← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7266

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (325 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شرح حديث: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ... ٦٠- "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه؛ فإذا خانه؛ خرجت من بينهما"١. رواه أبو داود، والحاكم عن أبي هريرة.

стр. 142

ش- الشَّركةُ فيها أربع لغات: فتح الشين، وكسر الراء، وكسر الشين، وسكون الراء، وقد تحذف الهاء مع ذلك، وهي لغةً: الاختلاط، وشرعًا: ثبوت الحق في شيء لاثنتين فأكثر على جهة الشيوع. وقد تحدث الشركة قهرًا كالإرث، أو باختيار كالشركاء، والخيانة معلومة. قوله: "أنا ثالث الشريكين" أي: معهما بالحفظ والبركة، أحفظ أموالهما، وأدر عليهما الرزق والخير في معاملتهما. قال العلامة الطيبي١ ﵀: الشركة عبارة عن اختلاط أموالهم بعضهم ببعض، بحيث لا يتميز، وشركة الله تعالى إياهما على الاستعارة، كأنه تعالى جعل البركة، والفضل، والربح بمنزلة المال المخلوط، وجعله ثالثًا لهما. قوله: "خرجت من بينهما" ترشيح للاستعارة انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود. انظر حكم ما سكت عنه أبو داود في كتاب نموذج من الأعمال الخيرية ص ٦١٥، قال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: هذا الحديث صححه الحاكم، وأعلَّه ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان والد أبي حيان؛ فإنه لا يعرف له حال، ولا يعرف راوٍ عنه غير ابنه، وقال الحافظ ابن حجر: ذكره ابن حبَّان في الثقات، وذكر: أنه روى عنه أيضًا الحارث بن يزيد.

стр. 143

شرح حديث: أنا أكرم، وأعظم عفوا من أن أستر ... ٦١- "أنا أكرم، وأعظم عفوًا من أن أستر على مسلم في الدنيا، وأفضحه بعد أن سترته، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني " ١. رواه الحكيم عن الحسن مرسلًا، والعقيلي عن أنس.

стр. 144

ش- قوله"أكرم وأعظم " هما على صيغة أفعل التفضيل، وليس على بابها، والعفو: المحو، والإزالة. يُقال: عفت الدِّيار: إذا درست، وذهبت آثارها، وفي العرف: ترك المكافأة عند المقدرة قولًا وفعلًا، وقيل: هو السكون عند الأحوال المحركة للانتقام، فعلى هذا: العفو في حق الله تعالى عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلية فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، ولا يطالبه بها يوم القيامة، وينسيها من قلوبهم لئلا يخجلوا عند تذكيرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنة، والعفو أبلغ من المغفرة؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر، والعفو من أخلاق الأنبياء، والعلماء، والأصفياء، وقد جاء في العفو آيات منها: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] وفي الباب أحاديث كثيرة، وهو يجمع أشرف وأكرم الخصال، وأفضل شمائل الجلال، وأعلى مراتب الكمال، وركن متين، وحصن حصين، من استند إليه، واعتمد عليه استنارت له الظلم، وأمن من عثرات القدم، وعُصِم من مواقع الندم. ومما يُحكَى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: أنه دعا غلامًا له؛ فلم يجبه، ودعاه ثانيًا، فلم يجبه، وهكذا ثالثًا، فقام إليه، فرآه مضطجعًا، فقال: يا غلام! أما سمعت الصوت؟ فقال: بلى سمعت! قال: فما منعك من الإجابة؟ فقال ثقتي بحلمك، واتكالي على عفوك، فقال عليُّ ﵁: أنت حر لوجه الله تعالى. وقوله: "رواه الحكيم عن الحسن" والحكيم: هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد ابن الحسن بن بشر الزاهد المؤذن المشهور بالحكيم الترمذي، صاحب كتاب: "نوادر الأصول" المتوفى مقتولًا ببلخ في حدود العشرين والثلاثمائة، وعاش نحوًا من تسعين سة، وقال صاحب "كشف الظنون": المتوفى شهيدًا سنة خمس وخمسين ومئتين، وهو وهم منه؛ لأن الحافظ شمس الدين الذهبي صرح في كتابه" تذكرة الحفاظ": أنه قدم نيسابور سة خمس وثمانين ومئتين، وذكر الحافظ ابن حجر في كتابه "لسان الميزان" أنه عاش إلى حدود العشرين والثلاثمئة؛ لأن ابن الأنباري ذكر أنه سمع منه سنة ثماني عشرة وثلاثمئة، وقيل: إنه قتل خمس وتسعين ومئتين. والحسن هو: الإمام شيخ الإسلام، ورئيس الزهاد، ورأس التابعين أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، المتوفى سنة عشر ومئة، وقد ذكرت له ترجمة واسعة في كتابي "نموذج من الأعمال الخيرية في إدارة الطباعة المنيرية" فطالعها تجد فيها ما يبهرك.

стр. 145

والعقيلي هو: الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، هو صاحب كتاب "الضعفاء الكبير" المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمئة.

стр. 146

شرح حديث: أنا أهل أن أتقي فلا يجعل معي إله ... ٦٢- "أنا أهلُ أن أُتَّقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها؛ فأنا أهل أن أغفر له" ١. رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، والحاكم عن أنس. قوله: "أن أتقى" والتقوى في اللغة كما قال السيد الشريف: بمعنى الاتِّقاء، وهو اتخاذ الوقاية. وعند أهل الحقيقة: هو الاحتراز بطاعة الله عن عقوبته، وهو صيانة النفس عما تستحق به من فعل أو ترك. والتقوى في الطاعة يراد بها الإخلاص، وفي المعصية يراد بها الترك والحذر. وقيل: أن ينفي العبد ما سوى الله تعالى. وقيل: المحافظة على آداب الشريعة، وقيل: في مجانية كل ما يبعدك عن الله تعالى. وقيل: ترك حظوظ النفس، ومباينة النهي، وقيل: ألا ترى في نفسك شيئًا سوى الله. وقيل: ألا ترى نفسك خيرًا من أحد. وقيل: ترك ما دون الله. والمتبع عندهم هو الذي ألقى متابعة الهوى، وقيل: الاقتداء بالنبي ﷺ قولًا وفعلًا، وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه. وأفضل صفة يتَّصف بها الإنسان التقوى؛ لأن بها نجاحه، ودخوله في كنف الرحمن، لا يحتجب منهم، ولا يستتر، وقد جاء تفسيرها وصفة أهلها عن السلف الصالح ﵃، فنورد لك جملة صالحة لعلي أكون أنا وأنت ممن يتقي الله في جهره وسرِّه، فأقول، وبالله التوفيق: قال حَبْر الأمة "ابن عباس" ﵄: المتَّقون الذي يحذرون من الله عقوبته في

стр. 147

ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال الحسن البصري التابعي الجليل: المتقون اتقوا ما حرَّم الله عليهم، وأدوا ما افترض الله عليهم، وقال طلق بن حبيب١: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: تمام التقوى أن يتَّقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا ما يكون حجابًا بينه وبني الحراك، فإن الله قد بين للعباد الذي يصيرهم إليه، فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] فلا تحقرنَّ شيئًا من الخير أن تفعله، ولا شيئًا من الشر أن تنقيه، وقال موسى بن أعين:٢ المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين، وقال الثوري٣ ﵀: إنما سُموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى، فهو سبحانه أهل أن يُتقى، ويُخشى، ويُهاب، ويُجل، ويُعظم في صدور عباده حتى يعبدوه، ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال، والإكرام، وصفات الكبرياء، والعظمة، وقوة البطش، وشدذَّة البأس. اللهم إني أسألك أن توفقنا للتقوى، وتحيل بيننا وبين معاصيك، يا أرحم الراحمين!

стр. 148

وقد وصىَّ الله ﷻ عباده بالتقوى في مواضع كثيرة من الذكر الحكيم وحثهم، وأمرهم بها، منها قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة:٩٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ "آل عمران: ١٣١" وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] وقال : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة:٤٨] فأُضيفت تارةً إلى الله ، وتارةً أضيفت إلى عقاب الله، وإلى مكانه، كالنار، أو زمانه، كيوم القيامة. وكذلك جاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ الوصية لأمته، منها: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال له: "أوصيك بتقوى الله في سرأمرك وعلانيته.." ١.،الحديث: وخرَّج الإمام حافظ المغرب يوسف أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد بإسنادٍ فيه نظر، عن أنس قال: "بعث النبي ﷺ مُعاذاً إلى اليمن فقال: "يا معاذُ، اتقِ الله، وخالق الناس بخلق حسن.... الحديث" وكان ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراًَ، ولما خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله، وبالسمع، والطاعة لأئمتهم، ولما وعظ الناس قالوا له: كأنها موعظة مودع، فأوصِنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة" ٢. وفي حديث أبي ذر الطويل الذي خرجه ابن حبان، وغيره: قلت: يا رسول الله أوصني! قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله" ٣. وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد

стр. 149

الخدري: قال: قال: يا رسول الله أوصني! قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء ... " ١ الحديث، وروي الترمذي عن يزيد بن سلمة: أنه سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله! إني سمعت منك حديثاً كثيراً، فأخاف أن ينسي أوله آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعاً" قال "اتق الله فيما تعلم" ٢. وكذلك الصحابة ﵃ كان يوصي بعضهم بالتقوى، ومن جاء بعدهم من التابعين، فمن ذلك ما نقل عن الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يقول في خطبته: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة في الرهبة، وتجمعوا الإلحاف في المسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [النساء:٩٠] ، ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر؛ دعاه، فوصاه بوصيته، وأول ما قال له: اتقِ الله يا عمر! وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى ابنه عبد الله: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله ، فإنه من اتقاه؛ وقاه ومن أقرضه؛ جزاه، ومن شكره؛ زاده، واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك. واستعمل علي بن أبي طالب رجلاًعلى سرِّية، فقال له: أوصيك بتقوى الله التي لايقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها؛ فإنَّ الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين. ولما ولِّي؛ خطب، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال

стр. 150

أوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف. وقال رجل ليونس بن عبيد: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسان فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وقال له رجل -يريد الحج-: أوصني. فقال له: اتق الله، فمن اتَّقى الله؛ فلا وحشة عليه. وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا. فقال: أوصيكم بخاتمة سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وكتب رجل من السلف إلى أخٍ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها من أكرم ما أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت، أعاننا الله وإياك عليها، وأوجب لنا ولك ثوابها. وكتب رجل منهم إلى أخ له: أوصيك وأنفسنا بالتقوى، فإنها خير زاد الآخرة والأولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شر مر بك، فقد تكفل الله لأهلها بالنجاة مما يحذرون، والرزق من حيث لا يحتسبون. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلمن، أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغني "١، أفاد ذلك كله الحافظ ابن رجب في كتابه: "جامع العلوم والحكم". والمعنى: أن الله حقيق أن يتقيه العباد، فلا يجعلون له شريكًا؛ لأنه لا إله غيره، ولو أشرك العبد أحدًا مع الله لفعل محالًا، وحقيق أن يطيعوه، ويعبدوه؛ لأنه أهل أن يغفرَ لهم ذنوبهم، ويقبل توبة من أناب إليه. روى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قرأ رسول الله ﷺ ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وقال: " قال ربكم: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتَّقى أن يجعل معي إلهًا؛ كان أهلًا أن أغفر له" ٢ رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطيعي به، وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هدبة بن خالد، عن سهيل به؛ وهكذا رواه أبو

стр. 151

يعلى، والبزار، والبغوي، وغيرهم من حديث سهيل القطيعي به، والله أعلم. وقوله: والنسائي هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النَّسائي، القاضي، صاحب أحمد السنن الأربعة المشهورة، المولود سنة خمس عشرة ومئتين، والمتوفى بفلسطين يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمئة. والبزار هو: الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، والبزار صاحب المسند المعلل، المتوفى بالرملة سنة اثنين وتسعين ومئتين. وأبو يعلى هو: الحافظ الثقة، محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثني بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي صاحب المسند الكبير، المتوفى سنة سبع وثلاثمئة.

стр. 152

شرح حديث: أنا خلقت الخير والشر ... ٦٣- "أنا خلقت الخير، والشَّر، فطوبى لمن قدَّرت على يده الخير! وويل لمن قدرت على يده الشر! " ١. رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس. ش- تقدم الحديث برقم "٥٥"بلفظ "أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الشر وقدرته.. الخ" فانظر شرحه هناك، والطبراني سبقت ترجمته أيضًا.

стр. 153

شرح حديث: أنا خير قسيم لمن أشرك بي ... ٦٤- "أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا؛ فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني" ١. رواه أحمد، والطيالسي، والطبراني في الكبير عن شداد بن أوس.

стр. 154

٦٥- " أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا ، فهو للشريك، يا أيها الناس! أخلصوا أعمالكم لله؛ فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خَلُص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها لرَحمه، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم؛ فإنها لوجوهكم، وليس لله فيها شيء" ١. رواه البزار عن الضحاك. ش- قوله في الحديث الأول: "قسيم" فعيل بمعنى فاعل، أي: مقاسم، والشرك أنواع، كما بينه حديث الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: "من صلى يرائي؛ فقد أشرك، فإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا فإن جدة عمله؛ قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني" ٢. والمعنى: أن الله تبارك وتعالت صفاته يخبرنا: أنه لا يقبل عمل عامل منا من ذكر وأنثى إذا كان عمله مشوباً بشرك، ولم يكن خالصًا لله تعالى من جميع أنواع الشرك، كالكبر، والسمعة، وغير ذلك؛ فإن العمل تارة يكون لغير الله، كمن يعمل رياءً محضاً، بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين؛ لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم. قال الله تعالى في وصفهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] وقال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وكذلك وصف الله ﵎ الكفار بالرِّياء المحض في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة

стр. 155

والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة؛ التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله؛ فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا، وحبوطه، ومنها: حديث الكتاب. والله أعلم. قوله في الحديث الأول: "رواه الطيالسي" هو الإمام الحافظ الثقة سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي، صاحب المسند المطبوع في الهند، المتوفى سنة ثلاث أو أربع ومئتين بالبصرة. انظر الكلام على مسنده في كتاب "نموذج من الأعمال الخيرية" ص٤٨٥.

стр. 156

٦٦- " أنا ربكم، أنا أهل أن أُتَّقى ، فلا تجعلوا معي إلهًا، فمن اتَّقى أن يجعل معي إلهًا؛ فأنا أهل أن أغفر له". رواه أحمد، والترمذي عنه١. ش- تقدم ذكر الحديث برقم ٦٢ بتغيير بعض ألفاظه، فارجع إليه.

стр. 157

٦٧- " أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء " ١. رواه مسلم، والحاكم عن وائلة. وابن أبي الدنيا، والحكيم عن أبي هريرة٢.

стр. 158

٦٨- " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ". رواه مسلم، والحاكم عن أنس.

стр. 159

٦٩- " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني ". رواه أحمد عنه١

стр. 160

٧٠- " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرُني ، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ؛ ذكرته في ملأ خيرٍ منه" ١. رواه البيهقي عن أبي هريرة.

стр. 161

٧١- " أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرًا؛ فخيرٌ ، وإن ظن شرًا؛ فشٌر ". رواه الطبراني١ وابن حبان عن واثلة بن الأسقع.

стр. 162

٧٢- " أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء ". رواه ابن أبي الدنيا، والحكيم عن أبي هريرة.

стр. 163

٧٣- " أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرًا فله ؛ وإن ظن شرًا؛ فله ". رواه أحمد، ومسلم، والطبراني، وابن النجار عن أبي هريرة١، ورواه الطبراني في الأوسط، أبو نعيم عن واثلة. ش- الحديث الأول فيه الأمرُ بالظن بالله مطلقًا؛ أي: في حال الذكر، أو الدعاء. والثاني مقيد بحال الذكر، وكذلك الرابع، والثالث بحال الدعاء، والحديث الخامس فيه تفصيل الظن بحسبه إن كان خيرًا؛ فيجزي بذلك، وإن كان شرًا؛ فيجده كذلك. والظن يطلق على معانٍ، قال أبو عبد الله الدامغاني في كتابه "الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز ومعانيها": الظن على أربعة أوجهٍ، فوجه منها الظن بمعنى اليقين قوله تعالى في البقرة: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] وكقوله في ص: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص:٢٤] يعني: علم داود بما آتيناه. وقال في الحاقة: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] يقول: أيقنت. والوجه الثاني: الظن بمعنى الشك قوله تعالى في الجاثية: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً﴾ [الجاثية:٣٢] يعني: ما نشك إلا شكًا. والوجه الثالث: ظن بمعنى حسب قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق] :

стр. 164

١٤" يعني: حسب ألَّا يرجع، وقال في حم السجدة: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢] . والوجه الرابع: الظن بمعنى التهمة قوله تعالى في الأحزاب: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] بمعنى التهمة، وقال: اتهموا أن رسول الله ﷺ فيما أخبرهم أن الله يفتح عليك، وكقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] يعني: بمتهم، نظيره في الفتح: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:١٢] .انتهى. أقول: ويأتي بمعنى الاعتقاد، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] أي: اعتقدوا، فالظن هنا والله أعلم بمعنى: حسب، أواعتقد. قال الحافظ ابن حجر في كتابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري" في قوله ﷺ : "يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي" أي: قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به. وقال الكرماني١: وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف، وكأنه أخذه من جهة التسوية، فإن العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد، وهو جانب الخوف بأنه لا يختاره لنفسه، بل يعدل إلى ظنِّ وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، وهو كما قال أهل التحقيق: مقيد بالمحتضر، ويؤيد ذلك حديث: "لا يموتن أحدُكم إلا وهو يُحسن الظن بالله" ٢ وهو عند مسلم من حديث جابر: وأما قبل ذلك ففي الأول أقول ثالثها الاعتدال. وقال ابن أبي جمرة: المراد بالظن هنا: العلم، وهو كقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] وقال القرطبي في المفهم: قيل: معناه: ظن عبدي بي ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها؛ تمسكًا بصادق وعده، قال: ويؤيده قوله في الحديث الآخر: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" ٣؟ قال:

стр. 165

ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنًا بأن الله يقبله، ويغفر له؛ لأنه وعد ذلك، وهو لا يخلف الميعاد، فإن اعتقد، أو ظن أن الله لا يقبلها، وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن، كما في بعض طرق الحديث المذكور "فليظن بي عبدي ما شاء" قال: وأما ظن المغفرة مع الإصرار؛ فذلك محض الجهل، والغرَّة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة. انتهى. وقال الشوكاني في "تحفة الذاكرين": فيه ترغيب من الله لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسبها، فمن ظن به خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، ونثر عليه محاسن كراماته، وسوابغ عطياته، ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله تعالى هكذا. وهذا هو معنى كونه عند ظن عبده، فعلى العبد أن يكون حسن الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين على تحصيل ذلك باستحضاره ما ورد من الأدلة الدالة على سعة رحمة الله سبحانه، وتعالى. وقوله: "فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" قال بعض أهل العلم: يُستفاد منه: أن الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري لتقديمه على الذكر الجهري في السياق. وتقدير المعنى: إن ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أُطْلِع عليه أحداً، وإن ذكرني جهرًا ذكرته بثوابٍ أطلع عليه الملأ الأعلى، وفيه احتمال، وللعلماء في أيهما أفضل خلاف ذكرته في شر حي على "الكلم الطيب" للإمام تقي الدين بن تيمية، فأرجع إليه. قال ابن بطال: هذا نصُّ أنَّ الملائكة أفضل من بني آدم، وهو مذهب جمهور أهل العلم، وعلى ذلك شواهد من القرآن، مثل: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] والخالد أفضل من الفاني فالملائكة أفضل من بني آدم، وتعقب بأن المعروف عن جمهور أهل السنة: أن صالحي بني آدم أفضل من سائر الأجناس، والذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة: الفلاسفة، ثم المعتزلة، وقليل من أهل السنة من أهل التصوف، وبعض أهل الظاهر، فمنهم من فاضل بين الجنسين، فقالوا: حقيقة الملك أفضل من حقيقةِ الإنسان؛ لأنها نورانية، وخيرية، ولطيفة مع سعة العلم، والقوة، وصفاء الجوهر، وهذا لا يستلزم تفضيل كل فرد على كل فرد؛ لجواز أن يكون في بعض الأناسي ما في ذلك وزيادة، ومنهم من خصَّ الخلاف بصالحي البشر، والملائكة، ومنهم من خصه بالأنبياء، ثم منهم من فضل الملائكة على غير الأنبياء؛

стр. 166

ومنهم من فضَّلهم على الأنبياء أيضًا إلا على نبينا محمد ﷺ . ومن أدلة تفضيل النبي على الملك: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم على سبيل التكريم له حتى قال إبليس: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأسراء:٦٢] ومنها قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لما فيه من الإشارة إلى العناية به، ولم يثبت ذلك للملائكة، ومنها قولة تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣] ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجاثية:١٣] فدخل في عمومه الملائكة، والمسخر له أفضل من المسخر، ولأن طاعة الملائكة بأصل الخلقة، وطاعة البشرغالبًا مع المجاهدة للنفس؛ لما طبعت عليه من الشهوة، والحرص، والهوى، والغضب، فكانت عبادتهم أشق، وأيضًا فطاعة الملائكة بالأمرالوارد عليهم، وطاعة البشر بالنص تارةً، وبالاجتهاد تارةً، وبالاستنباط تارةً، فكانت أشق، ولأن الملائكة سلمت من وسوسة الشياطين، وإلقاء الشبهة، والإغواء الجائزة على البشر، ولأن الملائكة تشاهد حقائق الملكوت، والبشرلا يعرفون ذلك إلا بالإعلام، فلا يسلم منهم من إدخال الشبهة من جهة تدبير الكواكب، وحركة الأفلاك إلا الثابت على دينه، ولا يتم ذلك إلا بمشقة شديدة، ومجاهدات كثيرة. وأما أدلة الآخرين فقد قيل: إن حديث الباب أقوى ما استدل به لذلك للتصريح بقوله فيه: في ملأٍ خير منهم. والمراد بهم الملائكة، حتى قال بعض الغلاة في ذلك: وكم من ذاكر الله في ملأ فيهم محمد ﷺ ذكرهم الله في ملأ خير منهم. وأجاب بعض أهل السنة بأن الخير المذكور ليس نصًَّا، ولا صريحًا في المراد، بل يتطرقه احتمال أن يكون المراد بالملأ الذي هم خير من الملأ الذاكر: الأنبياء، والشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم، فلم ينحصر ذلك في الملائكة. وأجاب آخر، وهو أقوى من الأول بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكروالملأ معاً في الجانب الذي فيه ربُّ العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع، وهذا الجواب ظهر لي، وظننت أنه مبتكر، ثم رأيته في كلام القاضي كمال الدين بن الزملكاني١ في الجزء الذي جمعه في الرفيق

стр. 167

الأعلى، فقال: إن الله تعالى قابل ذكر العبد في نفسه بذكره له في نفسه، وقابل ذكر العبد في الملأ بذكره له في الملأ، فإنما صارالذكر في الملأ الثاني خيرًا من الذكر في الأول؛ لأن الله هو الذاكر فيهم، والملأ الذي يذكرون -والله فيهم- أفضل من الملأ الذين يذكرون وليس الله فيهم. ومن أدلة المعتزلة تقديم الملائكة في الذكر في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٩٨] و ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] و ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٥٧] وتعقب بأن مجرد التقديم في الذكرلا يستلزم التفضيل؛ لأنه لم ينحصر فيه، بل له أسباب أخرى، كالتقديم بالزمان في مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧] فقدم نوحاً على إبراهيم لتقدم زمان نوحٍ مع أن إبراهيم أفضل، ومنها قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] وبالغ الزمخشري فادَّعى: أن دلالتها لهذا المطلوب قطيعة بالنسبة لعلم المعاني، فقال في قوله تعالى: ﴿وَلاالْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: ولا من هو أعلى قدرًا من المسيح -وهم الملائكة الكروبيون الذين حوْل العرش، كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل- قال: ولا يقتضي علم المعاني غير هذا من حديث أن الكلام إنما سِيق للرد على النصارى لغلوهم في المسيح، فقيل لهم: لن يترفع المسيح عن العبودية ولا من هو أرفع درجة منه. انتهى ملخصاً. وأُجيب بأن الترقي لا يستلزم التفضيل المتنازع فيه، وإنما هو بحسب المقام وذلك أن كلًا من الملائكة والمسيح عُبِد من دون الله. فردَّ عليهم بأن المسيح الذي تشاهدونه لم يتكبر عن عبادة الله، وكذلك من غاب عنكم من الملائكة لا يتكبر، والنفوس لما غاب عنها أهيب ممن تشاهده، ولأن الصفات التي عبدوا المسيح لأجلها من الزُّهد في الدنيا، والاطلاع على المغيبات، وإحياء الموتى بإذن الله موجودة في الملائكة، فإن كانت توجب عبادته فهي موجبة لعبادتهم بطريق الأولى، وهم مع ذلك لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى، ولا يلزم من هذا الترقي ثبوت الأفضلية المتنازع فيها. وقال البيضاوي١: احتجَّ بهذا العطف من زعم أن الملائكة أفضل من الأنبياء،

стр. 168

وقال: هي مُساقة للردعلى النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية، وذلك يقتضي أن يكون المعطوف عليه أعلى درجة منه، حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه، وجوابه: أن الآية سيقت للردعلى عبدة المسيح، والملائكة؛ أُريد بالعطف المبالغة باعتبار الكثرة دون التفضيل، كقول القائل: أصبح الأميرلا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، وعلى تقدير إرادة التفضيل، كقول القائل: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، وعلى تقدير إرادة التفضيل فغايته تفضيل المقربين ممن حول العرش، بل من هو أعلى رتبةً منهم على المسيح، وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً. وقال الطيبي: لا تتم لهم الدلالة إلا إنْ ُسلم أنَّ الآية سيقت للرد على النصاري فقط، فيصحُّ: لن يترفع المسيح عن العبودية، ولا من هو أرفع منه، والذي يدعي ذلك يحتاج إلى إثبات: أن النصارى تعتقد تفضيل الملائكة على المسيح، وهم لا يعتقدون ذلك، بل يعتقدون فيه الإلهية، فلا يتمُّ استدلال من استدَّل به. قال: وسياقه الآن من أسلوب التتميم والمبالغة، لا الترقي، وذلك أنه قدم قوله ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ﴾ [النساء:١٧١] إلى قوله: ﴿وَكِيلًا﴾ فقرر الوحدانية، والمالكية، والقدرة التامة، ثم أتبعه بعدم الاستنكاف، فالتقدير لا يستحق من اتَّصف بذلك أن يستكبر عليه الذي تتخذونه أيها النصارى إلهًا لاعتقادكم فيه الكمال، ولا الملائكة الذي اتَّخذها غيركم آلهة لاعتقادهم فيهم الكمال "قلت": وقد ذكر ذلك البغوي ملخصاً، ولفظه: لم يقل ذلك رفعًا لمقامهم على مقام عيسى، بل ردًا على الذين يدعون أن الملائكة آلهة فرد عليهم كما رد على النصارى الذين يدعون التثليث. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لاأَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] فنفى أن يكون ملكًا، فدل على أنهم أفضل؛ وتعقب بأنه إنما نفى ذلك لكونهم طلبوا منه الخزائن، وعلم الغيب، وأن يكون بصفة الملك من ترك الأكل، والشرب، والجماع، وهو من نمط إنكارهم أن يرسل الله بشرًا مثله، فنفى عنه أنه ملك، ولا يستلزم ذلك التفضيل. ومنها: أنه لما وصف جبريل ومحمدًا قال في جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] وقال في حق النبي ﷺ : ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] وبين الوصفين بون بعيد، وتعقب بأن ذلك إنما سيق للرد على من زعم أن الذي يأتيه شيطان، وكان وصف جبريل بذلك تعظيماً للنبي ﷺ فقد وصف النبي ﷺ في غير هذا الموضع بمثل ما وصف به جبريل هنا، وأعظم منه. وقد أفرط الزمخشري في سوء

стр. 169

الأدب هنا، وقال كلامًا يستلزم تنقيص المقام المحمدي، وبالغ الأئمة في الرد عليه في ذلك وهو من زلاته الشنيعة. وقوله في الحديث الأول: "رواه ابن أبي الدنيا" هو الإمام الجليل، والحافظ الشهير أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي الشهير بابن أبي الدنيا، صاحب المصنفات الكثيرة، المتوفى سنة ٢٨١هـ. وقوله: "والحكيم" هو أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين بن بشير المؤذن الحكيم الترمذي صاحب التصانيف الكثيرة منها: "نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول ﷺ " قدم نيسابور سنة خمسٍ وثمانين ومئتين، وتوفي عن نحو ثمانين سنة. وقوله في الحديث الرابع: "في ملأ" الملأ: تقدم تفسيره فأغنى عن إعادة الكلام عليه. وقوله في الحديث الأخير: "فله" أي: مقتضى ظنه من خير أو شر، فالمعاملة تدور في الظن. وروى الحاكم عن أنس بن مالك: "قال الله تعالى: أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا ذكرتني"١ أي: دعوتني، فأسمع ما تقوله، فأجيبك. قال الحكيم الترمذي: هذا وما أشبهه من الأحاديث المتقدمة في ذكرٍ عن يقظةٍ، لاعن غفلة؛ لأن ذلك هو حقيقة الذكر، فيكون بحيث لا يبقى عليه مع ذكره في ذلك الوقت ذكر نفسه، ولا ذكر مخلوق، فذلك الذكر هو الصافي؛ لأنه قلب واحد، فإذا اشتغل بشيء ذهل عما سواه. وهذا موجود في المخلوق لو أن رجلًا دخل على ملك في الدنيا لأخذه من هيبته مالا يذكر في ذلك الوقت غيره، فكيف بملك الملوك؟! وقوله: "ابن النجار" هو الإمام البارع مفيد العراق الرحالة محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي، صاحب المعجم، المتوفى سنة ٦٤٣ هـ. وقوله: "وأبو نعيم" هو الإمام الحافظ الكبير محدث عصره، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصبهاني الصوفي صاحب "حلية الأولياء" توفي سنة ثلاثين وأربعمئة.

стр. 170

٧٤- " أنا مع عبدي إذ هو ذكرني، وتحركت بي شفتاه ". رواه أبو داود،

стр. 171

والحاكم، وابن حبان عن أبي الدرداء١. والقضاعي، والحاكم، وابن حبان عن أنس وغيره وأحمد، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان عن أبي هريرة٢. ش- قوله: "أنا مع عبدي" المعيِّة الله أعلم بحقيقتها، نسلم لفظها، ونكل المعنى إلى الله جلَّ، وعلا، وهذا مذهب سلف الأمة. وقد تقدم الكلام على مثل ذلك، فارجع إليه، وقوله: "إذ": ظرف زمان. وشفتاه: تثنية شفة بفتح أوله، وأصلها شفة، وهي معلومة. والمعنى -والله أعلم-: أن الله مع عبده وقت ذكره خالقه وبارئه وتحرَّكت شفتا العبد بذكره، وهو يدل على أن الذكر الجهري أرجح من الذكر الخفي، وقد تقدم الكلام على ذلك قريبًا. وقوله: "والقضاعي" هو المحدث شهاب الدين أبوعبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي نسبة إلى قضاعه شعب من معد بن عدنان. ويُقال: هو من حمير، وهو الأكثر، والأصح. كان قاضي مصرومحدثها، توفي سنة أربع وخمسين وأربعمئة. وباقي التراجم تقدَّم شرحها.

стр. 172

٧٥- " أنتقم ممن أبْغُضُ بمن أبغض ، ثم أُصيِّر كلاًّ إلى النار" ١. رواه الطبراني في الأوسط عن جابر. ش- الانتقام: افتعال، والمنتقم هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء، وهو مفتعل، من: نقم، ينقم: إذا بلغت به الكراهة حد السخط. ومن أسمائه الحسنى ﷻ : المنتقم، قال في "لوامع البينات"، المنتقم: مشتق من الانتقام، ولا يُسمى التعذيب بالانتقام إلا بشرائط ثلاثة: الأول: أن تبلغ الكراهة إلى حد السخط. الثاني: أن تحصل

стр. 173

تلك العقوبة بعد مدَّة. الثالث: أن يقضي ذلك التعذيب نوعًا من التشفي، وهذا القيد لا يحصل إلا في حق الخالق، أما في حق الخلق. فهو محال. واعلم أنَّ الانتقام أشد من المعالجة بالعقوبة، فإن المذنب إذ عوجل بالعقوبة لم يتمكن في المعصية، فلم يستوجب غاية النكال في العقوبة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] وأيضًا قد سمى الله تعالى تكرار إيجاب الكفارة في تكرار المحرم أخذ الصيد انتقامًا قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة:٩٥] وهو قريب من قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء:١٦٠] الآية، أما حظ العبد منه: فقال الغزالي: انتقام العبد إنما يكون محمودًا إذا انتقم من الأعداء، وأعدى عدوه نفسه التي بين جنبيه، فلا جرم يجب عليه أن ينتقم منها. والبغضُ: تقدَّم الكلام عليه، فأغنى عن إعادته، وقوله: "أنتقم ممن أبغض" يعني: أن الله يُعاقب من يبغضه بارتكاب المعاصي، وسوء الأعمال بمن يبغض من خلقه كذلك؛ أي: أن الله تبارك اسمه يولي الظالمين بعضهم بعضًا، وهكذا نطقت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية بذلك، والشاهد يؤيدالواقع، فإن غالب الأمم الإسلامية في عصرنا الحاضر يتولاها الظالمون، وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. نسأل الله السلامة من الحرب الحاضرة التي وقعت في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف صلاة وتحية، بين الألمان، وبولندة، ودخلت معها الروس بزعم أنها تحامي عن الأقلية الروسية الموجودة فيها، ولربما تشترك فيها باقي الأمم الغربية والشرقية، ولا ينفع المسلمين في هذه الظروف إلا تحابيهم، وتوادهم، ومعاونة بعضهم بعضًا، وعلى الأغنياء أن يواسوا الفقراء؛ والأقوياء يساعدوا الضعفاء. ورجوعهم إلى الله بالتوبة، والإنابة، والإخلاص في الأعمال، والإقلاع عن المعاصي، والمفاسد، والتباعد عن الشقاق، والفتن، والتحفز للأخذ بيد المظلوم من الظالم الغاشم المستبد، فلعل ذلك بكفل لنا النجاح إن شاء الله تعالى، ويسلمنا.

стр. 174

٧٦- "انطلقوا يا ملائكتي إلى عبدي، فصبواعليه البلاء صبًا! فيصبون عليه البلاء، فيحمد الله، فيرجعون، فيقولون: يا ربنا صببنا عليه البلاء كما أمرتنا! فيقول: ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته" ١.

стр. 175

رواه الطبراني في الكبيرعن أبي أمامة. ش- الصبُّ: السكب، وصب الماء: إراقته من أعلى، والبلاء، والابتلاء، تقدم تفسيرهما، فارجع إليه. والمراد بالصب هنا: العرض، والإلقاء؛ أي: اعرضوا، وألقوا ياملائكتي على عبدي فلان البلاء ليُختبر، ويُمتحن؛ ليظهر خيره، أو شره لغيره، وقد سمي الله تعالى التكاليف الشرعية بلاءً؛ لأن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء، ولأنها اختبارات، قال الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] والقرآن والسنة مملوءان بذلك، واختبار الله تعالى للعباد تارةً يكون بالمسارِّ ليشكروا، وتارة بالمضارِّ ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة -جميعا- بلاءً، فالمنحة مقتضية للشكر، والمحنة مقتضية للصبر، قال عمر بن الخطاب: بُلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسَّراء فلم نصبر. قال الراغب الأصفهاني: إذا قيل: ابتلي فلان كذا، وأبلاه، فذلك يتضمن أمرين، أحدهما: تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره، والثاني: ظهور جودته ورداءته، وربما قصد به الأمران، وربما يقصد به أحدهما، فإذا قيل في الله تعالى: بلى كذا. أو أبلاه؛ فليس المراد منه إلا ظهور جودته، ورداءته دون التعرف لحاله، والوقوف على ما يجهل من أمره؛ إذ كان الله علام الغيوب، وعلى هذا قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] ولا شك أن إضافة العبد إليه هنا لتعظيمه وتشريفه؛ إذ بيَّن أن العبد المصبوب عليه البلاء حمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، فكان قابلاً للبلاء، متعرضًا له بدون أن يظهر إساءته، أو كراهيته له، بل يتسع صدره له، وهو حامد شاكر، مظهرالثناء على الله، والرضا به، ومعافاة غيره عن الابتلاء بمثل ذلك ممن ليس كذلك، فعلى المؤمن العاقل أن يتلقى البلاء، والمصائب بكل حواسه بصدررحب، وقلب مطمئن بالإيمان، ومفعمٍ بالرضا، والصبر، والاحتساب، فيزول ذلك عنه قريبًا بدون أن يمسَّه أذى. فنسأل الله أن يوفقنا للصبر عند الصدمة الأولى، ويختم لنا بالسعادة الأبدية! وقد جاء في الصبر على الابتلاء آيات كثيرة، وإنَّ لمن صبر ثوابًا عظيمًا لا يقدر قدره، وكذلك الأحاديث الصحيحة جاءت في الحث على الصبر إذا ابتلي، وأن له ثوابًا عظيمًا. والله أعلم.

стр. 176

٧٧- " أَنْفِق؛ أُنْفِق عليك " ١. رواه أحمد، والشيخان عن أبي هريرة. ش- قوله: "أنفق" الأولى بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسرالفاء: أمر بالإنفاق، وقوله: "أنفق عليك" بضم الهمزة، وسكون النون: جواب الأمر؛ والإنفاق: إخراج المال من اليد، ومنه: نفق البيع؛ أي: خرج من يد البائع إلى المشتري، ونفقت الدابة: خرجت روحها، ونفق الزاد: فني، والإنفاق قد يكون في المال، وفي غيره. وقد يكون واجبًا، وتطوعًا، والكل مطلوب. والمعنى: أن الله أمر عبده أن ينفق في المصالح الخيرية، والمشاريع الحيوية، مما أنعم الله عليه، وجعله حاكمًا عليه، وتحت يده من نقدٍ، أو عرض تجارة، أو غير ذلك مما يحوزه الإنسان، ويملكه؛ لأن المال كله من الله ، رزقه عبده ليصرفه في منافع المسلمين إذا زاد عن كفايته، وكفاية من يلزمه نفقته شرعًا أخذًا من أدلة أخرى معلومة مقيدة بذلك، ولا ريب أن الإنفاق على الأهل والأقارب غيراللازمة نفقتهم أولى، وأفضل من النفقة على غيرهم، والأفضل والأحرى صرف المال على الفقراء والمساكين المتمسكين بشعائر دينهم من صلاة، وصيام، وزكاة، وغير ذلك من فرائض الإسلام، وأركانه، وواجباته، ولأن تقديمهم بذلك لذلك أردعُ لغيرالمتمسِّكين، وأرغب لهم في التمسك لذلك، ويراعى في ذلك ما كان نفعه أعم، وفائدته أشمل، وثمرته أعظم، وقوله: "أنفق عليك" أي: أعوضه لك، وأعطيك خلفه، بل أكثرأضعافاً مضاعفة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] ، ولم يقيده بمقدار. نسأل الله الهداية إلى الشرع الشريف، والعمل بأحكامه. روي البخاري مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما، اللهم أعط منفقًا خلفًا! ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفًا! " ٢

стр. 177

حديث شريف: أيما عبد من عبادي يخرج مجاهدا في سبيلي ... ٧٨- "أيُّما عبدٍ من عبادي يخرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاءَ

стр. 178

مرضاتي؛ ضمنت له أن أُرْجعه -إن رجعْتُه- بما أصاب من أجر، أوغنيمة، وإن قبضته أن أغفر له، وأرحمه، وأُدْخله الجنة" ١. رواه أحمد، والترمذي، والطبراني عن ابن عمر. ش- الجهاد تكلمنا عليه في تعليقنا على "مختصر شعب الإيمان" صفحة ٧٥ فارجع إليه؛ تجد ما يسرك. وقوله: "في سبيلي" السبيل: الطريق الذي فيه سهولة، وجمعه: ُسُبل. والمراد به هنا: الطريق الذي عبَّده المولى جلَّ، وعلا، وشرعه لعباده، وسهله، وأحكمه، لا طريق غيره مما يخالفه. وقوله: "ابتغاء مرضاتي" الابتغاء: طلب الشيء، فتارة يكون لله، وتارة لغيره، فما كان لله أُثيبَ عليه صاحبُه. وقيل: وما كان لغيره جل، وعز؛ أُحبِط، وعوقب، أو لا ثواب فيه. والغنيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب. والحديث عزاه المنذري إلى النسائي أيضًا، وروي مالك، والبخاريُّ، والنسائي: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق بكلماته بأن يدخله الجنة، أو يردَّه إلى مسكنه، مع ما نال: من أجر، أوغنيمة" ٢. والمعنى: أن الله تقدَّست أسماؤه يخبرنا أن من خرج من عباده مجاهدًا في سبيله، قاصداً بذلك مرضاة الله ورضاه، لا أمرًا آخر، يضمن له إن رجع وعاش أن يرجعه إلى وطنه بما؛ أي: بالذي أصاب من أجرأوغنيمة، وإن لم يرجع بأن قبضه الله تعالى وتوفاه شهيدًا في ميدان القتال، أو حتف أنفه، أن يغفر له جل ذكره ذنوبه -إن كانت له ذنوب- ويرحمه، ويدخله جنته؛ لجوده بنفسه، وبذله إياها في رضا الذي خلقه، وهذا غاية ما يرجوه العبد، ففيه الحَثُّ على الجهاد بأقسامه كلها، وأن تكون نيته خالصة لإعلاء كلمة الله جل ذكره، وانتشار الإسلام، وهدم الكفر وأهله. والله أعلم.

стр. 179

٧٩- " أيُّما مؤمن عطس ثلاث عطسات متواليات ؛ إلا كان الإيمان ثابتًا

стр. 180

في قلبه" ١. رواه الديلميُّ عن أنس: أنه ﵊: قال: "أخبرني جبريل ﵇ عن الله: أيُّما" إلى آخره. ش - العطاس -بضم العين المهملة- معروف. ومتواليات: متتابعات، والمعنى: إذا عطس الإنسان ثلاث عطسات متتابعات، لا يفصل بينها فاصل، فحمد الله؛ فإن إيمانه يثبت في قلبه، ولا يتزلزل. والحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس، وهو مملوء من الأحاديث الضعيفة، والواهية. وتقدم ذكر ترجمة الديلمي في نهاية شرح حديث رقم "٥٢"فارجع إليه.
следующие страницы →