١٣٢- " ما تقرب إلي العبد بمثل أداء فرائضي ، وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته؛ كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته" ١. رواه ابن السني عن ميمونة.
ش- التقرب: طلب القربة، وأخذ المثوبة. والفرائض: جمع فريضة، بمعنى مفروضة، وأصل الفرض: القطع، وفي الشرع: ما أوجبه الله تعالى، وألزمه عباده، وهو أعم من أن يكون فرض عين، أو كفاية، والنوافل: جمع نافلة: الزيادة، والتنقل: التطوع. والحب: تقدم الكلام عليه غير مرة. والبطش: الأخذ بعنف. والقلب: تقدم الكلام عليه.
والمعنى: أن الله أخبر أن العبد لم يتقرب إلى الله، ويتطلب القربة من رحمته، والمثوبة من عنايته به بوسيلة عمل إليه جل ذكره من الذي فرضه عليه، وألزمه به، وقدره، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات؛ لأن ذلك كله من فرائض
стр. 282
الله التي افترضها على عباده. قال الحافظ زين الدين بن رجب١: وأداء الفرائض أفضل الأعمال، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك أن الله تعالى إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم عنده، ويوجب لهم رضوانه، ورحمته. وأعظم فرائض البدن التي تقرب إليه الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] وقال النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "٢ وقال: "إذا كان أحدكم يصلي؛ فإنما يناجي ربه، وربه بينه وبين القبلة" وقال: "إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" ٣ ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته سواء كانت رعيته عامة كالحاكم أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده كما قال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ٤ وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه
стр. 283
مجلسًا إمامٌ عادلٌ"١ هذه درجة أولى للعبد المؤمن، فإذا قام بأداء الفرائض؛ سقط عنه الطلب، وخلص من ربقة التكليف.
والدرجة الثانية هي أرقى من الأولى، وأرفع، وحال صاحبها أعلى، وهو من أتى بالفرائض، وقام بها تمامًا، وزاد عليها -تقربًا إلى الله جل، وعز- النوافل والطاعات الزئادة عن الفرائض والواجبات، واجتهد فيها، وانكفَّ عن دقائق المكروهات، وهذه درجة السابقين المقربين، ومن أعظم ما يقترب به العبد إلى مولاه من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه بتفكر، وتدبر، وتفهم. روى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعًا: "ما تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه"٢ يعني: القرآن، ومن ذلك كثرة ذكر الله الذي يتواطأعليه القلب، واللسان. روي البزار في مسنده عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمال، وأقربها إلى الله تعالى. قال: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى" ٣ ومتى أكثر العبد من فعل الطاعات، والبعد عن المخالفات؛ أوجب ذلك حب الله، فيحبه الله، ومتى أحبه الله؛ رزقه محبته، وطاعته، والاشتغال بذكره، وخدمته، فيصيرالشخص لا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا بالله، ولا يمشي إلا لله، ولا ينطق إلا بالله، ولا ينظر إلا بالله، ولا يبطش إلا بالله ... إلخ. قال الحافظ ابن رجب: المراد من هذا الكلام - أي قوله تعالى: "كنت رجله التي يمشي بها" إلخ-: أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق؛ حتى يصير في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة كما قيل:
стр. 284
ساكن في القلب يعمُره ... لست أنساه فأذكره
غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويد القلب يبصرُه
قال الفضيل بن عياض١: إن الله تعالى يقول: "كذب من ادَّعى محبتي، ونام عني. أليس كل محب يحب خلوة محبوبه؟ ها أنا مطَّلع على أحبابي، وقد مثلوني بين أعينهم، وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدًا أقرأعينهم في جناتي" ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد والله ورسوله بريئان منه، وإذا وصل العبد إلى هذه المنزلة اقتضى أنه إذا سأل الله شيئًا أعطاه إياه، وإذا دعاه بشيء أجاب دعاءه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته على الله تعالى، وقد كان كثير من السلف الصالح من الصحابة وغيرهم مجاب الدعوة، ولولا الإطالة لسردت لك جملة صالحة من ذلك. والله أعلم.
стр. 285
١٣٣- " ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل الزهد في الدنيا ، ولا تعبدني بمثل أداء ما افترضته"١. رواه القضاعي عن ابن عباس.
ش- زهد في الشيء: تركه، وأعرض عنه؛ فهو زاهد، والجمع زهاد. والدنيا: عبارة عن الأعيان الثابتة، وهي: الأرض، وما عليها من المواليد الثلاثة، وهي: الجمادات، والنباتات، والحيوانات، مما للإنسان فيها حظ، ولذة مالية، أو جاهية، وله في صلاحها شغل لحظه، أو لحظ غيره، فيندرج فيه الحرف، والصناعات. وقد تقدم معنى التقريب إلى الله في الحديث المتقدم، وقد ذكرنا: أن الله جل ذكره يتصف بالتقرب، وأتينا هناك بما يشفي الصدر.
والمعنى -والله أعلم-: أن الله يخبرنا بأن العبد المؤمن ما تقرب إليه جل،
стр. 286
وعزَّ بعمل مثل الزهد في الدنيا، ولا تعبد الله تعالى بمثل أداء الفرائض. أما الزهد في الدنيا فقد جاء القرآن بالحث عليه، وتحبيبه إلى خلقه، ومدحه، والتنفير من ضده، وذم الرغبة في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦-١٧] ،وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] ،وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧] ،وقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١] وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ، والقرآن مليء بذلك.
ومن الأحاديث: ما رواه ابن ماجه وغيره عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" ١ وهو حديث حسن، رواه بأسانيد حسنة، كما قال النووي ﵀. وروي مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه مرَّ بالسوق والناس مكتنفوه، فمر بجِديٍ أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء! وما نصنع به؟! قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياً لما رغبنا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" ٢. وقوله: أسك؛ أي: مصطلم الأذنين، مقطوعهما.
وخرَّج الترمذي من حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" ٣.
стр. 287
وقد أكثر الناس الكلام في الزهد، وكل أشار إلى ذوقه، ونطق عن حاله وشاهده، وقد سُئِل الرسول ﷺ عن الزهد فأجاب: خرَّج الترمذي، وابن ماجه من رواية عمرو بن واقد عن يونس بن حليس، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يدك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك"١ قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكرالحديث، والصحيح وقفه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد.
وقال سفيان الثوري: الزُهد في الدنيا: قصر العمل ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء. وقال ابن الجلاء٢: الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، فتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض عنها. وقال الجنيد٣: الزهد: خلو القلب عما خلت منه اليد. وقال الإمام أحمد: الزهد في الدنيا: قصر الأمل. وعنه رواية أخرى: أنه عدم فرحه بإقبالها، وحزنه على إدبارها، فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا؟ فقال: نعم على شريطة ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع:
стр. 288
ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. قال تلميذه العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية في كتابه: "مدارك السالكين": هذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد، والورع، وأجمعها. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام، وهو زهد العوام. والثاني: ترك الفضول من الكلام، وهو زهد الخواص. والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين. ومتعلق الزهد ستة أشياء، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي المال، والصور، والرياسة، والناس، والنفس، وكل ما دون الله ، وليس المراد رفضها من الملك، بل المراد رفضها من القلب، فقد كان نبيا الله: سليمان، وداود ﵉ من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء مالهما. وكان نبينا محمد رسول الله ﷺ من أزهد البشرعلى الإطلاق وله تسع نسوة. وكان علي بن أبي طالب كرم اله وجهه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان من الزهاد مع ما لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي ﵄ من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء، ونكاحًا لهن،وأغناها. وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير، وكذلك الليث بن سعد١، وسفيان من أئمة الزهاد، وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتمندل بنا هؤلاء.
قال الحافظ زين الدين بن رجب: واعلم: أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو: الليل، والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلها خلفةً لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكورًا. ويروى عن عيسى ﵇: أنه قال: "إن هذا الليل والنهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما" وكان يقول ﵊: اعملوا، الليل لما خلق له، والنهار لما خلق له. وقال مجاهد٢: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم! قد دخلت عليك اليوم، ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل في، فإذا انقضى طوى، ثم يختم عليه، فلا يفض حتى يكون
стр. 289
هو الله الذي يفضه يوم القيامة، ولا الليل إلا تكون كذلك، وقد أنشد بعض السلف:
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق ... والليالي مَتجرُ الإنسان والأيام سوق
وليس الذم راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هوالأرض؛ التي جعلها الله لبني آدم مهادًا ومسكنًا، ولا إلى ما أودع الله من الجبال، والبحار، والأنهار، والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع، والشجر، ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات، وغير ذلك، فإن ذلك كله من نعم الله على عباده؛لما لهم فيه من المنافع، ولهم فيه من الاعتبار، والاستدلال على وحدانية صانعه، وقدرته، وعظمته؛ وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضر عاقبته، أو لا تنفع، كما قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ [الحديد:٢٠] .
فائدة اختلف الناس في الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة، أم لا؟ فقال بعضهم: الزهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدنيا، فلا زهد. وقال بعضهم: بل الحلال موجود فيها، وفيها الحرام كثيرًا، وعلى تقدير ألا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها، وتناول ما يتناوله المضطر منها، كتناوله للميتة، والدم، ولحم الخنزير. وفي ذلك كفاية. والله أعلم.
стр. 290
١٣٤- " ما غضبت على أحد غضبي على عبدٍ أتى معصية ، فتعاظمها في جنب عفوي، فلو كنت معجلاً العقوبة، أو كانت العجلة من شأني لعجلتها للقانطين من رحمتي، ولولم أرحم عبادي إلا من خوفهم من الوقوف بين يدي لشكرت ذلك لهم، وجعلت ثوابهم منه الأمن لِما خافوا"١. رواه الرافعي عن ناجية بن محمد بن المنتجع عن جده.
ش- الغضب تقدم الكلام عليه في شرح الحديث "٢٧"والقانطين جمع قانط: اليائس، والقنوط: اليأس من الخير، يقال: قنط يقنط بفتح الماضي وكسرالمضارع - قنوتا. وقنط يقنط -بكسر الماضي وفتح المضارع- والشكر: تصور النعمة
стр. 291
وإظهارها، ويضادُّه الكفر، وهو نسيان النعمة، وسترها، والثواب: المجازاة. يقال: أثابه يثيبه، إثابة، والاسم: الثواب. ويكون في الخير والشر إلا أنه بالخير أخص، وأكثر استعمالًا. والأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، وباقي ألفاظ الحديث منها ما تقدم الكلام عليه، ومنها ما هو ظاهر.
والمعنى: أن الله تبارك، وتعالى يخبرنا على لسان نبيه المصطفى ﷺ : أنه ما غضب علي أحد من عباده غضبه على عبد أتى معصية من المعاصي صغيرة، أو كبيرة، فتعاظمها في جنب عفو الباري تعالى، وقنط من رحمته. فلو كان الله سبحانه معجلًا العقوبة لأحد من الناس، أو كانت العجلة من شأنه عزوجل؛ لعجل العقوبة للقانطين من رحمة الله.
ففيه حث على المبادرة إلى الله تعالى بعد فعل الذنب، واقتراف المعصية، بالإنابة إليه، واعتقاد الرجاء، والعفو، واستبعاد القنوط، واليأس من رحمة الله وعفوه.
وقد جاء القرآن الحكيم ببيان أن باب الله مفتوح للعصاة، والمذنبين، والمقصرين على أنفسهم مهما بلغت ذنوبهم سوى الشر، وحض المذنبين على الإنابة والرجوع إلى الله، وعدم القنوط واليأس من رحمة الله تعالى، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٤] وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ، قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥-٥٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] .
وقد تقدم أحاديث في هذا الكتاب منها: ما رواه أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: قال الله تعالى: "عبدي! ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، ويا عبدي! إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة" ١ وروى الترمذي -وقال: حديث حسن- عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: "يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك، ولا أبالي. يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك.
стр. 292
يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا؛ لأتيتك بقُرابها مغفرة" ١. وروى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " لوأخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب عليكم" ٢. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله، فكمل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، من يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا، وكذا، فإن بها أناساًً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاه ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى؛ فهو له، فقاسوا، فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة". وفي رواية: "فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي؛ وقال: قيسوا بينها. فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له" ٣. وفي رواية قال قتادة قال الحسن: "ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأى بصدره نحوها". رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجه بنحوه.
وقوله: "ولو لم أرحم عبادي إلا من خوفهم ... إلخ" أي: أن الله سبحانه يخبرنا: أنه لو لم يرحم عباده إلا من خوفهم من الوقوف بين يديه؛ لشكر ذلك لهم، وجعل ثوابهم ذلك الأمن لما خافوا.
стр. 293
ففيه الترغيب في التوبة، والرجوع إلى الله ، ولاسيما الخائفين من الله تعالى الذين أذنبوا، وخافوا من الوقوف بين يدي الله جل ذكره يوم الموقف الأكبر، اليوم الذي تظهر فيه عورات الناس، ويشرف المطيع، ويذل فيه العاصي غير التائب من الذنب. روى الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، والبيهقي عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله : أخرجوا من النار من ذكرني يومًا أوخافني في مقام"١.
وقوله: "رواه الرافعي" هو العالم الفقيه عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرفاعي، القزويني، الشافعي، كان من أئمة الشافعية أصحاب التآليف القيمة منها: المحرر في فقه الشافعية، والتدوين في أخبار قزوين، ولعله روى الحديث فيه، وفتح العزيز-وشرعنا بطبعه، وتم منه مع المجموعة شرح المهذب ١٢ جزءًا ونسأل الله الإتمام- كان له مجلس بقزوين في التفسير، والحديث، وتوفي فيها سنة ثلاث وعشرين وستمئة والله أعلم.
стр. 294
١٣٥- " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فأكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإنْ استنصرني نصرته، وأحب ما تعبدني عبدي به النصح لي"٢. رواه الطبراني في الكبيرعن أبي أمامة.
ش- تقدم شرح الحديث غير مرة بألفاظ متقاربة من هذا مع زيادة، ونقص فيها، فلا حاجة للإعادة، وهنا زيادة فيه لفظ: "النصح لي" فلا بأس من الكلام عليه بما يناسبه، فنقول:
النصح في اللغة: الخلوص. يقال: نصحته، ونصحت له، والنصح: تحري فعل،
стр. 295
أو قول فيه صلاح صاحبه، وهو من قولهم: نصحت لهم الود؛ أي: أخلصته. وناصح العسل: خالصه. أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته. والناصح: الخياط. والنصاح: الخيط. والنصيحة: كلمة يُعبَّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبرهذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها.
وقد جاء القرآن يحكي نصح الأنبياء لقومهم، قال حكاية عن صالح ﵊: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] وقال تعالى حكاية عن نبي الله شعيب ﵊: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٩٣] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩١] يعني: أن من تخلف عن الجهاد لعذر؛ فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحاً لله ورسوله في تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، غير ناصحين لله ورسوله، وقال تعالى حكاية عن نبي الله نوح ﵇: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٦٢] وقال تعالى حكاية عن نبي الله هود ﵇: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ "الأعراف:٦٨" وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف:١١] .
وروى مسلم في صحيحه عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة -ثلاثًا- قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ، ولكتابه، ولرسوله ﷺ ، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" ١ وروى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: قال الله : "أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي" ٢ وهو قطعة من حديث الكتاب، وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموماً، وفي بعضها النصح لولاة الأمور، وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعايهم، وفي بعضها النصح لله وحده جلَّ عزه، كما في حديث الكتاب، وفي الصحيحين عن
стр. 296
جرير بن عبد الله قال: بايعت النبي ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم١. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه الله أمركم" ٢ وقد تقدم ذكر الآيات الدالة على نصيحة الأنبياء لأممهم.
والنصح لله هو: أن يقوم العبد بأداء واجباته على أكمل وجوهها- وهو: أن يعبد الله كأنه يراه- فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ومن النصيحة صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، ووصفه بصفات الكمال والجلال، واعتقاد ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة من الصفات بدون تأويل، ولا تشبيه، وتنزيهه عما يضادها، ويخالفها، وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص، والحب فيه، والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى، وكراهية أهل البدع والأهواء وما ضاهى ذلك، والحث عليه.
ولما ذكر النصح والنصيحة هنا، وبينا النصح لله جل وعز، فلا بأس من إيراد جملة تتعلق بنصيحة الرسول ﵊، ونصيحة خلقه إتماماً للفائدة فأقول:
النصيحة لرسول الله ﷺ : الإيمان به، وبما جاء به، وتوقيره، وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سننه، وانتشار علومه، ونشرها، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه، ونحو ذلك.
والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.
والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم
стр. 297
ودنياهم، وسترُ عوراتهم، وسدُّ خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذبُّ عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. والله أعلم.
стр. 298
١٣٦- " مُرُوا بالمعروف، وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم"١. رواه الديلمي عن عائشة.
ش- يُقال: أمره بكذا: طلب فعله منه. والاسم: الأمر، واحد الأوامر. والمعروف: هو اسمٌ جامع لكل ما عُرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع. والنهي: ضد الأمر، ونهاه عن كذا، ينهاه، نهياً، وانتهى عنه، وتناهى؛ أي: كف، وتناهوا عن المنكر: نهى بعضهم بعضاً. والمنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة، وهو ضد المعروف.
والمعنى -والله أعلم- أن: الله عزَّ، وجل أمرنا أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر؛ لئلا يأتي يوم، فتفشو فيه المعاصي، والمنكرات، ولا آمر، ولا ناهي، وتتسلط علينا الآفات، والبلايا، والمصائب بترك ذلك، فندعو الله جل ذكره فلا يجيب لنا دعاء، ونسأله كشف ذلك، فلا نعطى، ونستنصر بالله من عدونا، وما حلَّ بنا، فلا ينصرنا، ولا يلتفت إلينا.
وقد جاء الحث بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتنفير من ترك ذلك، وتهديد من تركه في آيات كثيرة من القرآن الحكيم، وأحاديث تبلغ حد التواتر، فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 299
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] وقال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقال تعالى حكاية عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْبِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى في وصفهم أيضاً: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] .
ومِن الأحاديث النبوية ما رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي عن أبي سعيد الخدري، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "من رأى منكم منكراً فغيَّره بيده؛ فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده، فغيره بلسانه؛ فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه، فغيره بقلبه؛ فقد برئ، وذلك أضعف الأيمان" ١. وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده؛ فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه؛ فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه؛ فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٢. والحواري هو الناصر للرجل، والمختص به، والمعين، والمصافي. وروى الترمذي -وقال حديث حسن غريب- عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعوه فلا يستجيب لكم" ٣.
стр. 300
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يكون في قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه، ولا يغيرون إلا أصابهم الله منهم بعقابٍ قبل أن يموتوا" ١ رواه أبو داود عن أبي إسحاق قال: أظنه عن ابن جرير عن جرير، ولم يسمِّ ابنه. ورواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه والأصبهاني، وغيرهم عن أبي إسحاق عن عبد الله بن جرير عن أبيه، وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب، والبيهقي في الزهد الكبير، وغيره عن دُّرة بنت أبي لهب ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: "أتقاهم للرب ، وأوصلهم للرحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر" ٢. وروى الأصبهاني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس! مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفعُ رزقاً، ولا يُقَرِّب أجلاً، وإن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى لمَّا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عموا بالبلاء"٣ وروى الإمام أحمد، والترمذيُّ - واللفظ له، وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر"٤.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أعظم وظائف الشرع المحمدي، وهو وظيفة الأنبياء والرسل، ومن بعدهم العلماء قادة الأمة، ومعلموها، أهل الفراسة، والذكاء، وفيهما تتفاضل الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
стр. 301
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فوصف أمة محمد ﷺ بأنها خيرأمة أُخرجت للناس، وعلل ذلك بأنها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله جل وعز، فإنها خيرأمة لأجل ذلك، ولا شك أن الأمم الغابرة كانوا يتساهلون في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويسكتون على من فعل ذلك، ولذلك شنَّع عليهم الباري تعالى في القرآن الحكيم في غيرآية، وقد تقدم ذكر بعضها أول الشرح، ولا شك أن هذين الوصفين من أهم الأمور التي تحفظ الأمة من التدهور، والسقوط، وتنتشر فيها المعاصين ويكثر الفساد، والفساق، وتذهب ثروة البلاد، وتنحط الأخلاق، وانظر إلى حال الأمة الإسلامية في بدء ظهورها، وبعد أن تكونت، وانتظمت، وأصبحت أمة، ودولة يخاف قوتها وبطشها جميع الأمم المعاصرة لها، كالروم، والفرس اللتين كانتا أعظم الأمم في عصرهما، فاجتثت الدولة الإسلامية أصولهما، وقهرتهما، وذلتهما في أقرب وقت، وأقل زمن، وذلك بسبب التآلف، والتحابب بين المسلمين، واتِّحاد كلمتهم وصفوفهم، وانتشار الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في الجميع، لا فرق بين عالم، وجاهل، بين كبير، وصغير، وبين عظيم، وحقير، لذلك نجحت الأمة الإسلامية، وتقهقرت الأمم الأخرى؛ لسلب المزايا منها التي وجدت في الشريعة الإسلامية، ولم تزل، كذلك حتى قل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهاب العلماء نصيحة ملوكهم، وإرشاد أمرائهم، ففشت المعاصي، وعمَّ الفساد، وتسلط العدو، ووقع الغلاء، والقحط، وكثرت المصائب، والبلايا، وندعو الله فلا يستجيب لنا، ونستنصره على عدونا، فلا ينصرنا، ونسأله فلا نعطى، وأكره العلماء على عدم النصيحة لملوكهم وأمرائهم استبداد رؤساء بني أمية، ومن سارعلى طريقهم ممن بعدهم، وقد كان أول أمير منهم أظهر هذه الفتنة والبدعة الشنعاء جهرةً عبد الملك بن مروان؛ إذ قال على المنبر: من قال لي اتقِ الله ضربت عنقه. وقال صديقنا الأستاذ المرحوم الشيخ رشيد رضا١: فقد كانت شجرة
стр. 302
بنى مروان الخبيثة هي التي سنَّت في هذه الأمة سنة الاستبداد، فما زال يَعظْمُ، ويتفاقم حتى سلب الأمة أفضل مزاياها في دينها ودنياها بعد الإيمان. انتهى.
وقد أصبحنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر، فانظر إلى حصول الفساد في جميع الأقطار الإسلامية، من فشو الربا، والزنى، والقمار بأنواعه بترخيص من الحكومات المحلية، وإباحة ذلك رسمياً والكذب، واللواط، والسرقات وقطع الأشجار، وحرق الزروع، وإفساد ما بين المرأة وزوجها، وما بين الوالد وولده، وما بين الأخ وأخيه، وما بين الصاحب وصاحبه، والغيبة، والنميمة، وتبرج النساء، وخلع عذار الحياء. ووجودهن في حمامات البحر مختلطين بالرجال الأجانب الفجرة الفسقة، والاجتماع بدورالملاهي، والسينما، والنوادي، وغير ذلك مما يوجب غضب الله تعالى وسخطه، فنسأل الله السلامة، وتغيير الحال إلى أصلح، وإرجاع العباد إلى مجد سلفهم، وما كانوا عليه من الحمية، والشهامة، والتقوى، والمهابة، وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين قال الله تعالى في حقهم ما قال في غير آية. ولا تكون الأمة خير الأمم إلا إذا كانت متصفة بهذه الأصول الثلاثة: الإيمان بالله تعالى قلباً وقالباً، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وإذا فقدت هذه الأصول، أو بعضها؛ لا تكون كذلك. ولا تحفظ، ولا تدوم إلا بإقامة هذه الأصول الثلاثة، ولذلك اشترط على هذه الأمة أن يكون من غرضها في الدفاع عن نفسها، وحفظ وجودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنها لولا ذلك لا تكون مستحقةً للبقاء في الأرض، وأكد الأمر بهذه الفريضة في آيات سورة آل عمران بما لا يعرف له نظير في كتاب من الكتب السابقة، ولم تقم به أمة من الأمم على هذا الوجه.
إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يحتاجان إلى تحمل مكاره، وصبر على أذى في سبيلهما، فمن قام بذلك فلا يسخط، ولا يمل، ولا يغضب، بل يواصل ذلك بصدر رحب، وأخلاق حميدة، ولسان طلق، وقلب مفعم بالإيمان، والصدق، والإخلاص، ويلين للناس جانبه؛ حتى يتمكن من إزالة المنكر بطرق مفيدة، وسبل سهلة، ويكون أسلوبه ذا فنون وأنواع؛ ليقنع صاحب المنكر، ويستولي على قلبه ولُبِّه، ويستعمل له الأدلة الوافية كل بحسبه، وينزل الناس منازلهم.
قال الحافظ ابن رجب: اعلم: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تارةً يحمل عليه رجاء ثواب الله، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة، وتارة يحمل عليه إجلال الله،
стр. 303
وإعظامُه، ومحبتُه، وأنه أهل أن يُطاع، ويذكر، فلا يُنسى، ويشكر، فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِض بالمقاريض.
وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز١ يقول لأبيه: وددت أنِّي غَلَت بي وبك القدور في الله تعالى. ومن لحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي ﷺ لما ضربه قومه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون" وبكل حال فتبين الرفق في الإنكار. قال سفيان الثوري: لا يأمربالمعروف، ولا ينهى عن المنكرإلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، ورفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مداراةٍ ورفق، الأمر بالمعروف بلاغلظة إلا رجل معلن بالفسق، فلا حرمة له. قال: وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلاً رحمكم الله! مهلا رحمكم الله! وقال أحمد: يأمر بالرفق، والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه. وقد ذكر الحافظ المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب" حديث الكتاب عن عائشة ﵄، عن النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم"٢ رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه.
стр. 304
١٣٧- " من آذى لي ولياً؛ فقد استحل محاربتي ، وما تقرَّب إلى عبدي بمثل أداء الفرائض، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبِّه، فإذا أحببته؛ كنت عينه التي يبصر بها، وأذنه التي يسمع بها، ورجله التي يمشي بها، وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به، إن سألني أعطيته، وإنْ
стр. 305
دعاني أجبتُه، وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن وفاته؛ لأنه يكره الموت، وأكره مساءته"١. رواه أحمد، والحكيم، وأبو يعلى، والطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عائشة.
ش- الأذى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر؛ إما بنفسه، أو جسمه، أو تبعاته، دنيوياً كان، أوأخروياً يُقال: آذيته أؤذيه، إيذاءً وأذيةً وأذى، وأذى الرجل أذى: وصل إليه المكروه، والولي: تقدم الكلام عليه في شرح الحديث رقم"٩٩". واستحلَّ الشيء: عدَّه حلالاً، وباقي ألفاظ الحديث تقدم الكلام عليه غير مرة، فلاحاجة للإعادة.
والمعنى: أن الله جل، وعز يخبرنا: أن من آذى وليًا من أولياء الله بأي نوع من أنواع الأذى؛ فقد استحل محاربة الله، وتعرض لها، وعدها حلالاً، والمراد بالولي هنا كما قال النووي رحمه الله تعالى: المؤمن. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: المراد بولي الله: العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته. وهو أوجه بدليل ما ذكر من ألفاظ الحديث بعده، ووصف الله أولياءه في كتابه الحكيم، قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] فكيف يليق بعاقل أن يتعرض لمحاربة الله جل ذكره؟! واقتراف المعاصي؛ محاربةً لله تعالى. قال الحسن: ابن آدم! هل لك بمحاربة الله من طاقة؛ فإن من عصى الله؛ فقد حاربه، وكلما كان الذنب أقبح؛ كانت المحاربة لله أشد، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا، وقطاع الطريق محاربين لله تعالى ورسوله؛ لعظم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده، وكذلك معاداة أوليائه، فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه، ويحبهم، ويؤيدهم، فمن عاداهم؛ فقد عادى الله تعالى، وحاربه، وتعرض لهلاك نفسه. وخرج الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: "الله الله في أصحابي! لا تتخذونهم غرضاً، فمن آذاهم؛ فقد آذاني؛ ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله؛ يوشك أن يأخذه"٢.
стр. 306
ولما ذكر الله تعالى من آذى أولياءه فقد استحلَّ محاربته؛ وصف أولياءه الذي يحرم إيذاؤهم، وتجب موالاتهم، والتحبب إليهم، فذكر ما يُقرِّب إليه تعالى ... إلخ. ثم ذكر حال العبد والموت النازل به، وكراهته لذلك، فقال: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ... إلخ" قال الحافظ ابن حجر في الفتح نقلاً عن أئمة الحديث في إشكال هذا الحديث. قال الخطابي: التردد في حق الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلان؛ أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه، وفاقة تنزل به، فيدعو الله، فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمراً، ثم يبدو له فيه، فيتركه، ويعرض عنه ولابد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله؛ لأن الله قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه. والثاني: أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترددي إياهم في نفس المؤمن، كما روى في قصة موسى، وما كان من لطمه عين ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى. قال: وحقيقة المعنى على الوجهين: عطف الله على العبد. ولطفه به، وشفقته عليه، وقال الكلاباذي -ماحاصله-: أنه عبَّر عن صفة الفعل بصفة الذات؛ أي: عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف، ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت، فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عنده، والشوق إليه، والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلاً عن إزالة الكراهة عنه، فأخبر: أنه يكره الموت ويسوءه، ويكره الله مساءته، فيزيل عنه كراهية الموت لما يورده عليه من الأحوال، فيأتيه الموت وهو له مؤثر، وإليه مشتاق. قال: وقد ورد تفعيل بمعنى فعل، مثل تفكر وفكر، وتدبر ودبر، وتهدد وهدد والله أعلم.
وعن بعضهم: يحتمل أن يكون تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنة، وعمره الذي كتب له سبعون، فإذا بلغها فمرض دعا الله بالعافية، فيجيبه عشرين أخرى مثلاً، فعبرعن قدر التركيب، وعما انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب بالتردد، وعبر ابن الجوزي عن الثاني بأن التردد للملائكة الذين يقبضون الروح، وأضاف الحق ذلك لنفسه، لأن ترددهم عن أمره قال: وهذا التردد ينشأ عن إظهار الكراهة. فإن قيل إذا أمر الملك بالقبض؛ كيف يقع منه التردد؟ فالجواب: أنه يتردد فيما لم يجد له فيه
стр. 307
الوقت، كأن يُقال: لا تقبض روحه إذا رضي. ثم ذكر جواباً ثالثاً، وهو: احتمال أن يكون معنى التردد: اللطف به، كأن الملك يؤخر القبض، فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن، وعظم المنفعة به لأهل الدنيا؛ احترمه، فلم يبسط يده إليه، فإذا ذكر أمر ربه؛ لم يجد بداً من امتثاله، وجواباً رابعاً، وهو: أن يكون هذا خطاباً لنا بما نعقل، والرب منزه عن حقيقته، بل هو من جنس قوله: "ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديباً، فتمنعه المحبة، وتبعثه الشفقة، فيتردد بينهما، ولو كان غيرالوالد كالمعلم لم يتردد، بل كان يبادرإلى ضربه لتأديبه، فأريد تفهيمنا تحقيق المحبة للولي بذكرالتردد، وجوزالكرماني احتمالاً آخر، وهو: أن المراد: أنه يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج، بخلاف سائر الأمور، فإنها تحصل بمجرد قوله: "كن" سريعاً دفعة، وقال في قوله تعالى: "فإنه يكره الموت وأنا أكره مساءته" أسند البيهقي في الزهد عن الجنيد سيد الطائفة، قال: الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته وكربه، وليس المعنى: أني أكره له الموت؛ لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته. انتهى. وعبَّر بعضهم عن هذا بأن الموت حتمٌ مقضيٌ، وهو مفارقة الروح للجسد، ولا تحصل غالباً إلا بألم عظيم جداً، كما جاء عن عمرو بن العاص: أن ابنه سأله -وهو يموت- عن حقيقة الموت، فقال: والله لكأن جنبي في تخت، ولكأني أتنفس من خرم إبرة، وكأن غصن الشوك يجر به من قامتي إلى هامتي، وعن كعب أن عمر سأله عن الموت، فوصفه له بنحو هذا، فلما كان الموت بهذا الوصف، والله يكره أذى المؤمن، على ذلك الكراهة. ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة؛ لأنها تؤدي إلى أرذل العمر، وتنكس الخلق، والرد إلى أسفل سافلين.
وجوَّز الكرماني١ أن يكون المراد: أكره كرهه الموت، فلا أسرع بقبض روحه، فأكون كالمتردد، قال الشيخ أبو الفضل بن عطاء في هذا الحديث عظم قدرالولي لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصارالله له، وعن حوله وقوته بصدق توكله. انتهى. قال الحافظ ابن رجب: وأما الأنبياء فلا يُقبضون حتى يخبروا. قال الحسن: لما كرهت الأنبياء الموت؛ هوَّن الله عليهم بلقائه لما أحبوه من تحفة وكرامة، حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه، وهو يحب ذلك لما قد مثل له، وقالت عائشة: ما أغبط أحداً يهون الله عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت
стр. 308
رسول الله صلى الله عليه وسلم١ قالت: وكان عنده قدح من ماء فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: "اللهم أعنِّي على سكرات الموت" قالت: وجعل يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات"٢! وجاء في حديث مرسل: أنه صلى الله عليه وسلك كان يقول: "اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب، والقصب، والأنامل؛ اللهم فأعني على الموت وهونه علي! ". وقد كان بعض السلف يستحب أن يجهد عند الموت، كما قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن تهون علي سكرات الموت، إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن. وقال النخعي٣: كانوا يستحبون أن يجهدوا عند الموت، وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أن يُفتن، وإذا أراد الله أن يهوِّن على العبد الموت هونه عليه. في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان من الله، وكرامة، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، وأحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه"٤، قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال له: إن ربك يقرئك السلام. وقال محمد بن كعب٥. يقول له ملك الموت: السلام عليك يا ولي الله! الله يقرئك السلم، ثم قال:
стр. 309
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ وقال زيد بن أسلم١: تأتي الملائكة للمؤمن إذا احتضر، وتقول له: لاتخف مما أنت قادم عليه، فيذهب الله خوفه ولا تحزن على الدنيا، وأهلها، وأبشر بالجنة! فيموت، وقد جاءته البشرى، وخرج البزار من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ : "إن الله أضن بموت عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله حتى يقبضه على فراشه"٢ وقال زيد بن أسلم: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عباداً هم أهل المعافاة في الدنيا والآخرة" وقال ثابت البناني٣: إن لله عباداً يضن بهم في الدنياعلى القتل والأوجاع، يطيل الله أعمارهم، ويحسن أرزاقهم، ويميتهم على فرشهم، وبطبعهم بطبائع الشهداء. وخرَّجه ابن أبي الدنيا، والطبراني مرفوعاً من وجوه ضعيفة.
وفي بعض ألفاظها، أن ضنائن من خلقه، يأبى بهم عن البلاء، يحييهم في عافية، ويميتهم في عافية، ويدخلهم في الجنة في عافية.
قال ابن مسعود وغيره: إن موت الفجأة تخفيف عن المؤمن.
وقال أبو ثعلبة الخشني: إني لأرجو ألا يخنقني كما أراكم تُخْنقون عند الموت. وكان ليلةً في داره فسمعوه ينادي يا عبد الرحمن! وكان عبد الرحمن قد قُتِل مع
стр. 310
رسول الله ﷺ ، ثم أتى مسجد بيته، فصلى، فقُبض وهو ساجد. وقبض جماعة من السلف في الصلاة وهم سجود.
وكان بعضهم يوماً قاعداً مع أصحابه فقال: لبيك، ثم خرَّ ميتاً.
وكان بعضهم جالساً مع أصحابه، فسمعوا صوتاً يقول، يا فلان أجب، والله آخر ساعتك من الدنيا! فوثب، فقال: هذا والله منادي الموت، فودَّع أصحابه، وسلم عليهم، ثم انطلق نحو الصوت، وهويقول: سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، ثم انقطع عنهم الصوت، فتتبعوا أثره، فوجدوه ميتاً.
وكان آخر جالسًا يكتب الحديث، فوضع القلم من يده، ورفع يديه يدعو الله، فمات. رحمه الله تعالى. انتهى. والله أعلم.
стр. 311
١٣٨- " من أهان لي ولياً فقد بارزته بالمحاربة ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولابد له منه" ١. رواه البخاري عن أبي هريرة.
ش- هذا الحديث مختصر، ورواه البخاري أيضاًعن أبي هريرة مطولاً بألفاظ قريبة من ألفاظ الحديث السابق، وأعاد المصنف ذكره هنا؛ لأن لفظه السابق: "من آذى" وهذا: "من أهان لي" ينبه على أن الإيذاء سواء كان مشتملاً على إهانة أم لا يعد محاربةً لله تعالى، وثانياً: أن الرواة له مختلفة. والله أعلم.
стр. 312
١٣٩- " من ترك الخمر وهو يقدر عليه ، لأسقينه منه في حظيرة القدس، ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه؛ لأكسونه إياه في حظيرة القدس" ٢. رواه البزار عن أنس.
стр. 313
ش- الخمر مؤنثه في اللغة الفصيحة المشهورة، وأصل الخمر: سترالشيء، وتغطيته، وسُميت خمراً؛ لكونها خامرة لمقرالعقل. قال الواحدي١: الخمرعند أهل اللغة سميت خمراً؛ لسترها العقل. قال الليث: اختمار الخمر إدراكها، وغليانها، ومخمرها: متخذها، وخمرت الدابة، أخمرها: سقيتها الخمر. قال الكسائي٢: يقال: اختمرت خمراً، ولا يقال: أخمرتها. وأصل هذا الحرف التغطية، وقيل: سميت خمراً؛ لأنها تغطِّي حتى تدرك. وحظيرة القدس: الجنة، وهي في الأصل: الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم، والإبل، يقيها البرد، والريح. ويطلق أيضاً على الشريعة، وكلاهما صحيح، فالشريعة: حظيرة، منها يُستفاد القدس، أي: الطهارة. والتقديس: التطهير، ومنه: بيت المقدس، والحرير: معروف.
والمعنى: أن من ترك شرب الخمر، بأن لم يشربه ابتداء، أو تركه بعد أن شربه مدة،وهو يقدرعلى شربه؛ ليسقينه المولى جل ذكره من خمر الجنة في حظيرة القدس - أي: في الجنة- التي قال الله تعالى في وصفها في كتابه المبين: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥-٤٧] أي: يُطاف على أهل الجنة بكأس فيه خمر يجري كما تجري العيون على وجه الأرض، وهذه الكأس بيضاء، صافية اللون، ترى من الظاهر، ذات لذة، وأشد بياضاً من اللبن، وليس كخمر الدنيا، يغتال العقول، ويذهب بها -ولا يسكرون بعد شربها، فلا يصيبهم منها مرض، ولا صداع، وتغيب، بل يملكون حواسهم، وشعورهم، ويجدون لذة لوعرضت على أهل الدنيا لماتوا من شدة لذتها واستطابتها. اللهم لا تحرمنا منها!
والخمر جاء الشرع بتحريمها، واستنكارها، وبيان مضارها، واستفظاعها، والتهديد لمن شربها ووعيده. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
стр. 314
وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] الآية. أخبر سبحانه بأن الخمر، والميسر فيهما إثم كبير؛ لأن مضرتهما كبيرة، ولا إثم إلا فيما كان ضاراً، فإثم شارب الخمر ينشأ من فساد عقله، وإضعاف القوة العاقلة، فيصدر عنه ما يصدر عن فساد العقل من المخاصمة، والمشاءمة، وقول الفحش، والزور، وإفشاء السر، لاسيما في السياسة الدولية؛ فإن كثيراً من الأسرار الحربية تؤخذ بطريق السكر، وله حوادث كثيرة متكررة، وتعطيل الصلوات، وسائرما يجب عليه، ومخالطة الفساق، والفجار، وغشيان بيوت الدعارة، والملاهي، وضياع الأموال، وغير ذلك مما فساده ظاهر لكل عاقل. هذه مضاره الخلقية، والمالية، وأما مضاره الصحية: إفساد، وفقد شهوة الطعام، وتغيير الخُلُق، فالسكارى تسرع إليهم النشوة، فتجحظ أعينهم، وتمتقع سحنتهم، وتعظم بطونهم. ومرض الكبد، والكلى، وداء السل الذي يفتك في البلاد الأوروبية فتكاً ذريعاً على عناية أهلها بقوانين الصحة، ولكن لا وقاية من شرور السكرإلا بتركه. وقد قيل: إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوربا بداء السل.
قال الأستاذ المرحوم السيد رشيد رضا: ولم يكن هذا الداء معروفاً، أو منتشراً في مثل هذه البلاد -مصر- قبل شيوع السكر فيها، فهو من الأدواء التي حملها إليها الأوروبيون، وقد كثُر كثرة فاحشة في مصرعلى أن جوها لا يساعد على انتشاره. وقال أحد أطباء ألمانيا: اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات، والبيمارستانات، والتكايا، والسجون، وقد قال بعض الأطباء: إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله، فيزاحم الدم في مجاريه، فتسرع حركة الدم، وتختل موازنة الجسم، وتتعطل وظائف الأعضاء، أو تضعف، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل. فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم حتى يغلظ نسيجها، وتضعف حركتها، وقد يحدث فيها احتقاناً، والتهاباً، وفي الأمعاء التقرح، وفي الكبد تمديده، وتوليد الشَّحم الذي يضعف عمله، وكل هذا يتعلق بما يسمونه: الجهاز الهضمي، ومن تأثيره في الدم: أنه بممازجته له يعيق دورته، وقد يوقفها أحياناً فيموت السكورفجأة. ويضعف مرونة الشرايين، فتمدد، وتغلظ، حتى
стр. 315
تفسد أحياناً، فيفسد الدم، ولوفي بعض الأعضاء، فتكون الغنغرينا التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه؛ لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله، فيكون هالكاً. ومن تأثيره في جهازالتنفس: إضعاف مرونة الحنجرة، وتهييج شُعب التنفس، وأهون ضرر ذلك بحة الصوت، والسعال، وأعظمها تدرن الرئة؛ أي: السل الفاتك بالشبان، والقاطع لجميع لذات الإنسان.
وأما تأثيره في المجموع العصبي: فهو الذي يولد الجنون، ويهلك النسل، فولد السكور لا يكون نجيباً، وولد ولده يكون شراً من ولده، وأضعف بدناً وعقلاً، وقد يؤدي تسلسل هذا الضعف إلى انقطاع النسل بالمرة؛ لا سيما إذا جرى الأبناء على طريق الآباء، كما هو الغالب، وأطباء الأفرنج، وعلماؤهم مجمعون على أن ضرر الخمر أكبر من نفعها، وقد أُلِّفت جميعات في أوربا، وأمريكا، ومصر للسعي في إبطال المسكرات، فهم يتعاهدون على عدم الشرب، وعلى الدعوة إلى ذلك، والسعي لدى الحكومات بالتشديد على بائع الخمور. فالأيام، والأجيال كلما تقدمت، وارتقت تؤيد قول القرآن بأن إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما؛ فإن أطباء هذا العصر يصفون من مضرات الخمرما لم يكن معروفاًً عند الأطباء المتقدمين، وهو ما أطلقه الله تعالى لعباده؛ليبحثوا فيه، ويتبينوا صدقه بأنفسهم؛ لتكون عقولهم مؤدية لكتابه بوجوب اجتنابه.
وأما إثم الميسر؛ أي: إثم متعاطيه: فما ينشأ من الفقر، وذهاب المال في غير طائل، والعداوة، وإيحاش الصدور، وضياع مستقبل نفسه إذا لم يكن صاحب عائلة، أو ضياعه، وضياع مستقبل عائلته، فإذا كان مستخدماً في مصالح الحكومة، أو الشركات الأجنبية، أوالأهالي؛ فإنه بسبب الميسر يتطلع إلى ما في يده من مال الغير، أو ما في يدي غيره من المال، فتحدثه نفسه باغتيال ذلك، ويحسن له الشيطان ذلك، ويوقع في قلبه، بأنه لو مد يده إلى أموال الغير التي تحت يده، وبددها في القمار لربما يربح في أقرب وقت مالاً كثيراً، فيرد ما اغتاله من أموال الناس، ولا يطلع عليه أحد، فيتجاسر، ويأخذ شيئاً فشيئاً إلى أن ينكشف أمره، ويؤخذ على يده، ويفتضح، وتذهب منه وظيفته، ويحكم عليه بالحبس، ويعد من المجرمين، ويقتل مستقبله قتلاً مؤبداً؛ حيث يموت موتاً معنوياً، فلا يرفع بعد ذلك رأساً، وتمسي عائلته فقراء، يتطلبون العيش فلا يجدونه. وهذا كثير في زماننا، تنشره الجرائد على صفحاتها، وتتكرر حوادثه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن مضاره: إفساد التربية بتعويد النفس على الكسل، وانتظار الرزق من الطرق الوهمية، وإضعاف القوة العقلية بترك الأعمال
стр. 316
المفيدة في طريق الكسب، وإهمال المقامرين الزراعة، والصناعة، والتجارة؛ التي هي أركان العمران. وأما منافع الخمرعلى ادَّعاء ذلك، فربح التجارة، وما يصدر عنها من الطرب، والنشاط، وقوة القلب، وثبات الجنان، وإصلاح المعدة، وقوة الباءة، وقد أشار أحد شعراء العرب إلى شيء من ذلك قال:
وإذا شربتُ فإنني ... ربُّ الخورنق والسَّدير
وإذا صحوت فإنني ... ربُّ الشويهة والبعير
وقال آخر:
ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأُسداً ما ينهنهنا اللقاءُ
وقال بعض الشعراء وأشار إلى ما فيها من المفاسد والمصالح:
رأيت الخمر صالحةً وفيها ... خصال تفسدُ الرجلَ الحليما
فلا والله أشربُها صحيحاً ... ولا أشفى بها أبداً سقيما
ولا أعطي بها ثمناً حياتي ... ولا أدعو لها أبداً نديما
ومنافع الميسر -على زعم أنه فيه منافع-: مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب ولا نصب، وسرور الرابح، وأريحيته عند أن يصيرله منها سهم صالح، وغيرذلك.
وقد جاء في السنة النبوية تشديد عظيم في شرب الخمر، وبيعها، وشرائها، وعصرها، وحملها، وأكل ثمنها، وترغيب عظيم في ترك ذلك، والتوبة منه.
أخرج الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حتى يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن" زاد مسلم في رواية له. وأبو داود آخره: "ولكن التوبة معروضة بعد" وفي رواية للنسائي قال: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن،- وذكر رابعة فنسيتها - فإذا فعل ذلك فقد خلع رِبقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه" ١ وروى أبو داود: "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومبتاعها، وبائعها، وعاصرها،
стр. 317
ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه" ورواه ابن ماجه وزاد: "وآكل ثمنها" ١ وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم الخمر، وثمنها، وحرم الميتة، وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه" ٢ رواه أبو داود، وغيره. وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل، فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومسقاها" ٣ رواه أحمد بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وروى ابن ماجه عن خباب بن الأرت ﵁ عن رسول الله صلى اله عليه وسلم: أنه قال: "إياك والخمر، فإنها تفرغ الخطايا، كما أن شجرها يفرع الشجر"٤. قال الحافظ المنذري: وليس في إسناده من ترك. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات،وهويدمنها؛ لم يشربها في الآخرة" ٥ رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، ولفظه في إحدى رواياته قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر في الدنيا، ولم يتب؛ لم يشربها في الآخرة، وإن دخل الجنة" وفي رواية لمسلم قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة "قال الخطابي، ثم البغوي في شرح السنة: وفي قوله: "حرمها في الآخرة" وعيد بأنه لا يدخل الجنة؛ لأن شراب أهل الجنة خمرإلا أنهم لا يُصدعون عنها، ولا يُنزفون، ومن دخل الجنة لا يحرم شرابها. انتهى. وعن أبي موسى ﵁:
стр. 318
إن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لايدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله جلَّ وعلا من نهر الغوطة، قيل: وما نهرالغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهم"١، رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وصححه. وفي رواية لابن حبان: قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم"٢ وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر" ٣ رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، وعن جابررضي الله عنه: "أن رجلا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له: المذر، فقال رسول الله ﷺ : أو مسكر هو؟ قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، وإن عند الله عهداً لمن يشرب المسكرأن يسقيه طينة الخبال". قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟! قال: "عرق أهل النار، أوعصارة أهل النار" ٤ رواه مسلم، والنسائي. وفي الباب أحاديث كثيرة تركتها خشية التطويل.
واختلف العلماء في حد الخمر، وحقيقته الشرعية، فقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأهل الرأي: الخمر ما اعتصر العنب، والنخلة، فيغلي بطبعه دون
стр. 319
عمل النار، وما سوى ذلك ليس بخمر، وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل الأثر من المحدثين ﵃: إنَّ الخمر كل شراب مسكر، فسواء كان عصيراً، أو نقيعًا، مطبوخًا كان، أو نيئًا. واللغة تشهد لهذا. قال الزجاج: القياس أن ما عمل عمل الخمر يُقال له: خمر، وأن يكون في التحريم بمنزلتها. قاله الواحدي، ونقله عنه الإمام النووي في تهذيب الأسماء،واللغات المطبوع في إدارتنا، وهو من الكتب المفيدة المحققة.
وأما الحرير: فقد ورد بتحريمه أحاديث صحاحٌ، وحسانٌ كثيرة، منها: ما رواه البخاري، ومسلم، والترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ١، والنسائي، وزاد: وقال ابن الزبير: من لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة. قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] وروى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب، والفضة، وأن نأكل فيهما، وعن لبس الحرير، والديباج، وأن نجلس عليه" ٢. والديباج بكسر الدال، وقد تفتح: الثياب المتخذة من الإبريسم سَداها، ولحمتها منه، وذكره له بعد الحرير من باب ذكر الخاص بعد العام، وعن أبي أمامة ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرًا، ولا ذهبًا" ٣ رواه أحمد، ورواته ثقات، وعن خليفة بن كعب عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير؛ فإنِّه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، وزاد في رواية: ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وحديث الكتاب ذكره المنذري في كتاب "الترغيب والترهيب" وقال: رواه البزار بإسنادٍ حسن.
стр. 320
أما حكم لبس الحرير: فقال العلامة ابنُ دقيق العيد في شرحه "عمدة الأحكام": الحديث يتناول مطلق الحرير، وهو محمول عند الجمهور على الخالص منه في حق الرجال، وهو عندهم نهي تحريم، وأما الممتزج بغيره: فللفقهاء فيه اختلافٌ كثيرٌ، فمنهم من يعتبر الغلبة في الوزن، ومنهم من يعتبر الظهور في الرؤية، واختلفوا في العتابي من هذا، ومن يقول بالتحريم لعله يستدل بالحديث، ويقول: إنه يدل على تحريم مسمى الحرير، فما خرج منه بالإجماع حلٌ، ويبقى ما عداه على التحريم. انتهى. والحديث الذي أشار إليه ابن دقيق العيد هو: ما رواه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد بن حنبل عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وإذا أردت أن تتوسع في ذلك فانظر تعليقنا على "أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" تجد ما يسرك.