← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7266

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (325 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرحه على سنن أبي داود: وإضافة العبد إلى ربه؛ لتحققه بصفة العبودية، وقيامه بحق الربوبية، وشهوده لآثارهما وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، وروح الأشباح، وغرس تجليات الأسرار، التي يتحلى بها الأحرار عن الأغيار. ولما كان وصف العبودية غاية الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحق؛ وصف الله تعالى به نبينا محمدًا ﷺ في مقام الكرامة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ "الإسراء:١" ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] وقوله في الحديث: "ولعبدي ما سأل" أي: أن الله وعد عبده إذا سأله شيئا أن يعطيه، ويمنحه إياه، ويجيب دعاءه بشرط أن يكون مشروعًا، غير مشتمل على ما يمنع شرعًا، وعقلًا. وقوله: "إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين" بيان للصلاة التي قسمها بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر ﷺ ما يقول الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد: أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه عليه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته سماعاً يليق بعظمته وجلاله، فكل حمد، وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى؛ لأنه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق، والإيجاد، والتربية، والتنمية، وهو الرحمن، كثير الرحمة، وغزيرها التي وسعت كل شيء، ورحيم بعبادي، يعفو، ويصفح، يكرم، ويحلم، وهو المالك ليوم الدين، له السلطان المطلق، والسيادة التي لا نزاع فيها حقيقة لا ادِّعاء، والعالم كله يكون فيه خاضعاً لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخاف عذابه ذلك اليوم يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم العرض على رب الأرباب، يوم تظهر فيه الأعمال، ويقول كل شخص: نفسي! نفسي! يوم لا يملك الإنسان شيئًا، بل الأمر كله يومئذ لله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧- ١٩] أخرج ابن جرير، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود وناس من الصحابة: أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب، وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد. وابن جرير عن قتادة قال: يوم الدين يوم يدين الله العباد بأعمالهم. وهو الذي يعبد وبه يستعان؛ أي: لا يعبد غيره، ولا يستعان استعانة حقيقة إلا به، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، فاجتث الله بقوله ذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم الغابرة، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، تعتقد لهم السلطة الغيبية، ويدعون لذلك من دون الله: ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بها إلى الله زلفى. وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد، ومقارعة المشركين، هو تفصيل لهذا الإجمال. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]

стр. 247

٦" الهداية: الإرشاد، أوالتوفيق، أوالإلهام، أوالدلالة. والصراط: الطريق. والمستقيم: الواضح الذي لااعوجاج فيه -وهو دين الإسلام- ممن أنعم الله عليه من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، غير طريق المغضوب عليهم، ولا الضالين، أي: غير المنعم عليهم، وهما فريقان: فريق ضل عن صراط الله، وفريق جحد، وعائد من يدعو إليه، فكان محفوفاً بالغضب الإلهي، والخزي في هذه الحياة الدنيا، وهما: اليهود والنصارى. اللهم اهدِ الخلق لأقْوَم الطرق، وأوضحها، وأسهلها، وهو دين الإسلام الذي ليله كنهاره، لا يضل عنه إلا هالك. وفي هذا القدر كفاية. والله أعلم.

стр. 248

١١٦- " عبادٌ لي يلبسون للناس مُسُوك الضأن ، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، يختلون الناس بدينهم، أبي يغترُّون، أم علي يجترئون؟ فبي أقسمت: لألبسنَّهم فتنة تذرُالحليم فيهم حيران"١. رواه ابن عساكرعن عائشة. ش- المسوك- جمع مسك بفتح أوله، وسكون ثانيه-: الجلود، جمع جلد. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، الواحدة: ضائنة، والذكر ضائن، وهو ضد الماعز. والقلوب: جمع قلب، وهو الفؤاد، وسُمي قلباً لكثرة تقلبه. ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به الروح، والعلم، والشجاعة، وغير ذلك. والصبر -بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة في الأشهر وسكونها للتخفيف لغة قليلة-: الدواء المر المعروف، ويختلون: يطلبون طلب خداع ومراوغة، يقال: خلته، ويختله: إذا خدعه، وراوغه. وختل الذئب الصيد: إذا تخفى له. والدين: يقال للطاعة، والجزاء، واستعير للشريعة. ويعترون: يخدعون، يقال: اغتر الرجال، واغتر بالشيء: خدع به. ويجترئون يقدمون بجرأة؛ أي: شجاعة. والجريئ -بالمد-: المقدام، وجرأة عليه تجرئه، فاجترأ، واجترأ على القول: أسرع بالهجوم عليه من غير توقف، والاسم: الجرأة، والقسم -بفتح أوله وثانيه-: اليمين. وأقسم: حلف. واللبس: الخلط، والتشبه، والتشكيك. والفتنة: الابتلاء، والامتحان، والاختبار. وتذر: تدع. والحليم: العالم العاقل. والحلم: الأناة، والتثبت في الأمور. والحيران: الذي لا يدري وجه الصواب. ورجل حائر بائر: إذا لم يتجه لشيء.

стр. 249

وقوله: "رواه ابن عساكر" تقدَّمت ترجمته. وضعف الحديث لا يخفى. والله أعلم. والمعنى: أن من عباد الله جل ذكره عباداً يظهرون للناس، ويلبسون جلود الشياه، وهو كناية عن إظهار اللين في كلامهم، وحنانهم، وحسن أخلاقهم، وهم في الحقيقة ذئاب، قلوبهم التي يعقلون بها أمرمن الصبر. وألسنتهم بين الناس أحلى من العسل، تشتهي أن تسمع منهم، وتجالسهم، ولا تفارقهم، يختلون الناس بدينهم، ويخدعونهم، ويطلبون بذلك عمل الدنيا بالآخرة، ويراوغونهم كما يرواغ الذئب الصيد إذا تخفى له، وهذا غرور منهم بالله ، واغترار به، وجرأة عليه جل ذكره؛ لأن الخلق خلقه، والعباد عبيده، فكيف يقدمون على هذه الأعمال، ولا يبالون بأن لهذه الخلائق رباً، وإلهاً، وخالقاً يحفظهم من أمثال هؤلاء المحتالين الذئاب، فيخبرالله بأنه أقسم، وحلف ليلبسنهم، ويخلطن عليهم، ويوقعهم في الشكوك جزاء فعلهم ذلك، فتنة، وابتلاء، وامتحاناً تذر، وتترك العاقل العالم المتثبت في الأمور متحيراً، لا يقدر على دفعها، فكيف بغير الحليم؟! ويصدق هذا على من يتظاهر بالدين، والتقوى، ويلين للناس في الكلام، والأخلاق، ويتساهل في أحكام الدين، فترغب فيه العوام،ويقبلون عليه، ويصيرون من حزبه، فتجلب له الأموال، ويحظى بالرئاسة والوجاة وكثرة الأتباع، وهو في الحقيقة جهول غشاش؛ لأن ما يدعو إليه ظاهراً إنما هو لغرض دنيوي، ومن حطام الدنيا، لذلك تجد قلوبهم غير موافقة لعملهم؛ لأن ألسنتهم في الأقوال، والدعاوي أحلى من العسل، وقلوبهم، وأفئدتهم خالية من الإخلاص، والورع، والنية الصالحة، فهي أمر من الصبر، فنسأل الله أن يهيديهم لأقوم الطرق، وأحسنها، ويصدق أيضًا على من يدعي الولاية، والخلافة من عوام الجهال، ويدعون الناس إلى الانضمام لشيعتهم، ويحسنون لهم كثيراً من البدع والخرافات، ويضللون طريق الهدى عليهم بألسنة أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر المعروف، يخدعونهم بلين أقوالهم لينجذبوا إليهم، ويصيروا عبيداً لهم، يأتمرون بأمرهم، وينتهون بنهيهم، فهؤلاء أيضاً يغترون بالله عز، وجل، ويجترئون عليه، فلهم فتنة يلبس الله عليهم فيها، تترك الحليم العاقل العالم حيران، لا يدري ما يفعل، فما بالك بغيره؟! والله أعلم.

стр. 250

١١٧- " علامة معرفتي في قلوب عبادي حسن موقع قدري ألا

стр. 251

أُشْتَكي، وألا أُسْتَبطأ، وأن أُسْتَحيا"١. رواه الديلمي عن أبي هريرة. ش- العلامة: السمة، جمعها: عَلام، وعلامات. والعلامة أيضا: الفصل بين الأرضين، وشيء منصوب في الطريق يهتدي به، والمعرفة، والعرفان: إدراك الشيء بتفكر، وتدبرلأثره، وهو أخص من العلم. ويضاده: الإنكار. والقدر -بفتحات، وقد يسكن داله -مصدر: قدر، يقدر، وهو ما قضاه الله تعالى، وحكم به من الأمور، وقوله: "ألااشتكى" أي: لا يشكو العبد من الله تعالى وحكمه. وألا استبطأ: أي يستبطئ العبد مولاه بأن دعاه، وانتظر الإجابة، وقال: إن الله جل ذكره استبطأ إجابتي وأخرها مثلاً، يقال: بطؤ، وتباطأ: تحرى، وتكلف ذلك، واستبطأ طلبه، وأبطأ: صارذا بطء، ويقال: بطاه وأبطأه، وقوله: "وألاأستحيا" يجوز أن يكون من الاستحياء: طلب الحياء، وأن يكون من الاستحياء: الاستبقاء، ولعل الأول أقرب إلى ألفاظ الحديث. والمعنى: أن الله جل ذكره أخبر أن علامة معرفته جل، وعز في قلوب عباده حسن موقع قدره، وحكمه، وقضائه عندهم، حيث إنَّ أحدهم إذا أصابهم شيء من بلايا الدنيا، وامتحاناتها، واختباراتها يصبر، ويصمد لها، ولا يشكو الله إلى غيره، ولا يشتكي أيضاً إذا مسَّه أذى في جسده، وماله، وأولاده، وأقاربه، بل يرضى بقضاء الله سبحانه، وحكمه، ولا يقول إلا خيراً، ويحمد الله جل ذكره، ويصبر لحكمه، وقضائه، ففعل هذا يدل: أنه عرف الله، وآمن بقضائه، وقدره. وقدر الله يجب الإيمان به كله، خيره وشره، حلوه ومره، نفعه وضره. ومذهب أهل الحق إثبات القدر، والإيمان به كله. وقد جاء من النصوص القطعيات في القرآن العزيز والسنن الصحيحة المشهورات في إثابته ما لا يحصى من الدلالات، وذهبت القدرية إلى إنكاره، وأن الأمر أنف- أي: مستأنف، لم يسبق به علم الله - عالى الله عن قولهم الباطل علوا كبيراً، وقد جاء في الحديث تسميتهم: مجوس هذه الأمة؛ لكونهم جعلوا الأفعال للفاعلين، فزعموا، أن الله تعالى يخلق الخير، وأن العبد يخلق الشر، جل الله عن قولهم الباطل. وكذلك إذا طلب من الله شيئًا؛ فلا يلح في الطلب، ولا يستأخره، ويستطبئه،

стр. 252

ويقول: إن الله تعالى أخَّر طلبي، ولم يجعل لي، ولربما ظن أن تأخير الله في طلبه وإجابته عدم قدرته عليه، واستطاعته، فيقع في الهلاك. نسأل الله العافية. وألا يستحي أحدنا من الله جل ذكره، فيقدم على المعاصي، ولا يبالي؛ لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم يكن تقيةً، وأن الحياء من الله فوق ذلك. روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا يا نبي الله! إنا لنستحي والحمد لله! قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت، والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" ١ وروى ابن ماجه بسنده عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أراد أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا، فإذا لم تلقه إلا مقيتًا ممقتا؛ نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة؛ لم تلقه إلا خائنًا مخونًا؛ فإذا لم تلقه إلا خائنًا مخونًا؛ نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة؛ لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا، نزعت منه ربقة الإسلام"٢ والربقة بكسر الراء وفتحها: واحدة الربق، وهي عرا في حبل تشد به إليهم، وتستعار لغيره. وروي البخاري، ومسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير" وفي رواية لمسلم: "الحياء خير كله" ٣ وروى الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين عن ابن عمر رضي الله

стр. 253

عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الحياء والإيمان قرناء جميعًا، فإذا رفع أحدهما؛ رفع الآخر" ١. هذا أحد احتمالين في قوله: "وأن لاأستحيا" وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون من الاستحياء: الاستبقاء؛ أي: يعتقد الشخص، أو يظن: أن الله غير باقٍ؛ لأن إجابته تأخرت، أوطال مرضه، وأزمن، وهو يدعو الله أن يشفيه من ذلك، ويذهب ما به من البلاء، وفي القلب من الحديث شيء. والله أعلم.

стр. 254

١١٨- " عبدي! أنا عند ظنك بي ، وأنا معك إذا دعوتني" ١. رواه الحاكم عن أنس. ش- الحديث تقدم ذكره، وشرحه، فارجع إليه.

стр. 255

١١٩- " قال الله للنفس: اخرجي ، قالت: لا أخرج إلا وأنا كارهة. قال: اخرجي وإن كرهت" ١. رواه البزار، والديلمي عن أبي هريرة. ش- النفس- بفتح أوله وسكون ثانيه- الروح يقال: خرجت نفسه. والنفس: الدم، يقال: سالت نفسه. والنفس: الجسد. ونفس الشيء: عينه، والمراد به هنا: الروح، والروح للحيوان مذكر، وجمعه: أرواح. قال ابن الأنباري، وابن الأعرابي: الروح: والنفس واحد، غير أن العرب تُذَّكر الروح، وتؤنث النفس. وقال الأزهري أيضًا: الروح مذكر. وقال صاحب المحكم، والجوهري: الروح يذكر، ويؤنث. وكأن التأنيث على معنى النفس؛ قال بعضهم: الروح: النفس، فإذا انقطع عن الحيوان فارقته الحياة. وقالت الحكماء: الروح: هو الدم، ولهذا تنقطع الحياة بنزفه، وصلاح البدن، وفساده بصلاح هذا الروح وفساده. ومذهب أهل السنة: أن الروح هو النفس الناطقة، المستعدَّة للبيان وفهم

стр. 256

الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد، وأنَّه جوهر لا عرض، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . والمراد: هذه الأرواح. والكره، والكراهية: المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، أو ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين؛ أحدهما: ما يعاف من حيث الطبع، والثاني: ما يعاف من حيث العقل، والشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد: إني أريده، وأكرهه. بمعنى: أريده من حيث الطبع، وأكرهه من حيث العقل، أو الشرع، أو: أريده من حيث العقل، أو الشرع، وأكرهه من حيث الطبع. والمعنى: أن الله جل ذكره يقول للنفس-أي: الروح التي بين جنبي العبد وما به حياته-: اخرجي من جسد عبدي، فقد انقضي أجله، وانصرم عمره، وانتهت مدة اتصالك به، وحلولك فيه، وتعلقك به. تقول: لا أخرج من جسدي الذي حللت فيه، وعلقت به وأنا راضية مرضية؛ فإنه يصعب علي مفارقته، وتركه، ولي بصحبته مدة طويلة، قلت، أو كثرت -لا أنها تمتنع، وتأبى على الله، وتعصي أمره جل وعز، بل يعز عليها الخروج، وترك الجسد منفردًا وحيدًا بدونها- بل إذا أردت خروجي فأخرج كارهة لذلك، غير راضية بذلك، فيقول لها المولى جل ذكره: اخرجي وإن كرهت. فتخرج كارهة. والروح لها بالبدن تعلقات كثيرة تتغاير أحكمها. قال العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد الشهير بابن قيم الجوزية في كتابه الروح: إن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام؛ أحدها: تعلقها في بطن الأم جنينًا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. والثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته، وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقًا كليًا، بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا، ولا نومًا، ولا فسادًا، وأما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:١٤١] فإمساكه سبحانه التي قضى عليها الموت لا ينافي ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ردًا عارضًا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا، وإذا كان النائم روحه في جسده -وهو حي- وحياته غير حياة المستقيظ؛ فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت له حال متوسطة بين الحي وبين الميت الذي لم تُرَد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت. فتأمل هذا يزح عنك

стр. 257

إشكالات كثيرة. انتهى. وإذا أردت ما يتعلق بمباحث الروح أوسع من هذا فعليك بهذا الكتاب تجد ما يشرح صدرك. والله أعلم.

стр. 258

١٢٠- " كذَّبني ابن آدم ، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي: فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان. وأما شتمه إياي: فقوله: لي ولد، فسبحاني أنْ أتَّخذ صاحبة، ولا ولدًا" ١. رواه البخاري عن ابن عباس.

стр. 259

١٢١- " كذبني عبدي، ولم يكن له أن يكذبني " ١ رواه ابن خزيمة عن أنس.

стр. 260

١٢٢- " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث، ولا يصخب، وإن سابَّه أحد، أو قاتله؛ فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فَمُ الصائم أطيب عند الله من ريح المسك! وللصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" ١. رواه الشيخان، والنسائي، وابن حبان عن أبي هريرة.

стр. 261

١٢٣- " كل عمل ابن آدم هو له إلا الصوم هو لي ، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود. والطبراني، وابن النجار عن ابن مسعود١،

стр. 262

وابن عساكر عن عبد الله بن الحارث بن نوفل. ش- الحديث الأول: تقدم ذكره برقم ١٠٩ بألفاظٍ قريبة من هذا، وأشبعنا الكلام عليه، وزاد عنا لفظ "صاحبة" الصاحبة، والصاحب: الملازم، إنسانًا كان، أوحيوانًا، أومكانًا، أوزمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن -وهوالأصل والأكثر- أو بالعناية، والهمَّة، وعلى هذا قول الشاعر: لئن غبت عن عيني ... لما غبت عن قلبي ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته. الحديث الثاني: قريب من الحديث الأول، وذكره له لاختلاف الرواة له، والحديث الثالث: تقدم ذكره، وزاد هنا في هذه الرواية ألفاظ نتعرض لشرحها إن شاء الله تعالى، فنقول: قوله: "فلا يرفث" أي: فلا يقل قول فحش، أولا يجامع، وقال الأزهري: الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وقال كثير من العلماء: إن المراد به في هذا الحديث: الفحش، ورديء الكلام. وقوله: "ولا يصخب" أي: لا يرفع صوته في الخصام، ويضرب بهذيان. يُقال: رجل صخِب، وصاخبة، وصخاب، وصخبان؛ أي: كثير اللغط، والجلبة. والمراد بالنهي عن ذلك: تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهي عن ذلك أيضاً. وقوله: "فليقل: إني امرؤ صائم" يحتمل القول اللساني؛ ليندفع عنه الخصم، أوالنفسي؛ بأن يتفكر في نفسه أنه صائم، لا يجوز له الغصب، أو السبِّ، أو هما معاً، فيكون أكمل، وقوله: "والذي نفس محمد بيده" قسم من النبي ﷺ للتأكيد، وتحقيق الحكم. والخلوف - بضم الخاء وفتحها، وحكى الخطابي الضم وغلط عن فتح، وتبعه على ذلك كثير من العلماء، وبالغ النووي في شرح المهذب، فقال: لا يجوز فتح الخاء، وهو مجاز عن القبول، والرضا به. وقوله: "للصائم فرحتان.. إلخ" قال القرطبي: معناه: فرح بزوال جوعه وعطشه، حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربه، ومعونة على مستقبل صومه. قال الحافظ ابن حجر: قلت: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا، وهو

стр. 263

الطبيعي؛ ومنهم من يكون مستحبًا، وهو من يكون سببه شيء مما ذكره. وإذا لقي ربه فرح بصومه؛ أي: بجزائه، وثوابه. وقيل: الفرح الذي عند لقاء ربه إما السرور بربه، أو ثواب ربه على الاحتمالين، والثاني أظهر؛ إذ لا ينحصر الأول في الصوم، بل يفرح حينئذ بقبول صومه، وترتب الجزاء الوافر عليه، وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الأعمال، والأقوال غيرالمستحسنة في الصيام. منها: ما رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: "من لم يدع قول الزور، والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه، وشرابه" ١ وعند ابن ماجه: "من لم يدع قول الزور، والجهل، والعمل به" وروى ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الصيام من الأكل، والشُّرب، إنما الصيام من اللغو، والرفث، فإن سابك أحد أوجهل عليك؛ فقل: إني صائم، إني صائم" ٢ وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع. ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر" ٣ والحديث الرابع: كالثالث، والله أعلم.

стр. 264

١٢٤- " لأنتقمنَّ من الظالم في عاجله وآجله ، ولأنتقمن ممن رأى مظلومًا، فقَدِر أن ينصره، فلم ينصره ". رواه أبو الشيخ عن ابن عباس١ والطبراني عن أبي الدرداء.

стр. 265

ش- الانتقام: تقدَّم تفسيره في شرح الحديث رقم "٧٥"والظلم أيضًا تقدم، فارجع إليهما. والعاجل: الحاضر، والعَجَل والعجلة: ضد البطء، وعاجله بذنبه؛ إذا أخذه به، ولم يمهله، والآجل: ضد العاجل. والمعنى: أن الله -سبحانه وتعال- أخبر لينتقمن من الظالم، ويعاقبنه في عاجله، أي: في الدنيا، وآجله؛ أي: في الآخرة؛ لأن الظالم أضر بنفسه، فأوردها المهالك. والظلم جاءت جميع الشرائع باستقباحه، والتنفير منه، واستفظاعِه، وجاء في القرآن الحكيم آيات كثيرة تندد بالظالم، وتتوعده بالعذاب الأليم في الدنيا، والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢] وقال تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨] وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [غافر: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣] وقال : ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] . وكذلك وردت أحاديث في ذلك، منها: الحديث القدسي الذي تقدم ذكره: "إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرمًا بينكم، فلا تظالموا.... الحديث" وذكرنا شرحه هناك مستوفى، فارجع إليه، ومنها: ما رواه مسلم، وغيره عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" ١ وروى البخاري، ومسلم، والترمذي عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ٢ "هود:١٠٢" وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: "اتقِ دعوة المظلوم.

стр. 266

فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" ١ رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي في حديث، والترمذي مختصرًا هكذا، واللفظ له، ومطولًا كالجماعة. وكذلك توعد الله في هذا الحديث بالانتقام، والعذاب من قدر على نصر المظلوم، وتباطأ عنه، ولم ينصره. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالمًا؟ فقال: تأخذ فوق يديه" ٢ رواه البخاري، ومسلم، والترمذي. وروى أبو داود عن جابر، وأبي طلحة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقصُ فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته. وما من امرىءٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته"٣ وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا -يشيرإلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله" ٤ رواه مسلم. وحديث الباب ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" وقال: رواه أبو الشيخ أيضاً، فيه رواية أحمد بن محمد بن يحيى، وفيه نظر عن أبيه. وجد المهدي هو: محمد بن عبد الله بن عباس، وروايته عن ابن عباس مرسلة. والله أعلم.

стр. 267

١٢٥- " لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر عبدي في حقي "١

стр. 268

رواه الطبراني في الكبيرعن ابن عباس. ش- معنى ألفاظه ظاهرة، والمعنى: أن الله ﵎ أخبرنا أنه لا ينظر في حق عبده، ومصالحه حتى ينظر العبد في حق مولاه جل وعز، وحق الله ينقسم إلى قسمين؛ الأول: يتعلق بالأعمال، والأفعال الظاهرة من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، واجتناب الكبائر، والتباعد من الصغائر، ومعاونة العباد، والإحسان إليهم، وغير ذلك مما جاءت به الشريعة الغرَّاء. والقسم الثاني: يتعلق بالاعتقاد، والأعمال الباطنة، كاعتقاد أنَّ الله واحد، أحد، فرد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وأن الله أرسل رسلًا وأنبياء لإرشاد الخلق، وتبيين طرق الحق، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فيذعن العبد لهم، وينقاد، ويؤمن بما جاؤوا به إجمالًا، وتفضيلًا، ويؤمن بالكتب المنزلة على الرسل جميعًا، وأنها من عند الله جل، وعز إجمالًا وتفصيلًا، ويؤمن بالقدر خيره، وشره من الله تعالى، وحكمه، وقضائه. وحق العبد: أن يتولى الله رعاية عبده، وحفظه، وستره، ويضمن له الرزق، ويوفقه لصالح الأعمال، ويحببه إلى خلقه، ويسهل له الأمور، ويكثر له الحسنات، ويمحو عنه السيئات، ويعفو عن مساويه، ويرفع منزلته دنيا وأخرى، ويدخله الجنة، وينعم عليه بأشياء كثيرة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطرعلى قلب بشر. فمتى قام العبد بحقوق الله جل ذكره، وتعالت أسماؤه؛ تجلى الله جل، وعلا على عبده، وأسدل عليه نعمه، وبره، وإحسانه، ووفقه لما يرضى، ويحب، فعلى الإنسان ألا يغفل عن الأعمال الصالحة، ويضيع وقته في قيل وقال، وإذا شتم هذا، وظلم ذاك، وجار، فإنه يأتي يوم القيامة وهو صفر اليدين من الحسنات، فيلقي عذاب ربه، وحتف نفسه. اللهم إني أسألك أن توفقنا إلى صالح الأعمال، وتجنبنا مسويها؛ إنك على ما تشاء قدير!

стр. 269

١٢٦- " لقد خلقتُ خلقًا ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، فبي حلفت لأتيحنَّهم فتنةً تدع الحليم منهم حيران، فبي يغترون، أم علي يجترئون؟ "١. رواه الترمذي عن ابن عمر.

стр. 270

١٢٧- " لو أن عبدي استقبلني بقراب الأرض ذُنُوبًا ، لا يشرك بي شيئًا؛ استقبلته بقرابها مغفرة" ١. رواه الطبراني عن أبي الدرداء. ش- الحديث الأول: تقدَّم ذكر مثله مع تغيير في بعض ألفاظه. وقوله: "لأتيحنهم": لأقدرن، وأنزلن بهم فتنة. يُقال: أتاح الله لفلان كذا: أي قدره له، وأنزله به. وتاح له الشيء. وباقي الشرح تقدم، والحديث الثاني: تقدم برقم"١١٢" فارجع إليه. والله أعلم.

стр. 271

١٢٨- " لو أن عبادي أطاعوني؛ لأسقيتهم المطر بالليل ، ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد"١. رواه أحمد، والبزار، والحاكم عن أبي هريرة. ش- السقي، والسقيا: أن يعطيه ما يشرب. والإسقاء: أن يجعل له ذلك حتى يتناوله كيف شاء، فالإسقاء أبلغ من السقي؛ لأن الإسقاء هو أن تجعل له ما سقي منه، ويشرب. قاله الراغب في مفرداته. والمطر: الماء المنكسب، وماء السحاب، وجمعه: أمطار، والرعد صوت السحاب، وروي: أنه ملك يسوق السحاب. وقيل: رعدت السماء، وبرقت، وأرعدت، وأبرقت. ويكنى بها عن التهدد.

стр. 272

والمعنى -والله أعلم-: أن الله جل، وعلا يخبرنا: أن عباده لو أطاعوه ليسقينهم المطر بالليل، فينتفع بها الزرع، والبهائم، والآدميون، فلا يحصل له عطلة في نهارهم لمعاشهم، بل يصبح كل يزاول عمله، ولا تشل حركة القوافل في البراري، والقفار وحركة المشي، والسعي في المدن، والقرى؛ تسهيلًا للعباد، ورأفة بهم، وليطلعن الشمس على العباد في النهار؛ لتجف الأراضي التي أصابتها المياه، والطرق التي يسلكها العباد، وتذهب المكروبات التي تدنومن الثمر، والشجر، وتلصق بها، ولَمَا سمع عباده صوت الرعد؛خوفًا من أن يصيبهم رعب، أوأذى من صوته. فيا عباد الله! أطيعوا ربكم في جميع أعمالكم، وقُوا أنفسكم من الله، وارحموا الضعيف، والمسكين، ووقروا علماءكم، وشيوخكم، وكبراءكم، وعاونوا المحتاج، وعابر السبيل إن كنتم تنتظرون المادة، والماء؛ فإن الله جل ذكره وعدكم بالخير الكثير، والنعيم التي لا تحصى، ولا تعد إذا أنتم أطعتموه في سركم، وجهركم، وأظهرتم شعائر الدين، ونشرتم سنة الرسول ﷺ في كل قطر، وبلد، وقرية، وبيت، ومحفل، ومجتمع. فاللهم إني أسألك أن تهدينا لطاعتك، وطاعة رسولك ﷺ !

стр. 273

١٢٩- " لم يلتحف العباد بلحافٍ أبلغ عندي من قلة الطُّعم "١. رواه الديلمي عن ابن عباس. ش- التحف بالثوب: تغطى به، واللحاف: ما يلتحف به. وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، وجمعه: لحف، والملحفة -بكسرأوله-: هي الملاءة التي تلتحف بها المرأة؛ والطعم-بالضم-: الأكل، وبالفتح: ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة، ومرارة، وغيرهما، وله حاصل. والمعنى: أن الله تبارك اسمه أخبرنا: أن العباد لم يلتحفوا، ويتغطوا بلحاف، وغطاء يقيهم شدة البرد، ويدفع عنهم الأذى، ويحفظ صحتهم، ويقيها من الآلام والأمراض، والعلل أبلغ، وأحفظ، وأشد وقياة عند الله من قلة الطعام، فإن في قلة الطعام راحة للجسم، والعقل، وحفظهما من الأسقام، وقد جاء القرآن بذمِّ الشبع والإسراف في تناول الطعام والشراب، قال اله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] وبين الشرع أن شر وعاء ملأه ابن آدم بطنه، وأنه يكفيه ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث لنفسه إذا كان لا محالة فاعلًا. روي الترمذي،

стр. 274

وابنُ ماجه، وابنُ حبَّان في صحيحه من حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" ١. وإنما كان ملء البطن شرًا لما فيه من المفاسد الظاهرة، دينية، ودنيوية، فالشبع يورث البلاء، ويعوق الذهن عن التفكير الصحيح، وهو أيضًا مداعاة الكسل، والنوم، فمن أكل كثيرًا نام كثيرًا، ومن نام كثيرًا ضيع وقته، وقتله، وهو رأس ماله في الحياة العملية، فيخسر كثيرًا من مصالحه الدينية، والدنيوية. ومن وصايا لقمان لابنه: يا بني! إذا امتلأت المعدة؛ نامت الفكرة، وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة. هذا حال الشبع. وأما حال الإقلال من الطعام والشراب: فالقلب يصفو، والقريحة تنتقد، والبصيرة تنفذ، والشهوة مغلوبة، والنفس مقهورة على أمرها، وقد أرشدنا صاحب الرسالة عليه أفضل الصلاة والتسليم إلى المقدار المناسب في الطعام، وهوما يقيم الحياة، ويحفظ الصحة، ويمكن الإنسان من القيام بواجبه الشخصي، والمشترك، وإن كان لابد مكثرًا منه يجعل ثلثي المعدة للطعام والشراب، ويترك ثلثها الباقي خاليًا حتى يتمكن من النفس بسهولة؛ وذلك أن البطن إذا امتلأت ضغطت على الحجاب الحاجز، فضغطت على الرئتين، فضاقت مجاري التنفس الذي هو ضروري لإصلاح الدم الفاسد، وتحويله إلى دم صالح تقوم به حياة الإنسان، وتحفظ صحته، ولذلك جاء الترغيب في الصوم، وأن الله يجزي به بنفسه؛ لأن أكبر مهذب للإنسان هو الصوم؛ لتقليل الطعام فيه، والله أعلم.

стр. 275

١٣٠- " ليس كل مصلٍ يصلي . إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وآوى الغريب، كل ذلك. وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس! على أن أجعل الجهالة له علماً، والظلمة نورًا، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقوتي، وأستحفظه ملائكتي،

стр. 276

مثله عندي كمثل الفردوس لايتسنى ثمرها، ولا يتغير حالها"١. رواه الديلمي عن حارثة بن وهب. ش- التواضع: التذلل، والخشوع، يقال: تواضع لله: خشع، وذلَّ، والعظمة بفتحتين: الكبرياء. والكف: الترك، والمنع. والشهوات: جمع شهوة، وأصلها: نزوع النفس إلى ما تريده. وذلك في الدنيا ضربان: صادقة، وكاذبة، فالصادقة: ما يختل البدن من دونه، كشهوة الطعام عند الجوع، والكاذبة ما لا يختل من دونه. وقد يسمى المشتهي: شهوة، وقد يقال للقوة التي تشتهي الشيء: شهوة. والمحارم: تطلق على المعاصي، وعلى المنهيات، وعلى ترك المأمورات. والإصرار: التزام الشيء، والمداومة عليه. وأكثر ما يستعمل في الشروالذنوب. وآوى إلى كذا: انضم إليه. وآواه-بالمد-: رق له، ورحمه، وضمه إليه، وأنزله عنده. والغريب: الوحيد الذي لا أهل له، والبعيد عن الوطن، والأقارب، والأنصار. وبرَّ في قسمه، وأبر: صدق، وأبرالله حجه: قبله. وأكلؤه: أحرسه، والكلاءة: الحراسة. والفردوس: الحديقة، والبستان، يذكَّر، ويؤنث، عربية، واشتقاقها من الفردسة، وقيل لغة رومية، نقلت إلى العربية، والجمع فراديس. والمعنى: أخبر الله ﵎ أن ليس كل مصلٍ إذا صلى له ثواب صلاته، وتقبل، بل لها شروط، وأركان، وسنن، ومستحبات، وهيئات. هذا كله ظاهرًا. ولها شروط باطنًا، منها: التواضع لله، والخشوع، وكف نفسه من الوقوع في شهواتها، والنظر إلى المحارم، فمن أتى بها كلها؛ قبلت صلاته، وجوزي عليها، وظهرت علامة ذلك عليه. قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ،ولا شك أن الصلاة التي تنهى عن ذلك هي الصلاة المقبولة ظاهرًا، وباطنًا، فلذلك كل شخص تجده يصلى، ويكثر الصلاة، وهو مرتكب الذنوب، والآثام؛ فإنه لم يأت بها كما أمر، فإنه وإن أحسن الظاهر؛ فإنه لم يحسن الباطن، وقد مدح الله في كتابه الحكيم الخاشعين في الصلاة، قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢] قال ابن لهيعة: عن عطاء بن يساررحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] يعني: متواضعين، لا يعرف من عن يمينه، ولا من عن شماله، ولا يلتفت من الخشوع لله .

стр. 277

وخرَّج الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي من حديث الفضل بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع يديك -يقول ترفعهما إلى ربك وتقول: يا رب! يارب! يارب! فمن لم يفعل ذلك؛ فهي خداج"١ الخداج: النقصان، ومعناه هنا: أنه ناقص من الأجروالفضيلة، وكذلك الإصرار، والاستمرار على المعاصي، والتزامها؛ فإنه بسبب رفض الصلاة، وعدم قبولها. ويؤدي الغريب، ويحسن إليه، كل ذلك يفعله العبد لله . ثم أقسم المولى جل وعز بعزته وجلاله: أن من كان موصوفاً بهذه الصفات الحميدة يكون نور وجهه أضوأ عنده من نور الشمس، ويجعل له الجهالة -إذا كان جاهلًا- علمًا، أو إذا كان عالماً يزده علمًا، ويجعل له الظلمة نورًا، فلا يرى ظلمة أمامه لا ليلًا، ولا نهاراً، فمن كان متصفًا بذلك يدعو الله جل وعز، فيجاب دعاؤه، ويلبي، ويسأل، فيعطى، ويقسم على الله جل علاه، فيبر قسمه، ويصدق يمينه، وزيادة على ذلك فإن الله يكلؤه، ويحرسه بقوته، وحوله، ويستحفظه ملائكته، ويكون مثله عند الله كمثل جنة الفردوس، لا يتغير حالها، ولا يتلف ثمرها، أي: أن الله يجعله مقبولًا لكل أحد قلبًا، وقالبًا، ومن أين أتيته؛ وجدته نافعاً ذا فائدة دينية، ودنيوية. اللهم وفقنا لذلك يا رب! والحديث ذكره الحافظ المنذري بألفاظ قريبة من هذا من رواية ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرًا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين، وابن السبيل، والأرملة، ورحم المصاب، وذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نورًا، وفي الجهالة حلمًا، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة "٢ رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحراني، وبقية رواته ثقات.

стр. 278

١٣١- " لولا أن الذنب خير لعبدي المؤمن من العُجْبِ ما خليت

стр. 279

بين عبدي المؤمن وبين الذَّنب" ١. رواه أبو الشيخ عن كليب الجهني. ش- الذنب: يستعمل في كل فعل يستوخم عقباه اعتبارًا بذنب الشيء، ولهذا يسمى الذنب: تبعةاعتبارًا لما يحصل من عاقبته، وجمع الذنب: ذنوب، والعجب -بضم الغين المهملة وسكون الجيم-: يُقال: فلان أعجب بنفسه وبرأيه -على ما لم يسم فاعله- فهو معجب بفتح الجيم، والاسم: العجب بضم العين: الزهو، والكبر، وإنكار ما يرد على الإنسان. ويظن بنفسه ما ليس عند غيره، فيرى رأيه صوابًا، ورأي غيره خطأ، وخلاه: تركه، وخاليته: تاركته. وأبو الشيخ: تقدمت ترجمته، وكليب الجهني هو صحابي. والمعنى -والله أعلم-: أن الله يخبرنا: أن الذنب للعبد المؤمن خير له من العجب، ولولا ذلك لما خلى الله جل ذكره بين عبده المؤمن وبين الذنب، بأن كفه، وأمسكه، وحفظه عن اقتراف ذنب ما؛ لأن العبد إذا أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، يشعر بأنه عمل عملًا سيئًا، وخالف سيده، وأغضب خالقه، واقترف ما يستحق الذم، واللوم عليه من مولاه، فيتراجع، ويصغر في نفسه، وينقبض، ويرى نفسه مخطئة، فيعالج طرق الرضا، ويطرق باب الصلح، ويتذلل، ويتواضع لمولاه؛ ليقبل، ولا يؤاخذ بذنبه، ويعفو عن ذلك، ويسامح فمن هذا ما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم" ٢ وأما إذا لم يقترف ذنبًا، ولم يقدم على معصية، وداوم على البروالتقوى، فينظر إلى غيره ممن غرق في بحارالمعاصي، أوأتى مخالفة، أو ارتكب محظورًا؛ فإنه يرى نفسه خالية من كل ذلك، فيدخله العجب، فلا يلجأ إلى بارئه، ويستفتح بابه، ويسأله، ويتواضع له، ويتذلل، فلا تظهر عظمة الربِّ وجلاله، ويخفى سرُّ الألوهية. روى البزار عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "لوم لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب، العجب" ٣ لأن صاحب الذنب لا يأمن من مكر

стр. 280

الله وعذابه كما قدمنا آنفًا، ولا يرى له منة، وحقًا عند الله تعالى، بل يكون دائمًا في خوف، ووجل من ذنبه، راجيًا عفو مولاه؛ لأنه يعرف عصيانه، فيرجو له التوبة، والمعجب مغرور بعلمه، وعمله، فتوبته بعيدة، فهو من قبيل ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [ألكهف:١٠٤] فالعجب يصرف وجه العبد عن الله، والذنب يصرفه إليه؛ لأن العجب ينتج الاستكبار، والذنب ينتج الاضطرار، ويؤدي إلى الافتقار. وخير أوصاف العبد: افتقاره، واضطرارها إلى ربه، وعلى هذا يظهر لك سر الحديث، وما اشتمل عليه من الكنوز، والله أعلم.

стр. 281

١٣٢- " ما تقرب إلي العبد بمثل أداء فرائضي ، وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته؛ كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته" ١. رواه ابن السني عن ميمونة. ش- التقرب: طلب القربة، وأخذ المثوبة. والفرائض: جمع فريضة، بمعنى مفروضة، وأصل الفرض: القطع، وفي الشرع: ما أوجبه الله تعالى، وألزمه عباده، وهو أعم من أن يكون فرض عين، أو كفاية، والنوافل: جمع نافلة: الزيادة، والتنقل: التطوع. والحب: تقدم الكلام عليه غير مرة. والبطش: الأخذ بعنف. والقلب: تقدم الكلام عليه. والمعنى: أن الله أخبر أن العبد لم يتقرب إلى الله، ويتطلب القربة من رحمته، والمثوبة من عنايته به بوسيلة عمل إليه جل ذكره من الذي فرضه عليه، وألزمه به، وقدره، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات؛ لأن ذلك كله من فرائض

стр. 282

الله التي افترضها على عباده. قال الحافظ زين الدين بن رجب١: وأداء الفرائض أفضل الأعمال، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك أن الله تعالى إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم عنده، ويوجب لهم رضوانه، ورحمته. وأعظم فرائض البدن التي تقرب إليه الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] وقال النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "٢ وقال: "إذا كان أحدكم يصلي؛ فإنما يناجي ربه، وربه بينه وبين القبلة" وقال: "إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" ٣ ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته سواء كانت رعيته عامة كالحاكم أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده كما قال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ٤ وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه

стр. 283

مجلسًا إمامٌ عادلٌ"١ هذه درجة أولى للعبد المؤمن، فإذا قام بأداء الفرائض؛ سقط عنه الطلب، وخلص من ربقة التكليف. والدرجة الثانية هي أرقى من الأولى، وأرفع، وحال صاحبها أعلى، وهو من أتى بالفرائض، وقام بها تمامًا، وزاد عليها -تقربًا إلى الله جل، وعز- النوافل والطاعات الزئادة عن الفرائض والواجبات، واجتهد فيها، وانكفَّ عن دقائق المكروهات، وهذه درجة السابقين المقربين، ومن أعظم ما يقترب به العبد إلى مولاه من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه بتفكر، وتدبر، وتفهم. روى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعًا: "ما تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه"٢ يعني: القرآن، ومن ذلك كثرة ذكر الله الذي يتواطأعليه القلب، واللسان. روي البزار في مسنده عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمال، وأقربها إلى الله تعالى. قال: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى" ٣ ومتى أكثر العبد من فعل الطاعات، والبعد عن المخالفات؛ أوجب ذلك حب الله، فيحبه الله، ومتى أحبه الله؛ رزقه محبته، وطاعته، والاشتغال بذكره، وخدمته، فيصيرالشخص لا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا بالله، ولا يمشي إلا لله، ولا ينطق إلا بالله، ولا ينظر إلا بالله، ولا يبطش إلا بالله ... إلخ. قال الحافظ ابن رجب: المراد من هذا الكلام - أي قوله تعالى: "كنت رجله التي يمشي بها" إلخ-: أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق؛ حتى يصير في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة كما قيل:

стр. 284

ساكن في القلب يعمُره ... لست أنساه فأذكره غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويد القلب يبصرُه قال الفضيل بن عياض١: إن الله تعالى يقول: "كذب من ادَّعى محبتي، ونام عني. أليس كل محب يحب خلوة محبوبه؟ ها أنا مطَّلع على أحبابي، وقد مثلوني بين أعينهم، وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدًا أقرأعينهم في جناتي" ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد والله ورسوله بريئان منه، وإذا وصل العبد إلى هذه المنزلة اقتضى أنه إذا سأل الله شيئًا أعطاه إياه، وإذا دعاه بشيء أجاب دعاءه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته على الله تعالى، وقد كان كثير من السلف الصالح من الصحابة وغيرهم مجاب الدعوة، ولولا الإطالة لسردت لك جملة صالحة من ذلك. والله أعلم.

стр. 285

١٣٣- " ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل الزهد في الدنيا ، ولا تعبدني بمثل أداء ما افترضته"١. رواه القضاعي عن ابن عباس. ش- زهد في الشيء: تركه، وأعرض عنه؛ فهو زاهد، والجمع زهاد. والدنيا: عبارة عن الأعيان الثابتة، وهي: الأرض، وما عليها من المواليد الثلاثة، وهي: الجمادات، والنباتات، والحيوانات، مما للإنسان فيها حظ، ولذة مالية، أو جاهية، وله في صلاحها شغل لحظه، أو لحظ غيره، فيندرج فيه الحرف، والصناعات. وقد تقدم معنى التقريب إلى الله في الحديث المتقدم، وقد ذكرنا: أن الله جل ذكره يتصف بالتقرب، وأتينا هناك بما يشفي الصدر. والمعنى -والله أعلم-: أن الله يخبرنا بأن العبد المؤمن ما تقرب إليه جل،
следующие страницы →