← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7267

الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها

سليمان بن صالح الثنيان

Полный текст (707 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

جـ - خارجة بن عبد الله بن سليمان. رواه أحمد١، وابن عدي٢، وابن عبد البر٣. وقد جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة صدوق له أوهام٤. د - أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس. رواه عنه أحمد٥، وابن زنجويه٦. وقد تقدم أن الحافظ جعله في مرتبة صدوق يهم٧. هـ - صالح بن كيسان. رواه عنه يحيى بن آدم٨. وصالح بن كيسان ثقة ثبت٩ إلا أن الراوي عنه في هذا الحديث هو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم، وقد كذّبه القطان، وابن المديني. واتهمه البزار. وقال أحمد وابن المبارك والنسائي وغيرهم: متروك. وشذَّ الشافعي فوثقه. والصواب مع الجماعة١٠.

стр. 247

وله إسناد آخر عند الطبراني في الأوسط١ من طريق سعيد بن أبي أيوب عن صالح بن كيسان به، ولفظه "لا يمنع نقع بئرٍ"، إلا أن فيه شيخ الطبراني أحمد بن رشدين، وقد كذبه بعضهم٢. وأما من رواه مرسلاً عن أبي الرجال فهما: أ - سفيان الثوري. رواه عبد الرزاق٣، وابن زنجويه٤، والبيهقي٥. ب - مالك بن أنس. وذلك في الموطأ٦. والذي يترجح لي من هذا الاختلاف هو الإرسال؛ لاتفاق إمامين حافظين عليه، وهما أحفظ من كل من خالفهما. وممّن رجح الإرسال البيهقي، وقال إنه المحفوظ٧. فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لإرساله، إلا أن النهي عن منع فضل الماء سبق له شواهد تؤيده، فيكون بها حسنًا، والله أعلم. ومعنى قوله "ولا يمنع نقع البئر" أي فضل مائها٨.

стр. 248

٨٥ - (١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام". رواه ابن ماجه١، وابن عدي٢، كلاهما من طريق عبد الله بن خراش بن حوشب عن العوام بن حوشب عن مجاهد عنه به. وعبد الله بن خراش بن حوشب قال فيه أبو زرعة: ليس بشيء، ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. واتهمه محمد بن عمّار الموصلي بالكذب٣. والذي يظهر لي مما تقدم من أقوال الأئمة أنه ضعيف جداً، وقد جعله الحافظ ابن حجر في التلخيص في مرتبة المتروك٤. وتساهل في التقريب فقال فيه: ضعيف٥. وأمّا العوام بن حوشب فثقة ثبت فاضل٦. فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً، وضعفه أيضاً البوصيري٧، وذكر أن حديث بهيسة عن أبيها يشهد له. ولكن إسناد هذا الحديث - كما سبق - ضعيف جداً، فلا يعتضد بالشواهد. والله أعلم.

стр. 249

٨٦ - (١٣) عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: "الماءُ والملح والنار". قالت: قلت: يا رسول الله، هذا الماءُ قد عرفناه فما بال الملح والنار؟ قال: "يا حُمَيراء؛ من أعطى ناراً فكأنما تصدَّق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن أعطى مِلْحاً فكأنما تصدّق بجميع ما طيَّب ذلك الملح، ومن سقى مسلماً شربةً من ماءٍ حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبةً، ومن سقى مسلماً شربةً من ماءٍ حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها". رواه ابن ماجه١ وهذا لفظه، والطبراني في الأوسط٢، كلاهما من طريق علي بن غراب عن زهير بن مرزوق عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عنها به. قال الطبراني: "لم يُسند زهير بن مرزوق غير هذا، تفرَّد به عليُّ بن غراب". وعلي بن غراب قال فيه ابن معين: ثقة. وقال مرَّةً: صدوق. وقال أحمد وأبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به. وقال أبو داود: ضعيف، ترك الناس حديثه. وقال ابن حبان: حدث بالأشياء الموضوعة فبطل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: يعتبر به٣.

стр. 250

والذي يترجّح لي من هذه الأقوال هو ما اختاره الحافظ ابن حجر فيه حيث قال: "صدوق، وكان يدلِّس ويتشيع، وأفرط ابن حبان في تضعيفه"١. وقد صرَّح علي بن غراب بالسماع في إسناد الطبراني. وأما زهير بن مرزوق فسُئل عنه ابن معين فقال: "لا أعرفه". قال ابن عدي: "إنما لم يعرفه ابن معين لأن له حديثاً واحداً معضلاً٢" - ويعني ابن عدي هذا الحديث له عن عائشة ﵂. وقال البخاري: "منكر الحديث، مجهول"٣. وقال فيه الذهبي: "واهٍ"٤. بينما جعله ابن حجر في مرتبة "مجهول"٥. ولعل مأخذ الذهبي في الحكم عليه بأنه "واهٍ" أنه لم يرو إلا هذا الحديث الواحد ولم يتابع عليه إلا بمن هو ضعيف جداً، أو كذاب - كما سيأتي في الطرق الآتية -، وأيضاً فإن البخاري قد قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه" ٦. وأما علي بن زيد بن جُدعان فقال فيه ابن عيينة: "كتبت عن علي بن زيد كتاباً كثيراً فتركته زهداً فيه". وقال حماد بن زيد: "كان يقلب الأحاديث". وكان يحيى بن سعيد يتقي حديثه. وقال ابن سعد: فيه ضعف، ولا يحتج به. وقال ابن معين وأحمد: ليس بشيء. وقالا أيضاً والنسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "ليس بقوي". وقال الترمذي: "صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره". وليَّنه يعقوب بن شيبة والدارقطني٧.

стр. 251

وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف"١. وممن ضعف الحديث البوصيري٢، وابن حجر٣. والذي يظهر لي أنه ضعيف جداً لحال زهير بن مرزوق. وقد توبع زهير بن مرزوق في بعضه وليس فيه محل الشاهد وهو ما جاء في ذكر النهي عن منع الماء والملح والنار. فقد رواه ابن عدي٤ بإسناده عن الحسن بن أبي جعفر عن علي بن زيد بن جُدعان به، ولفظه: "من سقى ماءً حيث يوجد الماء فكأنما أعتق نسمة، ومن سقى ماءً حيث لا يُقْدر على الماء فكأنما أحيا نفساً". وفيه الحسن بن أبي جعفر، وقد تقدم الكلام فيه٥ وأنه ضعيف جداً. فعلى هذا فإن هذه المتابعة لا تصلح للاعتبار. وللحديث إسناد آخر أيضاً، وذلك فيما رواه ابن عدي٦ بإسناده عن أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق عن الحسين بن عيسى عن عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ بنحو اللفظ السابق. وأحمد بن محمد بن علي قال فيه ابن عدي: "يضع الحديث"، ومن ثَمَّ حكم على هذا الإسناد بقوله: "وهذا الحديث كذب موضوعٌ على رسول الله ﷺ ". فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يعتبر به أيضاً.

стр. 252

والذي يظهر لي أن هذا الحديث ضعيف جداً من جميع طرقه والله أعلم. وقد حكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع من هذين الطريقين١، وتعقبه السيوطي٢ بطريق ابن ماجه السابق إلا أنه ضعيف جداً كما سبق. وقد تكلم بعض العلماء في الأحاديث التي جاء فيها قول النبي ﷺ في عائشة ﵂ "حميراء". ومن ذلك قول المزي فيما نقله ابن كثير عنه: "كل حديث فيه ذكر الحميراء باطل إلا حديث في الصوم في سنن النسائي"٣. وزاد الزركشي٤ حديثاً آخر أيضاً. وأما ابن القيم فقال: "كل حديثٍ فيه "يا حميراء" أو ذكر "الحميراء" فهو كذب مختلق"٥. ويجب أن يستنثى من هذا الإطلاق الحديثان اللذان مرّ ذكرهما في كلام المزي وما زاده الزركشي. والله أعلم. ٨٧ - (١٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان لا يحلُّ منعهما: الماء والنار". رواه البزار٦، والطبراني في الصغير٧، كلاهما من طريق عبدة بن عبد الله الصفَّار حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن بُدَيل بن ميسرة العقيلي عنه به.

стр. 253

قال البزار: "لا نعلمه عن أنس إلا من هذا الطريق، ولا نعلم أسند بديل عن أنس إلا هذا وآخر". وقال الطبراني: "لم يروه عن بديل بن ميسرة إلا الحسن، تفرد به عبد الصمد". وعبدة بن عبد الله الصفَّار١، وعبد الصمد بن عبد الوارث٢، وبُدَيل بن ميسرة٣، ثقات. وأما الحسن بن أبي جعفر فقد تقدم الكلام فيه٤ وأنه ضعيف جداً. وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد"٥. فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً. والله أعلم. ٨٨ - (١٥) عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا عباد الله فضل الماء والكلأ ولا ناراً، فإن الله جعلها متاعاً للمقوين وقوةً للمستضعفين". رواه الطبراني في الكبير٦ من طريق بشر بن عون عن بكَّار بن تميم عن مكحول عنه به.

стр. 254

وبشر بن عون وبكّار بن تميم قال فيهما أبو حاتم: مجهولان١. وحكم ابن حبان٢ وابن طاهر٣ على الأحاديث المروية بهذا الإسناد بالوضع. وللحديث إسنادٌ آخر ولكنه مرسل. فقد رواه أبو يوسف٤ عن العلاء بن كثير عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ ... " الحديث مثله. والعلاء بن كثير هذا هو الليثي أبو سعيد الدمشقي، قال فيه أحمد: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث واهي الحديث يحدث عن مكحول عن واثلة بمناكير. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدي: للعلاء بن كثير عن مكحول عن الصحابة نسخ كلها غير محفوظة وهو منكر الحديث٥. وجعله ابن حجر في مرتبة: "متروك"٦. فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف جداً. والله أعلم. ٨٩ - (١٦) عن عبد الله بن سَرْجس ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ ، فدخلت بين قميصه وجلده، فقبَّلت منه موضع الخاتم. فقلت: ما الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "الماء والنار".

стр. 255

رواه الطبراني في الأوسط١ من طريق يحيى بن سعيد العطَّار الحمصي عن المثنَّى بن بكر عن عاصم الأحول عنه به. ويحيى بن سعيد العطار ضعَّفه ابن معين وقال: ليس بشيء. وقال الجوزجاني والعقيلي: منكر الحديث. وقال أبو داود: جائز الحديث. وقال ابن عدي: بيِّن الضعف. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به٢. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف" ٣. وأما المثنَّى بن بكر فقال فيه الدارقطني: متروك٤. وأما عاصم بن سليمان الأحول فوثقه الثوري وابن مهدي وابن معين وابن المديني وأحمد وغيرهم، وتكلم فيه القطان٥. والراجح فيه ما قال الجماعة. وأما كلام القطان فيه فقال ابن حجر: كأنه بسبب دخوله في الولاية٦. فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً. وكذلك فإن في لفظ الحديث نكارة، وذلك أنه قد رواه مسلم٧ وغيره من طرقٍ عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس "أنه نظر إلى خاتم النبوة بين كتفي النبي ﷺ "، ولم يذكر فيه سؤاله عما لا يحل منعه. والله أعلم.

стр. 256

٩٠ - (١٧) عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقطع طريق، ولا يمنع فضل ماءٍ، ولا ابنُ السبيل عارية الدَّلو والرّشا والحوض إن لم يكن أدَّاه بعينه١، ويخلَّى بينه وبين الرّكية يسقي، ولا يمنع المحفر إذا نزل الحافر خمسةً وعشرين ذراعاً عطناً للماشية". رواه الطبراني في الكبير٢ بإسناده عن مروان بن جعفر السمري عن محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عنه به. وقد تقدم الكلام في هؤلاء٣، والخلاصة التي ذكرها الذهبي في الأحاديث المروية بهذا الإسناد حيث قال: "بكل حالٍ هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم". وللحديث إسناد آخر، فقد رواه ابن زنجويه٤ بإسناده عن مسلمة بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد عن مكحول عنه به بنحوه. ومسلمة بن علي قد تقدم الكلام فيه٥ وأنه متروك. فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً عن سمرة بن جندب ﵁ والله أعلم.

стр. 257

والرشاء: الحبل١، والركية: البئر٢ وأما المحفر فلم أقف على معناه، ولكن يظهر أنه مما يحتاجه الحافر عند حفره، وعند أهل نجد المحفر: وعاء يستعمل في حمل التراب وغيره، وقد يكون هو المقصود في الحديث، والله أعلم.

стр. 258

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن بيع فضل الماء والكلأ والنار. أما الماء فالمراد به ماء العيون والآبار ونحوها مما لا يد لأحدٍ عليه والناس فيه سواء، وأما إذا صيِّر هذا الماء في آنية وأوعية فليس داخلاً في النهي عن بيعه، لما تكلف فيه مستقيه وحامله١. ومثل هذا اليوم المياه الصحية التي تعبأ في قوارير أو نحوها فهي ليست داخلة في النهي. قال الخطابي: "وأما الماء إذا جمعه صاحبه في صهريج أو بركة أو خزنه في جب أو قراه في حوض ونحوه فله أن يمنعه، وهو شيءٌ قد حازه على سبيل الاختصاص لا يشركه فيه غيره، والحديث إنما جاء في منع الفضل دون الأصل، ومعناه ما فضل عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه"٢. والمراد بمنع الماء الذي ورد النهي عنه عدم بذله لمن يحتاج إليه بغير عوض، فإن أبى بذله بغير عوض فهو مانعٌ له. والبئر إن كان لها مالك أو كانت في أرضٍ مملوكة فالمالك أولى به من غيره، وما فضل عن حاجته فلا يجوز له منعه٣. وقد سبق أن من منع فضل مائه من ابن السبيل فإن الله لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم. وأما الكلأ فهو النبات الذي أخرجه الله للأنعام مما لم ينصب فيه أحدٌ بحرثٍ ولا غرس ولا سقي، فهو لمن سبق إليه، ليس لأحدٍ أن يحتظر منه شيئاً دون غيره، ولكن ترعاه أنعامهم ومواشيهم ودوابُّهم معاً٤.

стр. 259

وأما إذا أخذ الكلأ من منابته وجمع ففي هذه الحالة يملكه من أخذه وله بيعه١. وقد روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم أحبلاً فيأخذ حزمةً من حطب فيبيع فيكف الله بها وجهه خيرٌ من أن يسأل الناس أُعطي أم مُنع" ٢، وقد بوّب البخاري على هذا الحديث بقوله: "باب: يبيع الحطب والكلأ". وإذا كان الكلأ في أرضٍ مملوكةٍ لمالكٍ بعينه فهو مالٌ له ليس لأحدٍ أن يشركه فيه إلا بإذنه٣. ويستثنى من النهي عن منع الكلأ الحِمى، وهو ما يحميه الإمام للخيل الغازية في سبيل الله ولنعم الصدقة٤، فللإمام أن يمنع غيرها من أن ترعى فيه. وأما النار التي نهي عن منعها فقد فسّرها بعض العلماء بأنها الحجارة التي توري النار. يقول: لا يمنع أحدٌ أن يأخذ منها حجراً يقتدح به النار، فأما التي يوقدها الإنسان فله أن يمنع غيره من أخذها، وقال بعضهم: ليس له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوةً من الحطب الذي قد احترق فصار جمراً، وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحاً أو أدنى منها ضغثاً يشتعل بها؛ لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئاً٥. والله أعلم.

стр. 260

الفصل الثالث: ما ورد في النهي عن بيع المغانم حتى تقسم وعن بيع الصدقات بل أن تقبض ٩١ - (١) عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن الحُبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن لحم كلِّ ذي ناب من السباع". رواه النسائي١ وهذا لفظه، وابن أبي شيبة٢، وأحمد٣ - مختصراً -، وأبو يعلى٤، والطبراني في الكبير٥، والدارقطني٦، والحاكم٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن مجاهد عنه به. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة" ورواه من طريق أخرى مختصراً وصححه. وزاد أبو يعلى والدارقطني بعد قوله: "وعن الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن" زادا "قال: لا تسق زرع غيرك، وعن لحوم الحمر الأهلية".

стр. 261

وزاد الحاكم: "وعن قتل الولدان"، وفي لفظ له في روايةٍ: "وعن بيع الخمس حتى يقسم". وعند أبي يعلى والطبراني والدارقطني أن هذا النهي كان يوم خيبر. وأما النهي عن وطء الحبالى حتى يضعن، فسيأتي عند الحديث الآتي أن المحفوظ أن النهي كان يوم حنين. ومجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم، ثقة إمام في التفسير وفي العلم١. فإسناد هذا الحديث صحيح. والله أعلم. وروى الطبراني هذا الحديث في معجمه الأوسط٢ من طريق عصمة بن المتوكل عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ به بنحوه، إلا أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ يوم حنين ... ". وعصمة بن المتوكل قال فيه أحمد: "لا أعرفه". وقال فيه العقيلي: "قليل الضبط للحديث، يهم وهماً"٣. والأعمش إنما يروي النهي عن بيع المغانم حتى تقسم عن مجاهد عن ابن عباس كما سبق٤. فعلى هذا فإن إسناد الطبراني هذا منكر. والله أعلم.

стр. 262

٩٢ - (٢) عن رويفع بن ثابت ﵁ قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم حنين، قال: "لا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتى يقسم". رواه أبو داود١ واللفظ له، وأحمد٢، وسعيد بن منصور٣، والدارمي٤ - مختصراً -، وابن سعد٥، وابن حبان٦، والطبراني في الكبير٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عنه به. وعند أبي داود وأحمد تصريح ابن إسحاق بالسماع لهذا الحديث من يزيد بن أبي حبيب. وأما أبو مرزوق فهو ربيعة بن سليم التجيبي، لم يوثقه غير ابن حبان٩. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: مقبول١٠.

стр. 263

فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال أبي مرزوق التجيبي، إلا أن للحديث شواهد تؤيده قد سبق ذكر بعضها، فيكون بها حسناً لغيره. وقد وقع عند الدارمي وابن سعد وابن حبان والطبراني - في رواية عنده - أن هذا النهي إنما كان يوم خيبر. وقد ذكر ابن سعد هذا الحديث عند ذكره لغزوة خيبر. وقد رجَّح البيهقي١ الرواية التي فيها أن النهي كان يوم حنين، وقد قال ابن الأثير أيضاً: "النبي ﷺ إنما نهى عن وطء الحبالى يوم حنين وهو بعد الفتح، وخيبر قبل الفتح، ولم تسب النساء فيها وإنما سبين يوم حنين. والله أعلم"٢. ويبين ذلك أن يوم خيبر صالح فيه النبي ﷺ اليهود ولم يسب نساءهم. فعلى هذا فإن الرواية التي فيها أن هذا النهي كان يوم خيبر منكرة. والله أعلم. ٩٣ - (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغنائم حتى تقسم، وعن بيع النخل حتى تحرز من كل عارض، وأن يصلي الرجل بغير حزام". رواه أبو داود٣ واللفظ له، وأحمد٤، والبيهقي٥ مختصراً، كلهم من طرقٍ عن شعبة عن يزيد بن خُمير عن مولى لقريش عنه به.

стр. 264

وزاد أحمد بعد قوله "نهى عن بيع المغانم حتى تقسم" زاد "ويعلم ما هي". ويزيد بن خُمير هو الرَّحبي، صدوق١. وفي إسناده مبهم فيكون الإسناد ضعيفاً، إلا أن الجملتين الأوليين لهما شواهد تؤيدهما ترفعهما إلى درجة الحسن لغيره. وهذه الشواهد هي الأحاديث الواردة في النهي عن بيع المغانم حتى تقسم، وهي أحاديث هذا الفصل، والأحاديث الواردة في النهي عن بيع ما لم يتبين صلاحه، وسوف تأتي - إن شاء الله -. والله أعلم. ومعنى قوله: "وأن يصلي الرجل بغير حزام"، أي من غير أن يشد ثوبه عليه؛ لأنهم كانوا قلما يلبسون السراويل٢. ٩٤ - (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعمَّا في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص". رواه ابن ماجه٣ واللفظ له، والترمذي٤ - مختصراً -، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والدارقطني٧، والبيهقي٨، وابن حزم٩، كلهم من

стр. 265

طرقٍ عن جهضم بن عبد الله اليمامي عن محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد العبدي عن شهر بن حوشب عنه به. قال الترمذي: "هذا حديث غريب". ورواه عبد الرزاق١ عن يحيى بن العلاء عن جهضم٢ عن محمد بن زيد٣ عن شهر به بنحوه. ويحيى بن العلاء البجلي كذبه وكيع وأحمد، وتركه النسائي والدارقطني وغيرهما٤. وجهضم بن عبد الله اليمامي، قال فيه ابن معين: ثقة إلا أن حديثه منكر - قال ابن أبي حاتم: يعني ما روى عن المجهولين -. وقال أحمد: كان رجلاً صالحاً لم يكن به بأس. وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من ملازم وهو ثقة إلا أن حديثه أحياناً عن مجهول٥. وشذّ ابن حزم عنهم فقال فيه: "مجهول"٦. وخلص الحافظ ابن حجر فيه إلى أنه صدوق يكثر عن المجاهيل٧.

стр. 266

ويؤيد ما ذكره ابن معين وأبو حاتم فيه من روايته عن المجاهيل ما جاء في هذا الإسناد، فإن محمد بن إبراهيم شيخه مجهول كما قال أبو حاتم١ وابن حزم٢. وأما محمد بن زيد العبدي، فقال فيه المزي٣ وتبعه ابن حجر٤: "يحتمل أن يكون ابن أبي القموص". وابن أبي القموص هو محمد بن زيد بن علي الكندي، قاضي مرو٥ في خراسان٦. قال فيه أبو حاتم: "لا بأس به صالح الحديث"٧. ومما يستأنس به على أن محمد بن زيد هذا هو ابن أبي القموص أن شيخه في هذا الحديث وهو شهر بن حوشب قيل فيه كندي٨ أيضاً. وكذلك فإن الراوي عنه وهو جهضم بن عبد الله اليمامي أصله خراساني٩ أيضاً. والله أعلم. والخلاصة هي ما قاله الحافظ ابن حجر حيث قال فيه: "لعله ابن أبي القموص، وإلا فمجهول"١٠.

стр. 267

وأما شهر بن حوشب فتقدم الكلام فيه١، وأن الراجح فيه أن حديثه من باب الحسن، وجازف ابن حزم فيه فقال بعد أن ذكر حديثه هذا قال: "شهر متروك"٢. فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف لجهالة محمد بن إبراهيم، وللاحتمال في محمد بن زيد العبدي. وممن ضعف إسناد هذا الحديث البيهقي٣ وعبد الحق٤ وابن حجر٥. إلا أن محل الشاهد منه وهو النهي عن بيع المغانم حتى تقسم له شواهد تؤيده مما سبق من أحاديث هذا الفصل، فيكون بها حسناً لغيره. وكذلك فإن بيع الصدقات وشراءها قبل القبض منهي عنه كما في الأحاديث الأخرى التي سبق ذكرها في فصل: النهي عن بيع ما لم يقبض، وأما بقية المنهيات الواردة في الحديث فهي وإن لم يصح الحديث الوارد فيها فهي داخلة في النهي عن بيع الغرر، وسوف يأتي - إن شاء الله - ذكر الأحاديث الواردة فيه. والله أعلم. ٩٥ - (٥) عن عمران بن حيَّان عن أبيه أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم خيبر فأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها، وحرم عليهم ثلاثة أشياء كان الناس يستحلونها، فأحل لهم لحوم الأضاحي

стр. 268

وزيارة القبور والأوعية، ونهاهم أن يباع سهم من مغنم حتى يقسم، ونهاهم عن النساء - يعني أن يوطأن - حتى يضعن، ونهاهم أن تباع ثمرةٌ حتى يبدو صلاحها". رواه ابن أبي عاصم١ واللفظ له، والطبراني في الكبير٢، وأبو نعيم الأصبهاني٣، كلهم من طرقٍ عن مروان بن معاوية عن حميد بن علي الرقاشي عن عمران بن حيان به. ومروان بن معاوية هو ابن الحارث الفزاري، ثقة حافظ٤. وحميد بن علي الرقاشي، قيل: هو حميد بن علي العقيلي، ومال إلى ذلك ابن حجر٥، وقيل: هما اثنان، وصنيع ابن حبان٦ والحسيني٧ يدل على أنهما اثنان عندهما، وذلك أنهما ترجما لكلِّ واحدٍ منهما ترجمة مستقلة. والذي يترجح لي أنهما واحد؛ لأنه لم ينسب حميد بن علي بالرقاشي، إلا مروان بن معاوية الفزاري وهو كان معروفاً بالتدليس في أسماء شيوخه٨. وإلى هذا أشار المعلمي ورجح أنهما واحد٩.

стр. 269

فإذا ترجح أنهما واحد، فقد قال الدارقطني في حميد بن علي العقيلي: لا يستقيم حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات - كما سبق -١. وأما عمران بن حيَّان، فلم يوثقه غير ابن حبان٢. وأبوه حيان بن نملة أبو عمران الأنصاري، قال فيه أبو نعيم الأصبهاني: "ذكره البخاري في الصحابة، يعرف بالرقاشي، وفي صحبته اختلاف"٣. وقال ابن منده: "ذكره البخاري، وفي صحبته نظر"٤. وذكره ابن عبد البر في الصحابة٥. ولعلَّ سبب التردد في صحبته أو عدمها هو أنه لم يرو عنه غير ابنه عمران وهو مجهول. فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. وأيضاً فإن في المتن نكارة، وذلك أن لحوم الأضاحي لم يحل ادخارها إلا في عام حجة الوداع، وكان عام تسع من الهجرة محرماً٦. وعلى ذلك فإن ما جاء في هذا الحديث من أنها أحلت يوم خيبر منكر. والله أعلم.

стр. 270

٩٦ - (٦) عن أبي أمامة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر أن تباع السهام حتى تقسم". رواه الدارمي١، وابن أبي شيبة٢، ومن طريقه الطبراني في معجمه الكبير٣ ومسند الشاميين٤، كلهم من طريق حماد بن أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول والقاسم عنه به. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة وهو ثقة إلا أنه أخطأ في تسمية شيخه في هذا الإسناد، وذلك أن الذي سمع منه أبو أسامة إنما هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وليس عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال الحافظ ابن حجر في سبب هذا الخطأ: "عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من ثقات الشاميين، قدم الكوفة فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة وسأله عن اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر، فصار يحدّث عنه

стр. 271

وينسبه من قبل نفسه، فيقول: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر وهما ثقتان، فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصّوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد"١. انتهى. وممن صرّح من الأئمة بأن أبا أسامة انقلب عليه اسم شيخه محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان٢، والنسائي٣ وغيرهم. فإذا تبيّن أن عبد الرحمن بن يزيد هو ابن تميم، فإن عبد الرحمن هذا قد تكلم فيه. فقال ابن معين: ضعيف في الزهري وغيره. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال أيضاً: منكر الحديث. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: متروك. وقال النسائي أيضاً: ليس بثقة. وقال الساجي: ضعيف يحدث عن مكحول مناكير٤. والذي يترجح لي مما تقدم من أقوال الأئمة فيه أنه في مرتبة الضعيف جداً. والله أعلم. وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع بين عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ومكحول٥.

стр. 272

وقد مشى الهيثمي على ظاهر الإسناد فقال فيه: "رجاله رجال الصحيح"١. وقوله هذا نتيجة لعدم تنبهه لخطأ أبي أسامة في تسمية شيخه. فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً، وأما النهي عن بيع المغانم حتى تقسم فهو ثابت كما في أحاديث هذا الفصل. والله أعلم.

стр. 273

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن بيع المغانم حتى تقسم. وإنما نهى عن بيع المغانم حتى تقسم؛ لأنه بيع ما لم يملك وقد نهي عنه، هذا على رأي من يرى أن ملك الغنيمة يتوقف على القسمة، وأما على رأي من يرى أن الملك يتم قبل القسمة فعنده أن المقتضي للنهي الجهل بعين المبيع إذا كان في المغنم أجناسٌ مختلفة١. والمغانم قبل أن تقسم هي حقٌّ مشاع لجميع الغانمين، فلا يحل لأحدٍ أن يبيع شيئاً منها قبل أن تقسم، ويقاس عليها كل شيء فيه حقٌّ مشاعٌ بين المسلمين كالأرض الموات وغيرها. ويستفاد أيضاً مما تقدم النهي عن بيع الصدقات حتى تقبض. وقد سبق أن الحديث الوارد في هذا النهي ضعيف، إلا أن بيع الصدقات قبل أن تقبض داخلٌ في بيع ما لم يقبض وقد نُهي عنه، وقد تقدم الكلام في بيع ما لم يقبض في الفصل الأول من هذا الباب. والله أعلم.

стр. 274

الفصل الرابع: ما ورد في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ ٩٧ - (١) عن ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ". رواه ابن عدي١، والبيهقي٢، كلاهما من طريق الدراوردي عن موسى بن عبيدة الرَّبَذي عن نافع عنه به. وموسى بن عبيدة الرَّبَذي تقدم الكلام فيه٣ وأنه ضعيف جداً. ولم يتابع في هذا الحديث عن نافع كما قال أحمد٤ والبزار٥ والدارقطني٦ وابن عدي٧ والبيهقي٨. وروى الحديث الدارقطني٩، والحاكم١٠ من هذا الطريق، إلا أنه جاء في إسنادهما موسى بن عقبة - وهو ثقة١١ - بدلاً من موسى بن

стр. 275

عبيدة، ولذلك حكم الحاكم على الإسناد بقوله: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء بل ظاهر كلامه أنه تابعه على ذلك. وقد بيّن البيهقي الخطأ الواقع في سند الدارقطني والحاكم، فقال: "شيخنا أبو عبد الله - يعني الحاكم - قال في روايته عن موسى بن عقبة وهو خطأ، والعجب من أبي الحسن الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في كتاب السنن عن أبي الحسن علي بن محمد المصري هذا فقال: "عن موسى بن عقبة"، وشيخنا أبو الحسين رواه لنا عن أبي الحسن المصري في الجزء الثالث من سنن المصري، فقال: "عن موسى" غير منسوب"١. انتهى. وقد دفع الحافظ ابن حجر الوهم عن الدارقطني فقال: "وقد جزم الدارقطني في العلل بأن موسى بن عبيدة تفرد به، فهذا يدل على أن الوهم في قوله "موسى بن عقبة" من غيره"٢. وبسبب ضعف موسى بن عبيدة، فقد اضطرب في هذا الحديث. فرواه مرَّة عن نافع كما سبق، ورواه أخرى عن عبد الله بن دينار. فقد رواه ابن أبي شيبة٣، والبزار٤، والعقيلي٥، والطحاوي٦، والبيهقي٧،

стр. 276

والبغوي١، كلهم من طرقٍ عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ". ولفظ البزار: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، وعن بيع المجر٢، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ دين بدين وعن بيع آجل بعاجل"٣. والآجل بالعاجل أن يكون لك على الرجل ألف درهم، فيقول رجل: أُعجل لك خمسمائة ودع البقية، والشغار أن ينكح المرأة بالمرأة ليس بينهما صداق. ورواه الدارقطني٤ والحاكم٥ من هذا الطريق أيضاً إلا أنه وقع في إسنادهما أيضاً: "موسى بن عقبة" بدلاً من "موسى بن عبيدة"، وقد تقدم بيان خطأ هذا. وقد تابع موسى بن عبيدة في حديثه هذا عن عبد الله بن دينار إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي كما عند عبد الرزاق٦ بنحو لفظ البزار السابق. وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم، تقدم أنه متروك٧.

стр. 277

فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن ابن عمر ﵄ بل هو ضعيف جداً. وقد قال الشافعي في هذا الحديث: "أهل الحديث يوهنون هذا الحديث"١. وروى الحديث الطبراني في المعجم الكبير٢ بإسناده عن محمد بن يعلى بن زنبور عن موسى بن عبيدة عن عيسى بن سهل بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمنابذة، ونهى أن يقول الرجل للرجل: ابتع هذا بنقدٍ واشتره بنسيئة حتى يبتاعه ويحرزه، وعن كالئٍ بكالئٍ، ودين٣ بدين". ومحمد بن يعلى بن زنبور تفرد من بين الرواة عن موسى بن عبيدة بهذا الإسناد، وقد قال فيه البخاري: يتكلم فيه وهو ذاهب الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف الثقات٤. وجعله الحافظ الذهبي في مرتبة "متروك"٥. وهو أولى من قول الحافظ ابن حجر فيه "ضعيف"٦. وسوف يأتي ذكر حديث رافع بن خديج رضي الله عنه٧ في النهي عن المزابنة،

стр. 278

وليس فيه هذه الزيادة، فعلى هذا فإن هذا الإسناد منكر، والمحفوظ عن موسى بن عبيدة أنه عن عبد الله بن دينار ونافع عن ابن عمر ﵄. وقد استظهر الحافظ ابن حجر أن يكون الخطأ في هذا الإسناد من محمد بن يعلى بن زنبور١. وأياً كان، فإن الحديث ضعيف جداً من جميع طرقه؛ لأن مدارها على موسى ابن عبيدة الربذي وهو ضعيف جداً كما تقدم، وليس للحديث شواهد تؤيده، ولذا قال أحمد: "ليس في هذا٢ حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين"٣.

стр. 279

دلالة الحديث السابق: بيع الكالئ بالكالئ هو بيع النسيئة بالنسيئة، أو يقال: هو بيع الدين المؤخر بالدين المؤخر، وقد تقدم أن الحديث الوارد في النهي عنه ضعيف جداً، إلا أن العلماء أجمعوا على القول بالحكم الذي يدل عليه. وقد حكى هذا الإجماع الإمام أحمد كما تقدم١، وابن المنذر٢. ولكن وقع الخلاف بين العلماء في صورة بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه، واتفقوا على أنه لا يجوز بيع نسيئة بنسيئة، بأن يقول: بعني ثوبًا في ذمتي بصفة كذا إلى شهر كذا بدينار مؤجل إلى وقت كذا٣، فهو بيع سلم في الأصل، إلا أن الثمن لم يسلم في وقت العقد بل كان نسيئة٤. وذكر بعض العلماء من صوره: أن يسلم الرجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنةٍ في مقدارٍ من الطعام. فإذا انقضت السنة وحلَّ الطعام عليه قال الذي عليه الطعام للدافع: ليس عندي طعام، ولكن بعني هذا القدر من الطعام بمائتي درهم إلى شهر٥. ويرى المالكية أن هذا ليس من باب بيع الدين بالدين، وإنما هو من باب فسخ الدين بالدين وهو ربا الجاهلية، وجعلوا أقل ما يتصور في بيع الدين بالدين أن يكون بين ثلاثة، كمن له دين على شخص فيبيعه من ثالث بدين. ويتصور عندهم أيضاً في أربعة كمن له دين على إنسان ولثالث دين

стр. 280

على رابع، فيبيع كل ما يملك من الدين بمال صاحبه من الدين. وعندهم نوع ثالث فيما يتعلق بالمعاملات الجارية في الدين وهي ابتداء الدين بالدين، وهو تأخير مال السلم إن كان من أحد النقدين عن العقد. وعندهم أن فسخ الدين بالدين أعظم هذه الأنواع الثلاثة حرمة، ثم بيع الدين بالدين، ثم ابتداء الدين بالدين١. وذكر بعض الفقهاء صورًا أخرى لبيع الكالئ بالكالئ. وقد اعترض على كثير من هذه الصور٢، ومن ذلك ما ذكره بعض الفقهاء من إطلاق المنع على كل عقد تضمن بيع دين بدين، ولو كان الدينان حالين، أو أحدهما حالاً، وجعلوا ذلك من بيع الكالئ بالكالئ. وقد تقدم أن بيع الكالئ بالكالئ إنما هو بيع النسيئة بالنسيئة. فالدين الحال لا يسمى نسيئة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض"٣. والحكمة في النهي عن بيع الدين بالدين أن مطلوب الشرع صلاح ذات البين وحسم مادة الفساد والفتن، وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذمتين توجهت المطالبة من الجهتين، فكان ذلك سبباً لكثرة الخصومات والعداوات فمنع الشرع ما يفضي لذلك٤. والله أعلم.

стр. 281

الباب الثالث: الأحاديث الواردة في النهي عن بيوع الغرر الفصل الأول: ما ورد في النهي عن بيوع الغرر ... الفصل الأول: ما ورد في النهي عن بيع الغرر ٩٨ - (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر". رواه مسلم١، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، كلهم من طرقٍ عن أبي الزناد عن الأعرج عنه به٧. ورواه ابن عبد البر٨ بإسناده عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن نافعٍ عن أبي هريرة ﵁ به. فإن كان محفوظاً عن الدراوردي فقد أخطأ فيه، فإن غيره يرويه عن عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ به كما تقدم.

стр. 282

والدراوردي قد تكلم في حديثه عن عبيد الله بن عمر فقد قال فيه النسائي: "حديثه عن عبيد الله بن عمر منكر"١. وجاء الحديث أيضاً من وجهٍ آخر، فقد رواه الطبراني في الأوسط٢ بإسناده عن أبي قرّة موسى بن طارق عن زمعة بن صالح عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر". وذكر الطبراني أن أبا قرة تفرد بهذا الإسناد. وزمعة بن صالح ويعقوب بن عطاء ضعيفان٣. وقال ابن عدي أيضاً في يعقوب: "عنده غرائب وخاصة إذا روى عنه أبو إسماعيل المؤدب وزمعة بن صالح، وعن زمعة أبو قرة"٤. ورواه الطبراني أيضاً٥ بإسنادٍ آخر عن عطاء، وذلك من طريق ضرار بن صرد عن المطلب بن زياد عن ابن أبي ليلى عن عطاء به، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر". وضرار بن صرد تقدم الكلام فيه٦، وأنه ضعيف جدًا، فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يصلح للاعتبار، فيبقى أن هذا الحديث عن أبي هريرة إنما هو محفوظ من رواية الأعرج عنه به. والله أعلم.

стр. 283

٩٩ - (٢) عن سهل بن سعد ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر". رواه الطبراني في الكبير١ والأوسط٢، والدارقطني في الأفراد٣، وابن عبد البر٤، كلهم من طرقٍ عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عنه به. وعبد العزيز بن أبي حازم قال فيه ابن معين: ثقة صدوق ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وقال مرة: ليس به بأس. ووثقه العجلي وابن نمير وابن حبان٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق"٦. وقد روى مالك عن أبي حازم عن سعيد بن المسيب "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر"٧. وقد أعل ابن عبد البر رواية عبد العزيز بن أبي حازم برواية مالك، فقال عن رواية عبد العزيز: "هذا خطأ، ولم يرو هذا الحديث أبو حازم عن سهل، وإنما رواه عن سعيد ابن المسيب كما قال مالك، وليس ابن أبي حازم في الحديث ممن يحتج به فيما خالف غيره، وهو عندهم لين الحديث ليس بحافظ، والحديث محفوظ من حديث أبي هريرة ﵁ ومعلوم أن سعيد بن المسيب من كبار رواة أبي هريرة"٨.

стр. 284

وقد سبق ابن عبد البر في تخطئة عبد العزيز بن أبي حازم الدارقطني حيث قال عن رواية مالك المرسلة: "أصح"١، ثم قال: "لكن قد رواه عبد العزيز عن أبيه بالسندين فدلَّ على أنه حفظه"٢. وقد أجاب ابن حجر عن كلام ابن عبد البر في عبد العزيز بن أبي حازم، حيث قال: "احتج به الشيخان"٣. فمما سبق يتبين أن هذا الحديث حسن لذاته. ولكنه يرتقي بشواهده إلى الصحيح لغيره. ولذا حكم عليه الحافظ ابن حجر بقوله: "هذا حديث حسن صحيح"٤، والله أعلم. ١٠٠ - (٣) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلامسوا، ولا تناجشوا، ولا تبايعوا الغرر، ولا يبيعنَّ حاضر لبادٍ، ومن اشترى محفَّلةً فليحلبها ثلاثة أيام فإن ردّها فليردّها بصاعٍ من تمر". جاء هذا الحديث عن أنس ﵁ من طريقين: الطريق الأولى: إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عنه به: رواه أبو يعلى٥ باللفظ المذكور، ورواه مختصراً الحارث بن أبي أسامة٦، والبزار٧، وابن عدي٨، والبيهقي٩، كلهم من هذا الطريق.

стр. 285

وإسماعيل بن مسلم المكي تركه يحيى وابن مهدي وابن المبارك. وقال ابن عيينة: كان يخطئ، أسأله عن الحديث فما كان يدري شيئاً. وقال أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بمتروك، يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك١. وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف الحديث"٢، والذي يظهر لي أنه ضعيف جداً. الطريق الثانية: يونس عن الحسن عنه به: رواه ابن عدي٣ بإسناده عن أبي عمارة به. ولفظه: "لا تناجشوا، ولا تلامسوا، ولا تبايعوا الغرر، ولا يبيع حاضر لبادٍ". وأبو عمارة المذكور هو يعقوب بن إسحاق الرازي - قاله ابن عدي - وقد قال فيه أبو حاتم: "ما أرى بحديثه بأساً، وهو أحبُّ إليَّ من علي بن عبد الله بن راشد مولى قراد"٤. وقد قال أبو حاتم في علي بن عبد الله بن راشد: "كان صدوقاً"٥.
следующие страницы →