← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7266

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (325 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٩٩- " ثلاث من حافظ عليهن؛ كان وليي حقًا ، ومن ضيَّعهن؛ كان عدوي حقًا: الصلاة، والصوم، والغسل من الجنابة"١. رواه البيهقي عن الحسن مرسلًا، وابن النجار عن أنس. ش- الولي: ضد العدو. وهو فعيل إما بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله أمره، وحفظه على التوالي، فلا يكله إلى نفسه طرفة عين، قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٦] وإما بمعنى فاعل، وهو من يتولى عبادة الله، وطاعته، ويتوالى عليه من غيرتخلل بمعصية، وكلا الوصفين شرط في الولاية، كما ذكره القشيري٢، والمراد به هنا: من حافظ على ثلاث: الصلاة، والصوم، والغسل من الجنابة. والعدو: ضد الولي. والصلاة، والصيام: تقدم الكلام عليهما قبل. والغسل -بضم الغين المعجمة-: إراقة الماء على

стр. 212

جميع البدن، ودلكه، وتعميمه مع النية، والجنابة: أمرمعنوي يقوم بالإنسان بسبب الجماع، أو نزول المني منه، وهي في الأصل: البعد؛ لأن الجنب -الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني- نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر. وقوله "مرسلًا": يعني: أن الحديث روي مرسلًا. والمرسل: ما سقط منه الصحابي؛ لأن الحسن البصري ﵁ تابعي، ولا يصح الاحتجاج بالحديث المرسل، ورواه ابن النجار عن أنس، فهو مرفوع من طريقه، والله أعلم، والمحافظة على هذه الأشياء: المواظبة، والاستمرار عليها. والمعنى: أن الله جل ذكره يُخبرنا أن ثلاث أمورمن حافظ عليهن، أي: من أتى بهن، واستمر عليهن بدون تركهن مرة واحدة؛ كان ولي الله حقًا، وتولي الله أموره، وكان ناصرًا له، فيكلؤه بعنايته، ويوفقه للأعمال الصالحة، فلا يأتي إلا بخير؛ الأمر الأول: الصلاة؛ بأن يأتي بها مستجمعة الأركان، والشرائط، والمندوبات، في أول أوقاتها المحددة لها شرعًا -وهي أفضل الأعمال بعد الشهادتين، وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة- كما ورد الحديث بذلك عن أنس. والثاني: الصوم؛ بأن يمسك عن الأكل، والشرب، والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويمسك نفسه عن الفحش، وما يستقبح من الأعمال، والألفاظ المؤذية بحيث إذا آذاه أحد، أو شتمه، أو سابه، أو قاتله؛ فلا يرد عليه، بل يقول له: إني صائم، إني صائم، كما ورد في الحديث القدسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله؛ فليقل: إني صائم، إني صائم" ١ رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. الثالث: الغسل من الجنابة؛ بأن يصب الماء على بدنه، ويعم جميع أعضائه إذا جامع امرأته، أو احتلم في منامه، أو إذا نظر فأمنى مع المحافظة على ذلك، وينوي بقلبه ذلك. فمن ترك أحد هذه الثلاثة عامدًا متعمدًا؛ فقد برئت منه ذمة الإسلام، وخرج من

стр. 213

ربقة الإيمان، وأصبح كافراً؛ بحيث إذا مات لا يُصلى عليه، ولا يُدفن في قبور المسلمين، وأرى أن ناساً كثيرين ممن ينتسب إلى العلم في عصرنا الحاضر يتهاونون بإحدى هذه الأمور، ورأيت أحد الناس ممن لنا به صلة واطلاع يترك الصلاة عامداً متعمداً، والصوم في شهر رمضان، ويحمل زوجته على الفطر فتارة تأبى عليه ذلك، وتقوى، وتغلبه، فلا تطاوعه، وتظل صائمة، وتارة يسيطر عليها، ويغلبها فتفطره ولا يغتسل من الجنابة بشهادة زوجته بذلك، فإنِّا لله، وإنِّا إليه راجعون. فاللهم اهد قومي فإنهم ارتكبوا كل معصية من المعاصي التي كانت الأمم تؤاخذ بواحدة منها، وتؤخذ أخذ عزيز مقتدر، فما أرحمك بأمة محمد ﷺ ! وعدم أخذك إياهم بجريمتهم، كما كنت تفعل بالأمم المتقدمة إكراماً لرسولك ونبيك!

стр. 214

١٠٠- " ثلاثة أنا خصْمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً، ثم أكل ثمنة، ورجل استأجر حرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" ١. رواه أحمد. والبخاري عن أبي هريرة. ش - الخصم: مصدر خصمته -أي: نازعته- خصمًا، يقال: خاصمته، وخصمته، مخاصمة، وخصامًا، ثم سمي المخاصم خصمًا، واستعمل للواحد، والجمع، وربما ثني، وقال الهروي: الواحد بكسر أوله، وقال الفراء: الأول قول يتعلق كل واحد بخصم الآخر؛ أي: جانبه، وأن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب. والغدر: الإخلال بالشيء، وتركه، والغدر يقال لترك العهد ونقضه، ومنه قيل: فلان غادر، جمعه: غدرة، وغدَّار: كثير الغدر. والحر خلاف العبد. وقال الخطابي: اعتباد الحر يقع بأمرين: أن يعتقه، ثم يكتم ذلك، أو يجحد، والثاني: أن يستخدمه كرهاً بعد العتق. والأول أشدهما. وقال الحافظ ابن حجر: وحديث الباب - أعني: هذا، أشد؛ لأن فيه مع كتم العتق، أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع، وأكل الثمن، فمن ثم كان الوعيد عليه أشد. والمعنى: أن الله سبحانه يخبرنا أن ثلاثة من العباد يكون خصمهم يوم القيامة بسبب ما ارتكبوه من الآثام الفظيعة، والظلم المتناهي؛ الأول: رجل، وعبد من عباده أعطى

стр. 215

به ثم غدر؛ أي: أعطى يمينه به؛ أي: عاهد عهدًا، وحلف بالله على ذلك، ثم نقضه. ولا شك أن الغدر من أكبر الصفات المذمومة، والمفاسد العظيمة، وليس من أخلاق المؤمن الغدر، بل الوفاء بالعهد، وإمضاؤه؛ لأن في نقضه إخلالًا بنظام الحياة العامة، والقوانين الدستورية، ويفسد على المرء تدبيره لمصلحته نفسه، وغيره، وإضرارًا بمن عاهده، ثم نقض عهده، فلذلك جاء في القرآن الحكيم الحث على إمضاء العهود، والوفاء بها، والتزامها، وعدم نقضها أيا كانت، ولو مع قوم غير مسلمين؛ بشرط أن لا يُخلُّوا بشروطها بالإتيان بما ينافيها مما يضر بصالح المعاهد، ويضعفه، ويحل عزائمه، ويقوى أعداءه عليه. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل:٩١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٤] وروي البخاري، ومسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان" ١ وما أصعب هذا التشهير بالغادر على رؤوس الأشهاد يوم القيامة! حيث العالم كله مجتمع، ويرون حالته، وما هو عليه من التشنيع، والخزي، والتوبيخ، والتعذيب. ولا ريب أن هذه الحالة،هي أفظع حالة يراها الخلق؛ لأن الغدر أكبر جريمة ترتكب، وصاحبه مهان، ذليل، حقير، تستنفر منه الطباع الحساسة، وتستقبحه العقول السليمة الراقية. وأصبح في عصرنا الحاضر الغدر منتشرًا، فلا تخلوا عائلة منه، فإن قيِّم العائلة يعطي زوجته، وأولاده، أو أخته، أو أحد أقاربه العهود، والمواثيق، والأيمان الغليظة أنه سيعطي فلانًا كذا، وفلانة كذا، ويكتب لفلان كذا، ويحيى فلانا كذا، ثم يصبح ثاني الأيام، أو بعد أيام، أو أشهر، وينقض العهد، ويعبث بالأيمان، والمواثيق، ولا يعبأ بما هدده الشارع به، وأمره بالنزاهة، والوفاء به، وكذا تجد الغدر في القرى، والأرياف، سواء كانت قريبة إلى المدن العامرة منتشراً، وكذلك في المدن الكبيرة، والصغيرة، وكلما ارتقت أهل المدينة في المدنية، والترفه، والتأنق الحديث كلما ازداد الغدر، وتنوع، واختير له أساليب جديدة مموهة، وآلات اصطناعية مشوهة، حتى صار

стр. 216

عادةً بألفها الكبراء، والعظماء، والقواد، والرؤساء، والملوك، والوزراء، فأمسى الإنسان ولا يثق بشخص مطلقًا، وضاعت الذمم، والشخصيات، وأصبح الوفاء بالعهود والأيمان في احتضار، وقريباً سيُشيَّع. اللهم ارحم عبادك، وأرشدهم إلى الأخلاق المرضية، وحببهم في الأعمال الصالحة، والأفعال المجيدة، وألهمهم الرأفة، والرحمة، والشفقة بإخوانهم؛ليأمَنوا شرهم! واعلم أن سبب الحرب التي قامت الآن في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف الهجرية نقض العهود الملتزمة، والعبث بالقوانين الوضعية الدولية، وغصب بلاد الضعفاء، والاستيلاء على أموالهم، واستعبادهم، والقضاء على استقلالهم، وما أخذ بلاد الحبشة وألبانيا وبولاندة ببعيد، فأسأل الله حسن العاقبة! الثاني: رجل من عباده باع حرًا، وأكل ثمنه بأن اعتبده محررًا، إما أن يعتقه، ثم يكتم ذلك، أو يجحده، وإما أن يستخدمه كرهًا بعد العتق، وبيعه. قال ابن حزم: إن الحر كان يُباع في الدَّين حتى نزلت: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] واستقر الإجماع على المنع، وخصَّ الأكل بالذكر؛ لأنه أعظم مقصود، هذا الزجر العظيم لمن استعبد رجلًا واحدًا فما بالك فيمن استعبد ممالك، وعبادًا، واغتصب حقوقهم واستولى على أموالهم وتجارتهم، وقضى على استقلالهم؟! الثالث: رجل استأجر أجيرًا، وعاملًا بأجر مخصوص، وعمل كذلك، فاستوفى منه عمله، ولم يعطه أجره، وهذا يصدق بأن استخدمه، وأعطاه أقل مما يستحق، أو منعه أجره، ولم يعطه شيئًا منه، وهذا أيضًا من باب التعبد، والاستخدام بغير أجرة، ولأنه استوفى منفعته بغير عوض، فهو ظالم له، وقد ورد الترغيب بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. رواه ابن ماجه، والطبراني وغيرهما. فإن قيل: هؤلاء كلهم ظلمة، والله خصم لجميع الظالمين، فما وجه التصريح بهذا الحديث؛ بأن الله خصْمٌ لهم؟ والجواب: والله عز، وجل وإن كان كذلك إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح لفظاعة أمر ذلك في هذه الأشياء، واستقباحه. والله أعلم.

стр. 217

١٠١- " ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا حين أخذت

стр. 218

بكظمك؛ لأُطَهرك، وأزكيك. وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك" ١. رواه عبد بن حميد عن ابن عمر. ش - الكظم -بالتحريك- هو مخرج النفس من الخلق وانقطاعه، والمعنى: أن الله منح عباده خصلتين ليس لأحد خلقه تأثير فيهما. إحداهما: جعل الله للعبد نصيبًا من ماله حين تخرج روحه، وينقطع نفسه لتطهير العبد به، وانتفاعه بعد موته، وتزكيته نفسه، والثانية: جعل صلاة العباد على الميت بعد انقضاء أجله زكاة له، وطهرًا أيضًا ينتفع بها يوم الحساب والجزاء. فانظر ما أكرم المولى وأرافه بعباده! وما أسوأ العبد المرتكب الذنوب! وما أهمله لأوامر ربه وخالقه! أليس الأجدر به أن يكون ملتزمًا لأحكام شرعه، وسنن نبيه ﷺ ، فلا يأتي إلا ما شُرع، وأُبيح له، ويتجنب المكروه والمبغوض، والممقوت لباريه ومولاه؟ اللهم اهدنا سبيل الصواب ووفقنا لما تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين!

стр. 219

١٠٢- " حقَّت محبتي للمتحابين في ، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون، والصديقون، والشهداء" ١. رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والقضاعي عن عبادة بن الصامت. ش- حقت: وجبت. والمحبة: إرادة ما تراه، أو تظنه خيرًا، أو: تعظيم في القلب يمنع الانقياد لغير محبوبه. وقد عرفها القوم وأهل التحقيق وعبَّروا عنها بعبارات كثيرة كل واحد نطق بحسب ذوقه، وانفسح بمقدار شوقه، وهي من الأمور الوجدانية الذوقية؛ التي إنما تعلم بآثارها، وعلاماتها، فكل من أدرك بعض علاماتها عبَّر بحسب ما أدركه، وهي وراء ذلك كله.

стр. 220

والمتحابون: تقدَّم الكلام عليه، والمتواصلون: جمع متواصل، وهو من كان بينك وبينه مواصلة، ووصلة، والوصل: ضد الهجران، يقال: وصلت الشيء بغيره، وصلاً، فاتصل به، ووصلته، وصلًا، وصلة: ضد هجرته. والمتناصحون: جمع متناصح، يقال: انتصح فلان: قَبِل النصيحة، وانتصحني فإني لك ناصح، وتنصح تشبه بالتنصح واستنصحه: عدَّه نصيحًا. والنصيحة: كلمة يُعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته، ونصحت له. والمتزاورون: جمع متزاور. وتزوار القوم: زار بعضهم بعضًا. واستزاره: سأله أن يزوره. والمتباذلون: جمع متباذل، بذل الشيء: أعطاه، وجاد به عن طيب نفس، أي: الذين يجود أحدهم بمال، أو غيره لأخيه في الله، والآخر كذلك. وقوله: "يغبطهم" تقدم الكلام عليه. وقوله: "النبيون، والصديقون، والشهداء" قد ذكر قريباً، فارجع إليه، فلا حاجة إلى الإعادة، وتراجم رواة الحديث تقدم الكلام عليها كل راو في محله. والله أعلم. والمعنى: أن الله تبارك اسمه، وتعاظمت صفاته أخبرنا: أن محبته قد وجبت لأنواع خمسة؛ الأول: المتحابون في الله ، يعني: أن أحدهم أحب الآخر لوجه الله جلَّ، وعلا، لا لعلة دنيوية، ولا منفعة عظيمة أخروية، والمحبة تنقسم بحسب ثمرتها وآثارها إلى قسمين: مشتركة، وخاصة. فالمشتركة ثلاثة أنواع؛ أحدهما: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم. والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها، وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم. والنوع الثالث: محبة أُنْسٍ، وإلفٍ، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر بعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا، فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبة الله ، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء، والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع. وكان يحب نساءه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق. وأما المحبة الخاصة:التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله: فهي محبة العبودية المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا، وهي التي سوَّى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ

стр. 221

دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] . الثاني: المتواصلون في الله ، أي: وصل بعضهم بعضًا، ولم ينقطع عن أخيه في الله، ولم يهجره، وهذا يصدق بأن أحسن إليه، ومنحه صلته، وبره، واستمر على مواصلته قاصدًا بذلك وجه الله . أو: وصله بمودته، ومحبته، والتقرب إليه بمحاسن كلامه، وطوائف أحاديثه، واستمر على ذلك، ولم يهجره، ويقطعه، ويقصد في ذلك كله وجه الله، ورضاه. الثالث: المتناصحون في الله ﷻ ؛ بأن ينصح أحدهم الآخر في شخصه، وماله، وولده، وأهله، وأقاربه، ويتحرى ذلك بفعل، أو قول فيه صلاح صاحبه والنصيحة من أهم أمور الدين، وأعظمه، وبها يُقوَّم اعوجاج الخلق، وتصلح حالهم؛ لأن المؤمن للمؤمن كالمرآة، يرى عيوبه، ويكشفها، فعليه أن ينصحه، ويبذل جهده في نصيحته وإن كانت ثقيلة على المنصوح أحيانًا. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] وهي واجبة على كل مسلم لكل مسلم. قال النبي ﷺ : "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ، ولكتابه، ولرسوله ﷺ ، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" ١ رواه مسلم. وروري البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: "بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" ٢ وقال النبي ﷺ : "حق المؤمن على المؤمن ست، فذكر منها: وإذا استنصحك فانصح له" ٣ وأفضل النصيحة ما كانت سرًا، وقُصد بها وجه الله. النواع الرابع: المتزاورون في الله عز، وجل؛ أي: الذين يزورون الناس، والناس يزورونهم في بيوتهم، أو في مجتمعاتهم المشروعة، أو مكان عملهم سواء كان قريبًا،

стр. 222

أو بعيدًا، ذا رحم، أو صاحب، وصديق، ولا يقصدون بذلك إلا التقرُّب إلى الله جل ذكره، والزلفى إليه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الزيارة، وما للزائر من الخير العظيم: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ رجلًا زار أخًا له في قرية فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك؛ بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" ١ والمدرجة بفتح الميم والراء: الطريق، وأرصده: أعد له ملكًا يقعد له على الطريق يترقبه. وقوله: "تربها" أي: تقوم بها، وتسعى في صلاحها. وروي البزار وأبو يعلى بإسناد جيد عن أنس ﵁؛ عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد أتي أخاه يزوره في الله إلا ناداه من السماء: أن طِبت، وطابت لك الجنة، وإلا قال الله في ملكوت عرشه: عبدي زار فيَّ وعليَّ قراه، فلم يرضَ له بثواب دون الجنة" ٢ فهؤلاء وجبت لهم محبة الله ، والمحب مع من أحب يوم القيامة. نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يهدينا طريقهم! النوع الخامس: المتباذلون في الله؛ أي: من بذل ماله، وجاهه، وما يقدر عليه، وأعطاه، وسمح به لأخيه المؤمن المستحق عن طيب نفس ابتغاء مرضاة الله، ولم يقصد بذلك سوى وجه الله ﵎. قال الباجي: أي: الذين يبذلون أنفسهم في مرضاته من الإنفاق على جهاده عدوه، وغير ذلك مما أمروا به. والله أعلم. والحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ مطولًا.

стр. 223

١٠٣ " حقَّت محبتي للمتحابين في، أظلهم في ظل العرش يوم القيامة

стр. 224

يوم لا ظلَّ إلا ظلي" ١. رواه ابن أبي الدنيا عن عبادة بن الصامت.

стр. 225

١٠٤- " حقَّت محبتي للذين يتصادقون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي، ولا من مؤمن ولا مؤمنة يقدم لله ثلاثة أولاد من صلبه لم يبلغوا الحِنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" ١. رواه الطبراني في الأوسط، والصغير عن عمرو بن عنبسة. ش- الحديث الأول: تقدَّم الكلام عليه غير مرة، فلا حاجة للتكرار، وقوله في الحديث الثاني: "حقت محبتي للذين يتصادقون من أجلي" فحقت: وجبت. المحبة: تقدم الكلام عليها قريبًا، والذين تصادقوا، أي: صادق بعضهم بعضًا لله، لا لأمر دنيوي، ولا لغرض أخروي. والصدق ضد الكذب. يقال: صدق في الحديث، يصدق -بالضم- صدقًا. وصدقه الحديث، وتصادقا في الحديث، وفي المودة. والمصدِّق: الذي يصدقك في حديثك. والصداقة، والمصادقة: المخالَّة. والمتناصرون: الذين ينصر بعضهم بعضًا، ويتناصروا يقال: تناصرالقوم: نصر بعضهم بعضًا، واستنصره على عدوه: سأله أن ينصره عليه. والنصر: العون؛ والصُّلب: الظهر. والحنث: الإثم، والذنب. والمعنى: أن الله جل ثناؤه أخبر: أن محبته وجبت للمتحابين فيه، ويظلهم، ويقيهم من هول يوم القيامة، وشدة حره، وعذابه في ظل العرش يوم لا ظل يقي الناس من شدة ذلك اليوم إلا ظله، وقد تقدم الكلام على المحبة تفصيلًا غير مرة، فارجع إليه. ووجبت محبة الله أيضاً لمن تصادق مع أخيه لله، ومن أجله، ﷻ ، ووجبت محبته تعالى للمتناصرين من أجله. وإن المؤمن، أو المؤمنة إذا قدم لله ثلاثة أولاد من صلبه، أي: أولاد حقيقة لهم، لا أنهم ربوهم صغارًا، وجعلوهم أبناء لهم حسب التربية. وهل يدخل في ذلك أولاد الأولاد؟ فيه خلاف. ويخرج بهذا القيد أولاد

стр. 226

البنات قولًا واحدًا. وهؤلاء الأولاد صغار، لم يبلغوا مبلغ الرجال، ويجري عليهم القلم، فيكتب عليهم الحنث، والإثم، والذنب، إلا أدخلهم الله جل ذكره الجنة؛بفضل رحمته إياهم، لا بفضل صبرهم وشكرهم؛ لأن الذي وفقهم للصبر، والشكر هو الله ، والله عدل، ذو رحمة واسعة، وكرم متناه. وقد ورد في حديث آخر: أن من فقد له ولدان أيضًا له الجنة. وروي البخاري في صحيحه عن أبي سعيد ﵁: "إن النساء قلن للنبي ﷺ : اجعل لنا يوماً، فوعظهن، فقال: أيُّما امرأة مات لها ثلاثة من الولد؛ كانوا لها حجابًا من النار. قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان" ١ وفي رواية للنسائي: إن رسول الله ﷺ قال: "من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة. فقامت امرأة، فقالت: أواثنان؟ فقال: أواثنان. قالت المرأة: يا ليتني قلت: واحدًا" ٢ والله أعلم.

стр. 227

١٠٥- " حسنة ابن آدم عشر ، وأزيده، والسيئة واحدة وأغفرها" ١. رواه أبو نعيم عن أبي ذر.

стр. 228

خلفت الخير والشر ... ١٠٦- "خلقت الخير والشر، فطوبي لمن خلقته للخير، وأجريت الخيرعلى يديه، وويل لمن خلقته للشر، وأجريت الشر على يديه"١. رواه ابن شاهين عن أبي أمامة.

стр. 229

١٠٧- " خلقت بضع عشرة وثلاثمئة خُلُق ، من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله؛ دخل الجنة"١. روه الطبراني في الأوسط عن أنس.

стр. 230

١٠٨- " سبقت رحمتي غضبي " ١. رواه مسلم عن أبي هريرة. ش - تقدَّم الكلام على الحديث الأول غير مرة، وقوله: "أوأزيد" على صيغة المتكلم، ويصح أن يكون على صيغة التفضيل إلا أن قوله بعد "وأغفرها" يبعده. والحديث الثاني: ذكرنا شرحه، فارجع إليه، والحديث الثالث: تقدم ذكرمثله، وتكلمت على الخلق، وما جاء في مدحه، والحديث الرابع: تقدم الكلام على مثله، فارجع إليه، وقوله في الحديث الثالث: "بضع عشرة" البضع -بكسر الباء الموحدة، وقيل: بفتحها، وسكون الضاد المعجمة-: ما بين الثلاث إلى التسع. وروى الحكيم الترمذي في كتابه "سلوة العارفين وبستان الموحدين" عن عبد الله بن راشد قال: حدثني مولاي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله مئة وسبعة عشر خلقًا، من أتى بواحدة منهن دخل الجنة"٢. وعن مروان يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله تعالى مئة وسبعة عشر خلقًا، من جاء بخلق منها دخل الجنة بغير حساب" فقلنا: بينها لنا! قال: كظم الغيظ، والعفو عند المقدرة، والصلة عند القطيعة، والحلم عند السَّفه، والوقار عند الطيش، ووفاء الحق عند الجحود. والإطعام عند الجوع، والعطية عند المنع، والإصلاح عند الفساد، والتجاوز عن المسيء، والعطف على الظالم، وقبول المعذرة، والإنابة للحق، والتجافي عن دار الغرور، وترك التمادي في الباطل. ألا وليس في أخلاق الله شيء أحب إليه من الجود، والكرم، فإذا أراد الله بعبد خيرًا وفقه لأخلاقه، فتخلق بها، وإذا أراد الله بعبد شرًا خلَّى بينه وبين أخلاق إبليس، وإنَّ من أخلاق إبليس أن يغضب فلا يرضى، وأن يسمع فيحقد، وشراهية النفس، وهنتها، وأخذ ما ليس لها، ونزفها إلى اللهو والباطل.

стр. 231

قال أبو عبد الله: فالأخلاق موضوعة في الطبع ومعقلها في الصدر، والأخلاق منها ما هو جبلِّي تفضل الله بها على عبيده على قدرمنازلهم عنده، فمنح أنبياءه منها، فمنهم من أعطاه منها خمسًا، ومنهم من أعطاه منها عشرًا، أوعشرين، وأكثر من ذلك، وأقل، فمن زاده منها؛ ظهر حسن معاملته ربه، وحسن معاملته خَلْقه على قدر تلك الأخلاق، ومن نقصه منها، ظهرعليه ذلك؛ ولهذا ورد في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فأخبرنا بقوله هذا: أن الرسل قد مضت، ولم تتمم هذه الأخلاق، كأنه بقيت عليهم من هذا العدد بقية، فأمرأن يتممها، فأعلمنا في قوله هذا: أن تلك الأخلاق التي كانت في الرسل فيه، ثم هو مبعوث لإتمام ما بقى منها ليقدم على الله جل ذكره بجميع أخلاقه التي ذكرها، فلا يجوز لنا أن نتوهم عليه أنه بعث لأمر، فقدم على ربه وهو غيرمتمم له. ومنها ما يكون بطرق الكسب والتعود، وتكلف النفس، وبعثها على ذلك حتى تعتاد نفسه ذلك، ومن كان هذا حاله كان تخلفه طهارة لصدره وقلبه من دنس الخلق السيئ الذي هو ضد هذا الخلق، فإذا تطهر من سيء الأخلاق لتخلقه بمحاسن الأخلاق بجهد، وكدٍّ شكر الله له ذلك، وأدخله الجنة برحمته وعفوه.

стр. 232

١٠٩- " شتمني ابن آدم ، وما ينبغي له أن يشتُمَني! وكذبني، وما ينبغي له أن يكذبني! أما شتمه إياي: فقوله: إن لي ولداً، وأنا الله الواحد الصمد، لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي: فقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته "١. رواه أحمد، والنسائي، والبخاري عن أبي هريرة. ش- الشتم: السبُّ، وهو الوصف بما يقتضي النقص، والاسم: الشتيمة. والتشاتم: التسابُّ. والمشاتمة: المسابة. والصمد: السيد الذي يصمد إليه في الأمر. وقيل: الصمد؛ الذي ليس بأجوف، وما ليس بأجوف شيئان؛ أحدهما: لكونه أدون من الإنسان كالجمادات، والثاني: أعلى منه، وهو الباري، والملائكة، وإذا أردت تفسيرًا واسعًا في ذلك فعليك بتفسير سورة الإخلاص للإمام ابن تيمية، فإنك تجد ما يسرك. والإعادة: بدء الشيء، وإرجاعه ثانيًا. والمعيد: الذي يعيد الخلق بعد

стр. 233

الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة. وأهون: أسهل، يقال: هان الأمر على فلان: سهل. والمعنى -والله أعلم-: أن الله أخبرنا: أن ابن آدم يشتمه، وينتقصه، بقول لا يليق به، وما ينبغي له أن يشتمه ويتنقصه؛ لأنه خالقه، وباريه، وموجده من العدم بقوله: "كن"، وتولى خلقه في الرحم من مَني إلى نطفه، إلى علقة، إلى مضغة، ثم ينفخ فيه الروح إلى أن يخرج من بطن أمه، ثم يضع في قلب والديه الرأفة، والرحمة، والحنان، فيقبلان على تربيته، والمحافظة عليه إلى أن يفطم، وبعد ذلك ينتقل من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، وكل ذلك يراعيه، ويكلؤه، ويقدر له رزقاً، وسعادة، ويسهل له الطرق، ويضمن له العيش، ويكلفه بأمور سهلة يطيقها كل إنسان، حتى إذا ما واظب عليها، وأتى بها تامة مرضية كان له ثوابها، وأجزي على عملها، ورفعت منزلته في الدنيا، ويوم القيامة يدخله الجنة، وينعم عليه بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومع هذا فإن ابن آدم ينسى هذا كله، ويقابل مولاه بالشتم، والسب، والتكذيب بقوله: لله ولد، وبقوله: ليس يعيدني كما بدأني أول مرة، والمراد بابن آدم: بعض بني آدم، وهم من أنكر البعث من العرب وغيرهم من عباد الأوثان، والدهرية، ومن أدعى أن لله ولداً من العرب أيضًا، ومن اليهود، والنصارى. قال قتادة: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيز ابن الله وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله سبحانه، وبين أنه منزه عن ذلك، وأنه الواحد الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأنه جل ذكره يعيده كما خلقه وبدأه أول مرة، وليس الخلق ابتداء بأهون عليه من الإعادة، بل بالنظر للعادة الجارية المعلومة للعباد أن الإعادة أسهل وأهون من البداءة، وإيجاد الشيء ابتداءً، وعليه: فلا يحق ولا يصح أن يستبعد بعض بني آدم ذلك، بل يستقر به، ويستملحه، ويقربه بدون دليل؛ لأن البداءة هي البعيدة عن العقل، والمستغربة، وهذا بالنسبة للمخلوق؛ وأما بالنسبة للخالق: فليست إحدى الحالتين بأسهل وأهون عليه من الأخرى، بل يقول للشيء: كن، فيكون، فسورة الإخلاص أعظم سورة تنزه الله جل وعلا، وتثبت عقائد التوحيد، وتهدم عقائد الشرك بجميع أنواعه، لذلك أفردها بعض الأئمة بتأليف خاص بها، كشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، وطبعناه، والحمد لله. فيخبرنا الله تعالى أنه الواحد؛ أي: وحدة حقيقية غير قابلة للتعدد والكثرة في ذاته، ولا في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في ملكه، فهو غير مركب من أصلين، كما زعمت الثانوية، ولا من ثلاثة أصول، أو أقانيم، كما يزعم المثلثون من قدماء وثنيي

стр. 234

الهند وغيرهم، وتبعهم على ذلك النَّصارى على خلاف أصل دين موسى، وعيسى، ومن قبلهما من النبيين عليهم الصلاة والتسليم، وأنه الصمد القادر على قضاء كل ما يحتاج إليه عباده من الحاجات. وكفايتهم جميع ما يعجزون عنه من المهمات بما يسخره لهم من الأسباب، وما يهديهم من سننه فيها. قال صديقنا المرحوم الأستاذ السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار: فلو كان مبتدعة عبادة القبور وأسرى الخرافات يفقهون معنى هذه الكلمة، ويؤمنون بها إيمانًا إذعانياً صحيحاً يملك قلوبهم لما صمد أحد منهم إلى قبر أحد من الصالحين، ولا إلى رجل حيٍّ من المعتقدين، ولا إلى دجال يدعي استخدام الجان، وتسخير الشياطين؛ليقضي له ما عجز عنه من منافعه ومصالحه، أو من دفع الأذى عن نفسه، وأهله، وولده؛ فإن هؤلاء الأحياء الدجالين كالموتى من الصالحين عاجزون كلهم عما يظنه الجاهلون فيهم من التصرف في عالم الغيب والشهادة، وقيد يغترون ببعض ما يجهلون حقيقته من شعوذة، وحِيل، أو مصادفات يوجد أمثالها عند أمثالهم من جميع أهل الملل، ولكن هذا الغرور لا سلطان له على الموحدين المؤمنين بوحدانية الله تعالى. وقوله: "لم ألد ولم أولد" أي: لم يصدر عنه ولد، ولم يصدرهو جل وعلا من شيء؛ لاستحالة نسبة العدم إليه سابقًا ولاحقًا. والوالدية والمولودية متلازمان؛ إذ المعهود أن ما يلد يولد، ومالا، فلا. والاعتراف بهذا هو الاعتراف بذاك؛ لأنه ليس بمخلوق له مزاج وجنس نشأ عن غيره، ونشأت غيره عنه، فتكون الربوبية، والألوهية أسرة، وعشيرة كسائر الأحياء الحادثة التي يتوقف وجود بعضها على بعض، بل هو أحد لا شيء قبله ولده، ولا شيء مثله ولد منه، فيحل محله، بل هو أزلي، سرمدي، منزه عن مشابهة كل ما في العالم من الأجناس المتسلسة من الأفراد البسيطة والمركبة. والله غني عن الوالدية والمولودية، وهما نقص في حقه، يستلزمان الحاجة، وينافيان الربوبية، والألوهية. فإن قيل: لِمَ قدَّم ذكر نفي الولد مع أن الوالد مقدم؟ وجوابه: أن قُدِم للاهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين: إن الملائكة بنات الله. واليهود: عزيز ابن الله. والنصارى: المسيح ابن الله، ولم يدع أحد: أن له والدًا، فلهذا السبب بدأ بالأهم، فقال: لم ألد ولم أولد. وقوله: "ولم يكن له كفوًا أحد" أي: لم يكافئني أحد، ولم يماثلني، ويشاكلني من صاحبة وغيرها، والكفء: النظير المكافئ. والله أعلم.

стр. 235

١١٠- " صِلُوا أرحامكم؛ فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا ، وخير لكم في آخرتكم"١. رواه عبد بن حميد عن ابن عباس.

стр. 236

١١١- " عبدي! إذا ذكرتني خاليًا؛ ذكرتك خاليًا ، وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وأكبر" ١. رواه البيهقي عن ابن عباس.

стр. 237

١١٢- "عبدي! ماعبدتني، ورجوتني؛ فإني غافر لك على ما كان فيك. ويا عبدي! إن لقيتني بقراب الأرض خطيئةً ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرةً" ١. رواه أحمد عن أبي ذر. ش- الحديث الأول: تقدم الكلام فيه على صلة الأرحام، وزاد في هذا الحديث قوله: "فإنه أبقى لكم في الحياة ... إلخ" ولا شك أن الإحسان إلى الأهل والأقارب يجعل للإنسان المحسن ذكرى وحياة في الدنيا، فيبقى ذكره، وإحسانه خالداً في حال حياته، وبعد مماته يذكر بخير، وهو خير أيضًا له في الآخرة؛ لأن له أجرًا مخصوصًا يثاب عليه، ودرجات مخصوصة أيضًا يفوز بها يوم التفاخر بالأعمال، فأحسنُ ذكري تبقى للإنسان من وصل رحمه، وأحسن إليه، واستفقده في السراء والضراء، وأعانه بما يقدر عليه، وكل إنسان بحسبه وطاقته، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والحديث

стр. 238

الثاني: تقدم الكلام عليه غير مرَّةٍ فراجعه، وكذلك الحديث الثالث، فلا حاجة للإعادة. وقوله: "عبد بن حميد" هو الإمام الحافظ أبو محمد عبد بن حميد بن نصر الكسي مصنف المسند الكبير، والتفسير، وغير ذلك. واسمه: عبد الحميد، فخفف، رحل في طلب العلم، وتلقى من فحول علماء الحديث، وروى عنه خلق كثير، وكان من الأئمة الثقات، وعلق له البخاري في دلائل النبوة من صحيحه. توفي سنة تسع وأربعين ومئتين. والله أعلم.

стр. 239

١١٣- " عبدي المؤمن أحب إلي من بعض ملائكتي " ١. رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة. ش- المؤمن: من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر قولًا وفعلًا، واعتقادًا. والإيمان: التصديق، والإذعان مع طمأنينةٍ وتحقيق بما تقدم، وأحب: أفعل تفضيل؛ أي: أكثر حبًا من غيره، والملائكة: جمع ملك وهي أجسام نورانية، لطيفة، مبرأة من كدورات نفسانية، وظلمات حيوانية، مقتدرة على تشكلات مختلفة، معصومون عن المخالفة، منهم وسائط بين الله وبين أنبيائه المبعوثين إلى الخليقة. ومنهم المُوكَّل بحمل العرش، ومنهم الموكل بالصور، ومنهم الموكل بالموت، ومنهم الراكع يسبح الله وينزهه، ومنهم الساجد كذلك، ولكل مقام معلوم، ومرام مقسوم، لا يأكلون، ولا يشربون، نعم غذاؤهم التسبيح، والتهليل، والتكبير، وإلى غير ذلك من أنواع العبادة، وفي حديث مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "خَلَقتُ الملائكة من نور، وخلقت الجن من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٢. والمعنى: أن الله ﵎ يخبر أن عبده المؤمن؛ الذي آمن بالله، وأذعن، وانقاد لما جاءت به الشريعة الإسلامية، وعمل بأحكام دينه، وأخلص العمل لله في سره، وجهره، لا مطلق العبد المؤمن بدليل إضافته إليه إضافة تشريف وإعظام. فلا يصح أن يضاف العبد إلى الله تعالى إلا إذا كان مستجمعًا صفات الكمال،

стр. 240

ومتجنبًا صفات النقصان، أحب إليه وأشد حبًا له من بعض ملائكته. وهذا يدل على أن بعض الآدميين أفضل من بعض الملائكة، وهو القول الراجح. وقد تقدم الكلام على أفضلية الملائكة مطلقًا، وأقوال العلماء في ذلك في شرح الحديث رقم "٧٠ "فارجع إليه والله أعلم.

стр. 241

١١٤- " على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بمطعمه ومشربه"١. رواه ابن حبان عن أبي ذر. ش- العاقل: من اتَّصف بالعقل، وهو غريزة يتهيأ بها الإنسان إلى فهم الخطاب، وهو مناط التكليف، وبه يدرك الإنسان ما ينفعه، ويضره، ويميز به بين الغث والثمين، ويعقل صاحبه عن التورط في المهالك؛ أي: يحبسه، ويمنعه في الوقوع فيما لاخير فيه، وبه يتميز الإنسان عن سائرالحيوان، وكلما كمل عقل الإنسان ازداد الإنسان كمالًا، ورفعة، ووجاهة بين الناس: إذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أمانيه، وتم بناؤه والمادِّيون يعدون العقل نتيجة الشعور الموجود في الإنسان، والروح نتيجةالتركيب الإنساني على مثال روح الحيوان، ولكن أرقى من روح الحيوان؛ لقبول الإنسان الرقي دون الحيوان، ولما اكتشف علم التنويم المغناطيسي، وفن استحضار الأرواح أثبتا أن للإنسان روحًا متمتعة بخصائص عالية، يحجبها هذا الجسد عن الظهور. واختلف الناس في محل العقل هل هو في القلب، أو في الدماغ؟ قال إمام الحرمين: فذهب أصحابنا من المتكلمين: أنه في القلب، وبه قال جمهور المتكلمين، وهو قول الفلاسفة. وقالت الأطباء: هو في الدماغ، وهو محكي عن أبي حنيفة. احتجَّ أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:٣٧] وبقوله ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ٢ فجعل ﷺ صلاح الجسد وفساده تابعًا للقلب مع أن الدماغ من جملة

стр. 242

الجسد. واحتجَّ القائلون بالدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل. والجواب: أن الله تعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولاامتناع في هذا. وهو قسمان: غريزي ومكتسب. فالغريزي-أي: الجبلي، والطبيعي- هو: العقل الحقيقي، وله حد يتعلق به التكليف، لا يجاوزه إلى زيادة، ولا يقصرعنه إلى نقصان. والمكتسب هو نتيجة العقل الغريزي، وهونهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكرة، وليس لهذا حد ومنتهى يقف عنده؛ لأنه ينمي، ويزيد إن استعمل، وينقص إن أهمل، وهولا ينفك عن العقل الغريزي؛ لأنه نتيجة منه، وقد ينفك العقل الغريزي عن العقل المكتسب لعدم استعماله، أو لاتباعه الهوى، فيكون صابحه مسلوب الفضائل، موفور الرذائل، كالأحمق الذي لا تجد له فضيلة، والأحمق الذي قلما يخلو من رذيلة. والساعات: جمع ساعة، وهوالوقت من ليل، أو نهار. والعرب تطلقها وتريديها الحين والوقت وإن قلَّ. والمناجاة: المساررة. يقال: نجوته نجوًا؛ أي: ساررته، وكذا ناجيته. وانتجى القوم، وتناجوا: تسارُّوا؛ وانتجاه: خصَّه بمناجاته، والاسم: النجوى. وقوله: "رواه ابن حبان" تقدمت ترجمته. والمعنى: أن الله يخبرنا: أن على العاقل المتَّصف بالصفات المميزة له عن الحيوان أن يجعل له في يومه وليلته ثلاث ساعات، وأوقات، ساعة منها يجعلها للمناجاة؛ بأن يناجي ربه، ويتكلم بكلام خفي وسرعن الناس؛ لأن هذه الحالة أقرب إلى قبول المطالب، والدعوات، وأبعد عن الرياء، والسمعة؛ بأن يسأل الله جل ذكره التوفيق للطاعات، وتسهيل الطرق الصعبة، وإبعاده عن المعاصي والرذائل، وحفظه من المصائب، والبلايا، وأن يختم له بسعادة الدارين، وأن يصلح حاله، وحال إخوانه المؤمنين، وأن يرفع البأس، والظلم، والاستبداد، والمطامع من أعدائه المستبدين بالضعيف، والغاصبين حقه، وأن يغلَّ أيدي وألسنة المذبذبين الذي يظهرون الإسلام والإيمان وحب أهلهما؛ وهم في الحقيقة جواسيس للأجانب بأجر تافه، يستبدلون عرض هذه الدنيا بالنعيم الأبدي، والخير السرمدي، والأجر العظيم الذي لا ينقطع، فهم أسوأ الناس في الدنيا الزائلة، ولهم يوم القيامة الخزي، والعار، وأشد العذاب.

стр. 243

وساعةً يخلو فيها بنفسه، ويحاسبها على ماعملته من خيرٍ وشرٍ في ذلك اليوم، فإذا اقترفت ذنبًا؛ فيندم عليه، ويستغفر الله ، ويتوب إلى الله جل ذكره، ويرجع إليه، ويعزم ألا يعود إلى مثله أبدًا، ويخاطب نفسه، ويوبخها، وإذا لم تعمل سيئة، بل كان عملها دائرًا بين الأعمال الخيرية، والخواطرالإصلاحية؛ فيحمد الله تعالى على أن وفقه إلى ذلك، ويرجو منه استدامة التوفيق، والإعانة على البر والتقوى. ويحث نفسه على زيادة العمل، ويرغبها، ويشوقها بأن كثرة العمل البار يستوجب زيادة الثواب، ويرفع منزلة العبد إلى أن يكون مع النبيين، والشهداء، والصالحين. فعليك بالمداومة على ذلك، والزيادة منه. وساعة يخلوالإنسان فيها بمطعمه، ومشربه؛ أي: بما يقويه على الأعمال الصالحة من مطعم، ومشرب، وملبس، وينوي بذلك التقوى بهذه الأشياء على طاعة الله ﵎، والقيام بأداء الواجبات والمندوبات، فتكون هذه الأشياء المباحة مشروعة، ومسنونة، فيُثاب عليها، ويجزى بها، ولا شك أن المطعم، والمشرب، والملبس من الأمور الضرورية للإنسان؛ التي تُصان بها حياته، وجسمه، وتحفظها من الانحلال، والتغير، والضعف، وهذا بالنسبة لما يقومها ويبقيها من القوت الضروري، والمشرب، والملبس كذلك، وما زادعن القوت الضروري؛ فيكون مباحاً ما لم يؤد إلى ضرر بالجسم، أو العقل، فيكون ممنوعًا منه شرعًا، وطبًا. وأضيف المطعم والمشرب إليه إشارة إلى أن المطعم، والمشرب، والملبس الذي يختص بالشخص مما يملكه بإذن شرعي، ويكون حلالًا؛ أي: لا يطعم إلا مما أباحه الشرع، وجوَّزه، وكذلك المشرب، والملبس، وهذه هي الحياة الطبية، وصاحبها دائمًا في نعيم، وراحة فكر، وصحة جسم، فنسأل الله أن يوفقنا لأن نغلب أنفسنا، ونصيرها مركبًا تطيعنا في كل أمر، ونحظى بالصحة، والهناء في الدنيا، والسرور، والثواب، والجزاء في دار الآخرة!

стр. 244

١١٥- " قسَّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين؛ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم؛ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال العبد: مالك يوم الدين؛ قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين؛ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط ... إلى آخره،

стр. 245

قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"١. رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وابن ماجه، عن أبي هريرة. ش- القسم: بفتح أوله، وسكون ثانيه: مصدر قسم الشيء، فانقسم؛ أي: إفراز النصيب، والقسم -بكسر أوله وسكون ثانيه- الحظ، والنصيب من الخير، فيقال: هذا قسمي، والجمع أقسام، وقسمة الميراث، والغنيمة: تفريقهما على أربابهما. والصلاة: هي العبادة المخصوصة المشتملة على التكبير، والتسبيح،والقراءة، وأصلها: الدعاء، وهي من العبادات التي لم تنفك شريعة منها، وإن اختلفت صورها بحسب شرع فشرع، ولهذا قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] والمراد بها هنا: قراءة الفاتحة؛ لاشتمالها عليها من إطلاق الكل وإرادة الجزء، كما يدل عليه تمام الحديث، والحديث الذي في أول الكتاب جاء مصرحًا بذلك، وقد تقدم ذكره، وذكرنا ما يتعلق به إجمالًا، ونذكر الآن ما يتمم ذلك. والمعنى: أن الله تباركت أسماؤه، وتنزهت صفاته أخبرنا: أن الفاتحة التي اشتملت عليها الصلاة، وقسمها بينه عزوجل وبين عبده نصفين، فيصح أن تكون القسمة من جهة المعنى دون اللفظ؛ لأن نصف الدعاء يزيدعلى نصف الثناء، ونصفها الأول تحميد لله تعالى ذكره، وتمجيد له، وثناء عليه. ونصفها الثاني سؤال، وتضرع، وافتقار، ويحتمل أن تكون باعتبار اللفظ؛ لأنها سبع آيات بدليل حديث أول الكتاب، قال الله تعالى: "ابن آدم أنزلت عليك سبع آيات: ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك ... الحديث" فثلاث منها ثناء، وثلاث دعاء، والآية المتوسطة نصفها ثناء، ونصفها دعاء، فنصفها لله خاص به، وهي الثلاث الآيات الأول، ونصفها للعبد خاص به، وهو من ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] إلى آخر السورة. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] بين الله عزوجل وبين عبده. قال أستاذنا الجليل الشيخ محمود محمد خطاب السبكي٢ رحمه الله تعالى في

стр. 246

شرحه على سنن أبي داود: وإضافة العبد إلى ربه؛ لتحققه بصفة العبودية، وقيامه بحق الربوبية، وشهوده لآثارهما وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، وروح الأشباح، وغرس تجليات الأسرار، التي يتحلى بها الأحرار عن الأغيار. ولما كان وصف العبودية غاية الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحق؛ وصف الله تعالى به نبينا محمدًا ﷺ في مقام الكرامة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ "الإسراء:١" ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] وقوله في الحديث: "ولعبدي ما سأل" أي: أن الله وعد عبده إذا سأله شيئا أن يعطيه، ويمنحه إياه، ويجيب دعاءه بشرط أن يكون مشروعًا، غير مشتمل على ما يمنع شرعًا، وعقلًا. وقوله: "إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين" بيان للصلاة التي قسمها بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر ﷺ ما يقول الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد: أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه عليه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته سماعاً يليق بعظمته وجلاله، فكل حمد، وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى؛ لأنه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق، والإيجاد، والتربية، والتنمية، وهو الرحمن، كثير الرحمة، وغزيرها التي وسعت كل شيء، ورحيم بعبادي، يعفو، ويصفح، يكرم، ويحلم، وهو المالك ليوم الدين، له السلطان المطلق، والسيادة التي لا نزاع فيها حقيقة لا ادِّعاء، والعالم كله يكون فيه خاضعاً لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخاف عذابه ذلك اليوم يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم العرض على رب الأرباب، يوم تظهر فيه الأعمال، ويقول كل شخص: نفسي! نفسي! يوم لا يملك الإنسان شيئًا، بل الأمر كله يومئذ لله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧- ١٩] أخرج ابن جرير، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود وناس من الصحابة: أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب، وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد. وابن جرير عن قتادة قال: يوم الدين يوم يدين الله العباد بأعمالهم. وهو الذي يعبد وبه يستعان؛ أي: لا يعبد غيره، ولا يستعان استعانة حقيقة إلا به، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، فاجتث الله بقوله ذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم الغابرة، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، تعتقد لهم السلطة الغيبية، ويدعون لذلك من دون الله: ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بها إلى الله زلفى. وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد، ومقارعة المشركين، هو تفصيل لهذا الإجمال. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]

стр. 247

٦" الهداية: الإرشاد، أوالتوفيق، أوالإلهام، أوالدلالة. والصراط: الطريق. والمستقيم: الواضح الذي لااعوجاج فيه -وهو دين الإسلام- ممن أنعم الله عليه من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، غير طريق المغضوب عليهم، ولا الضالين، أي: غير المنعم عليهم، وهما فريقان: فريق ضل عن صراط الله، وفريق جحد، وعائد من يدعو إليه، فكان محفوفاً بالغضب الإلهي، والخزي في هذه الحياة الدنيا، وهما: اليهود والنصارى. اللهم اهدِ الخلق لأقْوَم الطرق، وأوضحها، وأسهلها، وهو دين الإسلام الذي ليله كنهاره، لا يضل عنه إلا هالك. وفي هذا القدر كفاية. والله أعلم.

стр. 248

١١٦- " عبادٌ لي يلبسون للناس مُسُوك الضأن ، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، يختلون الناس بدينهم، أبي يغترُّون، أم علي يجترئون؟ فبي أقسمت: لألبسنَّهم فتنة تذرُالحليم فيهم حيران"١. رواه ابن عساكرعن عائشة. ش- المسوك- جمع مسك بفتح أوله، وسكون ثانيه-: الجلود، جمع جلد. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، الواحدة: ضائنة، والذكر ضائن، وهو ضد الماعز. والقلوب: جمع قلب، وهو الفؤاد، وسُمي قلباً لكثرة تقلبه. ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به الروح، والعلم، والشجاعة، وغير ذلك. والصبر -بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة في الأشهر وسكونها للتخفيف لغة قليلة-: الدواء المر المعروف، ويختلون: يطلبون طلب خداع ومراوغة، يقال: خلته، ويختله: إذا خدعه، وراوغه. وختل الذئب الصيد: إذا تخفى له. والدين: يقال للطاعة، والجزاء، واستعير للشريعة. ويعترون: يخدعون، يقال: اغتر الرجال، واغتر بالشيء: خدع به. ويجترئون يقدمون بجرأة؛ أي: شجاعة. والجريئ -بالمد-: المقدام، وجرأة عليه تجرئه، فاجترأ، واجترأ على القول: أسرع بالهجوم عليه من غير توقف، والاسم: الجرأة، والقسم -بفتح أوله وثانيه-: اليمين. وأقسم: حلف. واللبس: الخلط، والتشبه، والتشكيك. والفتنة: الابتلاء، والامتحان، والاختبار. وتذر: تدع. والحليم: العالم العاقل. والحلم: الأناة، والتثبت في الأمور. والحيران: الذي لا يدري وجه الصواب. ورجل حائر بائر: إذا لم يتجه لشيء.

стр. 249

وقوله: "رواه ابن عساكر" تقدَّمت ترجمته. وضعف الحديث لا يخفى. والله أعلم. والمعنى: أن من عباد الله جل ذكره عباداً يظهرون للناس، ويلبسون جلود الشياه، وهو كناية عن إظهار اللين في كلامهم، وحنانهم، وحسن أخلاقهم، وهم في الحقيقة ذئاب، قلوبهم التي يعقلون بها أمرمن الصبر. وألسنتهم بين الناس أحلى من العسل، تشتهي أن تسمع منهم، وتجالسهم، ولا تفارقهم، يختلون الناس بدينهم، ويخدعونهم، ويطلبون بذلك عمل الدنيا بالآخرة، ويراوغونهم كما يرواغ الذئب الصيد إذا تخفى له، وهذا غرور منهم بالله ، واغترار به، وجرأة عليه جل ذكره؛ لأن الخلق خلقه، والعباد عبيده، فكيف يقدمون على هذه الأعمال، ولا يبالون بأن لهذه الخلائق رباً، وإلهاً، وخالقاً يحفظهم من أمثال هؤلاء المحتالين الذئاب، فيخبرالله بأنه أقسم، وحلف ليلبسنهم، ويخلطن عليهم، ويوقعهم في الشكوك جزاء فعلهم ذلك، فتنة، وابتلاء، وامتحاناً تذر، وتترك العاقل العالم المتثبت في الأمور متحيراً، لا يقدر على دفعها، فكيف بغير الحليم؟! ويصدق هذا على من يتظاهر بالدين، والتقوى، ويلين للناس في الكلام، والأخلاق، ويتساهل في أحكام الدين، فترغب فيه العوام،ويقبلون عليه، ويصيرون من حزبه، فتجلب له الأموال، ويحظى بالرئاسة والوجاة وكثرة الأتباع، وهو في الحقيقة جهول غشاش؛ لأن ما يدعو إليه ظاهراً إنما هو لغرض دنيوي، ومن حطام الدنيا، لذلك تجد قلوبهم غير موافقة لعملهم؛ لأن ألسنتهم في الأقوال، والدعاوي أحلى من العسل، وقلوبهم، وأفئدتهم خالية من الإخلاص، والورع، والنية الصالحة، فهي أمر من الصبر، فنسأل الله أن يهيديهم لأقوم الطرق، وأحسنها، ويصدق أيضًا على من يدعي الولاية، والخلافة من عوام الجهال، ويدعون الناس إلى الانضمام لشيعتهم، ويحسنون لهم كثيراً من البدع والخرافات، ويضللون طريق الهدى عليهم بألسنة أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر المعروف، يخدعونهم بلين أقوالهم لينجذبوا إليهم، ويصيروا عبيداً لهم، يأتمرون بأمرهم، وينتهون بنهيهم، فهؤلاء أيضاً يغترون بالله عز، وجل، ويجترئون عليه، فلهم فتنة يلبس الله عليهم فيها، تترك الحليم العاقل العالم حيران، لا يدري ما يفعل، فما بالك بغيره؟! والله أعلم.

стр. 250

١١٧- " علامة معرفتي في قلوب عبادي حسن موقع قدري ألا
следующие страницы →