الفكرية، لما لها من الأثر في طمس معالم الإيمان في القلوب، فتحل الظلمة مكان البصيرة، وبذلك ينقاد من وقع في ذلك إلى الأفكار الخبيثة بسهولة، وقد ينسلخ من الإسلام ويعاديه لتحريمه لها، فيصبح عضواً فاسداًَ ينشر الفساد في المجتمع.
أما حد الحرابة والإفساد في الأرض فهو فعال جداً في قمع الشرور الفكرية خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] .
فالحرابة توجد وضعاً قلقاً يسوده الخوف والفزع، وذلك أنسب الظروف لانتشار الشرور، وظهور المنكرات، ونشر الإشاعات، والتحريض على التمرد والخلاف، والترويج للحركات الملحدةوالأفكار المفسدة.وأعظم الإفساد في الأرض وأخطره نشر الشرك في البلاد التي أكرمها الله بالإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] .
قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله،
стр. 527
وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم الفساد، ولا صلاح لها ولا لأهلها، إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلاّ، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته، فلا سمع ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله"١.
وعلى هذا فأساس صلاح الأرض هو عبودية الناس لربهم، وسيرهم في جميع جوانب حياتهم على منهج الله، وفساد الأرض يكون بتعبيدهم لغير خالقهم وتسييرهم على غير منهج الله.
والطريق إلى فساد الأرض بعد إصلاحها إنما يكون بعمل شياطين الإنس والجن في الصد عن دين الله بنشر الشبهات ووضع العوائق النفسية والحسية في الطريق إلى الله وسعيهم في الأرض فساداً بنشر الأفكار المزخرفة المخالفة لما قرره الإسلام في كل جوانب الحياة.
وقد كان الهجوم الأشد الذي جابه الإسلام من وقت البعثة إلى اليوم إنما هو حرب فكرية تهدف إلى معارضة الإسلام بمبادئ الأديان الوثنية، وبنظريات وتصورات الفلاسفة المجللة بزخرف القول غروراً.
стр. 528
وهذه اللوثات الفكرية هي التي جابهت الدعوات السابقة لدعوة نبينا محمد ﷺ ، لذلك حذر الله أهل الإيمان منها، وهو تحذير قائم ما بقي الكفر والإيمان، وقام لكل منهما أعوان.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] .
وبيّن الله تعالى وسيلتهم في الإضلال، وأنها قائمة على ترويج زخرف القول المتمثل بالشبهات والأفكار الخبيثة التي غرت أصحابها، ويغرون بها الناس، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢] .
وكان حظ دعوة نبينا محمد ﷺ على مدى عصورها المتعاقبة من كيد هذه الدعوات الفكرية المسعورة أكبر من غيرها.
وقد اشتدت في هذا القرن حيث تنوعت وتطورت الوسائل الناقلة لها، وفرضت المبادئ الإلحادية على كثير من الشعوب الإسلامية، ووضعت أسس العلوم الإنسانية والمادية على أيدي غير المسلمين فأقيمت على قواعد إلحادية في معظمها، ونظريات جاهلية، تهدف إلى حرف العقائد والسلوك، وتسير بمن يتعلمها -إلا من رحم الله- ليلتقي من حيث
стр. 529
لا يشعر مع طريق اليهود والنصارى أو الملحدين في فكره ومنهج حياته، وتصوراته في الكون والحياة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن المروجين للأفكار الهدامة، والشبهات المضللة من أعظم المفسدين في الأرض، وإفسادهم المؤدي إلى الفتنة عن الدين أعظم من إفساد المحاربين الذين يتلفون الأموال أو يزهقون الأرواح، حيث تقرر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] .
لذلك كان إيقاع العقاب المناسب عليهم من أعظم الحصون الاجتماعية، الحافظة للمجتمع من الفكر الخبيث.
وعقاب المفسدين في الأرض بترويج الفساد الفكري واجب إيقاعه والصرامة في تنفيذه، سواء كان حداً يشمله عموم المحاربة لله ولرسوله، وعموم الإفساد في الأرض، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ الآية، أو كان ذلك من باب قياس الأولى، لأن إفسادهم أشد وخطرهم أعظم، فكان إنزال العقاب بهم أوجب، أو كان ذلك من باب التعزير، فقد نص طائفة من أهل العلم على قتل الداعي إلى البدع١.
وليس المقصد تحقيق هذه المسألة من الناحية الفقهية، وإنما الإشارة
стр. 530
إلى أهمية إقامة هذه العقوبة، والجد في قمع المضللين، وأثر ذلك في حماية المجتمع من شرهم، وتحصنه بهذه الشعيرة الإيمانية من الشرور الفكرية.
أما حد الردة القاضي بقتل المرتد عن دينه لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه "١، فهو حصن من حصون المجتمع المسلم يسد ثغرة يتسلل منها المفسدون لإضلال الناس وحملهم على المجاهرة بالردة، والمجادلة بالباطل، والمعارضة بالشبهات، فيتجرأ على التمرد على الدين من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وينقاد إليهم ويتابعهم بعض المغرورين الجاهلين، فيبدأ بنيان المجتمع بالانحلال، وتسري فيه عدوى الضلال.
قال عبد الكريم زيدان: "إن المرتد مع إخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى، هي الاستهزاء بدين الدولة، والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره، وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الأمور، لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح، وإلا لو أخفى ردته لما عرف"٢.
وهذا الأسلوب بعينه قد استخدم في مجابهة هذا الدين في عصر النبوة
стр. 531
في محاولة إخراج أهله منه، وخاصة من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولم تشرب العلم نفوسهم، فيدخل فرد أو جماعة في الدين، وقد يكونون من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] ، ممن يعجب بهم كثير من السذج والرعاع ويعظمونهم، فإذا دخلوا فيه لم يلبثوا أن يرجعوا عنه، فيظن من يعجب بهم أنهم إنما رجعوا لما تبين لهم من عدم صلاحه، أو لأنهم لم يجدوا فيه شيئاً مهماً، فتضعف الثقة في نفوسهم بدينهم، ويسري إليهم الشك، وقد يتابعهم بعض من أحبهم وأعجب بهم. قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] .
ولذلك كانت إقامة هذا الحد حصناً يقي المجتمع المسلم من هذا المكر الخبيث، بالغ التأثير في الإفساد لو أتيح له المجال، وهذا من محاسن الإسلام ودقة تشريعاته وشمولها لكل ما فيه سلامة المجتمع وحمايته.
ثانياً: النظام الاقتصادي:
النظام الاقتصادي الإسلامي كغيره من النظم الإسلامية يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، فالملك لله، والأمور والمعاملات يجب أن تجري على أمره سبحانه.
стр. 532
وقد اعتنى الإسلام بتنظيم نشاط الناس الاقتصادي عناية كبيرة، بما وضعه من أحكام وقواعد دقيقة شاملة. وهذه العناية تتناسب مع أهمية النشاط الاقتصادي الذي يحتاج إليه الناس لتبادل منافعهم الدنيوية ومصالحهم الحيوية.
والنظام الاقتصادي الإسلامي يتجاوب مع الفطرة بإقراره حق التملك وحرية التصرف بضوابط تضمن حصول المنفعة للفرد والمجتمع وتمنع الضرر.
وهو يراعي الأخلاق الفاضلة، حيث يقوم على مبدأ التعامل النظيف الذي ينمي الحب، ويشد رابطة الأخوة الإيمانية بين أفراده، على حد قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
وبهذا يقطع الإسلام جذور المعاملات الباعثة على الحسد والحقد والبغضاء والفساد الخلقي والاجتماعي، فيمنع الكذب والغش والخداع، والغدر والغرر، ويحرم الاتجار بالفاحشة والرذيلة والمتع السيئة، والمسكرات والمخدرات، ويشدد في تحريم الربا لما ينتج عنه من الغبن واستغلال الفقراء والاحتكار والكساد الاقتصادي. وفي الجملة فهو يمنع المتاجرة والتعامل بكل شيء يجر شراً أو فساداً خلقياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو فكرياً.
كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يعتني بسد حاجات الناس اللازمة للعيش. فالمجتمع المسلم متكامل متكافل متعاون على المستوى
стр. 533
الشعبي والحكومي، فكل قد سن له في هذا النظام دور يحقق هدف التكافل الاجتماعي؛ فحث الإسلام على العمل ورغب فيه، وأمر الأقارب بكفالة المحتاج والكبير والمريض، وشرع الصدقة والزكاة لسد حاجات الفقراء، وتحقيق بعض المصالح، وحمّل ولاة الأمر رعاية من لم يجدوا من يرعاهم من أقاربهم أو عجزوا عن رعايتهم.
ومما تقدم تبين أن الإسلام يقيم النظام الاقتصادي على أسس متينة تتمثل في استمداده من العقيدة الإسلامية، ومراعاة الفطرة الإنسانية، وقيامه على الأخلاق الفاضلة، والتزامه بسد حاجات الناس المعيشية١.
وإذا التزم المسلمون دولة وأفراداً بالنظام الاقتصادي، استقامت حياتهم، وانتظم تعاملهم، وانقطعت بوادر الشر والحقد والحسد والضغينة والبغضاء، وأمن الناس على أرزاقهم ومصالحهم، فتتماسك جبهتهم الداخلية. والإخلال بالمعاملات الاقتصادية، وتعدي حدود الله فيها يؤدي إلى اختلال المجتمع، وتغير القلوب، ويعتِب بعضهم على بعض، ثم يحقد ويحسد.
فباختلال هذا النظام تختل الأسوار الواقية للمجتمع والعاملة على تماسكه وسلامته، فيضطرب النظام الاجتماعي، وتضعف الرابطة الإيمانية،
стр. 534
ويحصل الشر بين المسلمين، ويصبح المناخ مهيأً لشياطين الإنس والجن للعمل على الإيقاع بينهم مستغلين ما بينهم من الضغائن.
واختلال النظام الاقتصادي مرده إلى شح الأغنياء، وما يقابله من ظلم واعتداء الأقوياء من الفقراء، وتفريط السلطة بالمحافظة عليه، والصرامة في تطبيقه.
ومما يمهد لانتشار الأفكار الضالة التهاون في منع المتاجرة بالمتع المحرمة والمخدرات والمسكرات، أو وسائل التأثير الفكري كالأفلام المنحرفة، فذلك يؤدي إلى ظهور الفواحش في المجتمع، وكثرة الخاملين الساقطين، وانحراف الأفكار وتغير مفاهيم المجتمع والتشكك في العقائد، بفعل ما تحدثه المعاصي من الظلمة في القلوب، وما تحدثه الأفلام والقصص والمجلات الزائفة من آثار فكرية هدامة.
أما أثر المعاملات المالية على العلاقات القريبة فظاهر جداً، فكم من عداوة نشأت بين الأقارب بسبب الظلم في المسائل المالية، وأصدق شاهد على ذلك حصول كثير من المنازعات بسبب الجور في قسمة الميراث بين الأقارب، مما يدل على أهمية الالتزام بأحكام الإسلام في تنظيم المال ومعاملاته، وضرورة الرضى بذلك حفاظاً على تلاحم أفراد المجتمع.
ويمكن القول أن النظام الاقتصادي الإسلامي يمثل أقوى دعامة -بعد رباط العقيدة- يتحصن بها المجتمع ويجابه بها مخططات أعدائه،
стр. 535
وخاصة في هذا العصر الذي قامت فيه حضارات الأمم الكافرة على مذاهب اقتصادية، وأصبحت مسألة الاقتصاد هي المحور الذي تدور عليه السياسات والعلاقات بين الدول، فقضايا المال وما يتصل بأرزاق الناس قضايا حساسة تقتضي من المجتمع العناية بها وإيجاد الوعي الكافي بأهميتها وخطورة التهاون بها. كما تستلزم من ولاة الأمر العمل على تحسين أوضاع الناس المالية، ورفع الظلم عنهم، وإيجاد المجالات المشروعة للعمل والاستثمار، والصرامة في تطبيق أحكام الشريعة.
فالناس مجبولون على الشح بالمال ومحبته وإمساكه، كما بيّن ربنا بقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:٢٠] .
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] .
وقوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩-٢٢] .
وبين سبحانه أن الإنسان تخرج ضغينته إذا أخذ ماله، فقال: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٦-٣٧] .
قال ابن جرير ﵀: "قد علم الله أن في مسألته المال خروج
стр. 536
الأضغان"١، ومثل أخذ المال منع الحق كلاهما يخرج الضغينة.
فكم استغل أعداء الإسلام في الداخل والخارج الأوضاع الاقتصادية المضطربة، والضغائن الناتجة عنها في المجتمع المسلم لإثارة الرعية على الراعي، أو الدعوة إلى مذاهب اقتصادية قائمة على أفكار إلحادية كالشيوعية أو الاشتراكية أو الرأسمالية، وأعظم ثغرة يتسللون منها هي وجود الشحناء والبغضاء والحسد بين طبقات المجتمع نتيجة للإخلال بالنظام الاقتصادي، والتهاون في إيصال الحقوق إلى أهلها، وعدم العدل بين الناس فيها، فيَعِدُون الفقراء الكادحين بالعدل الذي فقدوه، أو الحق الذي سلب منهم، فينخدعون بهم، ويناصرونهم على ذلك، مع جهلهم بحقيقة ما يدعون إليه من الإلحاد، فتسير الشعوب خلف شعارات براقة، ودعاوى منسقة، وبذلك سقطت كثير من الشعوب الإسلامية تحت الحكم الشيوعي أو الاشتراكي القومي أو العلماني أو غير ذلك من الحكومات الفاسدة، وبذلك فرضت أفكار إلحادية ومبادئ كفرية خبيثة على الشعوب الإسلامية، وحُرفوا عن دينهم وصدوا عن طريق ربهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبهذا يتبين أن التزام النظام الاقتصادي الإسلامي حصن يحصن المجتمع من عوامل الفساد والفرقة والخلاف والعداوة والبغضاء، والتي هي
стр. 537
جسر يمتطيه أعداء الإسلام المتربصون به في الداخل والخارج لزعزعة المجتمع وبث بذور الشر فيه، من خلال الأفكار الخبيثة والمبادئ الفاسدة، والشبهات المزخرفة.
стр. 538
المطلب الرابع: المحافظة على الوحدة الفكرية
تقدم أن الرابطة في المجتمع الإسلامي هي رابطة عقدية، وأخوة إيمانية، وعلى هذا فكلما رسخ الاعتقاد وقوي الإيمان عند أفراد المجتمع، قويت الأخوة والرابطة التي تشد بينهم.
وعلى هذا فالمحافظة على سلامة المعتقد ووحدته يتطلب المحافظة على الناحية الفكرية المؤثرة فيه، من أجل استدامة تلك الأخوة القائمة عليه وسلامتها من النزعات المخالفة وما ينتج عنها من فرقة وشتات. وقبل الكلام في هذا الموضوع المهم يجدر أن أقدم ببيان المراد بالفكر الإسلامي، والوحدة الفكرية لكي يتبين المراد بالمحافظة عليها.
فالفكر هو اسم جنس يطلق على الأفكار الحاصلة من وظيفة التفكر والتعقل التي أودعها الله في قلوب الناس. فالتفكر إذاً وظيفة بشرية، وقد أشار الله لهذا في نحو قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] .
والفكر عموماً هو محصول الاجتهاد البشري١.
стр. 539
وعلى هذا فالعقيدة الإسلامية ليست فكراً، وإنما هي وحي من عند الله، وهي غذاء الفكر الإسلامي وقاعدته.
وقد بيّن الله أن التفكر في الآيات الكونية، والآيات التنزيلية وما فيها من دلائل التوحيد، والآيات والقصص المشتملة على العبر والمواعظ، بين أن ذلك من صفات المؤمنين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] .
وقال: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤] .
وقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] .
وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣، الزمر:٤٢، الجاثية:١٣] . ونحوها.
وعلى هذا فالتفكير السديد وظيفة أمر الله بها عباده المسلمين، وهم الجديرون بها، وما ينتج عنه من فكر هو فكر إسلامي قام به المسلم وفق ضوابط الشرع، ومن منطلق العقيدة.
قال الأستاذ محمد عبد الله السمان: "إن العقيدة الإسلامية هي قاعدة الفكر الإسلامية ... ليكون في إطار العقيدة، وفي خدمتها، فإذا
стр. 540
خرج عن إطارها، أو تجاوز حدودها، أو تحول ليكون في خدمة غيرها، فلن يكون فكراً إسلامياً، ولو زعم هذا ألف مرة ومرة"١.
فالفكر الإسلامي هو الذي يستند إلى العقيدة الإسلامية وينطلق من نصوص الوحي في بحثه واجتهاده في مختلف مجالات الحياة، والحضارة القويمة هي الحضارة الإسلامية التي تقوم على ثمرات الفكر الإسلامي الشامل لجميع الميادين.
ويمكن حصر أهم ميادين الفكر الإسلامي فيما يلي:
١- فهم نصوص الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام والعبر والمواعظ.
٢- استنباط براهين الحق ودلائل التوحيد ومعجزات النبي ﷺ وغير ذلك من العقائد بالتدبر لآيات الله التنزيلية والتفكر في آيات الله الكونية.
٣- بيان محاسن الإسلامي وسلامة نظمه وتشريعاته من النقائص، وأنها هي المصلحة لحياة الناس.
٤- الدفاع عن الإسلام وتفنيذ الشبهات المثارة حوله، وبيان بطلان الأفكار المنحرفة والأديان الضالة.
٥- استكشاف الأسرار التي وضعها الله في خلقه، وسخرها
стр. 541
للإنسان، والانتفاع من ذلك في تسهيل حياة الناس والرقي بها، وفي الإعداد لقوة المسلمين في كافة المجالات. ويدخل في ذلك العلوم المادية كالفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والطب، والإحياء، والصناعات المختلفة، والزراعة، والعلوم الاقتصادية والتجارية. والفكر الإسلامي معني بتطهير هذه العلوم مما أدرج فيها من الضلالات بالإضافة إلى نقل المفيد منها، واستخدامه وتطويره.
٦- البحث والدراسة للنفس البشرية، والنشاط الإنساني وإقامته على مبادئ الإسلام ومسلماته، ويشمل ذلك: علم النفس، وعلم الاجتماع وفروعهما، والدراسات التاريخية، ونحوها.
٧- التفكر في الأمور الغيبية التي أخبر الله بها، كالموت وأحوال القبر، وما يجري يوم القيامة من أهوال، وصفات الجنة والنار، مما يفيد في إصلاح القلوب واندفاعها للخير وارتداعها عن الشر، وعدم تماديها في الحرص على الدنيا. وعلى العموم فالنشاط الفكري الإسلامي يشمل كل المجالات التي يحتاج إليها الناس في دينهم ودنياهم.
الوحدة الفكرية:
تقدم أن الفكر لا يبدأ من فراغ، بل لا بد من أسس يقوم عليها، ومنابع يستقي منها، وأصول يرجع إليها في بحثه ودراسته ومقارنته واستنتاجه.
стр. 542
والأسس والمنابع والأصول في الفكر الإسلامي، هي أصول الإسلام وقواعده العقدية والتشريعية.
فالوحدة الفكرية المطلوب المحافظة عليها في المجتمع المسلم هي:
نشر وترسيخ العقائد والمبادئ والمعارف التي جاء بها الإسلام لدى أكبر عدد من أفراد المجتمع، وجعلها أساس التربية والتعليم في مختلف مراحله، والإعلام في جميع مجالاته، لكي تكون قاسماً مشتركاً يؤمن به ويخضع له الجميع، فينطلقون منه ويرتكزون عليه في نشاطهم الفكري، ويصبح هذا الغذاء الفكري المشترك ميزاناً موحداً يحتكم إليه الناس ويرجعون إليه عند النزاع، ويوحد مشاعرهم وعواطفهم وأهدافهم ويوجه سلوكهم، فيتلاحم الأفراد، ويصبح المجتمع كالجسد الواحد، وتقل فيه نوازع الفرقة.
أثر الوحدة الفكرية في قوة الرابطة الإيمانية:
إن وجود الوحدة الفكرية -المتمثلة بملئ قلوب الناس وإنارتها بالعقائد الحق، والمفاهيم الصحيحة، واستئثار الوحي بذلك، وما ينتج عنه من تقارب وانسجام في تفكير أفرادها- ضرورة اجتماعية لازمة لاتحاد المسلمين وقوة رباطهم الإيماني.
وتخلّف الوحدة الفكرية ينتج عنه أحد حالين:
الأولى: الفراغ الفكري الناتج عن انتشار الجهل وانصراف الناس عن العلم، وفي هذه الحال يسود المجتمع خليط من الأفكار الفاسدة،
стр. 543
والخرافات والتصورات والعادات الجاهلية، ويصبح المجتمع مهيأً لكل فكر ضال، كما أنه في بعض الأحيان يكون صالحاً لدعوات الإصلاح إذا لم تكن فيه بدع مستحكمة، ومفاهيم منحرفة مقدسة.
قال الدكتور عبد الحليم عويس: "ولئن كانت عوامل التجزؤ عديدة ورهيبة، فإن هذه العوامل لا تتسلل إلى الأمة إلا حيث تعاني من فراغ فكري، وفقر إلى مجموعة القيم التي تغنيها بدراية سليمة مطمئنة عن حقيقة كل من الكون والإنسان والحياة، إذ أن من شأن أي جماعة تعاني من مثل هذا الفراغ أن تغدو هدفاً لمطامع أولى الدعوات الهدامة، التي تصطنع المبادئ والقيم لبلوغ أمانيها وأغراضها"١.
والحالة الثانية: الفرقة الفكرية ومردها إلى الفوضى الفكرية، حيث تنتشر المعارف وتقوى حركة التعليم، مع اختلاف مشارب الأفراد الفكرية.
فيجهر المبطلون بالضلال ويتفننون في عرضه على الناس، وعندها يتوزع أبناء المجتمع الواحد إلى طوائف كل طائفة تسير خلف فكرة ومبدأ، ويزخرف كل فريق مبدأه، إما بتقريبه إلى الإسلام بالاستدلال الفاسد، أو بتقديمه على أنه الجديد المفيد المتجاوب مع مستجدات العصر، مع دعوى أنه لا يتعارض مع أصول الإسلام.
стр. 544
وقد يتمادى الأمر فيتجرأ المفسدون على مدح الكفر والإلحاد والتشكيك والاستهزاء بمسلمات الدين بلا خوف ولا حياء.
وفي هذه الحال يتفكك المجتمع ويعادي بعضه بعضاً، وتزول رابطة الإيمان كرباط مشترك لجميع أفراده، وإنما تبقى رابطة بين أفراد طائفة من طوائفه، هي التي التزمت به وأخذت على عاتقها مسئولية تنفيذه والدفاع عنه.
وسيجد كل فكر خبيث خارجي فئة في المجتمع تسير على مبدئه، فيعمل من خلالها داخل المجتمع.
عندها يصبح من المتعذر اجتماع أفراد المجتمع على تحكيم نظم الإسلام، فتستبدل به الفكرة بالفكر المدمرة لكيان المجتمعات الإسلامية، ألا وهي الديمقراطية التي يحكم الناس بها الأهواء والقوانين الوضعية.
ويصبح بذلك أهل الإيمان المستمسكون به -في أحسن أحوالهم- طائفة من طوائف المجتمع ليس لهم إلا المجادلة عن أنفسهم بدل أن يكون الإسلام هو المهيمن على الجميع وكلمة الله هي العليا.
هذا مع أن اجتماع الناس في المجتمع الذي مزقته الفوضى الفكرية على الديمقراطية أو غيرها لا يكون في الغالب -كما يشاهد من الواقع- إلا بعد حروب أهلية طاحنة يتجرع فيها الناس أصنافاً من العذاب، ويذيق بعضهم بأس بعض.
стр. 545
السبيل إلى المحافظة على الوحدة الفكرية:
إن العمل للمحافظة على الجانب الفكري في المجتمع الإسلامي -بغرض إخلاصه للتلقي عن الوحي المطهر في جانب العقيدة والعبادات والأخلاق والآداب- يجب أن يكون في اتجاهين هامين:
الاتجاه الأول: التطهير.
والمراد به تطهير الجانب الفكري في المجتمع الإسلامي من الفكر الدخيل، وذلك يشمل تحصين المجتمع من تسلل الأفكار الغازية ومحاربة وسائل اتصالها بالمجتمع، كما يشمل مراجعة ما ينسب إلى الإسلام من العلوم والمعارف، وعرضه على ميزان الشرع، وبذلك يبقى الوحي الإلهي وحده هو المغذي للقلوب والأفهام والموجه للسلوك والإرادات.
والاستغناء بالوحي أصل قرره الإسلام واعتنى به لما له من الأهمية في خلوص قلوب العباد وأعمالهم لله وحده، ثم اتحادهم على تقوى الله والولاء لدينه، وعلى هذا دلت نصوص كثيرة منها:
قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] .
تشمل تفاسير السلف للزور كل ما كان من خصائص الجاهلية، وشرائع الطاغوت، ففسر بالشرك وعبادة الأصنام وبالكذب والفسق، واللغو والباطل، والغناء وأعياد المشركين، ومجالس السوء والخنَى، كما
стр. 546
فسر بالشهادة الكذب١. ورجح ابن كثير أن المراد بقوله: ﴿لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ .
أي: لا يحضرونه حيث قال: "والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور، أي لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ .
أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا، ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ "٢.
وهذه حالة المؤمن الحق مع الزور والباطل وأهله لا يشهده، فلا يشاهده، ولا يستمع إليه، ولا يقوله من باب أولى ولا يخالط أهله، وكيف يتفق له ذلك وقد حبب الله إليه الإيمان، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان؟ فالدافع إلى شهود الزور غير موجود عنده، فهو لا يحبه وليس من أعماله، وقد بيّن الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .
стр. 547
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] .
فسر لهو الحديث في هذه الآية بالغناء، وهو الأشهر، كما فسر بأخبار الأعاجم وملوك الروم والشرك١. واختار ابن جرير ﵀ أنها عامة في كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله٢.
وقال ابن القيم ﵀: "ولا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء وتفسيره بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث٣ يحدث به أهل مكة ليشغلهم به عن القرآن فكلاهما لهو الحديث"٤.
وإذا تبيّن عموم الآية لكل ما يمت للجاهليين بصلة، من أغانيهم
стр. 548
ولغوهم وباطلهم وفحشهم وقصصهم وآدابهم، وتبين أن الذين كانوا يشترونها وينشرونها هم الكفار ليصدوا بها الناس عن سبيل الله، إذا تبين هذا، فانظر إلى حال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية في البلاد الإسلامية، كيف أنها جمعت ذلك كله، وزادت أن عرضت لهو الحديث من قصص الكفار والمشركين والفاسقين وأخبارهم وأغانيهم وآدابهم في أفلام ومجلات ونحوها، قد اعتنى بزخرفتها وحُشِد فيها كل ما قدر عليه من وسائل التأثير والإقناع والإغراء.
والذين يشترونها ويبثونها بين المسلمين هم من المنتسبين إلى الإسلام الذين حملهم الله مسئولية تعليم الناس وإرشادهم والمحافظة على دينهم وأخلاقهم، فهم يساهمون في صد المسلمين عن دينهم وإشغالهم بما يهدم الدين والخلق، يفعلون ذلك بأيديهم وأيدي الكافرين، فالمسلم يشتري بماله، والكافر ينتج ويصدر، فما أقرب من هذه حاله ممن قال الله فيهم: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] .
فالاعتبار اليوم بحال المسلمين الذي يخربون عقائدهم وأخلاقهم-التي هي أعظم من البيوت- بأيديهم وأيدي الكافرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالواجب على المسلمين الاكتفاء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالخير كل الخير في الاهتداء بهما.
стр. 549
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩] .
وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] .
فوصف الله كتابه بأنه أحسن الحديث لما يشتمل عليه من العلوم الحسنة، والأخلاق والآداب الفاضلة، والعبر القيمة، فهو حسن لما يشتمل عليه من الدلائل والمعاني، كما أنه حسن لفصاحته وبلاغته بإعجازه، ثم بيّن تعالى أثر كلامه على عباده المؤمنين، وأنّه هو الطريق إلى هدايتهم لا طريق غيره، حيث قال: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ومن تركه إلى غيره ضل.
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلام دِيناً﴾ [المائدة:٣] .
والكامل غني بنفسه عن غيره.
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا
стр. 550
الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] .
قال ابن كثير ﵀: "وبما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كلّ ما سواه من الكتب ... "١ ثم ساق عدة نصوص تدل على هذا الأصل وهو الاكتفاء بالكتاب والسنة.
وقبله الإمام البخاري ﵀ أفرد لتقرير هذا الأصل كتاباً في "الجامع الصحيح" هو كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" جعل من ضمن أبوابه باباًَ لقول النبي ﷺ : " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء " ثم أتبعه بباب "كراهية الاختلاف".
وهو بذلك يشير إلى أن من لوازم الاعتصام بالكتاب والسنة الاكتفاء بالوحي، وعدم سؤال أهل الكتاب عن شيء، وغيرهم من باب أولى لكونهم ليسوا بأهل كتاب، ثم في تعقيبه بباب "كراهية الخلاف" إشارة إلى أن في الأخذ من الأمم الأخرى، فتح لباب الخلاف حيث تختلف المشارب الفكرية، فتختلف القلوب، والله أعلم.
وعلى هذا الأصل سار سلف هذه الأمة من أئمة التابعين ومن تبعهم مقتدين بمن قبلهم من الصحابة، فكانوا ينكرون على كل من عدل عن الكتاب والسنة، وتطلب العلم في غيرهما.
стр. 551
قال ابن حجر ﵀: "وقد توسع من تأخر من القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عاميّ جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف"١.
ومن الأئمة الذين كانت لهم مواقف بارزة في تقرير هذا الأصل والدفاع عنه: الإمام أحمد ﵀ حيث وقف في وجه الشاربين من مستنقعات الفلاسفة مدافعاً عن الكتاب والسنة، مبيناً أن ما دلاّ عليه هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، ولا معارضته.
ومنهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ فقد كان جهاده دعوة عامة للمسلمين لإعادة جميع أحوالهم وشئون حياتهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونبذ ما خالفهما من المناهج والأحوال، وبيّن ضلال من حاد عنهما من الفِرق والأفراد.
وعلى هذا الطريق سار العلماء والدعاة المصلحون الذي اقتفوا نهج السلف الصالح، حتى أخذ الراية الشيخ الموفق والعالم المسدد محمد بن عبد
стр. 552
الوهاب، فركز على هذا الأصل مبيناً أن التفريط في المحافظة عليه هو أساس الداء والعودة إليه هو رأس الدواء، وأقام على هذا الأصل دعوته وجهاده، وألف كتابه المبارك المشهور: "كتاب التوحيد" لتقريره، كما أفرد باباً في كتابه "فضل السلام" ترجم له بقوله: "وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب والسنة عن كل ما سواه" ١.
وإذا تبيّنت أهمية هذا الأصل، وأن على الأمة -في سبيل تحقيق الوحدة الفكرية- أن تعتني بالوحي وتستغني به، وتحارب كل فكر دخيل، وتقطع منافذه، إذا تبيّن هذا فإن تطهير المجتمع المسلم من ذلك يتم في نظري بثلاث خطوات هامة:
الخطوة الأولى: هي عزل المجتمع عن أفكار وثقافات وآداب المجتمعات الجاهلية.
فكما أن الأمم تقوم بمكافحة الأمراض الحسية، ومقاومة أسباب انتشارها، فكذلك الأمراض الفكرية لا بد من منع أسباب انتشارها، ومقاومة الوسائل الناقلة لها، وتطهير الوسائل التي بأيدينا في جميع المجالات الثقافية والإعلامية والتعليمية والتربوية من شوائبها. فهذه الخطوة لا بد منها لتحصين المجتمع ضد الأفكار المخالفة.
стр. 553
وهي خطوة قد فرط فيها المسلمون اليوم، فوسائل الإعلام والاتصال الثقافي والتعليمي والتربوي القائم في البلاد الإسلامية تنشر أفكار وآداب وفلسفة الأمم الجاهلية على أوسع نطاق من خلال الأفلام والمسرحيات والأغاني والمجلات والمقابلات. والمكتبات يوضع فيها ما هبّ ودبّ من المطبوعات الوافدة من كل مكان، وتفتح أما المسلم أيا كان مستوى وعيه وتعليمه، ليطلع على ما شاء دون موجه أو رقيب، وقد تبنت كثير من الدول الإسلامية دعوى الحرية الفكرية، وأقامت مؤسساتها الفكرية على أساسها.
ولا شك أن هذه الفوضى الفكرية ستولد قناعات واتجاهات تخالف النهج الإسلامي القويم، وذلك سيوجد خلافاً فكرياً يعمل على تمزق المجتمع وتنافره، كما أن التفريط في هذه الخطوة يعتبر من أعظم الثغرات التي يتسلل منها الحاقدون على الإسلام، فينشرون المبادئ الهدامة، والأفكار الخبيثة التي تولد الشك والارتياب والكفر والزندقة.
الخطوة الثانية:
تأتي بعد العزل الفكري، وهي عملية التطعيم لأفراد المجتمع ضد تلك الأفكار الخبيثة التي يخشى من تسللها إلى المجتمع أو تعرض الأفراد لها عند سفرهم أو احتكاكهم ببعض الجاهليين.
ويتم ذلك بنقد وتفنيذ الأسس والمبادئ التي تقوم عليها تلك الأفكار ودحض حججها وبيان بطلانها، وبالمقابل التركيز على بيان
стр. 554
محاسن الإسلام ومزاياه العظام.
ثم تكوين القدرة العلمية لدى المسلم للدفاع عن عقيدته وقيمه عند المواجهة، وتبصيره بوسائل الأعداء المباشرة وغير المباشرة للغزو الفكري والثقافي والحضاري.
وهذه الخطوة قد قام بها علماء الإسلام ومفكروه ودعاته إلى حد كبير، حيث نقدوا مقومات المجتمعات الجاهلية القديمة والحديثة، وبينوا ما فيها من التناقض والمخالفة للمنقول والمعقول، وما ينتج منها من أضرار محسوسة.
إلا أن هذا العطاء القيم ظل محصوراً عند العلماء والدعاة وطلاب العلم وعلى رفوف المكتبات، وفي الجامعات التي تُعنَى بالدعوة والدراسات الإسلامية، وذلك أن الإعلام في معظم الدول الإسلامية لم يحمل رسالة تبليغه إلى جمهور الأمة ولم ينتفع منه، بل هو في كثير من الأحيان يضاده.
وكذلك الحال في التعليم العام وغيره من المجالات التي لها دور في التأثير على الناحية الفكرية لا يزال بعيداً كل البعد عن مسايرة ذلك العطاء، بل هو يسير في اتجاه نشر وتأييد بعض الأفكار الجاهلية، إن لم يكن قد أسس عليها وانطلق منها.
الخطوة الثالثة: تنقية الفكر المنسوب للإسلام في جميع ميادينه من الفكر الدخيل الزائف.
стр. 555
وهذه الخطوة من خطوات التطهير لازمة لتحقيق الوحدة الفكرية، ذلك أن الفكر الدخيل كان من أهم أسباب تفرق المسلمين في القديم والحديث. ويتم ذلك -بإذن الله تعالى- إذا اتحدت همم العلماء والدعاة المخلصين، وجميع العاملين في خدمة الإسلام، والساعين من أجل عزته، على إرجاع أحوال المسلمين ومناهجهم وأوضاعهم إلى الكتاب والسنة، والاتفاق على التلقي من الوحي المطهر، ونبذ ما استمد من غيره.
قال الشيخ محمد قطب: "وأول ما نبدأ به من هذا الجهد، هو تصحيح منهج التلقي ... من أين نتلقى فهمنا لهذا الدين؟ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم؟ أم مما دخل على هذا الفهم الواضح المستقيم من أفكار دخيلة ومنحرفة، بتأثير عوامل متعددة في أثناء المسيرة الطويلة للأمة الإسلامية، واحتكاكها الدائم بأخلاط من المذاهب، وأخلاط من الأفكار؟ .
فإذا صححنا منهج التلقي، وصححنا بناء على ذلك ما انحرف في حس المسلمين المتأخرين من مفاهيم الإسلام الرئيسية، بقيت علينا مهمة أخرى لا تقل خطراً، هي مهمة التربية على المفاهيم الصحيحة لهذا الدين. والتربية هي الجهد الحقيقي الذي ترجى معه الثمرة، ولكنه لن يؤت ثمرته حتى يقوم على أساسه الصحيح"١.
стр. 556
فتوحيد منهج التلقي وتطهيره وإخلاصه للوحي، قضية هامة لها أثرها البارز في وحدة المسلمين الفكرية والسلوكية، كما أن التفريط فيها من أعظم أسباب فرقتهم وشتاتهم.
وهذه الخطوة تعتبر بحق طرف الخيط وبدايته بالنسبة للمهتمين بالدعوة الإسلامية، فإن قدر الله لهم الإمساك بها وجمع الجهود عليها، كانت البداية صحيحة، والنتائج بإذن الله طيبة فعّالة في سبيل تصحيح المفاهيم الخاطئة التي طالماً كانت عائقاً أمام توحيد المسلمين، وإقامة العبودية الحق الجالبة لولاية رب العالمين، فيدخل المسلمون مضمار الكفاح بجهود موحدة وولاية من الله مؤيدة، فيتحقق بهم بذلك ما وعدهم الله من النصر والتمكين.
الاتجاه الثاني: التزكية.
والمراد أن العمل من أجل تحقيق الوحدة الفكرية بين المسلمين في سبيل توحيدهم وتقوية الرابطة الإيمانية بينهم، كما أنه يستلزم التطهير-كما تقدم بيانه- فهو يستلزم أيضاً تزكية الأفراد بنشر العلم بينهم وتلقينهم العقائد الإسلامية بأدلتها، كما دل على ذلك كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ وسار عليه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
ومن ثم تربيتهم على الأخلاق الفاضلة، والآداب الحميدة، وإعطاء كل فرد ما يحتاج إليه من أحكام الشريعة، لكي يُعبد الحق ويعامل الخلق على بصيرة.
стр. 557
وفي سبيل تحقيق ذلك تسخر جميع طاقات الأمة الفكرية ووسائل الاتصال العامة والتعليم والتربية والتثقيف، في خدمة هذا الهدف العام.
ومن ذلك الاهتمام بالأسرة التي هي الوحدة الاجتماعية الأولى في المجتمع، وهي أول مدرسة يتلقى منها الطفل مبادئه ومفاهيمه.
فلا بد من تأسيسها على الارتباط الوثيق بالمعتقدات والشرائع والأخلاق والآداب الإسلامية، وتاريخ الأمة وهمومها وأهدافها وتحدياتها، وأن يسودها الاعتزاز بالإسلام، والشعور بالمسئولية عن إقامته، والدعوة إليه، والدفاع عنه، والحماس لقضاياه.
وتطهير الأسرة من الثغرات التي تتسلل منها أفكار الجاهلية وخصائصها مهم وضروري.
وأهم هذه الثغرات: أجهزة التلفاز والفيديو والإذاعات والجرائد والكتب ما كان منها ينشر الفكر والأدب الجاهلي، وكذلك الاختلاط بالكفار والمشركين والمنافقين، كاتخاذهم خدماً أو سائقين، أو مصادقة الأسر الكافرة، أو سفر الأسرة أو بعض أفرادها إلى بلاد الكفر والفسوق.
ومن أهم مقومات تزكية الأسرة إدراك كل من الزوجين مسئوليته ودوره، وتعلمه أمر دينه، والحقوق المناطة به، وتخصيص وقت كاف لتعلم ذلك.
كما أن العناية بالمرأة مهم جداً في صلاح المجتمع وسلامة وحدته
стр. 558
الفكرية. فصلاح المرأة سبب في صلاح الجيل -بإذن الله-، حيث إنها المدرسة والمربية الأولى لأطفالها، كما أن فسادها فساد للجيل الذي تتولى تربيته.
ولذلك يوجه الأعداء مخططات محمومة مسعورة، وبوسائل مختلفة لإفساد النساء لعلمهم أنهن أمهات الجيل القادم، وكسبهن يعني كسب ذلك الجيل، ولما لهن من الأثر -عند فسادهن- في إفساد الرجال وتخريب البيوت، وشتات الأسر.
وقد اهتم الإسلام بتنظيم وبيان جميع ما يخص المرأة، فما على الزوجين إلا تعلم ذلك والعمل به، كما أهتم علماء الإسلام ومفكروه بهذا الجانب، ومؤلفاتهم تزخر بها المكتبات الخاصة والعامة.
وليست هذه مسئولية الزوجين فقط، بل المجتمع يجب عليه أن يتخذ الأسباب التي تضمن تعلم كل منهما ما يهمه ويحتاج إليه من أمور الدين، ويتم ذلك بالعناية بالجوانب التالية:
١- الاهتمام بالتعليم والتربية في جميع مراحله، وإقامة أنظمتها واستمداد مناهجها وسياساتها من الكتاب والسنة، والعناية بالمدرسين والمُربين ليكونوا من المتحمسين للإسلام، الهادفين لإخراج جيل يحمل رسالة الإسلام.
٢- تسخير وسائل الإعلام في الدعوة والتعليم والتوجيه السليم المنبثق من تعاليم الإسلام، وضبط قضية الترفيه بالضوابط الشرعية، لكي
стр. 559
لا تتحول إلى إشغال وصد عن سبيل الله.
٣- العناية بالمسجد والعمل على أن يؤديَ دوره التعليمي التربوي لكافة أفراد المجتمع.
فهذه الوسائل مع أنها مؤثرة جداً في سلامة الأسرة وتزكيتها إذا استغلت استغلالاً حسناً، فهي أيضاً قنوات فكرية هامة مؤثرة في الوضع الفكري العام للمجتمع، فلا بد من تطهير وتزكية وتوحيد لما يبث فيها، لتساهم في تحقيق الوحدة الفكرية المنشودة للمجتمع المسلم.
فينبغي أن تكون هذه الوسائل جميعاً تخدم هدفاً واحداً هو التوجيه والتعليم والتربية والتثقيف والترويح في المجتمع المسلم من منطلق تعاليم الإسلام وفي اتجاه تحقيق أهدافه.
فرسالتها واحدة، ويكمل بعضها بعضاً، في سبيل تحقيق وحدة فكرية وسلوكية في مجتمع يحافظ على قيمه الدينية مع أخذه بمعطيات العصر الحضارية، وينتفع بها في مصالح دينه ودنياه.
وخلاصة هذا المطلب: أن الوحدة الفكرية -القائمة على المفهوم الصحيح للإيمان بالله كما قرره الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالح- أساس هام لوجود الرابطة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم، كما أن المحافظة عليها لازمة لاستدامة تلك الرابطة وتلاحم الأفراد واتفاقهم، وعدم اختلافهم.
وأهم العوامل اللازمة للمحافظة على الوحدة الفكرية أمران
стр. 560
أساسيان:
الأول: تطهير الفكر الإسلامي من الفكر الدخيل، وعزل المجتمع المسلم عن أفكار المجتمعات الجاهلية، وجميع خصائصها، ومحاربة الوسائل الناقلة لها، وتطعيم أفراد المجتمع ضد الأفكار المحتمل تسللها ببيان بطلانها وتناقضهما وما تجره من الشر والدمار وسوء العاقبة.
الثاني: تزكية أفراد المجتمع بالتوسع في نشر عقائد الإسلام وتعاليمه المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح وأصولهم، والعناية بالأسرة، وتسخير كافة الجهود والوسائل لتحقيق هذا الغرض، وأن تكون رسالة التعليم والتربية والإعلام والمسجد واحدة هي رسالة الإسلام ووظيفتها هي الدعوة إلى الله، والدفاع عنه، وإعداد أجيال تطبق الإسلام تطبيقاً سليماً، وتتحمس له، وتنهض به، عالمة عاملة مؤيدة.
стр. 561
المبحث الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم
والمقصود أنه إذا تقرر أن الربطة بين أفراد المجتمع المسلم منوطة بسلامة وعمق الإيمان، وإقامة العبادات والأخلاق والنظم المنبثقة منه، وأن استدامة الرابطة الإيمانية مرهونة بسلامة واستدامة ذلك، كان من الواجب على المجتمع العمل على سلامة مقوماته الإيمانية.
ويكون ذلك بالتواصي بالحق والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على ذلك، والصبر والمثابرة في سبيل تحقيقه.
فإقامة هذه الشعائر الإيمانية، كما أنها لازمة لقوة ومتانة الرابطة الإيمانية، هي أيضاً حصن يقي المجتمع من الفكر الخبيث وسائر الشرور.
وليس الغرض ذكر تفاصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما بيان أثر هذه الشعيرة الإيمانية الاجتماعية في تحصين المجتمع من الأفكار الخبيثة، الذي هو موضوع هذا البحث.
وسوف أتكلم في هذا الأمر من خلال مطلبين:
المطلب الأول: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكونه واجباً اجتماعياً.
المطلب الثاني: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة.
стр. 562
المطلب الأول:أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكونه واجباً اجتماعياً
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للخلق من شعائر الإيمان التي تميز بها أهل الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم، فقد كانت مهمتهم الأمر بالمعروف من إقامة التوحيد وعبادة الله، وإقامة العدل والتزام الأخلاق الفاضلة، والنهي عن المنكر من الشرك والعصيان والظلم والإفساد في الأرض.
قال تعالى قاصاً ما قاله لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦] .
وكان حض نبينا ﷺ من هذه الوظيفة أكبر من غيره، حيث أمر أمته بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر.
стр. 563
قال ابن تيمية ﵀:"قوله تعالى في صفة نبينا محمد ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الأعراف:١٥٧] .هو بيان لكمال رسالته، فإنه ﷺ هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث"١.
فهو ﷺ أفضل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظمهم بركة على الناس، حيث دعا إلى كل معروف، ونهى عن كل منكر.
وهذا الأمر بعينه هو سر أفضلية أمته الذين ساروا على هداه، وتأسوا به في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة اجتماعية، يقوم بها كافة المؤمنين رجالاً ونساء، كل بحسب قدرته.
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] .
стр. 564
وقال الرسول ﷺ محملاً الأفراد مسئولية المجتمع: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "١، فهو من أهم وظائف مجتمع المؤمنين إذ مكنهم الله في الأرض، وإقامته لازمة لاستمرار التمكين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]
وعلى المجتمع أن يجند طائفة من أفراده للقيام بهذا الأمر والعناية به: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] .
وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة اجتماعية بقوله: "وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعداً فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر، وتناه عن أمر ... وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر به الله ورسوله، وينهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى إما بما يضاد
стр. 565
ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك ديناً كان ديناً مبتدعاً باطلاً"١.
وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: "ومن خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسؤولية إصلاح المجتمع بمعنى أن كل فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلب. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
ومن أعظم التعاون، التعاون على إصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مطالباً بإصلاح المجتمع، فمن البديهي أنه مطالب بعدم إفساده، قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] "٢.
فالمجتمع المسلم يتكاتف أفراده رجالاً ونساء ويتعاونون في مجال الإصلاح، ونشر الخير ومنع الفساد في الأرض، في مقابل المنافقين الذين يسعون إلى عكس ذلك.
قال تعالى واصفاً المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ