خلال تفكرهم بآياته الكونية، وتدبرهم لآياته التنزيلية.

стр. 195

فهم أهل الإيمان الراسخ القائم على العلم بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وعلى الإخلاص في عبادته. فعندهم من قوة التصديق واليقين بذلك ما ارتفعوا به إلى أعلى منازل الإيمان، وتحصلوا به على أوفر الحظ من ولاية الرحمن، وحازوا به أعلى الدرجات في الجنان. قال الإمام ابن القيم ﵀: "ومن منازل إياك نعبد، وإياك نستعين منزلة اليقين وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر المشمرون"١. وقال أيضاً: "ومتى وصل اليقين إلى القلب، امتلأ نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم، فامتلأ محبة لله وخوفاً منه، ورضىً به، وشكراً له، وتوكلاً عليه، وإنابة إليه ... "٢. وهم أهل الإخلاص لله الذين حققوا شهادة أن لا إله إلا الله "فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لله وحده ... "٣ كما حققوا شهادة أن محمداً رسول الله، بالتمسك بشريعته، واتباعه فيما جاء به عن

стр. 196

ربه، "أعمالهم كلها وعباداتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يقبل من عامل سواه"١ فهم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] ، وهم عباد الله الذين جاؤوا بالعبودية الحق، فتعلقت قلوبهم بربهم، وكمل خضوعهم وإنابتهم إليه، أحبوه غاية الحب، وقدموا محبته ومحبة رسوله ﷺ على النفس والأهل والمال والولد، فمحبته بعثت فيهم الرجاء، والمسارعة إلى مرضاته، والشوق إلى لقائه، كما عظموه تعظيماً حرك فيهم جانب الخشية، وعدم الأمن من مكر الله. فكان استشعار قلوبهم لعبودية ربهم، وفقرهم وحاجتهم إليه، ولحقيقة الألوهية وعظمة الخالق، وعمرانها بمحبته، وخشيته وتعظيمه، أعظم باعث لهم على الأنس بالله، وإيثار مرضاته، والاشتغال بما يقربهم منه، ويحببهم إليه عن الاشتغال بفضول حظوظ النفس، فزهدوا فيما لا يحتاجون إليه من المباحات. واطمأنت قلوبهم بطاعة الله، وأنست نفوسهم، وذلت ألسنتهم لذكره، وخضعت جوارحهم لاتباع شرعه، فذاقوا من حلاوة الإيمان ما حملهم على تقديم أرواحهم وأموالهم وقواتهم وأوقاتهم في سبيل الله،

стр. 197

بالجهاد أو المرابطة أو التعليم، أو الدعوة والنصح للمسلمين خاصتهم وعامتهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أو غير ذلك من الأمور التي فيها مرضاة الرب، ومنفعة الخلق، فهم أولياء الله وخاصته وصفوته من خلقه. وقد وردت صفاتهم في كثير من آيات القرآن الكريم، وحيث أنهم يشتركون مع الأبرار في كل ما تقدم من الصفات والأحوال، إلا أن هؤلاء زادوا عليهم في تلك الصفات كيفا وكما، وزادوا عليها أعمالاً أخرى من المندوبات. ويمكن التمييز بين الآيات التي عمت الفريقين والتي خصت المقربين بأمور منها: أنه يرد في ذكر صفات الفريق الأول تسميتهم: الأبرار، أو أصحاب اليمين، أو المقتصدين أو نحوها، ويصف الفريق الثاني: بالمحسنين، والمقربين، والسابقين، والمسارعين، والسابقين بالخيرات، وعباد الله أو عباد الرحمن ... ونحوها. أو أن يرد في ذكر الفريق الأول وصفهم بالقيام بالعبادات المفروضة، وفي الفريق الثاني وصفهم بملازمة الأعمال المندوبة والمسارعة فيها، إشارة إلى أنهم تجاوزوا المفروض إلى المندوب. وقد يذكر معها بعض الفرائض. ومستند هذا الضابط الأخير هو حديث أبي هريرة المشهور في ذكر الأولياء وفيه قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد

стр. 198

آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مَساءته "١. وقال ابن تيمية ﵀: " ... فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض، يفعلون ما أوجب عليهم، ويتركون ما حرم عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات، وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات ... " ٢. وقال ابن رجب ﵀ تعليقاً على حديث الأولياء المتقدم: "فقسم أولياءه المقربين قسمين: أحدهما: من تقرب بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات، لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده. الثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل ... " ٣. وبهذا الضابط يتيسر -بإذن الله- تمييز ما اختص به هؤلاء من

стр. 199

الأوصاف القرآنية مما يشركهم فيه الأبرار. ففي قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢،٦٣] . يدخل كلا الفريقين، حيث يصدق على كل منهما وصف الإيمان والتقوى. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] . فيه زيادة معية، لمن زاد في التقوى إلى درجة الإحسان. ومن ذلك ما ورد في سورة الذاريات حيث وصفهم ربنا بالتقوى والإحسان بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥،١٦] . ثم ذكر بعد ذلك أعمالاً هي من المندوبات التي لازموها بعد الفرائض فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧-١٩] . ففي قوله: حق للسائل والمحروم لم يقيده بأنه معلوم كما في سورة المعارج حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ

стр. 200

وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] . ففي الذاريات: المراد صدقة النفل، أي يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقاً للسائل والمحروم تقرباً لله١، ومما يقوي أن المراد هنا الصدقة النفل أنها قد ورد ذكرها في أمور كلها من التطوعات. أما في المعارج: "فالظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه معلوماً، ولجعله قريناً للصلاة"٢، ويقوي ذلك: أنه ورد ذكرها مع أمور كلها مفروضة، واجب التزامها فعلاً وتركاً. فتكون أوصاف سورة الذاريات للمتقين المقربين المحسنين. وفي سورة المعارج للمتقين الأبرار. وقد وصفهم الله بأنهم عباد الله وعباد الرحمن إشارة إلى أنهم حققوا العبودية وكمّلوها، والوصف بالعبودية من أجلّ وأحسن الأوصاف، قال الإمام ابن القيم ﵀: "والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه وأقربهم إليه"٣. ولعل أشمل ما جاء في ذكر أوصافهم وأعمالهم، وأنهم جمعوا بين الإيمان الواجب والمستحب، ما ورد في سورة الفرقان، قال تعالى:

стр. 201

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [الفرقان: ٦٣-٧٧] . وكما ورد تفضيل المقربين في الصفات، ورد تفضيلهم في النعيم

стр. 202

يوم القيامة. ففي سورة الواقعة ذكر سبحانه نعيم المقربين السابقين بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الأَخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:١٠-٢٦] . وفي المراد بالتكرار في قوله: والسابقون السابقون قال الإمام ابن القيم ﵀: " ... فيكون المعنى السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات، والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان، وهذا أظهر، والله أعلم" ١. وفي قوله: ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين رجح ابن كثير ﵀ أن المراد بقوله: "ثلة من الأولين أي من صدر هذه الأمة،

стр. 203

وقليل من الآخرين أي من هذه الأمة"١. وفي سورة الرحمن ذكر الله نعيم المقربين المحسنين بقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٤٦-٦٠] . ويدل قول: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان على أن الجزاء من جنس العمل، فحيث إنهم جاؤوا بالإحسان الذي هو أكمل مراتب الإيمان، كمّل الله لهم النعيم يوم القيامة. وقد تقدمت الإشارة إلى شراب أهل الجنة، وأن الله فرّق بين شراب المقربين، وشراب الأبرار بقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي

стр. 204

ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٥-٢٨] . وفي هذا قال شيخ الإسلام ﵀: "فالمقربون يروون بها، فلا يحتاجون معها إلى ما دونها، فلهذا يشربون منها صرفاً، بخلاف أصحاب اليمين، فإنها مزجت لهم مزجاً، وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٥، ٦] .فعباد الله هم المقربون المذكورون في تلك السورة"١. فيرى شيخ الإسلام ﵀ أن عباد الله في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ في سورة الإنسان، هم المقربون المذكورون في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ في سورة المطففين. وحول هذا المعنى قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية الإنسان: "أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفاً بلا مزج ويروون بها ... " ٢. وكما فاضل بينهم في الشراب، فاضل بينهم في اللباس والحلي،

стр. 205

فذكر نوعين أعلاهما للمقربين، والآخر لأصحاب اليمين. قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١] : "وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] "١. وخلاصة القول: أن المقربين هم الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب، وأخلصوا حياتهم لله اعتقاداً وقولاً وفعلاً وتركاً، على حد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] . وهم أهل ولايته التامة، وعنايته الفائقة، والتي ورد بيانها في الحديث القدسي وفيه قال تعالى: " ... وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"٢، فهم في الدنيا عباد الله المخلصون، أعلى العباد علماً وعملاً وخُلقاً، وفي الآخرة هم سكان الفردوس الأعلى، نسأل الله الكريم من فضله.

стр. 206

المبحث الثاني: أهل ولاية الله بعد هذا الاستعراض لدرجات المؤمنين وصفات كل منهم وأعمالهم وحكمهم في الدنيا والآخرة، يسهل التعرف على أولياء الله الذي تولاهم بعنايته ونصرته في الدنيا، وكرامته في الآخرة. فقد تبين أن أولياء الله المعنيين بقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢،٦٣] . على نوعين: النوع الأول: المقتصدون الأبرار أصحاب اليمين، الذين جاؤوا بكمال الإيمان الواجب، الذي هو أول مراتب التقوى الموجبة لولاية الله وعنايته والسلامة والأمن في الدنيا والآخرة. النوع الثاني: المقربون المحسنون السابقون بالخيرات، الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب الذي هو أعلى مراتب التقوى. وقد بين الله هذين النوعين من أوليائه في حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره، حيث بين النوع الأول بقوله: " وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه ". وبين النوع الثاني بقوله: " وما يزال عبدي يتقرب

стр. 207

إلي بالنوافل حتى أحبه "١ ... الحديث.٢ وقد تقدم في المبحث السابق بيان أهم صفات كل نوع وأعمالهم، مما يغني عن إعادته هنا. وبذلك يخرج من كان في مرتبة الظالم لنفسه من ولاية الله المطلقة، وإن كان من زمرة المسلمين كما تقدم، وذلك أن أولياء الله لهم السلامة والأمن في الدنيا والآخرة، والظالم لنفسه متوعد على تفريطه، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] . وبهذا يتضح سر انخذال المسلمين في هذا الزمان وغيره من الأزمنة الماضية، وهو أنهم فقدوا ولاية الله الجالبة لمعونته، ورعايته وتأييده، لظلمهم أنفسهم بالانغماس في الشهوات المحرمة، أو الخوض في الشبهات المضلة، فابتعدوا عن تكميل الإيمان الواجب شيئاًَ فشيئاً، وحجب الله ولايته عنهم، كذلك، حتى أصبحوا غثاء كغثاء السيل، وتداعت عليهم الأمم، إلا من ﵀ منهم، ممن تمسك بالعهد الأول، وسار على منهج السلف الصالح، ملازمين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، متجافين عن البدع والمحدثات، فهم الطائفة المنصورة، الذين أخبر الرسول ﷺ ببقائهم على

стр. 208

الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله -جعلنا الله بمنه وفضله منهم. كما تبين أيضاً من خلال ما تقدم أن الإيمان الذي نبحث في أثره والذي به تستجلب ولاية الله هو الإيمان الكامل، القائم على العلم بالله، والقيام بحق الله، فيعرف المسلم ربه بأسمائه وصفاته، وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة، ويعتقد تفرده -سبحانه- بذلك، كما يعتقد تفرده بأنه الإله الحق الذي يجب أن يعبد وحده؛ ثم يقوم بحق الله تعالى الذي بيّنه ﷺ في حديث معاذ بقوله: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " ١؛ وأنواع العبادات وكيفياتها التي شرعها الله لعباده وارتضى منهم أن يتقربوا إليه بها، قد جرى بيانها في الكتاب والسنة، وطبقها الرسول ﷺ عملياً؛ فيجب الالتزام بذلك، وعدم الزيادة عليه؛ والميل عن ذلك خروج عن سنة المصطفى ﷺ وميل وانحراف عن طريق الولاية. فطريق الولاية يقوم على ركنين هامين: الأول: الإخلاص في العبادة، فيبتغي المؤمن بجميع أعماله وجه الله، قياماً بحقه وطلباً لرضوانه وثوابه، وخوفاً من سخطه وعقابه، ولا يلتفت القلب إلى غير الله بطلب النفع أو دفع الضر، ولا يقصد بشيء من العبادات غير الله.

стр. 209

الثاني: صدق المتابعة لرسول الله ﷺ ، فيعبد الله بما شرع مقتدياً به، مستمسكاً بسنته، لا يخرج عليها بالغلو والبدع، ولا يتحلل منها بالمعاصي وعدم الالتزام. قال ابن رجب ﵀: " ... فظهر بذلك أن دعوى طريق يوصل إلى التقرب إلى الله تعالى، وموالاته ومحبته، سوى طاعته التي شرع على لسان رسوله، ممن ادعى ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق، تبين أنه كاذب في دعواه" ١. وقبل أن أتجاوز هذا المبحث، إلى التعرف على آثار ولاية الله في تحصين المسلم، ضد المخاطر والأفكار الهدامة، يجدر أن أتعرض بمزيد من العناية لأمر مهم وعظيم، هو الأساس والركن الأهم لتحصيل ولاية الله، بل بدونه يتعذر الحصول عليها، ألا وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، والكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله.

стр. 210

المبحث الثالث: العناية بأهم سبب لحصول الولاية تقدمت الإشارة إلى أن إخلاص العبادة لله، أهم دعائم الإيمان والتقوى التي هي الطريق لولاية الله، ومن المناسب أن أذكر بعض النصوص التي تبين أهمية هذا الأمر، وأن الله أولاه عناية خاصة، وأكد على أنه الخطوة الأولى والأساس في السعي لتحصيل ولايته. ومما يزيد الحاجة للتركيز على هذا الأمر حاجة المسلمين اليوم إليه لاستجلاب ولاية الله، وتغافل بعض الدعاة والعاملين لنصرة هذا الدين عنه أو جهلهم بأهميته. فقد بين الله تعالى أنه خلق الجن والإنس لعبادته، أراد هذا منهم إرادة شرعية تعلقت بها حكمته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . وأعلمَهم في كتبه، وعلى ألسن رسله، أنه لا يكفي مجرد العبادة، بل يجب أن تكون خالصة، من ذلك قوله تعال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠] . وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ

стр. 211

وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] . وبين ذلك خاتم رسله ﷺ في كثير من الأحاديث منها حديث معاذ وفيه قال ﷺ : " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً "١. والإخلاص وقصد الله وحده، بالتأله والعبادة، هو تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله. وأما أنواع العبادة، وكيفية أدائها، وكيف يكون الإخلاص فيها، وما هي خوارم العبادة ومبطلاتها، فتؤخذ مما جاء به النبي ﷺ من الوحي ومن فعله. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] . وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣] . وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] . وجاء التحذير الشديد من مخالفة ما جاء به ﷺ ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ

стр. 212

سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] . وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] . وقال ﷺ : " من أحدث في أمرنا ما ليس منا فهو رد "١. وقال: " من رغب عن سنتي فليس مني " ٢. والنصوص التي تقرر وجوب الإخلاص في العبادة، ووجوب متابعة النبي ﷺ وتحذر من الشرك والبدع كثيرة، أكتفي بما ذُكر لأخلص إلى المقصد، وهو التدبر لبعض ما جاء في ذكر أولياء الله، أو طريقهم، والتعرف على مظاهر الولاية، وما ورد فيها من التنبيه على أن التوحيد هو الأساس والسبب الرئيس لحصولها لهم. فمن ذلك ما تقدم من النصوص في ذكر أوصاف أولياء الله -بنوعيهم الأبرار والمقربين- والتي يتجلى فيها التأكيد الشديد على ملازمتهم للتوحيد، وكمال تعلق قلوبهم بربهم، وإخلاصهم في عبادته،

стр. 213

وخلاصة ما بينته تلك النصوص من أوصافهم هي: ١-التوحيد بإخلاص العبادة لله تعالى. ٢-ملازمة طاعة الله واجتناب معاصيه، مع التركيز على الصلاة والصدقة فرضاً ونفلاً. ٣-الإيمان باليوم الآخر وأثره على سلوكهم. ٤-الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره. ويظهر ذلك جلياً في سورة الإنسان التي ذكر فيها أوصاف الأبرار وفي سورة الفرقان التي ذكر فيها أوصاف المقربين. وسورة يوسف-﵇ لهذا المراد شاملة، حيث اشتملت على قصة ولي من أولياء الله، ذكر فيها مظاهر ولاية الله له وعنايته به، وأسباب تلك الولاية. وقبل استعراض مظاهر ولاية الله ليوسف ﵇ والتي هي فعل الرب ﵎ به، وأسباب تلك الولاية والتي هي فعله ﵇ الذي تحصّل به على ولاية الله، قبل استعراض ذلك، أرى من المناسب أن أطرح بين يدي ذلك مقدمات مهمة ... فسورة يوسف ﵇ من السور المكية، والتي تميزت بالإكثار من قصص الأنبياء والأمم السابقة١ ... "ليكون قصصهم عبرة

стр. 214

وموعظة لأولي الألباب، لبيان أن دعوة الرسل جميعاً واحدة، وأنهم جاؤوا بالتوحيد الخالص، والإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وأن الأنبياء وأتباعهم لاقوا كل أنواع الإيذاء في سبيل عقيدتهم، ومع ذلك صبروا وثبتوا على عقائدهم، وكان النصر والعاقبة لهم والهزيمة والخذلان لأعدائهم ... "١. والقصص القرآني نزل منجماً، ليعالج واقع المسلمين في الدعوة المحمدية، وخاصة في العهد المكي، مهمته الإيحاء السريع والتأثير القوي بضرب القدوة أو الموعظة البليغة. وبعض القصص يقصد به إنذار الكافرين بذكر ما حل بأسلافهم الأولين من العقاب الأليم في الدنيا، وأن عاقبة الكفر سيئة لا محالة. والبعض الآخر كشأن سورة يوسف ﵇ يقصد بها بشارة المسلمين بحسن العاقبة في الدنيا، وعظيم الأجر في الآخرة، وتسليتهم وتثبيتهم بذكر قصص أسلافهم، وعناية الله بهم، كما يقصد بها أيضاً تجلية الطريق إلى ولاية الله، وبيان أهم دعائمه لكي يلازموه. وسورة يوسف نزلت في ظروف خاصة، ومرحلة متميزة مرّ بها السابقون الأولون في مكة، وقد عالجت هذه القصة القضايا المطروحة في ساحة المواجهة مع الكفار، وفي الخواطر المختلجة في المشاعر والأفكار. فإن كان المسلمون يعذبون ويتآمر عليهم أهلهم وأقاربهم، وإن

стр. 215

كانوا يضطرون إلى الهجرة والغربة عن بلادهم، وإن كان بعضهم يسجن ويحاصر في الشِعب، وفريق منهم يرزح تحت ذل الرق ... وإذا كانت الشياطين توسوس في قلوبهم: كيف تعذبون وتضطهدون وتُستذَلّون وأنتم عباد الله وأوليائه؟ كيف وهو الملك الذي لا يعجزه شيء؟ كيف والذين يعذبونكم هم أعداؤه المستحقون بكفرهم عقابه؟ لماذا يتأخر الانتصار لكم والعقاب عليهم مع وجود الموجب لهما فيكم وفيهم؟ إذا كانوا يلاقون صنوف العذاب، والابتلاء الجسمي والمعنوي، فهذا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ﵇ اجتمعت عليه أكثر هذه الأمور ... تآمر عليه أقرب الناس إليه، وتغرّب عن بلده، وذاق مرارة الرق، وآثر السجن على الفتنة في الدين ... وابتُلي وصبر. إذاً فالابتلاء سنة الله الجارية لتمحيص أوليائه، فهو دليل الكرامة لا الإهانة، وهو عنوان الصدق في الإيمان. ومع ما حملته القصة من التسلية والتثبيت، حملت أيضاً البشارة بأن العاقبة سوف تكون لهم، وأنها العزة والتمكين، جاء ذلك تلميحاً من خلال ما آل إليه أمر يوسف، وتصريحاً في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٦، ٥٧] .
следующие страницы →