ولفظ النسائي: عن حكيم بن حزام ﵁ قال: ابتعت طعاماً من طعام الصدقة، فربحت فيه قبل أن أقبضه. فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له فقال: "لا تبعه حتى تقبضه ".
وحزام بن حكيم بن حزام لم يوثقه غير ابن حبان أيضاً١. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول"٢.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث حكيم بن حزام ﵁. وأما ما رواه الطبراني٣ من طرقٍ عن محمد بن سيرين عن حكيم بن حزام ﵁ به فقد أعله بالانقطاع بين محمد بن سيرين وحكيم، البخاري٤ والترمذي٥. قال الترمذي: "هذا حديث مرسلٌ، إنما رواه ابن سيرين عن أيوب السختياني عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام".
فيكون بذلك قد عاد حديث محمد بن سيرين إلى حديث يوسف بن ماهك، وقد سبق ذكره.
والحديث بمجموع طرقه وشواهده حديث حسن. والله أعلم.
قال ابن المنذر: "بيع ما ليس عندك يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يقول: أبيعك عبد اً أو داراً معينة وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر، لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها.
стр. 212
ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن اشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها"١.
قال ابن حجر: قصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني٢.
وقد روى الحديث العقيلي٣ والطبراني٤، كلاهما من طريق العلاء بن خالد الواسطي عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن حكيم ﵁ به، بلفظ: "نهاني رسول الله ﷺ عن أربع خصال في البيع: عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وربح ما لم يضمن".
قال الهيثمي: "فيه العلاء بن خالد الواسطي، وثقه ابن حبان وضعفه موسى بن إسماعيل" ٥.
والعلاء بن خالد الواسطي رماه موسى بن إسماعيل بالكذب٦، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، وكذلك رماه بالكذب يحيى القطان وابن معين٧.
وأما قول الهيثمي: "وثقه ابن حبان". فالجواب عنه أن ابن حبان قد اضطرب في العلاء بن خالد الواسطي، فذكره في الثقات٨ كما قال الهيثمي، وذكره أيضاً في المجروحين فقال فيه: "كان يُعْرف بأربعة أحاديث، ثم زاد الأمر وجعل يحدث بكلّ شيء سئل، فلا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه"٩.
стр. 213
فعلى هذا فإن الحديث بهذا اللفظ لا يثبت عن حكيم بن حزام ﵁ لحال العلاء بن خالد الواسطي.
وأما متن الحديث فهو ثابت من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ كما تقدم ذكر حديثه.
٧١ - (٩) عن عتَّاب بن أسيد ﵁ قال: "لما بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة نهاه عن شفِّ ما لم يضمن".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وأبو يعلى٢. وإسنادهما واحد وهو عثمان بن أبي شيبة عن ابن فضيل عن ليث بن أبي سليم عن عطاء بن أبي رباح عنه به. إلا أن لفظ أبي يعلى أتم من لفظ ابن ماجه، ولفظه: "نهاه عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وشفِّ ما لم يضمن".
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف، وليث هو ابن أبي سليم ضعفه الجمهور، وعطاء هو ابن أبي رباح لم يدرك عتاباً" ٣. وذكر البوصيري بعض الشواهد له.
وقد تقدم الكلام في ليث بن أبي سليم وأنه ضعيف٤.
وأشار البوصيري إلى علة أخرى في هذا الإسناد، وهي الانقطاع بين عطاء وعتاب بن أسيد ﵁. وحكم على رواية عطاء بن أبي رباح عن عتاب ابن أسيد بالانقطاع المزي أيضاً٥.
стр. 214
وللحديث طريق أخرى، فرواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن عتاب بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ قال له حين أمره على مكة: "هل أنت مبلغ عني قومك ما آمرك به؟ قل لهم: لا يجمع أحدٌ بيعاً ولا سلماً، ولا يبع أحدٌ بيع غرر، ولا يبع أحدٌ ما ليس عنده".
وموسى بن عبيدة هو ابن نُشيط الرَّبذي المدني. قال فيه ابن معين: ليس بالكذوب ولكنه روى عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير. وقال مرّةً: ليس بشيء. وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث جداً٢.
فمما تقدم يتبين أن موسى بن عبيدة الربذي ضعيف جداً، ولا سيما في عبد الله بن دينار، فلا يعتبر به. وهذا الحكم أولى من قول ابن حجر فيه في تقريب التهذيب: "ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار"٣. وأصاب في الفتح فقال: "ضعيف جداً"٤.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث إلى عتاب بن أسيد ﵁ ضعيف. إلا أنه قد سبق عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال لعتّاب هذا الحديث. فهو من مسند عبد الله بن عمرو لا عتاباً ﵃.
стр. 215
٧٢ - (١٠) عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان ينهى رب النخل أن يدين في ثمر نخله حتى يؤكل من ثمرتها مخافة أن يدين بدينٍ كثير فتفسد الثمرة فلا يوفَّى عنه، وكان ينهى رب الزرع أن يدين في زرعه حتى يبلغ الحصد، وكان ينهى رب الذهب إذا باعها بطعامٍ في الثمر أن يبيع الطعام حتى يكال الطعام فيقبضه مخافة الربا".
رواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن مروان بن جعفر السمري، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عنه به.
ومروان بن جعفر قال فيه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث٢.
وأما محمد بن إبراهيم بن خبيب، فقال ابن حبان: لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد٣.
وقد تابعه يوسف بن خالد السمتي كما عند البزار٤، إلا أن يوسف بن خالد متروك كما تقدم٥.
فعلى هذا فلا تصلح هذه المتابعة لشدة ضعف يوسف بن خالد السَّمتي.
стр. 216
وأما جعفر بن سعد بن سمرة، وخبيب بن سليمان بن سمرة، وأبوه، فقال ابن القطان: "ما من هؤلاء يعرف حاله، وقد جهد المحدِّثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة"١.
وقال ابن حزم في جعفر بن سعد وخبيب بن سليمان: مجهولان٢.
وقال عبد الحق الإشبيلي في جعفر بن سعد: ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي٣.
وقال الذهبي في خبيب بن سليمان: لا يُعرف٤. وقال: مجهول الحال٥.
وقال في سليمان بن سمرة: ليس بالمشهور٦.
وخلص الحافظ الذهبي في الحكم على هذا الإسناد بقوله: "بكلِّ حالٍ هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم"٧.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
стр. 217
٧٣ - (١١) عن يعلى بن أمية ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ عتَّاب بن أسيد على مكة فقال: "إني قد أمرتك على أهل الله بتقوى الله ، ولا يأكل أحدٌ منهم من ربح ما لم يضمن، وانههم عن سلفٍ وبيعٍ، وعن صفقتين في البيع الواحد، وأن يبيع أحدهم ما ليس عنده".
رواه البيهقي١ بإسناده عن محمد بن إسحاق عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه به.
ومحمد بن إسحاق مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث. وعطاء هو ابن أبي رباح. وصفوان بن يعلى بن أمية التميمي ثقة٢.
فمما سبق يتبين أن علة هذا الإسناد هي تدليس ابن إسحاق. وقد تقدم٣ أن هذا الحديث إنما يحفظ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والله أعلم.
стр. 218
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد من هذه الأحاديث النهي عن بيع ما ليس عند البائع وقت العقد، لقوله ﷺ لحكيم ﵁: "لا تبع ما ليس عندك".
وقد أجمع العلماء على النهي عن بيع ما لم يملك١.
وذلك أن الذي يبيع ما ليس عنده قد ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وغيره، فالشارع أباح الربح للتاجر بشرط أن تكون السلعة في ضمانه قبل بيعها؛ ليكون الربح مقابل ضمانه، والخراج بالضمان، فإذا باع التاجر سلعة لا يضمنها، وذلك بأن لا تكون في ملكه، فذلك لا يجوز؛ سواء أكانت هذه السلعة معينة أم في الذمة، وهو المراد بنهي النبي ﷺ بقوله: "لا تبع ما ليس عندك"٢.
وألحق جمهور العلماء بهذا النهي أن يبيع في الذمة ما يملكه وهو السلم الحال، وقالوا: إذا كان عنده فإنه لا يبيعه إلا معينًا، وليس له أن يبيعه في الذمة.
وذهب الشافعي إلى جواز السلم الحال، وقال: "إذا جاز السلم المؤجل جاز السلم الحال من باب أولى"٣، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
أما السلم المؤجل فقد اتفق الفقهاء على جوازه، وهو أن يسلم عوضًا حاضرًا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل٥.
стр. 219
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن السلم المؤجل مستثنى من النهي عن بيع ما ليس عند البائع؛ للنصوص الواردة في إباحته، وذهب الشافعي إلى أن السلم بيع لما في الذمة، وبيع ما ليس عندك بيع لما في الأعيان١، فافترقا.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية ما قدمناه أولاً في المراد في النهي عن بيع ما ليس عندك، وهو أن يبيع في الذمة ما ليس هو مملوكًا له، أو يملكه لكن لا يقدر على تسليمه؛ فالعندية ليست عندية الحس والمشاهدة، وإنما هي عندية الحكم والتمكين٢.
وبيع ما ليس عندك من قسم القمار والميسر؛ لأنه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره.
وأكثر الناس لو علموا لم يشتروا منه، بل يذهبون هم فيشترون من حيث اشترى هو، وإن قدر أن منهم من يعلم ويشتري؛ كما لو كانت عنده؛ لكونه يشتريها من مكان بعيد، أو يشتري جملة ونحو ذلك مما قد يتعسر على المشتري منه، وإنما يفعل ذلك إذا ظن أن هذا الربح هو الربح لو كانت عنده.
وليست المخاطرة الموجودة في بيع ما ليس عندك مخاطرة تجارة، وإنما مخاطرة ميسر وقمار، وذلك يتضمن أكل أموال الناس بالباطل، وهي كمخاطرة بالبيع قبل القدرة على التسليم؛ كبيع الثمار قبل بدو صلاحها، أو بيع حبل الحبلة، أو بيع العبد الآبق، وغير ذلك ... فإذا اشترى التاجر السلعة، وصارت عنده ملكًا، وقبضها فحينئذ دخل في خطر التجارة الذي لا بد منه، وباع بيع التجارة كما أحلها الله تعالى٣.
стр. 220
فإذا تبين مما تقدم معنى النهي عن بيع ما ليس عند البائع، فإن الشارع تأكيدًا لهذا الجانب نهى عن بيع السلع حتى تقبض وتضمن.
وهذا القبض واجب في كل مبيع، سواءً أكان مطعوماً أم غير مطعومٍ، وسواءً أكان منقولاً أم عقاراً، وسواء أبيع مقدّراً أم جزافاً، وقبض كل شيءٍ بحسبه، فإن كان غير منقول وهو العقار كالبناء ونحوه الشجر، فبالتخلية بين المشتري وبينه وتمكينه من التصرف فيه بتسليمه المفتاح ونحوه.
وإن كان منقولاً وبيع جزافاً فقبضه يتم بنقله من حوزة البائع إلى غيره.
وإن كان المبيع منقولاً وبيع مقدراً بكيلٍ أو وزنٍ أو عدٍ أو نحو ذلك، فلا يكفي النقل، بل لابد أيضاً من توفيته، وذلك بكيل ما بيع بالكيل، ووزن ما بيع بالوزن، وعد ما بيع بالعد وهكذا.
وهذا هو الذي دلّ عليه مجموع الأحاديث السابقة. وبهذا القول قال الشافعي١.
وأما مالك فخص النهي عن بيع ما لم يقبض بالطعام فقط٢.
وأبو حنيفة استثنى العقار من اشتراط القبض فيه، لأن الحنفية يرون أن الحكمة في النهي عن بيع ما لم يقبضه هو احتمال هلاك المبيع. قالوا: وهذا الهلاك لا يتوهم حصوله في العقار٣. والقبض عند الحنفية فيما يشترط فيه القبض يتم ولو بالتخلية٤.
стр. 221
وأما الحنابلة فعندهم روايات في هذه المسألة أشهرها أن النهي عن بيع ما لم يقبض هو فيما إذا كان المبيع مكيلاً أو موزوناً وبيع بهما، فيشترط فيه الكيل أو الوزن مع النقل١.
وقد تقدم أن الذي تدل له السنة هو القول بعموم النهي عن بيع ما لم يقبض. وكذلك بيع ما لم يقبض فيه ربح ما لم يضمن٢، وقد نُهي عنه كما جاء في بعض أحاديث هذا الفصل٣.
ومعنى ربح ما لم يضمن، هو أن يبيع سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها، فهي من ضمان البائع الأول ليس من ضمان المشتري، فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه فيكون من ضمانه. قاله الخطابي٤.
قال ابن العربي: "وأما ربح ما لم يضمن فإنما لم يجز؛ لأن بيعه لا يجوز؛ لأن ما لم يضمن إما أنه لا يملك فيكون من بيع ما ليس عندك، وإما لأنه غير مقدورٍ على تسليمه، فيكون من باب الغرر والمخاطرة"٥.
وهناك صورة ثالثة يكون فيها الربح لما لم يضمن وهو بيع ما لم يقبض وإن كان مملوكاً. وقد تقدمت هذه الصورة في كلام الخطابي.
والنهي عن ربح ما لم يضمن من محاسن الشريعة، فإنه لم يتم عليه استيلاء ولم تنقطع علق البائع عنه فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على
стр. 222
إغماضٍ وتأسفٍ على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه ويكون من ضمانه فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه١.
ويستثنى من النهي عن ربح ما لم يضمن بيع الثمار بعد بدو صلاحها وهي على رؤوس الشجر، ذلك أنه يجوز بيعها وهي كذلك على الصحيح، وإذا أصابتها جائحة من ريحٍ وغيره فإنها من ضمان البائع، وإنما جوز هذا البيع للحاجة إليه، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضاً، فجاز البيع؛ لأنها في حكم المقبوض بالتخلية، وصارت من ضمان البائع بالجائحة؛ لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه٢. والله أعلم.
والناظر في أسواق المسلمين اليوم يرى كثيرًا من المعاملات التي يبيع فيها بعض الناس ما ليس عنده، فإذا علم التاجر حاجة شخص إلى سلعة ما؛ كسيارة أو أثاث أو غيرهما، والحال أن هذا الشخص لا يستطيع شراء هذه السلعة بالنقد، فيقول له التاجر: أنا أشتري لك هذه السيارة وأبيعها لك مؤجلة بكذا، فيربح ما لم يضمن، فلا يجوز له أن يبيعها حتى يقبضها القبض الشرعي الذي سبق ذكره، ثم بعد ذلك للمشتري الخيار في الشراء.
ومن هذه الصور أيضًا ما يفعله بعض التجار في بعض الأسواق؛ كأسواق الماشية أو السيارات أو غيرهما؛ فيشتري سيارة في السوق، ثم يعرضها للبيع وهي في مكانها، وقد يشتريها آخر، ويعرضها للبيع مرة أخرى،
стр. 223
وهكذا، فقد تباع أكثر من مرة وهي ما زالت في مكانها من غير أن يتحقق لأحدهم قبض فيها.
وبسبب انتشار مثل هذه الصور في أسواق المسلمين وقع الضرر بمن يحتاج هذه السلع؛ لأنه يزيد في ثمنها من يريد الربح فيها فقط، والشارع أباح له الربح بشرط تحقق قبضه فيها، وضمانه لها، وكثير من هؤلاء التجار الذين يريدون الربح فقط لو علم أنه لا يربح فيها حتى يقبضها ويضمنها فإنه يكف عن الشراء، وبهذا تتوفر السلع في الأسواق لمن يحتاجها بثمن أقل.
стр. 224
الفصل الثاني: ما ورد في النهي عن بيع فضل الماء والكلأ والنار
٧٤ - (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ".
رواه البخاري١، ومسلم٢ واللفظ له، وأبو داود٣، والترمذي٤، وابن ماجه٥، ومالك٦، وأحمد٧، كلهم من طرقٍ عنه به.
ولفظ البخاري وغيره: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
وفسَّر سفيان بن عيينة الحديث بقوله: "يكون حول بئرك الكلأ فتمنعهم فضل مائك فلا يعودون أن يرعوا"٨.
ورواه ابن ماجه٩ أيضاً، وابن الجارود١٠، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار".
стр. 225
قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات"١.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده صحيح"٢.
ورواه أحمد٣، ونحوه ابن حبان٤ بلفظ: "لا تبيعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال".
قال الهيثمي: "رجاله ثقات"٥.
وفي قوله نظر، وذلك أن الراوي عن أبي هريرة ﵁ وهو أبو سعيد٦ مولى غفار، لم يوثقه غير ابن حبان٧. إلا أنه يعتضد بما روى ابن ماجه والذي فيه النهي عن منع الماء والكلأ، فيكون به حسناً لغيره. والله أعلم.
ونحوه لفظ أحمد أيضاً: "لا يمنع فضل ماءٍ بعد أن يستغنى عنه، ولا فضل مرعى"٨.
وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وثقه علي بن المديني، وابن معين، وأحمد، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة٩ وغيرهم. إلا أنه اختلط، والراوي عنه في هذا الإسناد هو يزيد بن هارون، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط١٠.
стр. 226
وأيضاً في إسناده عمران بن عمير، قال فيه الحسيني: فيه جهالة. وقال أبو زرعة العراقي: لا أعرفه١.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يعتضد بما سبق فيكون حسناً لغيره. والله أعلم.
٧٥ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجل كان له فضل ماءٍ بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط، ورجلٌ أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أُعطيت بها كذا وكذا، فصدَّقه رجل. ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ٢".
رواه البخاري٣ واللفظ له، ومسلم٤، وأبو داود٥، والترمذي٦
- مختصراً -، والنسائي٧، وابن ماجه٨، وأحمد٩، كلهم من طرقٍ عن الأعمش عن أبي صالح عنه به.
стр. 227
وفي لفظٍ للبخاري ولفظ البقية زيادة: "لا يكلمهم الله".
وفي روايةٍ للبخاري: "ورجلٌ منع فضل ماءٍ فيقول الله يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
٧٦ - (٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء".
رواه مسلم١ وهذا لفظه، والنسائي٢، وابن ماجه٣، وابن أبي شيبة٤، وأحمد٥، وابن حبان٦، والحاكم٧، كلهم من طرقٍ عنه به.
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". هكذا قال، وقد سبق أن مسلماً أخرجه في صحيحه.
وفي لفظٍ لمسلم والنسائي: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتحرث، فعن ذلك نهى النبي ﷺ ".
ولفظ ابن حبان: "نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
стр. 228
٧٧ - (٤) عن إياس بن عبد ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع فضل الماء".
رواه أبو داود١ وهذا لفظه، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥، والدارمي٦، والطبراني٧، كلهم من طرقٍ عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم عنه به.
وعند النسائي وابن ماجه وغيرهما أن إياس بن عبد حدّث بهذا الحديث عندما رأى أُناساً يبيعون الماء. وعند أحمد: أنهم كانوا يبيعون ماء الفرات فنهاهم.
وأبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم البناني ثقة٨.
فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث صحيح، وهذا الحديث من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين تخريجها٩.
стр. 229
٧٨ - (٥) عن رجلٍ من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ﵁ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثاً أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار".
رواه أبو داود١، وابن أبي شيبة٢، وأحمد٣، والبخاري في التاريخ الكبير٤ - وساق إسناده ولم يسق تمام لفظه -، وأبو حاتم٥، وابن عدي٦، والبيهقي٧، كلهم من طرقٍ عن حريز بن عثمان عن أبي خداش حِبَّان بن يزيد الشرعبي عنه به.
وعند أبي داود بيان أن هذا الصحابي الراوي لهذا الحديث من قَرَن. ولا يضر الجهل باسمه.
ورواه أبو نعيم٨ بإسناده عن أبي إسحاق الفزاري عن رجلٍ من أهل الشام عن أبي عثمان عن أبي خداش به بنحوه - وفيه قصة - وليس فيه ذكر الرجل من المهاجرين. قال أبو حاتم: "هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز ابن عثمان، وأبو خداش لم يدرك النبي ﷺ إنما حكى عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ "٩.
стр. 230
قال أبو نعيم: "وهو الصواب"١. وقال ابن حجر: "هو كما قال"٢.
وحَرِيز - بفتح الحاء وكسر الراء - بن عثمان، ثقة ثبت رمي بالنصب٣.
وأما أبو خداش حِبَّان بن يزيد الشرعبي الحمصي، فقد ذكره البخاري٤ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ونقل الآجري عن أبي داود أنه قال: "شيوخ حريز كلهم ثقات"٥.
وذكره ابن حبان في الثقات٦. ونقل عبد الحق الإشبيلي عن بعضهم أنه قال فيه: "مجهول" ٧.
ولعل قول أبي داود السابق هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يجعله في مرتبة الثقة٨ ويحكم على هذا الإسناد بأن رجاله ثقات٩.
والذي يظهر لي أن الصواب فيه أن يقال ما قاله الذهبي: "شيخ"١٠؛ وذلك لأن قول أبي داود توثيق عام لا يكفي في رفع الجهالة عن الراوي. والحافظ ابن حجر نفسه لم يأخذ بقول أبي داود مطلقاً، فإنه قال في سلمان بن
стр. 231
سمير وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي ويزيد بن صالح - ويقال: صليح - الرحبي، قال في كلٍّ منهم: "مقبول"١ مع رواية حريز بن عثمان عنهم. فكذلك ينبغي له أن يقول في أبي خداش الشرعبي "مقبول". والله أعلم.
فمما تقدم يتبين أن هذا الإسناد ضعيف. إلا أن له شاهداً من حديث أبي هريرة ﵁ باللفظ الذي رواه ابن ماجه٢، فيكون به حسناً لغيره. والله أعلم.
٧٩ - (٦) عن قيلة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتَّان".
رواه أبو داود٣ - وفي قصة -، والترمذي٤، وأبو داود الطيالسي٥ - كلاهما مختصراً -، وأبو عبيد٦ وهذا لفظه، ومن طريقه ابن زنجويه٧، والبخاري في الأدب المفرد٨، والطبراني٩ - وذكر الحديث بطوله -،
стр. 232
وأبو نعيم١، كلهم من طرقٍ عن عبد الله بن حسَّان عن جدتيه صفية ودُحيبة ابنتا عليبة وكانتا ربيبتي قيلة عنها به.
قال الترمذي: "حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسَّان".
وعبد الله بن حسّان لم يوثق. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول"٢. وأما الذهبي فقال فيه: "ثقة"٣، ولعل توثيقه له على قاعدته التي مرَّ ذكرها٤ وهي قوله: "الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح". وتقدم جواب الحافظ ابن حجر على قوله هذا.
وصفية ودُحيبة لم يوثقهما غير ابن حبان٥ أيضاً. وقد ذكرهما الذهبي في النساء المجهولات٦. وقال الحافظ ابن حجر في كلٍ منهما: "مقبولة"٧.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. إلا أن له شواهد تؤيده مما سبق ذكره في أحاديث هذا الفصل، فيكون بها حسناً لغيره. والله أعلم.
وقوله: "يتعاونان على الفتَّان" قال ابن الأثير: "يُروى بضم الفاء وفتحها. فالضم جمع فاتن: أي يعاون أحدهما الآخر على الذين يضلّون الناس عن الحق ويفتنونهم، وبالفتح: هو الشيطان؛ لأنه يفتن الناس عن الدِّين"٨.
стр. 233
٨٠ - (٧) عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من منع فضل مائه وفضل كلئه، منعه الله فضله يوم القيامة".
جاء حديث عبد الله بن عمرو – ﵄ في النهي عن بيع الماء من وجوه:
الطريق الأولى: ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به:
رواه أحمد١ باللفظ المذكور. وليث بن أبي سليم قد تقدم الكلام فيه٢ وأنه ضعيف.
وعمرو بن شعيب قد تقدم٣ أن الراجح في حديثه عن أبيه عن جده أنه في مرتبة الحسن.
الطريق الثانية: الأعمش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به:
رواه العقيلي٤، والطبراني٥ كلاهما من طريق محمد بن الحسن القردوسي حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش به، ولفظ الطبراني: "أيُّما رجلٍ أتاه ابن عمه فسأله من فضله فمنعه، منعه الله فضله يوم القيامة، ومن منع ماءً ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة".
قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا جرير، تفرد به محمد بن الحسن". وزاد الطبراني في الصغير
стр. 234
قوله: "تفرد به عبيد الله بن جرير، ولا روى الأعمش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلا هذا، ولا كتبناه إلا عن أحمد بن عبيد الله".
ومحمد بن الحسن القردوسي قال فيه العقيلي: "حديثه غير محفوظ، وليس بمشهور بالنقل". وبعد أن ذكر حديثه هذا قال: "لا يتابع على إسناد حديثه١، وهذا يروى بإسنادٍ أصلح من هذا".
الطريق الثالثة: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به:
رواه أبو يوسف٢ ولفظه: "كتب غلام لعبد الله بن عمرو إلى عبد الله بن عمرو٣: أما بعد، فقد أعطيت بفضل مائي ثلاثين ألفاً بعدما أرويت زرعي ونخلي وأصلي، فإن رأيت أن أبيعه وأشتري به رقيقاً أستعين بهم في عملك فعلتُ. فكتب إليه: قد جاءني كتابك وفهمت ما كتبت به إليَّ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منع فضل ماءٍ ليمنع به فضل كلأ منعه الله فضله يوم القيامة". فإذا جاءك كتابي هذا فاسق نخلك وزرعك وأصلك، وما فضل فاسق جيرانك الأقرب فالأقرب، والسلام".
стр. 235
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى تقدم الكلام فيه وأنه "صدوق سيء الحفظ جداً"١.
الطريق الرابعة: أبو الزبير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به موقوفاً:
رواه يحيى بن آدم٢ - ومن طريقه ابن أبي شيبة٣ - عن زهير بن معاوية به ولفظه: "أن غلاماً لهم باع لهم فضل ماءٍ لهم من عينٍ بعشرين ألفاً، فقال عبد الله بن عمرو: لا تبعه، فإنه لا يحل بيعه".
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكِّي، ثقة إلا أنه يدلِّس٤ ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث.
الطريق الخامسة: سليمان بن موسى عن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً:
رواه أحمد٥، وابن زنجويه٦ كلاهما من طريق محمد بن راشد به. ولفظه: "أن عبد الله بن عمرو ﵄ كتب إلى عاملٍ له على أرضٍ له: أن لا تمنع فضل مائك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله يوم القيامة فضله".
стр. 236
ومحمد بن راشد الخزاعي الدمشقي وثقه ابن المديني، وابن معين، وأحمد، والنسائي. وقال أبو حاتم ويعقوب بن شيبة: صدوق. وقال النسائي في رواية: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به١.
والذي يترجح لي فيه أن أقل أحواله أن يكون صدوقاً. وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق يهم٢.
وأما سليمان بن موسى فقال ابن سعد، ودحيم، وابن معين، والدارقطني: ثقة. وقال ابن المديني: كان خولط قبل موته بيسير. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن عدي: ثبت صدوق٣.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بيسير"٤.
وسليمان بن موسى لم يدرك أحداً من الصحابة كما قال البخاري٥. فعلى هذا فإن هذا الإسناد منقطع.
стр. 237
الطريق السادسة: عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرو ﵄ موقوفاً:
رواه النسائي١، وابن سعد٢، وابن زنجويه٣، كلهم من طرقٍ عن داود بن عبد الرحمن العطار به. ولفظه عند النسائي: "باع قيِّم الوهط فضل ماء الوهط فكرهه عبد الله بن عمرو"، ولفظ ابن سعد وابن زنجويه: "فردَّه عبد الله بن عمرو".
وداود بن عبد الرحمن العطَّار ثقة لم يثبت أن ابن معين تكلم فيه. قاله الحافظ ابن حجر٤.
وعمرو بن دينار المكي قد سمع من عبد الله بن عمرو ﵄. قاله الحاكم٥.
والوَهْط: مالٌ كان لعمرو بن العاص بالطائف، وهو كَرْم كان على ألف ألف خشبة. وقيل: قرية بالطائف على ثلاثة أميال من وَج كانت لعمرو بن العاص ﵄ -٦. وقد ذكر الذهبي أن هذا الوهط كان موجوداً في عصره، وهو بستان كبير يتوارثه آل عمرو بن شعيب٧.
стр. 238
الطريق السابعة: أبو بكر بن عيّاش عن شعيب بن شعيب عن عمرو بن شعيب عن سالم مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو به مرفوعاً:
رواه يحيى بن آدم١، ومن طريقه البيهقي٢ من هذا الطريق، ولفظه عن سالم مولى عبد الله بن عمرو قال: "أَعْطوني بفضل الماء من أرضه بالوهط ثلاثين ألفاً، قال: فكتبت إلى عبد الله بن عمرو ﵄ فكتب إليَّ: لا تبعه، ولكن أقِمْ قِلْدَك ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء".
وأبو بكر بن عيَّاش كان يحيى القطان وابن المديني يسيئان الرأي فيه، وضعفه ابن نمير. وقال أحمد: صدوق. وقال أيضاً: ثقة وربما غلط. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقاً عارفاً بالحديث والعلم إلا أنه كثير الغلط. وقال يعقوب بن شيبة: في حديثه اضطراب. وقال ابن عدي: لا بأس به٣.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح٤.
وأمّا شعيب بن شعيب، وسالم مولى عبد الله بن عمرو فلم يوثقهما غير ابن حبان٥، فهما مجهولان.
стр. 239
ومعنى قوله "أقم قِلْدَك" أي إذا سقيت أرضك يوم نوبتها فأعط من يليك١.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄، فتبيّن أنه قد صحّ موقوفاً عليه، وأمّا الرفع فبمجموع طرقه يكون بها حسناً لغيره. وكذلك يشهد للحديث المرفوع حديث أبي هريرة ﵁ في بعض ألفاظه عند البخاري٢، وقد سبق بيان ذلك. والله أعلم.
٨١ - (٨) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من منع فضل ماءٍ منعه الله فضله يوم القيامة".
رواه أبو يعلى٣ بإسناده عن أبي عبد الرحيم الصائغ عن قهرمان لسعدٍ عنه به. وفي إسناده مبهم وهو قهرمان سعد.
وأبو عبد الرحيم الصائغ ذكره ابن عبد البر في كتابه "الاستغناء في معرفة المشهور من حملة العلم بالكنى"٤، إلا أنه ذكر أن كنيته "أبو عبد الرحمن" وأشار إلى حديثه هذا. ولم أجد فيه كلاماً لأهل العلم بالجرح والتعديل. والله أعلم.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف. إلا أن له شاهداً من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره، فيكون بها حسناً لغيره. والله أعلم.
стр. 240
٨٢ - (٩) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: إن من قضاء رسول الله ﷺ ... " الحديث، وفيه: "وقضى بين أهل المدينة أنه لا يمنع فضل ماءٍ ليمنع فضل الكلأ".
رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند١ وهذا لفظه، والشاشي٢، وروى ابن ماجه٣، وابن عدي٤، والحاكم٥، والبيهقي٦ جملاً من هذا الحديث ليس فيها محل الشاهد. رواه كلهم من طرقٍ عن فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عنه به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال في موضع آخر: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وفي قوله نظر؛ وذلك لأن إسحاق بن يحيى بن الوليد لم يخرج له البخاري ومسلم شيئاً، بل لم يخرج له إلا ابن ماجه من أصحاب الكتب الستة. وذكره ابن حبان في الثقات٧.
وقال ابن عدي: "ولإسحاق بن يحيى هذا عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أحاديث، يروي عنه موسى بن عقبة، ويروي عن موسى فضيل بن سليمان وغيره، وعامتها في قضايا رسول الله ﷺ "، وقال: "وعامتها غير محفوظة "٨. وجعله ابن حجر في مرتبة مجهول الحال٩.
стр. 241
وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع بين إسحاق بن يحيى وعبادة بن الصامت ﵁، فقد قال البخاري في إسحاق: "لم يلق عبادة"١، وكذلك قال الترمذي٢. وتبعهما المزي٣ والذهبي٤ فحكما بالانقطاع بينهما.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف، إلا أن له شواهد صحيحة تؤيده سبق ذكرها، فيكون بها حسناً لغيره. والله أعلم.
٨٣ - (١٠) عن بُهيسة قالت: استأذن أبي النبي ﷺ فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم. ثم قال: يا نبيَّ الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: يا نبيّ الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل الخير خيرٌ لك".
رواه أبو داود٥، وأحمد٦، والدارمي٧، والدولابي٨، والطبراني في الكبير٩، والبيهقي١٠ - من طريق أبي داود - كلهم من طرقٍ عن كهمس بن الحسن عن سيَّار بن منظور الفزاري عن أبيه عنها به.
وزاد أحمد والطبراني: "وانتهى قوله إلى الماء والملح، قالت: فكان ذلك الرجل لا يمنع شيئاً من الماء وإن قلَّ".
стр. 242
وروى أحمد هذا الحديث أيضاً عن وكيع عن كهمس عن منظور١ بن سيار عن أبيه عنها به٢.
وقد خالف وكيع غيره من الرواة فقلب اسم شيخ شيخه.
قال البخاري: وهو وهم٣.
وقال المزي: "وهو معدود في أوهامه" ٤ - يعني وكيعاً -.
وكهمس بن الحسن هو التميمي البصري، ثقة٥.
وسيَّار بن منظور الفزاري وثقه العجلي٦، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق الإشبيلي: مجهول٧. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول" ٨.
وأبوه منظور بن سيار ذكره ابن حبان في الثقات٩. وحكم بجهالته عبد الحق١٠ وابن القطان١١ والذهبي١٢. ولذا قال فيه ابن حجر:"مقبول"١٣.
стр. 243
وبُهَيْسة - بمضمومة وفتح هاء وبسين مهملة١ - الفزارية. ذكرها ابن حبان في الصحابة٢. وقال أبو نعيم: أدركت النبي صلى الله عليه وسلم٣. وقال عبد الحق: مجهولة٤. وتابعه ابن القطان على ذلك٥. وقد ذكرها الذهبي في فصل النساء المجهولات٦. وصحح الحافظ ابن حجر أن حديثها هذا غير دال على صحبتها؛ لأن المعتمد في حديثها هذا أنها روته عن أبيها٧. ولذا خلص في الحكم عليها بقوله: "لا تعرف، ويقال: لها صحبة"٨.
وأبوها سماه ابن عبد البر عميراً٩. وقال ابن حجر فيما ذكره ابن عبد البر: "لم أره لغيره"١٠.
والذي يظهر لي أنه لا تثبت صحبته بهذا الحديث الواحد لضعف إسناده. والله أعلم.
فمما سبق تبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف.
وأعلّ ابن عبد البر المتن أيضاً بقوله: "زيادة الملح في هذا الحديث غير محفوظة"١١.
стр. 244
وهذا الإسناد وإن كان ضعيفاً، فإن للنهي عن منع الماء أحاديث أخر - سبق ذكرها - يتقوى بها هذا الحديث، فيكون بها حسناً لغيره. وأما ذكر الملح في هذا الحديث فمنكر لعدم وروده في الأحاديث الأخرى. والله أعلم.
٨٤ - (١١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقع البئر".
جاء هذا الحديث عن عائشة ﵂ من طرقٍ موصولاً ومرسلاً:
الطريق الأولى: حارثة بن محمد عن عمرة عنها به موصولاً:
رواه ابن ماجه١ باللفظ المذكور، وإسحاق بن راهويه٢، والبيهقي٣، كلهم من هذا الطريق.
وحارثة بن محمد هو حارثة بن أبي الرجال الأنصاري النجاري المدني. قال فيه ابن معين والنسائي: ليس بثقة - زاد النسائي: ولا يكتب حديثه -. وقال النسائي أيضاً: "متروك الحديث". وقال أحمد وأبو داود: "ليس بشيء". وقال أبو زرعة: "واهي الحديث ضعيف". وقال البخاري وأبو حاتم: "منكر الحديث". - زاد أبو حاتم: "ضعيف الحديث" -. وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم٤.
стр. 245
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه ضعيف١.
والذي يتبين لي من أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه أنه ضعيف جداً لا يكتب حديثه.
الطريق الثانية: أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن٢ عن عمرة موصولاً ومرسلاً:
رواه موصولاً عن أبي الرجال كلٌّ من:
أ - محمد بن إسحاق. رواه عنه ابن أبي شيبة٣، وأحمد٤، وأبو عبيد٥، وابن عبد البر٦.
ومحمد بن إسحاق جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة صدوق يدلّس٧. وقد صرّح بالسماع في هذا الحديث كما في مسند أحمد.
ب - عبد الرحمن بن أبي الرجال. رواه عنه ابن عدي٨، والحاكم٩ وعنه البيهقي١٠. وقد جعل الحافظ ابن حجر عبد الرحمن هذا في مرتبة صدوق ربما أخطأ١١.
стр. 246
جـ - خارجة بن عبد الله بن سليمان. رواه أحمد١، وابن عدي٢، وابن عبد البر٣. وقد جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة صدوق له أوهام٤.
د - أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس. رواه عنه أحمد٥، وابن زنجويه٦. وقد تقدم أن الحافظ جعله في مرتبة صدوق يهم٧.
هـ - صالح بن كيسان. رواه عنه يحيى بن آدم٨. وصالح بن كيسان ثقة ثبت٩ إلا أن الراوي عنه في هذا الحديث هو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم، وقد كذّبه القطان، وابن المديني. واتهمه البزار. وقال أحمد وابن المبارك والنسائي وغيرهم: متروك. وشذَّ الشافعي فوثقه. والصواب مع الجماعة١٠.
стр. 247
وله إسناد آخر عند الطبراني في الأوسط١ من طريق سعيد بن أبي أيوب عن صالح بن كيسان به، ولفظه "لا يمنع نقع بئرٍ"، إلا أن فيه شيخ الطبراني أحمد بن رشدين، وقد كذبه بعضهم٢.
وأما من رواه مرسلاً عن أبي الرجال فهما:
أ - سفيان الثوري. رواه عبد الرزاق٣، وابن زنجويه٤، والبيهقي٥.
ب - مالك بن أنس. وذلك في الموطأ٦.
والذي يترجح لي من هذا الاختلاف هو الإرسال؛ لاتفاق إمامين حافظين عليه، وهما أحفظ من كل من خالفهما. وممّن رجح الإرسال البيهقي، وقال إنه المحفوظ٧.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لإرساله، إلا أن النهي عن منع فضل الماء سبق له شواهد تؤيده، فيكون بها حسنًا، والله أعلم.
ومعنى قوله "ولا يمنع نقع البئر" أي فضل مائها٨.
стр. 248
٨٥ - (١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام".
رواه ابن ماجه١، وابن عدي٢، كلاهما من طريق عبد الله بن خراش بن حوشب عن العوام بن حوشب عن مجاهد عنه به.
وعبد الله بن خراش بن حوشب قال فيه أبو زرعة: ليس بشيء، ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. واتهمه محمد بن عمّار الموصلي بالكذب٣.
والذي يظهر لي مما تقدم من أقوال الأئمة أنه ضعيف جداً، وقد جعله الحافظ ابن حجر في التلخيص في مرتبة المتروك٤. وتساهل في التقريب فقال فيه: ضعيف٥.
وأمّا العوام بن حوشب فثقة ثبت فاضل٦.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً، وضعفه أيضاً البوصيري٧، وذكر أن حديث بهيسة عن أبيها يشهد له. ولكن إسناد هذا الحديث - كما سبق - ضعيف جداً، فلا يعتضد بالشواهد. والله أعلم.
стр. 249
٨٦ - (١٣) عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: "الماءُ والملح والنار". قالت: قلت: يا رسول الله، هذا الماءُ قد عرفناه فما بال الملح والنار؟ قال: "يا حُمَيراء؛ من أعطى ناراً فكأنما تصدَّق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن أعطى مِلْحاً فكأنما تصدّق بجميع ما طيَّب ذلك الملح، ومن سقى مسلماً شربةً من ماءٍ حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبةً، ومن سقى مسلماً شربةً من ماءٍ حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها".
رواه ابن ماجه١ وهذا لفظه، والطبراني في الأوسط٢، كلاهما من طريق علي بن غراب عن زهير بن مرزوق عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عنها به.
قال الطبراني: "لم يُسند زهير بن مرزوق غير هذا، تفرَّد به عليُّ بن غراب".
وعلي بن غراب قال فيه ابن معين: ثقة. وقال مرَّةً: صدوق. وقال أحمد وأبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به. وقال أبو داود: ضعيف، ترك الناس حديثه. وقال ابن حبان: حدث بالأشياء الموضوعة فبطل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: يعتبر به٣.
стр. 250
والذي يترجّح لي من هذه الأقوال هو ما اختاره الحافظ ابن حجر فيه حيث قال: "صدوق، وكان يدلِّس ويتشيع، وأفرط ابن حبان في تضعيفه"١.
وقد صرَّح علي بن غراب بالسماع في إسناد الطبراني.
وأما زهير بن مرزوق فسُئل عنه ابن معين فقال: "لا أعرفه". قال ابن عدي: "إنما لم يعرفه ابن معين لأن له حديثاً واحداً معضلاً٢" - ويعني ابن عدي هذا الحديث له عن عائشة ﵂. وقال البخاري: "منكر الحديث، مجهول"٣. وقال فيه الذهبي: "واهٍ"٤. بينما جعله ابن حجر في مرتبة "مجهول"٥. ولعل مأخذ الذهبي في الحكم عليه بأنه "واهٍ" أنه لم يرو إلا هذا الحديث الواحد ولم يتابع عليه إلا بمن هو ضعيف جداً، أو كذاب - كما سيأتي في الطرق الآتية -، وأيضاً فإن البخاري قد قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه" ٦.
وأما علي بن زيد بن جُدعان فقال فيه ابن عيينة: "كتبت عن علي بن زيد كتاباً كثيراً فتركته زهداً فيه". وقال حماد بن زيد: "كان يقلب الأحاديث". وكان يحيى بن سعيد يتقي حديثه. وقال ابن سعد: فيه ضعف، ولا يحتج به. وقال ابن معين وأحمد: ليس بشيء. وقالا أيضاً والنسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "ليس بقوي". وقال الترمذي: "صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره". وليَّنه يعقوب بن شيبة والدارقطني٧.