← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7266

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (325 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٧٧- " أَنْفِق؛ أُنْفِق عليك " ١. رواه أحمد، والشيخان عن أبي هريرة. ش- قوله: "أنفق" الأولى بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسرالفاء: أمر بالإنفاق، وقوله: "أنفق عليك" بضم الهمزة، وسكون النون: جواب الأمر؛ والإنفاق: إخراج المال من اليد، ومنه: نفق البيع؛ أي: خرج من يد البائع إلى المشتري، ونفقت الدابة: خرجت روحها، ونفق الزاد: فني، والإنفاق قد يكون في المال، وفي غيره. وقد يكون واجبًا، وتطوعًا، والكل مطلوب. والمعنى: أن الله أمر عبده أن ينفق في المصالح الخيرية، والمشاريع الحيوية، مما أنعم الله عليه، وجعله حاكمًا عليه، وتحت يده من نقدٍ، أو عرض تجارة، أو غير ذلك مما يحوزه الإنسان، ويملكه؛ لأن المال كله من الله ، رزقه عبده ليصرفه في منافع المسلمين إذا زاد عن كفايته، وكفاية من يلزمه نفقته شرعًا أخذًا من أدلة أخرى معلومة مقيدة بذلك، ولا ريب أن الإنفاق على الأهل والأقارب غيراللازمة نفقتهم أولى، وأفضل من النفقة على غيرهم، والأفضل والأحرى صرف المال على الفقراء والمساكين المتمسكين بشعائر دينهم من صلاة، وصيام، وزكاة، وغير ذلك من فرائض الإسلام، وأركانه، وواجباته، ولأن تقديمهم بذلك لذلك أردعُ لغيرالمتمسِّكين، وأرغب لهم في التمسك لذلك، ويراعى في ذلك ما كان نفعه أعم، وفائدته أشمل، وثمرته أعظم، وقوله: "أنفق عليك" أي: أعوضه لك، وأعطيك خلفه، بل أكثرأضعافاً مضاعفة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] ، ولم يقيده بمقدار. نسأل الله الهداية إلى الشرع الشريف، والعمل بأحكامه. روي البخاري مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما، اللهم أعط منفقًا خلفًا! ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفًا! " ٢

стр. 177

حديث شريف: أيما عبد من عبادي يخرج مجاهدا في سبيلي ... ٧٨- "أيُّما عبدٍ من عبادي يخرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاءَ

стр. 178

مرضاتي؛ ضمنت له أن أُرْجعه -إن رجعْتُه- بما أصاب من أجر، أوغنيمة، وإن قبضته أن أغفر له، وأرحمه، وأُدْخله الجنة" ١. رواه أحمد، والترمذي، والطبراني عن ابن عمر. ش- الجهاد تكلمنا عليه في تعليقنا على "مختصر شعب الإيمان" صفحة ٧٥ فارجع إليه؛ تجد ما يسرك. وقوله: "في سبيلي" السبيل: الطريق الذي فيه سهولة، وجمعه: ُسُبل. والمراد به هنا: الطريق الذي عبَّده المولى جلَّ، وعلا، وشرعه لعباده، وسهله، وأحكمه، لا طريق غيره مما يخالفه. وقوله: "ابتغاء مرضاتي" الابتغاء: طلب الشيء، فتارة يكون لله، وتارة لغيره، فما كان لله أُثيبَ عليه صاحبُه. وقيل: وما كان لغيره جل، وعز؛ أُحبِط، وعوقب، أو لا ثواب فيه. والغنيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب. والحديث عزاه المنذري إلى النسائي أيضًا، وروي مالك، والبخاريُّ، والنسائي: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق بكلماته بأن يدخله الجنة، أو يردَّه إلى مسكنه، مع ما نال: من أجر، أوغنيمة" ٢. والمعنى: أن الله تقدَّست أسماؤه يخبرنا أن من خرج من عباده مجاهدًا في سبيله، قاصداً بذلك مرضاة الله ورضاه، لا أمرًا آخر، يضمن له إن رجع وعاش أن يرجعه إلى وطنه بما؛ أي: بالذي أصاب من أجرأوغنيمة، وإن لم يرجع بأن قبضه الله تعالى وتوفاه شهيدًا في ميدان القتال، أو حتف أنفه، أن يغفر له جل ذكره ذنوبه -إن كانت له ذنوب- ويرحمه، ويدخله جنته؛ لجوده بنفسه، وبذله إياها في رضا الذي خلقه، وهذا غاية ما يرجوه العبد، ففيه الحَثُّ على الجهاد بأقسامه كلها، وأن تكون نيته خالصة لإعلاء كلمة الله جل ذكره، وانتشار الإسلام، وهدم الكفر وأهله. والله أعلم.

стр. 179

٧٩- " أيُّما مؤمن عطس ثلاث عطسات متواليات ؛ إلا كان الإيمان ثابتًا

стр. 180

في قلبه" ١. رواه الديلميُّ عن أنس: أنه ﵊: قال: "أخبرني جبريل ﵇ عن الله: أيُّما" إلى آخره. ش - العطاس -بضم العين المهملة- معروف. ومتواليات: متتابعات، والمعنى: إذا عطس الإنسان ثلاث عطسات متتابعات، لا يفصل بينها فاصل، فحمد الله؛ فإن إيمانه يثبت في قلبه، ولا يتزلزل. والحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس، وهو مملوء من الأحاديث الضعيفة، والواهية. وتقدم ذكر ترجمة الديلمي في نهاية شرح حديث رقم "٥٢"فارجع إليه.

стр. 181

٨٠- " إنِّي أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي ، فمن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله؛ فله الجنة" ١. رواه الديلمي عن ابن عباس أنه قال: أول شيء خطَّه الله في الكتاب الأول.. إلى آخره. ش - الرحمة في الأصل: رقة في القلب تقتضي الإحسان، والعطف، والحنان على المرحوم، فتحركه إلى قضاء حاجته، والتلطف به، وقد يستعمل تارة في الرِّقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة، نحو: رحم الله فلانًا. فإذا وصف به الباري تباركت أسماؤه، وتنزهت صفاته، فلا يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة، وعلى هذا: فإن الرحمة من الله تعالى: إنعام وإفضال، ومن الآدميين: رقة، وتعطف، فالله ركز في طبائع الناس الرقة، وتفرد بالإحسان؛ ورحمة الله سبحانة في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مختصة بالمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [ألأعراف:١٥٦] والغضب: تكلمت عليه في شرح الحديث "٢٧"فارجع إليه. والمعنى: أن الله سبحانه أخبر أنه الإله المنفرد بالألوهية، وقد سبقت رحمته، وإحاسنه، ولطفه غضبه وانتقامه ممن أساء لنفسه، وخالف مولاه، واتبع شيطانه، وهواه. وأن من شهد لله جلَّ ذكره بالوحدانية المطلقة، ولرسوله محمد ﷺ بالرسالة والعبودية له الجنة، يدخله الله من أي باب شاء.

стр. 182

وهذا مقيَّد بمن واظب على المأمورات، واجتنب المنهيات، كما يؤخذ من أدلة أخرى، لا تخفى على المطلع. وسند الحديث -والله أعلم- كسابقه.

стр. 183

٨١- " الرَّحِم شُجنة مني، فمن وصلها؛ وصلته ، ومن قطعها؛ قطعته" ١ رواه الطبراني، وأبو يعلى عن عامر بن ربيعة. ش - الرحم: تقدم الكلام عليه، فلا حاجة إلى الإعادة. وقوله: "شجنة" بكسر أوله وضمه، وسكون ثانيه هي في الأصل: عروق الشجر المشتبكة، والمراد بها هنا: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق. شبهه بذلك مجازًا، واتساعًا، وباقي الكلام على الحديث تقدم غير مرة، فارجع إليه.

стр. 184

٨٢- " الحسنة بعشر أمثالها، أو أزيد ، والسيئة واحدة، أو أغفرها، ولو لقيني بقراب الأرض خطايا؛ لم يشرك بي شيئًا؛ لقيته بقرابها مغفرة" ١. رواه مسلم. وأبو نعيم عن أبي ذر. ش- تقدَّم الكلام على بعض معانيه. وقُراب بضم القاف، وحُكِي كسرها: مصدر قارب، يقارب؛ أي: بما يقارب ملأها. والمعنى: أن الله ﵎ يخبرنا بأن الحسنة الواحدة إذا فعلها العبد لا تقل عن ثواب عشرة أمثالها إلى مالانهاية قدرًا وكمية. وإذا فعل السيئة الواحدة لا يزيد عليها عقابها عن حسنة مثلها، هذا إذا حاسبه الله عليها، وعاقبه. وإذا شاء غفرها له، ولو أن العبد لقي الله تعالى ذكره بما يقارب ملء الأرض خطايا، وذنوبًا، ولم يشرك اله تعالى فيها شيء؛ لقيه مولاه وباريه بما يقرب ملأها مغفرة. وهو حث على الإنابة إليه تعالى، وعدم القنوط من رحمته،

стр. 185

والإخلاص في العبادة لله وحده بدون تشريك في الأعمال، والأفعال، والعقائد، فلا يشرك مع الله غيره من نفس، وهوى، وشيطان، وشيخ طريقة، ومربٍّ، وولي صاحب قبة، وغير ذلك مما يدخل فيها. نسأل الله السلامة في ديننا من أن نشرك أحداً مع الله تعالى في جميع أحوالنا، وأطوارنا. والله أعلم.

стр. 186

الحسنة عشر وأزيد والسئية واحدة ... ٨٣- "الحسنة عشر، وأزيد، والسيئة واحدة، وأمحوها، والصوم لي، وأنا أجزي به. الصوم جُنَّة من عذاب الله كمِجَن السلاح من السيف" ١. رواه البغوي عن رجل. ش- الصوم معناه في اللغة: مطلق الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، بأن يكف فمه، ودبره عن إيصال شيء إلى الداخل، وفرجه عن الوصال من طلوع الفجر إلى أذان المغرب. وقوله: "جنة" بضم الجيم، وتشديد النون المفتوحة: ما يجنك؛ أي: يسترك ويقيك. والمجن -بكسر الميم، وفتح الجيم، وتشديد النون-: الترس. والمعنى: أن الصوم لله جل ذكره؛ لأنه لا أحد يطلع عليه إلا الله؛ لأنه عمل مستور؛ لذلك أضافه إلى نفسه، ولما كان كذلك: فالله جل ذكره يجزي به بنفسه، وإن كانت باقي الأعمال كذلك إلا أن الله سبحانه يعتني به زيادة من غيره من الأعمال بدون أن يُطلع أحداً على ثوابه، فإن فيه تهذيب النفس، وتشبيهها بالملائكة، وهو وقاية للنفس، تحفظها من الوقوع في المكاره، كما أن الترس يتقي به المحارب سلاح خصمه، كالسيف وغيره، فانظر كيف يبين لنا الشارع المنافع التي تنقذنا من الآفات، وكيف نتقي المعاصي والمخالفات إذا هجمت علينا، وقائدها إبليس الرجيم، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى المتبع. نسأل الله أن يلهمنا ما يدفع الشيطان وجنوده بكثرة التعبد، والانكباب على الأعمال الصالحة، والمشاريع الخيرية.

стр. 187

٨٤- " الحسنة بعشر، والسيئة بواحدة، أو أغفرها ، ولو لقيني بقراب الأرض خطيئة. ومن همَّ بحسنة فلم يعملها؛ كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها؛ لم يكتب عليه شيء، ومن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا؛ تقربت منه باعًا" ١. رواه الطبراني عن أبي ذر.

стр. 188

٨٥- " الصوم جُنَّة من النار، ولي الصوم ، وأنا أجزي به، يَدعُ شهوته، وطعامه، وشرابه من أجلي، لَخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ١. رواه البغوي، والطبراني، وعبدان عن بشير بن الخصاصية.

стр. 189

٨٦- " الصوم جنة يَسْتجنُّ بها عبدي من النار "١. رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي عن أبي هريرة.

стр. 190

٨٧- " الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ، والصوم لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه، وشرابه من أجلي. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك! " ١. رواه الطبراني في الكبير عن بشير بن الخصاصية، وأبي هريرة.

стр. 191

٨٨- " الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ، وهو لي، وأنا أجزي به" ١. رواه أحمد، والبيهقي عن جابر.

стр. 192

٨٩- " الصيام لي، وأنا أجزي به " ١ رواه البزار عن أبي هريرة.

стр. 193

ش- الحديث الأول: تقدَّم الكلام على بعض ألفاظه قريبًا، فلا حاجة للإعادة. وقوله: "ومن هم" تقدم الكلام على الهم، فأغنى عن إعادته. كذلك قوله: "ومن تقرب مني شبراً ... إلخ" سبق ذكره. وقوله في الحديث الثاني: "لخلوف" الخلوف؛ بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام: تغير رائحة الفم من الصوم. وقوله في الحديث الثاني: "رواه البغوي" هو الإمام الحافظ محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد صاحب المصنفات العظيمة، منها: شرح السنة، والمصابيح. توفي سنة ست عشرة وخمسمئة.

стр. 194

٩٠- " العِزُّ إزاري، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني منهما شيئًا؛ عذبته ". رواه مسلم عن أبي سعيد١. وسمويه عنه، وعن أبي هريرة معناه، والطبراني في الأوسط، والصغير عن علي٢.

стр. 195

٩١- " الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي ؛ قصمته ". رواه الحاكم عن أبي هريرة١.

стр. 196

٩٢- " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدًا منهما؛ قذفته في النار" ١. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي هريرة. ش- العز بكسر العين المهملة ضد الذل- والعزة: القوة، وهي حالة مانعة للإنسان من أن يُغلَب. والإزار: الثوب الذي يتزر به. والكبرياء: العظمة، والملك. والرداء:

стр. 197

الثوب الذي يرتدى به من الحر والبرد. والقصم: كسر الشيء، وإبانته. والقذف: الرمي بقوة. وضرب الإزار والرداء مثلًا في إنفراده جل ذكره بصفة العظمة، والكبرياء، والعز، والقوة؛ أي: ليست كسائر الصفات التي قد يتصف بها الخلق مجازاً، كالرحمة، والكرم، وغيرهما، شبه ما ذكر بالإزار، والرداء؛ لأن المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء الإنسان، ولأنه لا يشاركه في إزاره، وردائه أحد، فكذلك الله تعالى لا ينبغي أن يشركه في هذه الصفات أحد. والمعنى: أن الله يخبرنا، ويعلمنا: أن العز، والقوة، والكبرياء، والعظمة هي مختصة بالله تعالى، لا يشاركه في هذه الصفات أحد من خلقه، ولا يليق، لا جن، ولا أنس، ولا ملك، ولا سلطان، ولا فقير، ولا غني ولا صعلوك، كاختصاص أحدكم بردائه وإزاره، فإنهما يشملانه دون غيره، وهذا ضرب مثل تقريبي إلى عقول البشر حسب عاداتهم وعرفهم ليفهموا، ويعقلوا، فمن نازع المولى جلَّ علاه في شيء من هذه الصفات المختصة به جل وعز؛ قذفه في ناره -وهو قادر على ذلك بدون مانع مطلقًا- وعذبه بها، وقصمه. وفيه: الزجر عن ادِّعاء العزة، والكبرياء، والعظمة، والقوة؛ لأنها لا يوصف بها في الحقيقة على الإطلاق غير الخالق، البارئ، العالم، الواجد من العدم، وهي دائمة باقية لله . "فإن قيل": إن كثيرًا من الخلق مؤمنًا كان أو كافرًا عند العزة، والقوة، ولا سيما الكفار في عصرنا الحاضر، فالجواب: أن هذه القوة، والعزة هي سحابة صيف، لا تستمر، وهي في الحقيقة ذلك لهم؛ لأنهم يعملون أعمال البهائم، والمتوحشين، والجمادات في النوع الإنساني، وما حرب بولندة، وأخذها، واغتصابها من يد أهلها ببعيد، فنسأل الله عزة النفس، والقوة المثمرة التي تَحْملنا على المدافعة عن حقوقنا المقدَّسة، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالمم بحديد.

стр. 198

٩٣- " المُتحابُّون في جلالي لهم منابر من نور ، يغبُطهم النبيون، والشهداء" ١. رواه الترمذي عن معاذ.

стр. 199

٩٤- " المتحابون لجلالي في ظِلِّ عرشي يوم لا ظل إلا ظلي" ١. رواه

стр. 200

أحمد، والطبراني في الكبير عن العرباض بن سارية. ش- المتحابون: المتوادون، والتحابب: التوادد، وتحابوا: أحب بعضهم بعضًا. والجلال: التناهي في عظم القدر، وخصَّ بوصف الله بقوله: "ذو الجلال والإكرام" ولم يستعمل في غيره. والمنابر: جمع مِنبر، معروف. وقوله: "يغبطهم" من الغبطة بكسر أوله وسكون ثانيه. يقال: غبطت الرجل، أغبطه، غبطاً: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله، وأن يدوم عليه ما هو فيه، فالغبط حسٌّ خاص مقبول. والنبيون: جمع نبي، وهو بشر أوحي إليه بشرع يعمل به، فإذا أمر بتبليغه فيكون رسولا أيضًا. والشهداء: جمع شهيد، وهو في الأصل من قتل مجاهداً في سبيل الله، ثم اتسع فيه، فأطلق على من سماه النبي ﷺ : من المبطون، والغريق، والحريق، وغير ذلك. والظل: الفيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس أي شيء كان. وقيل: هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس، وما كان بعده فهو الفيء. والعرش في الأصل شيء مسقف، وعرش الملك: سريره. ويطلق أيضًاعلى معانٍ أخر منها: عرش البئر: طليها بالخشب، وعرش السماء، والملك، والسلطان، والعز، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته. والمعنى -والله أعلم-: أن الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته. والمعنى -والله أعلم-: أن المتحابين في جلال الله؛ أي: المخلصين في المحبة لله، لا لحظٍّ دنيوي، ولا أخروي. والمتحابون في الله على ثلاثة أنواع، الأول: إما أن يكون الشخصان تحابا في الله جل علاه مع رجاء حطام في هذه الدار معنويًا كان، أو حسيًا، فهذا طالب حاجة، وهمته في دنياه، فليس له إلا حاجته قضيت، أو لم تقض، كما قال ﷺ : "من كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إمرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" والثاني: أن تكون صحبته لله مع رجاء حظ أخروي حسًا كان، أو معنى، فهذا أيضًا طالب حاجة، لكن نفسه أرفع من الأول، وهو الأكثر عند المنتسبين للخير، فله حاجته قضيت، أو لم تقض. والثالث: الذي تكون صحبته لله ليس إلا، فهذا الذي يصدق عليه اسم المتحابين في الله على حقيقة اللفظ. وإذا كان كذلك لا يغيره من أخيه شيء يصدر له منه. وإذا كان على غير هذا الوجه قلما يثبت عند الامتحان، فإذا كانت نية أحدهما لله، ونية الآخر لغير ذلك، فلكل امرئ ما نوى. فإذا كان ذلك كذلك؛ فينصب لهم يوم القيامة منابر من نور، يقفون عليها، فينظر إليهم أهل الموقف، فيغبطهم على مقامهم هذا الأنبياء، والشهداء

стр. 201

ويكونوا في ظل عرش الربِّ تبارك، وتعالى يوم لا ظل يقي الإنسان من السوء إلا ظل المولى ﷻ ، فهذا مما نؤمن به، ونصدق بالأخبار الواردة فيه، والكيفية لا مجال للعقل فيها. فإن قيل: إن الظلال كلها لله ملك في الدنيا والآخرة، فما الحكمة في الإخبار بهذه الصيغة هنا؟ فالجواب: أن ظلال الدنيا وإن كانت له ﷻ فمنها ما قد جعلها ملكًا للعبيد، تملكوها بحسب ما شرع لهم ذلك، لا يتصرف فيها أحد إلا برضاهم حكم منه لذلك، مثل ظلال الحدائق الممتلكة، وظلال الله لم يجعل لأحد عليها ملكًا، فمن احتاج إلى شيء منها أخذها دون عتب له على ذلك، مثل الظلال التي في الفقر، أو التي خرج أصحابها عنها لله ، وسبلوها له. وظلال الآخرة ما فيها مباح بل كلها قد تملكت بالأعمال. والله أعلم.

стр. 202

٩٥- " النظرة سهم من سهام إبليس ، من تركها من مخافتي؛ أبدلتهُ إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" ١. رواه الطبراني والحاكم عن ابن مسعود. ش- النظرة - بفتح أوله، وسكون ثانيه من النظر للمرأة - والنظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء، ورؤيته، وقد يراد به التأمل، والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروية. يقال: نظرت فلم تنظر؛ أي: لم تتأمل، ولم تترو، والسهم واحد النبل، وهو مركب النصل، وما يرمى به، وما يضرب به من القداح ونحوه. والجمع: أسهم، وسهام. زاد الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" في هذا الحديث "سهم مسموم ... إلخ" وقال في آخره: رواه الطبراني، والحاكم من حديث حذيفة، وقال: صحيح الإسناد: وقال الحافظ: خرَّجاه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو واه. انتهى.

стр. 203

والمعنى: أن الله تباركت أسماؤه، وتنزهت صفاته يخبرنا: أن النظرة. الواحدة من الإنسان إلى المرأة الأجنبية، أو الصبي الأمر للتلذذ والاستمتاع، وإلى أموال الناس شرها، وبغضًا، وحسدًا سهم مسموم من سهام إبليس اللعين، يسلط على العبد، فيصيب به قلب المؤمن، فيصليه نار المعصية، والمخالفة، ويبعد عن الله جل ذكره، فمن جاهد نفسه، وترك هذه النظرة؛مخافة الله ؛ فإن الله سيبدله إيماناً، ويقيناً، يجد حلاوته في قلبه، فليختبر الإنسان بين مطاوعته نفسه، وإعطائها حظها، فيتعرض لسموم إبليس وجنوده، وبين أن يكف نفسه، وهواه، فلا ينظر إلى ما تقدم ذكره، فيستجلب رضا الرحمن، ويتعرض لثوابه، واللذة القلبية الإيمانية التي حلت في قلبه إعراضًا عن المعصية، وعدم التفاتٍ إلى ما ترغب فيه النفس. وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب تحث الإنسان في أن يغض طرفه عن النظر إلى ما لا يحل، فمن ذلك: ما روي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه"١ رواه أحمد، والطبراني إلا أنه قال: "ينظر إلى امرأة أول رمقة" والبيهقي، وقال: إنما أراد إن صح -والله أعلم- أن يقع بصره عليها من غير قصد، فيصرف بصره عنها تورعًا، وعن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال له: " يا علي، إن لك كَنزًا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة"٢ رواه الإمام أحمد. وقوله: "ذو قرنيها" أي: ذو قرني هذه الأمة، وذاك لأنه كان له شجتان في قرني رأسه، إحداهما من ابن ملجم لعنة الله، والأخرى من عمرو بن ود. والله أعلم.

стр. 204

بسم الله الرحمن الرحيم إن من استسلم لقضائي ... ٩٦- "بسم الله الرحمن الرحيم: إن من استشلم لقضائي، ورضي

стр. 205

بحكمي، وصبر على بلائي؛ بعثته يوم القيامة مع الصِّدِّيقين"١. رواه الديلمي عن ابن عباس ﵄: "أنه قال: إن أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: بسم الله ... إلى آخره". ش- الاستسلام: الإذعان، والانقياد، والقضاء -كما قال الراغب-: فصل الأمر قولاً كان ذلك، أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي، وبشري، فمن القول الإلهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] أي: أمر بذلك. وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء:٤] فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم؛ أي: أعلمناهم، وأوحينا إليهم وحياً جزماً. وعلى هذا ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: ٦٦] ومن الفعل الإلهي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر:٢٠] وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] إشارة إلى إيجاده الإبداعي، والفراغ منه، ومن القول البشري: نحو: قضى الحاكم بكذا؛ فإن حكم الحاكم يكون بالقول. ومن الفعل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] و ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] . وقال صاحب النهاية: أصل القضاء القطع، والفصل، يقال: قضى، يقضي، قضاء فهو قاض: أي: حكم، وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق. وقال الأزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء، وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو أدين أو أوجب، أو أعلم، أو أنفذ، أو أمضي، فقد قضي، والحكم بالشيء: أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك، أو لم تلزمه. والصبر والبلاء تقدم تعريفهما. والقيامة عبارة عن قيام الساعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم:١٢] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] والقيامة: أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعة، وقوله: "الصديقين" جمع صِدِّيق، وهو من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قط، وقيل: بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله.

стр. 206

والمعنى: أنَّ من استسلم، وانقاد، وأذعن لقضاء الله جل ذكره، ورضي بحكمه، وصبر على ما ابتلاه الله به من البلايا، والمصائب، ولم يقل ما يغضب الباري تعالى، بل قابل ذلك بالحمد، والشكر؛ بعثه الله يوم القيامة يوم العرض على رب الأرباب يوم يعض الكافر على يديه ويقول: يا ليتني كنت ترابًا، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٧] يوم حشر الأشباح مع الأرواح، يوم المحاسبة والمجازاة؛ مع الصديقين الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا ما أمروا به حقًا، واتبعوا سنن المصطفى ﷺ ، وصدقوا بما جاء به الشرع المنيف دين الإسلام. اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين!

стр. 207

٩٧- "تعجز يابن آدم أن تصلي أول النهار أربع ركعاتٍ؛ أكفك آخر يومك" ١. رواه البغوي عن أبي مرة الطائفي. ش-العَجْز-بفتح العين المهملة، وسكون الجيم- نقيض الحزم، يقال: عجز عن الأمر يعجز -بكسرالجيم- وعجز عجزًا فيهما. والعجز الضعف وصار في التعاريف اسمًا للقصور عن فعل الشيء وهو ضد القدرة. والمراد بالصلاة أول النهار صلاة النفل، وقيل: صلاة الفجر وسنته، وهو بعيد. وفيه الحث على الصلاة النافلة قبل الظهر، فإنها تكفي الإنسان دفع ما يعرض له باقي اليوم مما يضر الإنسان ويؤذيه آخر يومه ذلك، وقد تقدم الحديث في أول الكتاب.

стр. 208

٩٨- " توسَّعت على عبادي بثلاث خصال: بعثت الدابة على القمح والشعير، ولولا ذلك لكنزهما الناس، وتغيير الجسد بعد الموت، ولولا ذلك لما دفن حميم حميمه، وسلبت حزن الحزين، وإلا ما كان يسلو"١. رواه ابن عساكر عن زيد بن أرقم.

стр. 209

ش- التوسيع: خلاف التضييق، والخصال: جمع خصلة؛ أي: حالة، والبعث، والابتعاث: بمعنى الإرسال، والدابة كل ما يدب على الأرض من الحيوان. والمراد به هنا: السوس، وهو الدود الذي يأكل الحب، والخشب، الواحدة: سوسة، فإذا وقع السوس في الحب، فلا يكاد يخلص منه، والقمح، والشعير: معروفان. والكَنز -في الأصل- المال المدفون تحت الأرض، والمراد به هنا: الجمع، والادخار، والتغيير والتبديل في حالة إلى أخرى. والحميم: القريب الذي يهتم لأمرك، والسلب: نزع الشيء من الغير على القهر، والحزن -بضم الحاء المهملة، وسكون الزاي، وبفتحها-: ضد السرور، والسلو: الصبر، يقال: سليت عن كذا، وسلوت عنه، وتسليت: إذا زالت عنك محبته. والمعنى -والله أعلم-: أن الله تبارك، وتعالى أخبر أنه توسع على عباده بخصال ثلاثة، ولم يضيق عليهم -كرماً منه، ورحمة بهم- الخصلة الأولى: أن الله جل وعلا بعث وأرسل الدابة -التي تسمى السوس- على القمح والشعير وسلطها عليهما؛رحمةً بالعباد، ورأفة بهم؛ لأنهما قوت العباد الضروري لهم ولو لم يفعل ذلك بل حفظهما كباقي أنواع الأصناف الأخر لاجتهد الناس في كنزهما، وادخارهما، والحرص على إخفائهما عن أعين الناس، إما لشدة حاجة الناس إليهما، فبيعهما المدخر بثمن متفاحش جدًا، أو ليأتي يوم تصيب الزرع آفة سماوية، أو أرضية، فيقل القمح والشعير، فلا يجدهما الإنسان ولو بثمن متفاحش، فيخرجهما المدخر، ويقتات هو وعياله ودوابه منهما، فلا يحتاج حينئذ، وفي كل منهما مشقة، وحرج، وتضييق على الناس، فسهل الله للعباد، وأرسل هذه الدودة، وسلطها عليهما لئلا يدخر أحد منهما شيئًا سنين، فيضيق الناس، ويحرجون فسبحانه من إله ما أكرمه، وأحلمه، وألطفه، وأرأفه بعباده! الخصلة الثانية: تغيير الجسد بعد الموت، وتبديله من حالة مرضية مقبولة إلى حالة نتن، وقذر تعافه النفوس، ولا تتمكن من الإقبال إليه، والاستمتاع به، كما كان قبل الموت، فيتبدل إلى جيفة تنفر منها الطباع، وتشمئز منها النفوس، ويتمنون زوالها من بين أيديهم، وإبعادها عنهم، ولو كان الجسد جسد أحب الناس إليهم، وأرضاه عندهم، وأقربه لديهم، وذلك رفق بالناس، ورحمة بهم، وتوسعة، ولولا ذلك لما دفن صديق قريب صديقه القريب، وشحَّ بدفنه، وجعله معه يتردد إليه، ويتمتع بجسده الفاني، ولربما تغالى في حبه، وتعظيمه، والثناء عليه، فيحفظه من أن تمتد إليه يد بسوء، فيموت الآخر، وهكذا، فتضيق الدنيا على أهلها، فيكون الحرج، والمشقة،

стр. 210

فرفع المولى ذلك عن عباده، ووسع عليهم بأن غير الجسد، فيزهد الناس فيه، فيدفن، ويقبر، ويذهب، فتأكله الأرض والدود. فسبحانك يا رب ما أرأفك بعبادك، وأرحمك! والخصلة الثالثة: أن الله -جل ذكره- إذا حزن عبده بسبب فقد ولد له، أو قريب، أو أصابه بلاء، أو ذهب ماله بسبب ما، أوغير ذلك؛ يسلب، ويذهب من صاحب الحزن حزنه، وينسيه ذلك؛رحمةً بنا، وتوسعة على خلقه، وإن لم يفعل الله ذلك به، وتركه ونفسه؛ لأصبح وأمسى حزينًا لا يفكر في شيء ما، وكذلك غيره، فتتعطل مصالح الناس، وتشل حركتهم، وتضييق معايشهم، ويحصل الخلل، والتوازن. فسبحانك من إله تعبد لذاتك! اللهم إني أسالك أن توفقني، وإخواني إلى شكرك، والاستسلام لقضائك، وحكمك، والانقياد لأوامرك!

стр. 211

٩٩- " ثلاث من حافظ عليهن؛ كان وليي حقًا ، ومن ضيَّعهن؛ كان عدوي حقًا: الصلاة، والصوم، والغسل من الجنابة"١. رواه البيهقي عن الحسن مرسلًا، وابن النجار عن أنس. ش- الولي: ضد العدو. وهو فعيل إما بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله أمره، وحفظه على التوالي، فلا يكله إلى نفسه طرفة عين، قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٦] وإما بمعنى فاعل، وهو من يتولى عبادة الله، وطاعته، ويتوالى عليه من غيرتخلل بمعصية، وكلا الوصفين شرط في الولاية، كما ذكره القشيري٢، والمراد به هنا: من حافظ على ثلاث: الصلاة، والصوم، والغسل من الجنابة. والعدو: ضد الولي. والصلاة، والصيام: تقدم الكلام عليهما قبل. والغسل -بضم الغين المعجمة-: إراقة الماء على

стр. 212

جميع البدن، ودلكه، وتعميمه مع النية، والجنابة: أمرمعنوي يقوم بالإنسان بسبب الجماع، أو نزول المني منه، وهي في الأصل: البعد؛ لأن الجنب -الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني- نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر. وقوله "مرسلًا": يعني: أن الحديث روي مرسلًا. والمرسل: ما سقط منه الصحابي؛ لأن الحسن البصري ﵁ تابعي، ولا يصح الاحتجاج بالحديث المرسل، ورواه ابن النجار عن أنس، فهو مرفوع من طريقه، والله أعلم، والمحافظة على هذه الأشياء: المواظبة، والاستمرار عليها. والمعنى: أن الله جل ذكره يُخبرنا أن ثلاث أمورمن حافظ عليهن، أي: من أتى بهن، واستمر عليهن بدون تركهن مرة واحدة؛ كان ولي الله حقًا، وتولي الله أموره، وكان ناصرًا له، فيكلؤه بعنايته، ويوفقه للأعمال الصالحة، فلا يأتي إلا بخير؛ الأمر الأول: الصلاة؛ بأن يأتي بها مستجمعة الأركان، والشرائط، والمندوبات، في أول أوقاتها المحددة لها شرعًا -وهي أفضل الأعمال بعد الشهادتين، وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة- كما ورد الحديث بذلك عن أنس. والثاني: الصوم؛ بأن يمسك عن الأكل، والشرب، والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويمسك نفسه عن الفحش، وما يستقبح من الأعمال، والألفاظ المؤذية بحيث إذا آذاه أحد، أو شتمه، أو سابه، أو قاتله؛ فلا يرد عليه، بل يقول له: إني صائم، إني صائم، كما ورد في الحديث القدسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله؛ فليقل: إني صائم، إني صائم" ١ رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. الثالث: الغسل من الجنابة؛ بأن يصب الماء على بدنه، ويعم جميع أعضائه إذا جامع امرأته، أو احتلم في منامه، أو إذا نظر فأمنى مع المحافظة على ذلك، وينوي بقلبه ذلك. فمن ترك أحد هذه الثلاثة عامدًا متعمدًا؛ فقد برئت منه ذمة الإسلام، وخرج من

стр. 213

ربقة الإيمان، وأصبح كافراً؛ بحيث إذا مات لا يُصلى عليه، ولا يُدفن في قبور المسلمين، وأرى أن ناساً كثيرين ممن ينتسب إلى العلم في عصرنا الحاضر يتهاونون بإحدى هذه الأمور، ورأيت أحد الناس ممن لنا به صلة واطلاع يترك الصلاة عامداً متعمداً، والصوم في شهر رمضان، ويحمل زوجته على الفطر فتارة تأبى عليه ذلك، وتقوى، وتغلبه، فلا تطاوعه، وتظل صائمة، وتارة يسيطر عليها، ويغلبها فتفطره ولا يغتسل من الجنابة بشهادة زوجته بذلك، فإنِّا لله، وإنِّا إليه راجعون. فاللهم اهد قومي فإنهم ارتكبوا كل معصية من المعاصي التي كانت الأمم تؤاخذ بواحدة منها، وتؤخذ أخذ عزيز مقتدر، فما أرحمك بأمة محمد ﷺ ! وعدم أخذك إياهم بجريمتهم، كما كنت تفعل بالأمم المتقدمة إكراماً لرسولك ونبيك!

стр. 214

١٠٠- " ثلاثة أنا خصْمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً، ثم أكل ثمنة، ورجل استأجر حرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" ١. رواه أحمد. والبخاري عن أبي هريرة. ش - الخصم: مصدر خصمته -أي: نازعته- خصمًا، يقال: خاصمته، وخصمته، مخاصمة، وخصامًا، ثم سمي المخاصم خصمًا، واستعمل للواحد، والجمع، وربما ثني، وقال الهروي: الواحد بكسر أوله، وقال الفراء: الأول قول يتعلق كل واحد بخصم الآخر؛ أي: جانبه، وأن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب. والغدر: الإخلال بالشيء، وتركه، والغدر يقال لترك العهد ونقضه، ومنه قيل: فلان غادر، جمعه: غدرة، وغدَّار: كثير الغدر. والحر خلاف العبد. وقال الخطابي: اعتباد الحر يقع بأمرين: أن يعتقه، ثم يكتم ذلك، أو يجحد، والثاني: أن يستخدمه كرهاً بعد العتق. والأول أشدهما. وقال الحافظ ابن حجر: وحديث الباب - أعني: هذا، أشد؛ لأن فيه مع كتم العتق، أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع، وأكل الثمن، فمن ثم كان الوعيد عليه أشد. والمعنى: أن الله سبحانه يخبرنا أن ثلاثة من العباد يكون خصمهم يوم القيامة بسبب ما ارتكبوه من الآثام الفظيعة، والظلم المتناهي؛ الأول: رجل، وعبد من عباده أعطى

стр. 215

به ثم غدر؛ أي: أعطى يمينه به؛ أي: عاهد عهدًا، وحلف بالله على ذلك، ثم نقضه. ولا شك أن الغدر من أكبر الصفات المذمومة، والمفاسد العظيمة، وليس من أخلاق المؤمن الغدر، بل الوفاء بالعهد، وإمضاؤه؛ لأن في نقضه إخلالًا بنظام الحياة العامة، والقوانين الدستورية، ويفسد على المرء تدبيره لمصلحته نفسه، وغيره، وإضرارًا بمن عاهده، ثم نقض عهده، فلذلك جاء في القرآن الحكيم الحث على إمضاء العهود، والوفاء بها، والتزامها، وعدم نقضها أيا كانت، ولو مع قوم غير مسلمين؛ بشرط أن لا يُخلُّوا بشروطها بالإتيان بما ينافيها مما يضر بصالح المعاهد، ويضعفه، ويحل عزائمه، ويقوى أعداءه عليه. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل:٩١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٤] وروي البخاري، ومسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان" ١ وما أصعب هذا التشهير بالغادر على رؤوس الأشهاد يوم القيامة! حيث العالم كله مجتمع، ويرون حالته، وما هو عليه من التشنيع، والخزي، والتوبيخ، والتعذيب. ولا ريب أن هذه الحالة،هي أفظع حالة يراها الخلق؛ لأن الغدر أكبر جريمة ترتكب، وصاحبه مهان، ذليل، حقير، تستنفر منه الطباع الحساسة، وتستقبحه العقول السليمة الراقية. وأصبح في عصرنا الحاضر الغدر منتشرًا، فلا تخلوا عائلة منه، فإن قيِّم العائلة يعطي زوجته، وأولاده، أو أخته، أو أحد أقاربه العهود، والمواثيق، والأيمان الغليظة أنه سيعطي فلانًا كذا، وفلانة كذا، ويكتب لفلان كذا، ويحيى فلانا كذا، ثم يصبح ثاني الأيام، أو بعد أيام، أو أشهر، وينقض العهد، ويعبث بالأيمان، والمواثيق، ولا يعبأ بما هدده الشارع به، وأمره بالنزاهة، والوفاء به، وكذا تجد الغدر في القرى، والأرياف، سواء كانت قريبة إلى المدن العامرة منتشراً، وكذلك في المدن الكبيرة، والصغيرة، وكلما ارتقت أهل المدينة في المدنية، والترفه، والتأنق الحديث كلما ازداد الغدر، وتنوع، واختير له أساليب جديدة مموهة، وآلات اصطناعية مشوهة، حتى صار
следующие страницы →