← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7266

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (325 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سبحانه، وتعالى. وفيه إشارة إلى كمال قدرته ، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء. ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد. وفي ذلك حث الخلق على سؤاله، وإنزال حوائجهم به. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت! ولكن ليعزم، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء" ١. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض؛ فإنه لم يغض ما في يمينه" ٢. وقوله: "لا يغيضها" أي: ينقصها، وقال أبو سعيد الخدري: إذا دعوتم الله؛ فارفعوا في المسألة، فإن ما عنده لا ينفده شيء، وإذا دعوتم؛ فاعزموا، فإن الله لا مستكره له. وقوله: "لم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِل البحر" المخيط، والخياط: ما يخاط به، وهي الإبرة، إذا الفعال، والمفعل، والمفعال من صيغ الآلات التي يفعل بها، كالمسعر، والحلاب، والميشار، وهو بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء. وقوله: "أدخل البحر" بصيغة المجهول، ونصب البحر على ثاني المفعول، وهذا التشبيه من باب تشبيه المفعول بالمحسوس للتفهيم، وقوله ذلك لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فإن البحر إذا غمست فيه إبرة، ثم أخرجت لم تنقص من البحر بذلك شيئًا، وكذلك لو فرض: أنه شرب منه عصفور مثلًا، فإنه لا ينقص من البحر البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى ﵉ هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله ، وذلك لأن البحر لا يزال تمده مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء؛ لأنه يمده ما هو أزيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها، فإنه لا ينقص، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢- ٣٣] وقد تبين في الحديث الذي خرَّجه الترمذي، وابن ماجه السب الذي لأجله

стр. 107

لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله: "ذلك بأني جواد، واجد، ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت إنما أقول له كُنْ، فيكون"١. وقال بعضهم في ذلك: لا تخضعنَّ لمخلوق على طمعٍ ... فإن ذلك مضرٌ منك بالدين واسترزق اللهَ مما في خزائنِه ... فإنَّما هي بين الكاف والنون لما بين الله ﷻ كمال قدرته، وتمام ملكه، وسعه نعمائه، وقوة نفوذه؛ أراد أن يبين لخلقه: أنه تعالى ذكره مع كونه موصوفًا بهذه الصفات الفائقة الحد، والحصر، فلا يترك لعبد من عباده عملًا من الأعمال قل، أو كثر، صغر، أو عظم خيرًا، أو شرًا إلا أحصاه، وكتبه عليه، ثم يرد عليه جزاء ذلك، ويوفيه له على حسبه تامًا لا ينقص منه شيئًا. قال الإمام العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية في شرح هذه الجملة: فبين: أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم الصالحة إحسانًا يستحق به الحمد؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها، والإرشاد إليها، والإعانة عليها، ثم إحصائها، ثم توفية جزائها، فكل ذلك فضل منه، وإحسان؛ إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة، وكان حقًا عليه نصر المؤمنين، كما تقدم بيانه؛ فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلًا، لا فضلًا؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض، واستحق المعاوضة، وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسن إليه، ولهذا لم يكن المتعوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئهما، وهو قد بين في الحديث: أن العباد لم يبلغوا ضره، فيضروه، ولن يبلغوا نفعه، فينفعوه، فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، بل هو الذي أحق الحق على نفسه بكلماته، فهو المحسن بالإحسان، وبإحقاقه، وكتابته على نفسه، فهو في كتابة الرحمة على نفسه، وإحقاقه نصر عباده المؤمنين، ونحو ذلك محسن إحسانًا مع إحسان، ليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي يتعين بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب فمن بين موجب على ربه بالمنع أن يكون محسنًا متفضلًا، ومن بين مسو بين عدله

стр. 108

وإحسانه، وما تنزه عنه من الظلم والعدوان، وجاعل الجميع نوعًا واحدًا، وكل ذلك حَيدٌ عن سنن الصراط المستقيم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وكما بين أنه محسن في الحسنات، متمٌ إحسانه بإحصائها، والجزاء عليها؛ بين أنه عادل في الجزاء على السيئات، فقال: "ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" كما تقدم بيانه في مثل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وعلى هذا الأصل استقرت الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس، عن النبي ﷺ أنه قال: " سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ١. ففي قوله: "أبوء لك بنعمتك علي" اعتراف بنعمته عليه في الحسنات، وغيرها. وقوله: "وأبوء بذنبي" اعتراف منه بأنه مذنب، ظالم لنفسه، وبهذا يصير العبد شكورًا لربه، مستغفرًا لذنبه، يستوجب مزيد الخير، وغفران الشر من الشكور والغفور الذي يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل. وقد ورد في إحصاء أعمال العباد وتوفيتهم إياها بالجزاء عليها آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] إلى غير ذلك. وقوله: "ثم أوفيكم إياها" الظاهر: أن المراد توفيتها يوم القيامة، كما قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ويحتمل أن المراد: يوفى عباده جزاء أعمالهم في الدنيا، والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقد روي عن النبي ﷺ : أنه فسَّر ذلك بأن

стр. 109

المؤمنين يجازون بسيائتهم في الدنيا، وتدخر لهم حسناتهم في الآخرة، فيوفون أجورهم، وأما الكافر: فإنه يعجَّل له في الدنيا ثواب حسناته، وتدَّخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة، ويوفيه جزاءها من خير، أو شر، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله عنه، والخير تضاعف الحسنة عنه بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] أفاده الحافظ ابن رجب. وقله: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" أي: فمن وجد ما يثاب عليه من الخير فليحمد الله تعالى على توفيقه لطاعته، وليعلم أنه من فضل الله ورحمته، ومن وجد غير ذلك الخير -وهو الشر- أو ما لا ثواب عليه؛ فلا يلومن إلا نفسه ولذا ورد: "ليس بتحسر أهل الجنة يوم القيامة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها" ١، فمن وجد غير محض الخير، ولو لم يكن صريح الشر؛ ينبغي أن يلوم نفسه في مقام المراقبة، وحال المحاسبة، ولذا قال الشيخ البستي: زيادةُ المرءِ في دنياه نقصان ... وربحُه غير محضِ الخير خُسران فلا يلومن إلا نفسه لبقائها على الظلمة الأصلية لها، فآثرت شهواتها، ومستلذاتها على رضا خالقها، ورازقها، فكفرت بنعمه، ولم تذعن لحكمه، فاستحقت أن يعاملها ربها بمقتضى عدله، وأن يحرمها من أيادي كرمه وفضله. ففي الحديث إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده من غير استحقاق، والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه، كما قال : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فالله إذا أراد توفيق عبد، وهدايته أعانه، ووفقه لطاعته، وكان ذلك فضلاً منه ورحمة؛ وإذا أراد خذلان عبد وكَّله إلى نفسه، وخلى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله فاتبع هواه، وكان أمره فرطًا. وكان ذلك عدلًا منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل ... إلخ. وقوله: "فمن وجد خيرًا.. إلخ" يحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة. أما الأول فيكون حينئذ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاء

стр. 110

الأعمال الصالحة الذي عجَّل له في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء؛ رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة، والاستغفار. روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن المؤمن إذا أصابه سقم، ثم عافاه الله منه؛ كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره. وإن المنافق إذا مرض، وعُوفي؛ كان كالبعير عقله أهله، وأطلقوه، لا يدري بما عقلوه، ولا بما أطلقوه" ١. وإن كان المراد الثاني كان إخبارًا منه بأن الذي يجدون الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك، وأن من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه حين لا ينفعه اللوم، فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخير، كقوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". والمعنى: أن الكاذب عليه ﷺ يبتوأ مقعده من النار. وفي هذا الباب آيات، وأحاديث كثيرة في هذا المعنى، وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد. والله أعلم.

стр. 111

شرح حديث: إني لأهم بأهل الأرض عذابا ... ٤٩- "إني لأهم بأهل الأرض عذابًا، فإذا نظرت إلى عمَّار بيوتي، والمستغفرين بالأسحار؛ صرفت عذابي عنهم" ١. رواه البيهقي عن أنس. ش- عمار البيوت تقدم الكلام عليه قبل، وهم المصلون في المساجد، المحافظون على الصلوات في الجماعات. والأسحار: وقت السحر، وهو اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار. والمعنى: أن الله ليعزم بتعذيب المخالفين من أهل الأرض بسب ما ارتكبوه من الآثام والمعاصي، فينظر إلى المصلي، وعمار

стр. 112

بيوته، والمستغفرين وقت السَّحر فيحمله على العفو، فيصرف عذابه عنهم إكرامًا للمطيعين تفضلًا منه، وإحسانًا.

стр. 113

شرح حديث إني لأستحي من عبدي وأمتي ... ٥٠- " إني لأستحي من عبدي وأَمَتِي يشيبان في الإسلام، فتشيب لحية عبدي، ورأس أمتي في الإسلام، أعذبهما في النار بعد ذلك" ١. رواه أبو يعلى عنه. ش- الشيب: ابيضاض في الشعر المسود. والمراد به هنا -والله أعلم-: بلوغ سن الكبر؛ لأن الإنسان قد يشيب وهو حدث السن، وليس مرادًا هنا. والأمة: المرأة. والمعنى: أن الله يستحي أن يعذب عبده، وأمته إذا شابا في الإسلام، فكيف لا يستحي العبد والأمة أن يعصيا الله وهما على هذه الحالة؟! ففيه توبيخ، واستنكار فعل من هذا حاله. وذكر المدني في كتابه حديثًا آخر، ولفظه: "وعزتي وجلالي، وجودي، وفاقه خلقي، وارتفاعي، وعز مكاني لأستحيي من عبدي، وأمتي يشيبان في الإسلام" ثم بكى رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: "أبكي ممن يستحي الله منه، ولا يستحي من الله" أخرجه ابن حبان في الضعفاء، والبيهقي في الزهد. والرافعي عن أنس، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات. والله أعلم.

стр. 114

شرح حديث: إني لست على كل كلام الحكيم أقبل ... ٥١- "إني لست على كل كلم الحكيم أقبل، ولكن أقبل على همه، وهواه فيما يحب الله ويرضى، جعلت حكمته حمدًا لله ووقارًا وإن لم يتكلم"١. رواه ابن النجار عن المهاجر بن حبيب. ش- الحكيم: قال صاحب النهاية: فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء، ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل. وقيل: الحكيم: ذو الحكمة، والحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات،

стр. 115

ويتقنها: حكيم. انتهى. وقيل: الحكمة عبارة تفيد أدبًا أو عظةً، أو تجري مجرى المثل. والهوى: مصدر هواه: أحبه، وشرعًا: ميل النفس إلى مشتهيات الطبع دون مقتضيات الشرع. والوقار -بفتح الواو-: الحلم، والرزانة، والعظمة. والمعنى: أن الله لا يقبل على كل كلام الحكيم؛ لأن فيه ما يكون تبعًا لهواه وحظه، وما يكون تبعًا لمرضاة الله جل ذكره وأمره فالله يقبل على كلامه؛ إذا كان همه وهواه فيما يحبه الله، ويرضاه. وزيادة على ذلك: فإن الله تباركت أسماؤه يجعل حكمته حمد الله، ويزينه بالوقار، والعظمة، والهيبة. وإن لم يتكلم بالحكمة، وهذا دليل على أن الإنسان مهما اتصف بالكمال، والعقل، والأدب، والحكمة، وغير ذلك من الصفات الحميدة لا تحليه، وتزينه، وتورثه عظمة، وحلمًا، وعظة إلا إذا كان يميل إلى ما يحبه الله جل اسمه؛ بأن يفعل المأمورات، ويجتنب المنهيات، ويتبع الرسل في كل ما جاء من الأحكام، والآداب، والأخلاق، ولذلك ورد في الحديث عن الرسول ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" ١. ولا شك أن المؤمن كامل الإيمان لا يكون هواه إلا تبعًا لما جاء به الدين الحنيف. ولذلك كانت الصحابة رضوان الله عليهم أفضل الخلق لما خصوا بالمزايا والصفات الكاملة، أعلاها: الميل إلى ما جاءت به الشريعة السمحة؛ التي ليلها كنهارها في الإضاءة، والوضوح، كان أحدهم يقاتل أباه، وابنه وهو في صف المؤمنين، وهما في حيز الكافرين المشركين، بذلوا ﵃ في طريقه مهجهم، وأنفقوا أموالهم، فطوبى لهم! فمن كان الهوى -وهو الباطل- المطاع المحبوب الاتباع تابعًا لطرق الهدى من الملة البيضاء، والسنة الزهراء حتى تصير همومه المختلفة، وخواطره المتفرقة؛ التي تنبعث من هوى النفس، وميل الطبع هما واحدًا، يتعلق بأمر ربه، واتباع شرعه؛ تعظيمًا لحقه، وشفقة على خلقه، كما قيل: كانت لقلبي أهواءٌ مفرقةٌ ... فاستجمعت إذ رأتك العينُ أهوائي وصار يحسُدني من كنت أحسدُهم ... وصرتُ مولى الورى إذ صرت مولائي تركت للخلقِ دنياهم ودينَهم ... شغلًا بحبك يا ديني ودنيائي

стр. 116

فلا يميل إلا بأمر الشَّرع، ولا يهوى إلا حكم الطبع، فهو المؤمن الكامل الوحيد الذي يقبل منه التوحيد. ومن أعرض عنه متبعًا لهواه، مبتغيًا لرضاه؛ فهو الكافر الخاسر في دنياه، وعقباه، ومن اتبع أصول الشريعة دون فروعها؛ فهو الفاسق، ومن عكس؛ فهو المنافق، والله أسال هداية الأمم أجمع إلى اتباع الدين الإسلامي، والأخذ بمبادئه والتحلي بمحاسنه! قال الحافظ زين الدين بن رجب: فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وكذلك البدع: إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها: أهل الأهواء، وكذلك المعاصي: إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه، كذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ ، فيجب على المؤمن محبة الله، ومحبة من يحبه الله من الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين عمومًا، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وتحريم موالاة أعداء الله وما يكره الله عمومًا. والله أعلم.

стр. 117

شرح حديث: إني والجن والإنس في نبأ عظيم ... ٥٢- " إني والجن والإنس في نبأٍ عظيمٍ، أخلق، ويُعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري" ١. رواه البيهقي، والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء. ش-أصل الجن- بفتح الأول-: ستر الشيء عن الحاسة. يقال: جنة الليل، وأجنة، وجن عليه، فجنه، وأجنه: جعل له ما يجنه، كقولك: قبرته، وأقبرته، وسقيته، وأسقيته، وجن عليه كذا: ستر عليه. قال الراغب: والجن -بكسر أوله- يقال على وجهين؛ أحدهما: للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة، والشياطين، فكل ملائكة جن، وليس كل جن ملائكة، وعلى هذا قال أبو صالح: الملائكة كلها جن. وقيل: بل الجن بعض الروحانيين، وذلك أن

стр. 118

الروحانيين ثلاثة: أخيار: وهم الملائكة، وأشرار: وهم الشياطين، وأوساط: فيهم أخيار، وأشرار وهم الجن، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] إلى قوله : ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤] . والإنس: البشر، أو خلاف الجن والملك، وسمي الإنسان بذلك؛ لأنه خلق خلقه لا قوام له إلا بأنس بعضهم ببعض، ولهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع حيث إنه لا قوام لبعضهم إلا ببعض ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه عهد إليه فنسى. والنبأ: خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي ﷺ ، ولتضمن النبأ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا، كقوله: أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا، قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧-٦٨] وقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] والله أعلم. أفاده الراغب. ولامعنى: أن الله ﷻ مع خلقه من إنس وجن في نبأ وخير عظيم، وعجب عجبًا، فالله يخلق الخلق من عباد، وجماد، وشجر، وحيوان ويقدر لهم الآجال والأرزاق، ويعبدون غيره من صنم، ووثن، وحجر، ونار، وشمس، وقمر، وهوى، وشيطان، يسدي نعمه على خلقه، ويشكرون غيره، ولا ينظرون إلى نعمائه. إن هذا العمل لفعل مستبعد عند العقلاء، ومنكر فظيع عند أهل الذكاء، فهل يليق بعاقل أن يمرح في نعماء مولاه ولا يعبده، وهل يستحسن ممن عرف يمينه من شماله، وميز بينهما أن يرتفع في رزق الله جل ثناؤه ولا يشكره، بل يشكر غيره، إن هذا لبهتان عظيم. وقوله: "رواه البيهقي.. إلخ" البيهقي: هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، الذي قيل في وصفه: ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه غير البيهقي؛ فإن له المنة والفضل على الشافعي لكثرة تصانيفه في نصرة مذهبه، وبسط موجزه، وتأييد آرائه، توفي رحمه الله تعالى سة ٤٥٨هـ. والحاكم: هو الإمام الحافظ المحيط بالسنة أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حمدوية بن الضبي الطهماني النيسابوري الشهير بالحكم، ويعرف بابن البيّع، وهو من المؤلفين العظام، له المستدرك، وتاريخ نيسابور، والإكليل، والأمالي، وغير ذلك من نفائس الكتب، أخذ العلم عن ألفي شيخ توفي سنة ٤٠٥هـ. والديلمي: نسبة إلى ديلم، وهي بلاد معروفة، وهو الإمام الحافظ شهردار بن

стр. 119

شيرويه الهمذاني المتوفى سنة ٥٥٨هـ قال الحافظ عبد الرؤوف المناوي في شرحه الجامع الصغير -مسند الفردوس المسمى بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب-: والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي، ألفه محذوف الأسانيد، مرتبًا على الحروف؛ ليسهل حفظه، وأعلم بإزائها بالحروف للمخرجين، ومسنده لولده سيد الحفاظ أبي منصور بن شيرويه خرج مسند كل حديث تحته، وسماه: إبانة الشبه في معرفة كيفية الوقوف على ما في كتاب الفردوس من علامات الحروف. انتهى. وابن عساكر: هو الإمام الحافظ الكبير فخر الأمة ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الشافعي، صاحب التصانيف المفيدة النافعة، كتاريخ دمشق، والأطراف، المتوفى سنة ٥٧١هـ.

стр. 120

شرح حديث: أنا الرحمن خلقت الرحم ... ٥٣- "أنا الرحمن خلقت الرَّحم، وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها، وصلته، ومن قطعها، قطعته، ومن ثبَّتها، ثبَّته، إن رحمتي سبقت غضبي". رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن ابن عوف١: والحاكم، والخرائطي، والخطيب، عن أبي هريرة٢. ش- الرحم -بفتح الراء وكسر الحاء المهملة-: يطلق على الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا، سواء كان ذا محرم أم لا، وقيل: هم المحارم فقط، والأول هو المرجع؛ لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام، وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام؛ وليس كذلك. ووصل الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار،

стр. 121

والتعطُّف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا، أو أساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك كله، يقال: وصل رحمه، يصلها، وصلًا، وصِلةً، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر، ومعنى شققت لها اسمًا من اسمي: أي: أخرجت، وأخذت لها اسمًا من اسمي الرحمن، فلها به علقة. وقوله: "ومن ثبتها ثبته" هو من التثبيت، وهو بمعنى وصلها، وفيه تكرار مع ما قبله، وفي نسخة: "ومن بتها" بالباء الموحدة، من البت، وهو القطع، وهي موافقة لما في كتاب الإتحافات السنية للمدني. والله أعلم. ففي الحديث تعظيم أمر صلة الرحم، والعطف عليهم، وتفقد أحوالهم، وكل شخص بحسب ما يليق بحاله. قال القرطبي: الرحم التي توصل عامة وخاصة، فالعامة: رحم الدين. وتجب مواصلتها بالتوادد، والتناصح، والعدل، والإنصاف، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. وأما الرحم الخاصة: فتزيد النفقة على القريب، وتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، وتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك. قال الإمام الحافظ ابن أبي جمرة١: تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارًا، أو فجارًا؛ فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسب تخلفهم عن الحق، ولا تسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب، أو يعودوا إلى الطريق المثلى. والله أعلم. وقد جاء في كثير من الأحاديث أن صلة الأرحام من أفضل الأعمال، منها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي ﷺ قال: "أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك" ٢ وروي

стр. 122

الحاكم من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عقبة! ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" ١. وقول المصنف: رواه أحمد، والبخاري؛ أي: رواه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد، وعزا هذا الحديث الحافظ ابن حجر في الفتح إلى أصحاب السنن. وأحمد رحمه الله تعالى: هو الإمام الحافظ، الورع، الزاهد، المجتهد، رأس أهل السنة والجماعة، ومؤسس المذهب الحنبلي، من أجمعت الأمة على جلالته، وأمانته، وحفظه، وإتقانه، شيخ الإسلام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، المتوفى سنة ٢٤١هـ. وقوله: "البخاري": هو الإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث، وقائد علمه، من أجمعت الأئمة على توثيقه، وأمانته، وتبحره، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي المتوفى سنة ٢٥٦ هـ وأغلب ما يعزى إليه في هذا الكتاب هو إلى صحيحه وجامعه. وأبو داود: هو الإمام الورع، المتقن، الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب السنن، المتوفى سنة ٢٧٥هـ. وابن حبان: هو الإمام الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي، صاحب التصانيف العظيمة، المتوفى سنة ٣٥٤هـ. والخرائطي: هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر السائي، المتوفى سنة ٣٣٧هـ وكتابه هذا الذي روى فيه هذا الحديث اسمه: مساوئ الأخلاق، نص على ذلك محمد المدني في كتاه. والخطيب: هو الإمام، الحافظ، المصنف، المؤرخ، محدِّث الشام والعراق

стр. 123

أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، المتوفى سنة ٣٦٤هـ.

стр. 124

شرح حديث: أنا الله خلقت العباد بعلمي ... ٥٤- "أنا الله، خلقت العباد بعلمي، فمن أردت به خيرًا؛ منحته خُلُقًا حسنًا، ومن أردت به سوءًا؛ منحته خلقًا سيئًا" ١. رواه أبو الشيخ عن ابن عمر. ش- الخُلق- بضم الخاء المعجمة، وضم اللام-: السجية، والعادة، والطبيعة، والدين، والمروءة، وجمعه: أخلاق. قال صاحب النهاية: وحقيقته: أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة، وأوصافها، ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة. والثواب، والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولذا تكررت الأحاديث في مدح حُسن الخلق في غير موضع، كقوله ﷺ : "أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق" ٢ وقوله: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٣ وقوله: "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم، القائم" ٤ وقوله: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ٥ وأحاديث من هذا النوع كثيرة. وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة، وفي حديث عائشة: "كان ﷺ خلقه القرآن" ٦ أي: كان متمسكًا

стр. 125

بآدابه، وأوامره، ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم، والمحاسن، والألطاف، وفي حديث عمر: من تخلَّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله. أي: تكلف أن يظهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه، مثل: تصنع، وتجمل: إذا أظهر الصنيع، والجميل. وقد رُوي عن السلف في تفسير حسن الخلق أقوال نسأل الله تعالى أن يكمل أخلاقنا به، رُوي عن الحسن أنه قال: حسن الخلق: الكرم، والبذلة، والاحتمال. وعن الشعبي١ قال: حُسن الخلق: البذلة. والعطية. والبشر الحسن. وكان الشعبي ﵁ كذلك، وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، وسُئِل سلام بن أبي مطيع٢ عن حسن الخلق، فأنشد شعرًا: تراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائلهُ ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائلُه هو البحرُ من أي النواحي أتيته ... فلُجَّتُه المعروف والجود ساحلُه وقال الإمام أحمد: حُسن الخلق ألا تغضب، ولا تحقد، وعنه: أنه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس، وقال إسحاق بن راهوية٣:هو بسط الوجه،

стр. 126

وألا تغضب، ونحو ذلك، قال محمد بن نصر١: وقال بعض أهل العلم: حُسن الخلق: كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة، والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزَّالين إلا تأديبًا، وإقامة الحد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا تغيير، منكر وأخذًا بمظلمة المظلوم من غير تعد. وقوله: "منحته" أي: أعطيته، والمعنى أن الله ﷻ يخبرنا: أنه تعالى خلق الخلق بعلمه، لا يعزُب عن علمه شيء -في السموات ولا في الأرض- فمن أراد به خيرًا من الناس؛ منحه، وأعطاه خلقًا حسنًا، فيستعمل خلقه الحسن في معاملاته بينه وبين إخوانه المخلوقين، فلا يوصل إليهم أذى، بل يسعى لمنفعتهم أينما وُجدوا، وحيث كانوا، ومن أراد الله به سوءًا؛ منحه، وأعطاه خلقًا سيئًا، فيستعمله بينه وبين المخلوقات، فتصدر عنه المساوئ، والنقائص، والإضرار بالناس، فتجد غالب أفعاله، وأكثر عمله في غير منفعة وثمرة مفيدة. أرجو الله أن يهدينا لطرق السداد، ويسهل لنا مناهج الخير والفلاح. وقوله: "رواه أبو الشيخ" هو الإمام حافظ أصبهان، ومسند زمانه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان -بالحاء المهملة والياء التحتية- الأنصاري، صاحب المصنفات النافعة، ويُعرف بأبي الشيخ، المتوفى سنة ٣٦٩هـ، وهو غير ابن حبان-بالباء الموحدة.

стр. 127

شرح حديث: أن الله، لا إلا أنا ... ٥٥- "أنَا الله، لا إله إلا أنا، خلقت الشر، وقدَّرته، فويل لمن خلقت له الشر، وأجريت الشر على يديه" ١. رواه ابن النجار عن أبي أمامة.

стр. 128

ش- الشُّر: السوء، والفساد، والظلم، والجمع: شرور، ومقابله الخير. قال الراغب الأصفهاني: الشر الذي يرغب عنه الكل، كما أن الخير هوالذي يرغب فيه الكل، كالعقل مثلًا، والعدل، والفضل، والشيء النافع، وقال العلامة أبو بكر بن قيم الجوزيه: الشر يُقَال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك، فالشرور هي الآلام، وأسبابها، فالمعاصي، والكفر، والشرك، وأنواع الظلم هي شرور؛ وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض، ولذَّة، لكنها شرور؛ لأنها أسباب الآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائرالأسباب إلى مسبباتها، فترتب الألم عليها، كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها، ولا بد ما لم يمنع السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظمة الحسنات الماضية، وكثرتها، فيزيد في كميتها، وكيفيتها على أسباب العذاب، فيدفع الأقوى للأضعف، وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة، والمرض، وأسباب الضعف، والقوة. والشر يضاف إلى الله جل ذكره إيجادًا، وخلقًا لا فعلًا، وصفةً. وإلى الخلق فعلًا، وصفة، لا خلقًا وإيجادًا، والشر مسند إلى المخلوق المفعول، لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه، فإنه لا شر فيه بوجه ما، فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته ﵎، فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق، والجلال التام، ولا عيب فيها، ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيا أصلًا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتقَّ له منه اسمًا ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم، تعالى وتقدس عن ذلك. وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هوخيرمحض؛ إذ هو محض العدل، والحكمة، وإنما يكون شرًا بالنسبة إليهم، فالشروقع في تعلقه بهم، وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى. ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة، فإنه خالق الخير، والشر، ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال؛ أحدهما: أن ما هو شر، أو متضمن

стр. 129

للشر، فإنه لا يكون إلا مفعولًا منفصلًا لا يكون وصفًا له، ولا فعلًا من أفعاله. والثاني: أن كونه شرًا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب، وتكوينه به، وشرمن جهة نسبته إلى من هو شر في حقه، فله وجهان، وهو من أحدهما خير، وهوالوجه الذي نسب منه إلى الخالق خلقًا وتكوينًا ومشيئة لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها، فضلاً عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه الغني الحميد. وفاعل الشرلا يفعله لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده، فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلًا، وإن كان هو الخالق للخير والشر، فقد عرفت أن كونه شرًا هو أمر إضافي، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه، ومبدعه، فلا تغفل عن هذا الموضوع؛ فإنه يفتح لك بابًا عظيمًا من معرفة الرب، ومحبته، ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. انتهى. وانظر إلى كلام صاحب الشريعة الغراء صلوات الله وسلامه عليه، كيف نزه ربه ومولاه عن ذلك! بقوله: "لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك" ١ قال العلامة أبو السعادات الحافظ مجد الدين بن الأثير٢ في هذا الحديث: وهذا الكلام إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى، وأن تُضاف إليه محاسن الأشياء دون مساويها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته وإثباته لها، فإن هذا في الدعاء مندوب إليه، يقال: يا رب السماء والأرض، ولا يقال يا رب الكلاب والخنازير وإن كان هو ربها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] اهـ. وقوله: "وقدرته" من التقدير، وهو الحكم من الله بأن يكون كذا، أو لا يكون كذا، والقدر بفتح الدال وإسكانها لغتان مشهورتان، حكاهما ابن قتيبة عن

стр. 130

الكسائي، وقالهما غيره، وهو اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، يُقال: قدرت الشيء، وقدرته-بالتخفيف والتثقيل- بمعنى واحد. قال الإمام العلامة محيي الدين النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم: واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: أن الله ﵎ قدَّرالأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها . وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم -إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها- وكذبوا على الله وجل عن أقوالهم الباطلة علوًا كبيرًا، وسُمِّيت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله والسر من غيره، تعالى الله عن قولهم. والله أعلم. واعلم: أن العبد وإن كان في الواقع مقدرًا عليه فعل المعصية، ولا بدَّ من وقوعه البتة إلا أنه لم يفعله ولم يقدم على فعله إنجازًا لذلك، وامتثالًا لما قدر عليه، بل فعل ذلك مختارًا، ظاهرًا، ميالًا لما تهواه نفسه وشهواته، لذلك كان مسؤولًا عنه، معاقبًا عليه. قال العلامة أبو بكر بن قيم في "فوائده": رُبَّ ذو إرادة أمر عبدًا ذا إرادة، فإن وفقه، وأراد من نفسه أن يعينه، ويلهمه؛ فعل ما أمر به، وإن خذله، وخلاه وإرادته ونفسه من هذه الحيثية لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعه، فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك، ولذلك ذمة الله تعالى في كتابه من هذه الحيثية، ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحيثية، وهو كونه مسلمًا، ومؤمنًا، وصابرًا، ومحسنًا، وشكورًا، وتقيًا، وبرًا، ونحو ذلك وهذا أمر زائد على مجرد كونه إنسانًا، وإرداته صالحة، ولكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيد بقدرٍ زائدٍ على ذلك، وهو التوفيق، كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عليها. وقوله: "فويل" قال الأصمعي١: ويل: قبح، وقد يستعمل عن التحسر، ومن

стр. 131

قال: ويل وادٍ في جهنم؛ فإنه لم يرد أن ويلًا في اللغة هو موضع لهذا، وإنما أراد: من قال الله تعالى ذلك فيه؛ فقد استحق مقرًا من النار، وثبت ذلك له. وقوله: "وأجريت الشر على يديه" أي: أظهرته على يديه. وقوله: "رواه ق" القاف إشارة إلى البيهقي، وقد تقدمت ترجمته قريباً. والله أعلم.

стр. 132

شرح حديث: أنا الله، لا إله إلا أنا، مالك الملك ... ٥٦- "أنا الله، لا إله إلا أنا، مالك الملك، ومليك الملوك، قلوب الملوك في يدي، وإن العباد إذا أطاعوني؛ حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة، والرحمة، وإن العباد إذا عصوني؛ حوَّلت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلو أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر، والتقرب؛ أكفكم ملوككم" ١. رواه الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء. ش- قوله: "مالك الملك" وفي نسخة المدني: "ملك الملك" وهو تحريف، قال العلامة شهاب الدين الآلوسي٢ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الملك: بالضم-على ما ذكره بعض أئمة التحقيق نسبة بين من قام به ومن تعلق، وإن شئت قلت: صفة قائمة بذاته، متعلقة بالغير تعلق التصرف التام المقتضي استغناء المتصرف، وافتقار المتصرف فيه، ولهذا لم يصح على الإطلاق إلا الله تعالى جدُّه، وهو أخص من المِلك-بالكسر؛ لأنه تعلق باستيلاءٍ مع ضبط وتمكن من التصرف في الموضوع اللغوي وبزيادة كونه حقاً في الشرع من غير نظر إلى استغناء، وافتقار، فمالك الملك: هو الملك الحقيقي المتصرف بما شاء، كيف شاء، إيجادًا، وإعدامًا، إحياء وإماتة، وتعذيبًا، وإثابة من غير مشارك، ولا ممانع، ولهذا لا ُيقال: مالك الملك إلا على ضرب من التجوز. وحمل الملك على هذا المعنى أوفق بمقام

стр. 133

المدح. انتهى. والملك -بفتح الميم وكسر اللام وتخفف-: من تولى السلطة. وجمعه: ملوك. وقوله "حولت" بالحاء المهملة؛ أي: غيرت، وحركت، والسخط - بفتح السين وضمها-: الغضب الشديد المقتضي للعقوبة. والنقمة -بكسر النون-: العقوبة. والسوم: أصله الذهاب لطلب، ويستعمل الذاب وحده تارة، ومنه السائمة، وللطلب أخرى، ومنه: السوم في البيع، ويقال: سامه: كلفه العمل الشاق، والسوء: مصدر ساء، يسوء يراد به السيء، ويستعمل في كل ما يقبح، كأعوذ بالله تعالى من سوء الخلق، وسوء العذاب: أفظعه، وأشده بالنسبة إلى سائره. والمعنى: أن الله تباركت أسماؤه، وتنزهت صفاته يخبرنا أنه مالك الملك، ومالك الملوك، ليس لأحد تصرف في الحقيقة، وإنما المتصرف في الملك والملكوت هو الله وحده، فإذا سكنت الرعية إلى ما جاءت به الأنبياء، وعملوا بقوانين الشريعة، وتمسكوا بمبادئها، وأظهروا العدل والمساواة، فرحم الكبير الصغير، ووفر الصغير الكبير، ووصلوا الأرحام، وأعانوا المظلومين على خصومهم، وضربوا على أيدي الظالمين بسياط من حديد حتى يفيؤوا إلى الحق، ويتوبوا، وينوبوا إلى الله جل ذكره، فإذا فعلوا ذلك؛ حركت قلوب ملوكهم عليهم، وهديتها، ووفقتها للعطف على الرعية، والرحمة بعبادي الصالحين المطيعين، فلا يرى الملك، أو السلطان له لذة إلا السهر على رعيته، والنظر في مصالحهم، ومنافعهم، والأمن على أرواحهم وأموالهم، ويراقب العدو، ويستعد له، ولا يغفل عنه، فهمه راحة الرعية، واطمئنانها، وإن العباد إذا عصوا الله تعالى، وخالفوا سنن رسله وأنبيائه، وعبثوا بالأحكام، وأظهروا الفسوق، والفواحش، وتعاملوا بالربا، وفشا الزنى، وحقر صغيرهم كبيرهم، وترك علماؤهم الوعظ، والتذكير، وصار أكبر همهم جمع الأموال التي هي حطام الدنيا، وغفلوا عن مصيرهمم، ومآلهم، حَّرك الله عليهم قلوب ملوكهم بالغضب عليهم، والتنكيل بهم، فلا يلذ لملكهم إلا ما يؤذيهم، ويضر بمصالحهم ومنافعهم، كما أخبر الله تعالى في القرآن الحكيم بقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ "البقرة: ٤٩" وإذا علموا عبادي ذلك - أي: أن كل شيء من حركة، وسكون بيدي، وكل ما يقع في ملكي فأنا المتصرف فيه، المنفرد بخلقه، وإيجاده، لا يشاركني أحد فيه، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على

стр. 134

الملوك إذا فعلوا ذلك بكم من سيئات الأعمال، وقبائح الأقوال، والتنكيل بكم، وهضم حقوقكم، واستيلاء قويكم على ضعيفكم، والاستبداد بكم، وحبس حريتكم، وغصب أموالكم؛ لأنه لا ينفعكم الدعاء، ولا ينصركم ربُّ الأرض والسماء؛ لأنه لا فعل لملككم، وسلطانكم أو لا قدرة له على ذلك حقيقة، بل أنا الله الذي أقدرته على ذلك، وسلطته عليكم بحسب أعمالكم السيئة، ومخالفتكم لأحكامي وخروجكم على أمنائي، وعدم امتثالكم قوانين شرعي، وأخذكم بسنن أنبيائي. والذي ينفعكم، ويدفع عنكم ما أنتم فيه؛ هو الإنابة إلي، والتوبة ممااقترفتموه من الذنوب والمعاصي، وإخلاص نياتكم في أعمالكم، ورد المظالم إلى أهلها، وإطاعه أنبيائكم، وامتثال أوامر علمائكم أهل التقوى والصلاح، وتشييد دعائم شريعتكم بإظهارها، والعمل بأحكامها، وعدم شغل أنفسكم بما لا يعنيكم، بل اشغلوا أنفسكم بالذكر الكثير الوارد عن النبي ﷺ ، الثابت بالأحاديث الصحيحة، دون أوراد المشايخ أرباب الطرق القاطعة. يعني: وتقربوا إلي بالأعمال الصالحات؛ أكفكم ملوككم السوء، وأعصمكم من العدو، وأغدق عليكم الخيرات والأرزاق، وأوفقكم للمبرات، وأبارك لكم في الأولاد والأموال. وإذا عرفت هذا تعلم أن ما حصل للمسلمين من التقهقر، والانحطاط في جميع الحالات إنما هو بسبب ما وقع منهم من المخالفات، وتقليد الأوربيين في مساويهم من الشرور، والفسوق، والخلاعة، وحروجهم عن أحكام شريعتهم الغرَّاء، وعدم تأسيهم بسيد الأنبياء والأولياء، وإظهار محاسن دينهم القويم، وكله حسن لا سيء فيه على الإطلاق كما هو ظاهر في القرآن الحكيم وسنن من بالمؤمنين رؤوف رحيم، اللهم اهد أمراءنا، وعلماءنا، ووفقهم لما يرضيك يا رب العالمين! وقوله: "رواه الطبراني" هو الإمام الحافظ، الحجة، المتقن، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير الشامي، اللَّخمي، الطبراني، المتوفى سنة"٣٦٠"هـ. وقوله: "في الأوسط" هو اسم كتاب له في الحديث يسمى المعجم الأوسط، وله المعجم الكبير، والصغير، والأخير طبع في الهند سنة "١٣١١"هـ، وانظر الكلام على المعاجم في كتاب النموذج صفحة ٥٠٥

стр. 135

شرح حديث: أنا العزيز، من أراد عز الدارين ... ٥٧- "أنا العزيز، من أراد عِزَّ الدارين؛ فليطع العزيز"١. رواه الخطيب البغدادي عن أنس. ش- العزيز: مِن عزَّ الشيء، يعز بكسر العين- أي: لا مثيل له، ولا نظير، من عزَّ الطعام في البلد: إذا تعذر وجوده عند الطلب "أو من عز يعز - بضم العين - بمعنى الغالب الذي لا يغلب، ويقهر، ولا يقهر، أو من عز يعز - بفتح العين -: إذا اشتد وقوي. أو يكون عزيز بمعنى المعز، فعيل بمعنى مفعل، كالأليم بمعنى المؤلم، والوجيع بمعنى الموجع، وعلى الأول فلفظ العزيز يرجع إلى التنزيه، والثاني، والثالث إلى صفة من صفات الذات، وهي: القدرة، والرابع إلى صفات الفعل. ومنه: العِزة، وهي حالة مانعة للإنسان من أن يغلب. ومدح الله بالعزة تارة وذم بها تارة أخرى. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "المنافقون:٨" وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ "الصافات: ١٨٠" ومن الثاني قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ "ص:٢" وبيان ذلك: أن العزة التي هي لله جل وعلا، ولرسوله ﷺ ، وللمؤمنين رضوان الله عليهم هي الدائمة الباقية؛ التي هي العزة الحقيقة. والعزة التي هي للكافرين، والمخالفين هي التعزز، وهو في الحقيقة ذل، كما قال عليه الصلة والسلام: "كلُّ عزٍّ ليس بالله فهو ذل". قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "المقصد الأسني" شرح أسماء الله الحسنى: العزيز: هو الذي يقل وجود مثله، وتشتدُّ الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة فيه لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شيء يقل وجوده ولكن لا يحتاج إليه فلا يسمى عزيزًا، وقد يكون بحيث لا مثل له ويحتاج إليه جدًا، ولكن يسهل الوصول إليه فلا يسمى عزيزًا، كالشمس، فإنه لا مثل لها، والانتفاع بها المعاني الثلاثة في شيء فهو العزيز؛ ثم في كل واحد من هذه المعاني الثلاثة كمال

стр. 136

ونقصان، فالكمال في قلة الوجود: أنه يرجع إلى واحدة؛ إذ لا أقل من الواحد، ويكون بحيث يستحيل وجود مثله، وليس هذا إلا لله، فإن الشمس وإن كانت واحدة في الوجود ولكنها ليست واحدة في الإمكان؛ لأنه لا يمكن وجود مثلها. وأما كونه منتفعًا به، فالكمال فيه أن يكون جميع المنافع حاصلة منه، ولا يحصل من غيره، وما ذاك إلا لله ، فإنه هو المبدئ لوجود جميع الممكنات، فإنه سبحانه هو الذي يحتاج إليه كل شيء في ذاته، وصفاته، وبقائه. أما صعوبة الوصول إليه؛ فالكمال فيه هو ألا يكون لأحد قدرة عليه، وتكون قدرته على الكل حاصلة، والحق كذلك؛ لأنه لا سبيل للعقول إلى الإحاطة بكنه صمدتيه، ولا سبيل للأبصار إلى الإحاطة بعظيم جلالة، ولا سبيل لأحد من الخلق إلى القيام بشكر آلائه ونعمائه، فثبت أن كمال هذه الصفات حاصلة لله لا لغيره، فوجب القطع بأنه هو العزيز المطلق. والله أعلم. والمعنى: أن الله جل ذكره يخبر أنه العزيز الغالب، الذي لا يغلبه أحد، ولا يقهره شيء، بل هو القاهر فوق عباده، يفعل ما يشاء، ومن أراد من عباده عِزَّ الحياة الدنيا والآخرة؛ فليطعه يكن عزيزًا قويًا غالبًا، وذلك بأن يجتنب المنهيات، ويفعل المأمورات، ولا يقول إلا خيرًا. اللهم وفقنا لذلك، واهدِ العصاة من عبيدك يا رب!

стр. 137

شرح حديث: أنا أغني الشركاء عن الشرك ... ٥٨- " أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري؛ فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" ١. رواه مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة

стр. 138

شرح حديث: أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا ... ٥٩- "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه". رواه مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة ش- الغني-بكسر الغين المعجمة مقصورًا- يُقال على أضرب، أحدها: عدم الحاجات، والفاعل منه: هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه هو الغني المطلق، ولا يشارك الله فيه غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] والثاني: قلة الحاجات، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا

стр. 139

فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] وذلك هو المذكور في قوله ﵊: "الغنى غنى النفس" والثالث كثرة القينات بحسب ضروب الناس، كقوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] وعلى هذا قوله ﷺ لمعاذ لما أرسله إلى اليمن في شأن الصدقة، "تُؤخذ من أغنيائهم وتُرد في فقرائهم"١، ولفظ "أغنى": أفعل تفضيل؛ أي: أكثر غنىً من غيره، وليس على بابه؛ إذ لا غنى في الحقيقة بل الكل محتاج إليه. والشركاء: جمع شريك، ومن هذه المادة الشركة، والمشاركة، وهو: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء، أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية، ومشاركة فرس وفرس في الكمتة، والدهمة. قال الراغب: وشرك الإنسان في الدين ضربان؛ أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يُقال: أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ [الممتحنة: ١٢] وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء، والنفاق المشار إليه بقوله: ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] . وقوله: "برئ" اسم فاعل؛ أي: خالص، ومفارق، وسالم منه، يقال: برئت من الشيء، أبرأ، براءة، وأنا منه بريء: إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه، قال ابن الأعرابي٢: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل

стр. 140

والكذب، البعيد من التهم، التقي القلب من الشرك، والبريء: الصحيح الجسم، والعقل. والمعنى والله أعلم: أن هذا الفعل الذي اتَّصف به العبد، وصدر منه، لا يرضى به الله ﵎، بل يسخطه. وقوله في الحديث الثاني: "تركته وشركه" الشرك هنا بمعنى العمل، والواو عاطفة بمعنى مع؛ أي: أجعله وعمله مردوداً من حضرتي. والمعنى: أن الله أخبر: أنه أغنى الشركاء عن الشرك؛ أي: لا يصح أن يكون له شريك، فإذا كان بغض الشركاء غني عن الشركاء، فالله أغنى عن ذلك، وأبعد فإذا عمل العبد عملًا فواجب عليه أن يخلص فيه لله جلَّ ذكره، ولا يشرك فيه غيره جل، وعز، فإذا أشرك العبد بعمله. غير الله تعالى؛ فهو مردود عليه ذلك العمل، والله تعالى بريء من عمله ذلك. وعمل العبد الذي أشرك فيه غير الله فليطلب جزاءه من الشريك الذي أشركه مع الله تعالى في عمله، وأنى له ذلك! ففيه حثُّ العباد أن يخلصوا في أعمالهم؛ ليكون العمل مقبولًا، ويثاب عليه، ويكون ذخراً له في يوم هو أحوج ما يكون إليه. وفيه أيضًا: بيان غنى الله تعالى، وأنه أغنى الأغنياء، بل جميع الأغنياء محتاجون إليه، فهو الغني المطلق، وغيره فقير إليه، فلا ينبغي للعبد أن يطلب، أو يعمل شيئًا إلا لله جل اسمه، وتعالت صفاته، والله أعلم. وقوله: رواه مسلم، هو الإمام الحافظ الحجة صاحب الصحيح -الذي هو أصح دواوين الإسلام في الحديث بعد صحيح البخاري- وانظر الكلام على صحيحه في كتاب -نموذج من الأعال الخيرية في إدارة الطباعة المنيرية -صفحة ٥٧٢- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري المتوفى سنة ٢٦١هـ. وابن ماجه هو الحافظ الكبير، والمؤلف القدير، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه الربعي، صاحب السنن، والتفسير، والتاريخ، المتوفى لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين.

стр. 141

شرح حديث: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ... ٦٠- "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه؛ فإذا خانه؛ خرجت من بينهما"١. رواه أبو داود، والحاكم عن أبي هريرة.

стр. 142

ش- الشَّركةُ فيها أربع لغات: فتح الشين، وكسر الراء، وكسر الشين، وسكون الراء، وقد تحذف الهاء مع ذلك، وهي لغةً: الاختلاط، وشرعًا: ثبوت الحق في شيء لاثنتين فأكثر على جهة الشيوع. وقد تحدث الشركة قهرًا كالإرث، أو باختيار كالشركاء، والخيانة معلومة. قوله: "أنا ثالث الشريكين" أي: معهما بالحفظ والبركة، أحفظ أموالهما، وأدر عليهما الرزق والخير في معاملتهما. قال العلامة الطيبي١ ﵀: الشركة عبارة عن اختلاط أموالهم بعضهم ببعض، بحيث لا يتميز، وشركة الله تعالى إياهما على الاستعارة، كأنه تعالى جعل البركة، والفضل، والربح بمنزلة المال المخلوط، وجعله ثالثًا لهما. قوله: "خرجت من بينهما" ترشيح للاستعارة انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود. انظر حكم ما سكت عنه أبو داود في كتاب نموذج من الأعمال الخيرية ص ٦١٥، قال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: هذا الحديث صححه الحاكم، وأعلَّه ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان والد أبي حيان؛ فإنه لا يعرف له حال، ولا يعرف راوٍ عنه غير ابنه، وقال الحافظ ابن حجر: ذكره ابن حبَّان في الثقات، وذكر: أنه روى عنه أيضًا الحارث بن يزيد.

стр. 143

شرح حديث: أنا أكرم، وأعظم عفوا من أن أستر ... ٦١- "أنا أكرم، وأعظم عفوًا من أن أستر على مسلم في الدنيا، وأفضحه بعد أن سترته، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني " ١. رواه الحكيم عن الحسن مرسلًا، والعقيلي عن أنس.

стр. 144

ش- قوله"أكرم وأعظم " هما على صيغة أفعل التفضيل، وليس على بابها، والعفو: المحو، والإزالة. يُقال: عفت الدِّيار: إذا درست، وذهبت آثارها، وفي العرف: ترك المكافأة عند المقدرة قولًا وفعلًا، وقيل: هو السكون عند الأحوال المحركة للانتقام، فعلى هذا: العفو في حق الله تعالى عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلية فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، ولا يطالبه بها يوم القيامة، وينسيها من قلوبهم لئلا يخجلوا عند تذكيرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنة، والعفو أبلغ من المغفرة؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر، والعفو من أخلاق الأنبياء، والعلماء، والأصفياء، وقد جاء في العفو آيات منها: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] وفي الباب أحاديث كثيرة، وهو يجمع أشرف وأكرم الخصال، وأفضل شمائل الجلال، وأعلى مراتب الكمال، وركن متين، وحصن حصين، من استند إليه، واعتمد عليه استنارت له الظلم، وأمن من عثرات القدم، وعُصِم من مواقع الندم. ومما يُحكَى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: أنه دعا غلامًا له؛ فلم يجبه، ودعاه ثانيًا، فلم يجبه، وهكذا ثالثًا، فقام إليه، فرآه مضطجعًا، فقال: يا غلام! أما سمعت الصوت؟ فقال: بلى سمعت! قال: فما منعك من الإجابة؟ فقال ثقتي بحلمك، واتكالي على عفوك، فقال عليُّ ﵁: أنت حر لوجه الله تعالى. وقوله: "رواه الحكيم عن الحسن" والحكيم: هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد ابن الحسن بن بشر الزاهد المؤذن المشهور بالحكيم الترمذي، صاحب كتاب: "نوادر الأصول" المتوفى مقتولًا ببلخ في حدود العشرين والثلاثمائة، وعاش نحوًا من تسعين سة، وقال صاحب "كشف الظنون": المتوفى شهيدًا سنة خمس وخمسين ومئتين، وهو وهم منه؛ لأن الحافظ شمس الدين الذهبي صرح في كتابه" تذكرة الحفاظ": أنه قدم نيسابور سة خمس وثمانين ومئتين، وذكر الحافظ ابن حجر في كتابه "لسان الميزان" أنه عاش إلى حدود العشرين والثلاثمئة؛ لأن ابن الأنباري ذكر أنه سمع منه سنة ثماني عشرة وثلاثمئة، وقيل: إنه قتل خمس وتسعين ومئتين. والحسن هو: الإمام شيخ الإسلام، ورئيس الزهاد، ورأس التابعين أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، المتوفى سنة عشر ومئة، وقد ذكرت له ترجمة واسعة في كتابي "نموذج من الأعمال الخيرية في إدارة الطباعة المنيرية" فطالعها تجد فيها ما يبهرك.

стр. 145

والعقيلي هو: الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، هو صاحب كتاب "الضعفاء الكبير" المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمئة.
следующие страницы →