ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٢) حديث جابر بن عبد الله ﵄، وسيأتي١.
(٣) حديث ابن عباس ﵄، وسيأتي٢.
стр. 317
دلالة الحديث السابق:
يستفاد من هذا الحديث النهي عن بيع المعاومة وهو بيع السنين.
وهو أن يبيع ثمرة الشجرة عامين أو ثلاثة أو أكثر١. وهو باطلٌ بالإجماع٢؛ لأنه بيع معدومٍ ومجهولٍ غير مقدورٍ على تسليمه وغير مملوكٍ للعاقد٣.
وهو باطلٌ في بيوع الأعيان، أما في بيوع الصفات فهو جائز، وهو أن يسلم في شيء إلى أجل معلومٍ، وذلك الشيء منقطعٌ في الحال، وسيوجد عند المحل غالباً٤.
стр. 318
الفصل الثامن: ما ورد في النهي عن البيع بضربة الغائص وبيع العبد الآبق
(١) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد تقدم١.
стр. 319
دلالة الحديث السابق:
البيع بضربة الغائص وإن لم يصح الحديث الوارد في النهي عنه إلا أنه داخلٌ في بيوع الغرر المنهي عنها.
والمراد بالبيع بضربة الغائص هو أن يقول الغائص في البحر للتاجر: أغوص غوصةً فما أخرجته فهو لك بكذا١. فهذا فيه غرر وجهالة وكذا بيع ما لم يملك.
وأما بيع العبد الآبق، فقد منع منه جمهور العلماء٢. والحديث الوارد في النهي عنه وإن كان ضعيفاً، إلا أنه داخل في بيوع الغرر المنهي عنها؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.
ومثل العبد العبد الآبق، الجمل الشارد ونحوه٣.
وأجاز بعض أهل العلم بيع العبد الآبق٤، ومنهم ابن حزم٥، وعلل ذلك بأنه معلوم الصفة والقدر. وفي هذا نظر؛ لأن من شروط صحة البيع القدرة على تسليم المبيع، فبيع العبد الآبق من أكل المال بالباطل؛ لأنه لا يعلم هل يتمكن المشتري من المبيع أم لا، وفي بيع العبد الآبق أيضاً إيقاع للخصومة والمنازعة بين البائع والمشتري إذا لم يتمكن المشتري من هذا العبد.
стр. 320
الفصل التاسع: ما ورد في النهي عن بيع عسب الفحل
١١٥ - (١) عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عَسْب الفحل".
رواه البخاري١، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وأحمد٥، كلهم من طرقٍ عن علي بن الحكم عن نافع عنه به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ولفظ أحمد: "نهى عن ثمن عسب الفحل".
وذكر الحاكم هذا الحديث بهذا الإسناد في المستدرك٦، وقال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وقد وهَّمَ الزيلعيُّ٧ وابنُ حجر٨ الحاكمَ في استدراكه لهذا الحديث لإخراج البخاري له.
стр. 321
١١٦ - (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل".
رواه النسائي١ واللفظ له، وابن أبي شيبة٢، والدارقطني٣، ومن طريقه البيهقي٤، كلهم من طريق هشام أبي كليب عن ابن أبي نعم البجلي عنه به.
ولفظ ابن أبي شيبة والدارقطني: "نُهي عن عسب الفحل"، وزاد الدارقطني: "وعن قفيز الطحان".
وهشام أبو كليب هو ابن عائذ الأسدي. وثقه ابن معين، وأحمد، وأبو داود. وقال أبو حاتم: شيخ٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق"٦.
أما الحافظ الذهبي فترجم لهشام أبي كليب وذكر له هذا الحديث وقال عقبه: "هذا منكر، ورجله٧ لا يعرف"٨. وتبعه الحافظ ابن حجر فإنه ذكر هذه الترجمة في لسان الميزان٩ مع كونه من رجال التهذيب ولم يتعقب الذهبي بشيء، وإنما ذكر أن ابن حبان ذكره في الثقات. وهذا الصنيع من الحافظين الذهبي وابن حجر سببه كونهما لم يتنبها إلى أن هشام أبا كليب هو ابن عائذ الأسدي وهو رجلٌ معروف، وثّقه ابن معين وأحمد وغيرهما.
стр. 322
وأما ابن أبي نُعم فهو عبد الرحمن بن أبي نُعم البجلي أبو الحكم الكوفي وسيأتي١ أنه صدوق. وقد وهم البوصيري٢ فقال إنه الأفريقي. وليس كذلك، فإن الأفريقي اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم٣.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث حسن. وهو صحيح بشواهده. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن السكن وابن القطان صححاه٤.
وقوله: "وعن قفيز الطحان": "هو أن يستأجر رجلاً ليطحن له حنطةً معلومةً بقفيز من دقيقها. والقفيز: مكيالٌ يتواضع الناس عليه"٥. وقيل: "هو أن يقول: اطحن بكذا وكذا وزيادة قفيزٍ من نفس الدقيق"٦.
وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الجملة، وذكر أنها ليست من قول النبي ﷺ من وجوه٧. والله أعلم.
стр. 323
١١٧ - (٣) عن أنس بن مالك ﵁ "أنّ رجلاً من كِلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل فنهاه. فقال: يا رسول الله، إنّا نُطْرِق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة".
رواه الترمذي١ واللفظ له، والنسائي٢، والبيهقي٣، كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن حميد الرؤاسي حدثنا هشام بن عروة عن محمد بن إبراهيم التيمي عنه به.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد عن هشام بن عروة".
وبالنظر إلى إسناد الحديث يتبين أنه صحيح لا حسن، وكذلك فإن النهي عن عسب الفحل قد جاء عن أنس ﵁ من أوجهٍ أخرى كما سيأتي ولم يتفرد به إبراهيم بن حميد الرؤاسي خلاف ما قال الترمذي.
ومعنى قوله: "فنكرم": "أي يعطينا صاحب الأنثى شيئاً بطريق الهدية والكرامة لا على سبيل المعاوضة"٤.
وقد جاء هذا الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه أحمد٥، وأبو يعلى٦، وابن أبي حاتم٧، كلهم من طرق عن ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب
стр. 324
وعقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس "أن رسول الله ﷺ نهى عن أن يبيع الرجل فحلة فرسه".
وقد تقدم الكلام في ابن لهيعة١ وأنه ضعيف.
وأعله أبو حاتم أيضاً بالوقف، فقال: "إنما يروى من كلام أنس، ويزيد لم يسمع من الزهري، إنما كتب إليه"٢.
وقد سبق الكلام فيما يتعلق بالمكاتبة وأنها حجة٣، وقد خرج البخاري وغيره أحاديث مما حمل عن طريق المكاتبة. ولعلّ تعليل أبي حاتم له بالوقف إنما يعني من هذه الطريق.
وجاء الحديث من وجهٍ آخر أيضاً، فقد رواه البيهقي٤ بإسناده عن سعيد بن سالم القدَّاح عن شبيب بن عبد الله البجلي عن أنسٍ ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن عسب الفحل".
وسعيد بن سالم القدَّاح وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق. وقال أبو داود: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حبان: يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٦.
стр. 325
وشبيب بن عبد الله، ويقال: ابن بشر البجلي الكوفي، تقدم١ أنه صدوق يخطئ.
فمما سبق يتبين أن الحديث جاء من أكثر من وجه، وأصحها طريق إبراهيم بن حميد الرؤاسي. والضعف في بعض الطرق يتقوى بغيره، فيكون الحديث حسنًا. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٤) حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقد تقدم٢.
(٥) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٣.
(٦) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم٤.
(٧) حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم٥.
(٨) حديث جابر بن عبد الله ﵄ في بعض ألفاظه، وقد تقدم٦.
(٩) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم٧.
(٧) حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقد تقدم٨.
стр. 326
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن عسب الفحل.
والعَسْب: هو طرق الفحل أي ضرابه، وقيل: العسب ماء الفحل، وقيل: الكراء الذي يؤخذ على ضَرْب الفحل١.
والذي يهمنا هنا في هذه الدراسة هو ما يتعلق ببيع ضراب الفحل أو مائه، وإنما نهي عن بيع عسب الفحل لأنه بيع معدومٍ غير معلومٍ ولا مقدور التسليم٢.
وكذلك "فإن النهي عن بيع عسب الفحل من محاسن الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلاً لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء"٣.
стр. 327
الفصل العاشر: ما ورد في النهي عن بيع السمك في الماء
١١٨ - (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر".
جاء هذا الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً وموقوفاً.
فرواه أحمد١ - ومن طريقه رواه كلٌ من الطبراني٢ والبيهقي٣ والخطيب البغدادي٤ - عن محمد بن السَّماك عن يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عنه به مرفوعاً.
ومحمد بن السماك واعظ مشهور. قال فيه ابن نمير: حديثه ليس بشيء. بينما قال في روايةٍ أخرى: كان صدوقاً. وذكره ابن حبان في الثقات وقال فيه: مستقيم الحديث٥.
وقد خالف محمد بن السماك غيره في رفع هذا الحديث، فقد قال أحمد بعد روايته لهذا الحديث: "وحدثناه هشيم فلم يرفعه"٦.
стр. 328
وقد تابع هشيماً على وقفه زائدة بن قدامة كما عند الطبراني١، ومحمد بن فضيل عند ابن أبي شيبة٢. وذكر البيهقي أنه قد تابعهم سفيان الثوري٣.
والراجح في هذا الاختلاف هو الوقف، وأما الرفع فشاذ؛ لأن مَنْ وقفه أكثر وأحفظ ممن رفعه. وممن رجّح الوقف الدارقطني٤، والبيهقي٥، والخطيب٦.
فإذا تبين أن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف. فإن فيه علتين هما:
أولاً: يزيد بن أبي زياد، وهو الهاشمي الكوفي تكلم فيه. فقال فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين أيضاً: ليس بحجة، ضعيف الحديث. وقال أحمد: ليس حديثه بذاك. وقال البخاري: صدوق ولكنه يغلط، وقال: تغيَّر بآخرة. وقال أبو زرعة: ليِّن، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الدارقطني: لا يخرج عنه في الصحيح، ضعيف يخطيء كثيراً ويتلقن إذا لقِّن٧.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف، كبر فتغيَّر وصار يتلقَّن"٨.
стр. 329
ثانياً: الانقطاع بين المسيب بن رافع وابن مسعود ﵁. وممّن نفى سماعه منه أحمد بن حنبل١، وأبو حاتم٢، وأبو زرعة٣. وقال ابن معين: لم يسمع المسيب بن رافع عن أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا البراء بن عازب رضي الله عنه٤.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث المحفوظ فيه الوقف. وهذا الموقوف ضعيف. والله أعلم.
стр. 330
دلالة الحديث السابق:
بيع السمك في الماء سبق أن الحديث الوارد في النهي عنه ضعيف، إلا أن بيع السمك في الماء من بيع الغرر١، لكونه غير مقدورٍ على تسليمه، ومحلّ ذلك إذا كان الماء كثيراً كمياه الأنهار أو يكون في بركةٍ كبيرة يتعسر إمساكه وصيده منها، فإن أمكن أخذه بلا تعب كبركةٍ صغيرةٍ جاز بيعه بلا خلاف٢.
ويجوز بيع السمك في الماء بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مملوكاً لبائعه.
الثاني: أن يكون الماء رقيقاً لا يمنع مشاهدته ومعرفته.
الثالث: أن يمكن اصطياده وإمساكه، وذلك في أن يكون في بركة صغيرةٍ ونحوها.
فإن اجتمعت هذه الشروط جاز بيعه لأنه مملوك معلوم مقدورٌ على تسليمه٣.
وجعل بعض الفقهاء للمشتري خيار الرؤية فيما إذا اشترى سمكاً مملوكاً في الماء الذي يمكن معه التسليم، وإنما جعلوا له خيار الرؤية؛ لأن السمك يتفاوت في الماء وخارجه٤.
ويقاس على السمك في الماء الطير في الهواء، والجمل الشارد، والمال الضال، ونحو ذلك٥. والله أعلم.
стр. 331
الفصل الحادي عشر: ما ورد في النهي عن بيع ما لم يتبين صلاحه
١١٩ - (١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وألا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، وأحمد٧، كلهم من طرقٍ عنه به.
وفي لفظ للبخاري ومسلم: "وعن بيع الثمرة حتى تشقح"، فقيل لسعيد بن ميناء - الراوي عن جابر ﵄: ما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار ويؤكل منها.
وفي لفظ لمسلم: "وأن تشتري النخيل حتى تشقه" وهي بمعنى تشقح.
وفي لفظ للبخاري: "نهى عن بيع الثمر حتى يطيب"، ولنسائي وأحمد: "حتى يطعم".
стр. 332
وزاد مسلم في لفظٍ له، وأبو داود، والترمذي، وأحمد: "والمعاومة"، وعند بعضهم أيضاً: "وعن بيع السنين". وهما بمعنى.
وزاد مسلم، وأبو داود، والترمذي، وأحمد: "الثُّنيا". وزاد أبو داود والترمذي بإسنادٍ صحيح: "إلا أن تعلم". وقد تقدم الكلام عن هذه الجملة في فصل: ما ورد في النهي عن الثنيا إلا أن تعلم.
ورواه أحمد١ بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ أن يباع ما في رؤوس النخل بتمرٍ مكيل ". وورد عند مسلم أن هذا اللفظ إنما هو من تفسير جابر ﵁ للمزابنة.
والمخابرة الواردة في هذا الحديث هي المزارعة على بعض ما يخرج من الأرض٢.
١٢٠ - (٢) عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو. قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار".
رواه البخاري٣ وهذا لفظه، ومسلم٤، والنسائي٥، ومالك٦، وأحمد٧، كلهم من طرقٍ عن حميد الطويل عنه به.
وزاد مالك، ومن طريقه البخاري ومسلم والنسائي: قال رسول الله ﷺ "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه".
стр. 333
وقد تعقب الدارقطني الشيخين في إخراج هذه الرواية فقال: "وقد خالف مالكاً جماعةٌ منهم إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وهشيم، ويزيد بن هارون وغيرهم قالوا فيه: "قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة ... ". وأخرجا أيضاً حديث إسماعيل بن جعفر عن حميد وقد فصل كلام أنس من كلام النبي ﷺ "١ انتهى.
وقد سبق الدارقطني إلى توهيم مالك في رفع هذه الجملة أبو حاتم وأبو زرعة، فقد سألهما ابن أبي حاتم عن رواية مالك المرفوعة فقالا: "هذا خطأ، إنما هو كلام أنس"٢. قال أبو زرعة: "كذا يرويه الدراوردي ومالك بن أنس مرفوعًا، والناس يروونه موقوفًا من كلام أنس".
وقد بيّن الحافظ ابن حجر أن المحفوظ في حديث الدراوردي هو الوقف كرواية غيره٣. وكذلك قال الحاكم بأن مالكاً تفرد برفع هذه الجملة٤.
وقد روى الخطيب٥ بإسناده عن معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه: "قال: أفرأيت"، فلا أدري أنس قال: "بم تستحل" أو حدث به عن النبي ﷺ ".
وممَّن صرَّح أيضاً بأن هذه الجملة مدرجة من كلام أنس الإمام ابن خزيمة٦. وتوقف البيهقي٧ في الترجيح بين هذه الروايات.
стр. 334
وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الاختلاف: "الأمر في مثل هذا قريب"١. وقال: "ليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعاً؛ لأن مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوّي رواية الرفع في حديث أنس" ٢.
وكلام الحافظ ابن حجر السابق صريحٌ في أنه يصحح رواية الرفع. وكلامه هذا هو المتأخر.
وأما قوله: "قد بينت في المدرج أن هذه الجملة موقوفة من قول أنس، وأن رفعها وهم"، فهو واردٌ في كتابه "التلخيص الحبير" ٣ وهو متقدم على فتح الباري في التأليف. فالأول انتهى من تأليفه - كما سبق - سنة عشرين وثمانمائة، وأما الفتح فانتهى منه سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة كما صرّح بذلك في آخره.
وللحديث طريق آخر، فقد رواه أبو داود٤، والترمذي٥، وابن ماجه٦، وأحمد٧، وأبو يعلى٨، وابن حبان٩، والحاكم١٠، والبيهقي١١،كلهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل به، ولفظه: "نهى عن
стр. 335
بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحبِّ حتى يشتد"، وعندهم عدا أبي داود والترمذي زيادة: "وعن بيع الثمر حتى يزهو".
قال الترمذي: "هذا حديث حسنٌ غريب، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث حماد بن سلمة".
وقال البيهقي: "ذكر الحب حتى يشتد، والعنب حتى يسود في هذا الحديث مما تفرد به حماد بن سلمة عن حميد من بين أصحاب حميد".
والذي يتبين لي أن تفرد حماد بن سلمة عن حميد الطويل محتمل، فإن حميد الطويل خال حماد بن سلمة١، وقال فيه أحمد بن حنبل: "حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثاً" ٢، وقال فيه أيضاً: "هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديماً يخالف الناس في حديثه"٣.
وقد توبع حماد بن سلمة في بعضه إلا أن هذه المتابعة لا تصلح للاعتبار، فقد روى عبد الرزاق٤، وعنه أحمد٥ عن الثوري عن شيخٍ لهم عن أنسٍ ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع الحبِّ حتى يفرك، وعن بيع الثمار حتى تطعم".
وفي إسناده مبهم، وقد وقع بيانه عند البيهقي٦ بأنه أبان بن أبي عياش. وأبان تقدم الكلام فيه، وأنه متروك٧. وهذه المتابعة وإن لم تكن صالحة للاعتبار فإن - كما سبق - حماد بن سلمة حديثه عن حميد حجة ولو تفرد عنه لملازمته إياه.
стр. 336
وفي لفظٍ للبيهقي١ من طريق حماد بن سلمة زيادة: "وعن بيع الحب حتى يفرك". قال البيهقي: قوله "حتى يفرك" إن كان بخفض الراء على إضافة الإفراك إلى الحب وافق رواية من قال: "حتى يشتد"، وإن كان بفتح الراء ورفع الياء على إضافة الفرك إلى من لم يسم فاعله خالف رواية من قال فيه: "حتى يشتد"، واقتضى تنقيته عن السنبل حتى يجوز بيعه، ولم أرَ أحداً من محدثي زماننا ضبط ذلك، والأشبه أن يكون يفرك بخفض الراء لموافقة معنى من قال فيه "حتى يشتد". والله أعلم.
١٢١ - (٣) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدُّمان وأصابه قُشام وأصابه مُراضٌ - عاهات يحتجُّون بها - فلما كثرت خصومتهم عند النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ كالمشورة يشير بها: "فإما لا فلا تتبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها" لكثرة خصومتهم واختلافهم.
رواه أبو داود٢ وهذا لفظه، والبخاري - تعليقاً مجزوماً به٣ - والطحاوي٤، والدارقطني٥، والبيهقي٦، كلهم من طرقٍ عن عروة بن الزبير عن سهل بن أبي حثمة عنه به.
стр. 337
ورواه أحمد١ من طريق خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت ﵁ به بنحوه.
ورواه أحمد٢ أيضاً، والطحاوي٣ - كلاهما مختصراً - من طريق الزهري به، ولفظه: "لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها".
والطرق السابقة تبين أن الحديث صحيح. والله أعلم.
ومعنى قوله: "جدَّ الناس" الجداد بالفتح والكسر: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها٤.
وقوله: "حضر تقاضيهم" يقال: تقاضيت ديني وبديني واستقضيته طلبت قضاه٥.
وقوله: "الدمان": هو بالفتح، وقيل بالضم وهو أشبه، لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم، أما الميم فهي مخففة، وهو فساد الثمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسودَّ، من الدِّمن وهو السرقين٦.
وقوله: "قشام" في رواية الطحاوي: "القشام شيء يصيبه حتى لا يرطب". قال ابن الأثير: هو بالضم أن ينتقص٧ ثمر النخل قبل أن يصير بلحاً"٨.
وقوله: "وأصابها مُراض" هو بالضم: داءٌ يقع في الثمرة فتهلك٩.
стр. 338
١٢٢ - (٤) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا ثماركم حتى يبدو صلاحها وتنجو من العاهة".
رواه أحمد١، وابن عدي٢، كلاهما من طريق أبي الرجال عن عمرة عنها به.
وهذا إسنادٌ صحيح. والله أعلم.
١٢٣ - (٥) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه".
رواه الطبراني٣ واللفظ له، وأحمد٤، وذكر مع ابن عباس - جابر وابن عمر ﵃.
كلهم من طرق عن عمرو بن دينار عنه به.
وللطبراني أيضًا٥: عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس
﵄. وإسناده صحيح.
وقد جاء حديث ابن عباس ﵄ هذا من وجه آخر، فقد روى البزار٦ بإسناده عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع النحل سنتين أو ثلاثة، أو يشترى ما في رءوس النخل بكيل، أو تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها".
стр. 339
قال البزار: "لا نعلم يروى بإسنادٍ أحسن من هذا". ولعله يعني في النهي عن بيع السنين. - والله أعلم -.
قال الهيثمي: إسناده حسن، وفيه الحجاج بن أرطاة وهو ثقة لكنه مدلس١.
وفي قول الهيثمي عن الحجاج بن أرطاة "ثقة" نظر. فقد قال فيه ابن معين: صدوق ليس بالقوي. وقال أحمد: في حديثه زيادة على حديث الناس. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه ابن سعد. وقال الدارقطني: لا يحتج به٢. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق كثير الخطأ"٣.
وأشد ما نقم عليه التدليس عن الضعفاء٤. وهو هنا لم يصرِّح بالسماع.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يتقوى بالطريق السابق، وبشواهده، فيكون حسنًا، والله أعلم.
١٢٤ - (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها". قيل: وما صلاحها؟ قال: "تذهب عاهتها ويخلص صلاحها".
رواه البزار٥ بإسناده عن ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عنه به.
وابن أبي ليلى تقدم الكلام فيه٦، وأنه صدوق سيء الحفظ جداً.
стр. 340
وأما عطية العوفي، فقد ضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن حبان. ووثقه ابن سعد. وقال ابن معين: صالح١. وجعله الحافظ في مرتبة: "صدوق يخطئ كثيراً" ٢.
وجاء الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه الطبراني في الأوسط٣ بإسناده عن يحيى بن أبي أنيسة عن جابر الجعفي عن نافع عنه به، ولفظه: "لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثل".
وفي إسناده يحيى بن أبي أنيسة، وقد تقدم أنه متروك٤. فيبقى الحديث على ضعفه.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف، إلا أنَّ له شواهد تقدمت، فيكون بها حسناً لغيره. والله أعلم.
١٢٥ - (٧) عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها".
رواه ابن أبي شيبة٥، ومن طريقه الطبراني في الكبير٦ من طريق أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول والقاسم عنه به.
стр. 341
وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد١، وأن أبا أسامة أخطأ في اسم شيخه، وأنه ليس عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف جداً.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف جداً، وأما متن الحديث فثابتٌ من غير هذا الإسناد كما تقدم. والله أعلم.
١٢٦ - (٨) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الشجر حتى يبدو صلاحه".
رواه الدارقطني٢ بإسناده عن ضرار بن صرد عن موسى بن عثمان عن الحكم بن عتيبة عن عبد الله مولى سعد عنه به.
وموسى بن عثمان هو الحضرمي. قال فيه أبو حاتم: متروك. وقال ابن عدي: حديثه ليس بالمحفوظ٣.
وكذلك ضرار بن صُرَد، تقدم الكلام٤ فيه وأنه ضعيف جداً.
فعلى هذا، فإن هذا الإسناد ضعيف جداً. والله أعلم.
стр. 342
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٩) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم١.
(١٠) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٢.
(١١) حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم٣.
(١٢) حديث أبي هريرة ﵁، وسيأتي٤.
(١٣) حديث ابن عمر ﵄، وسوف يأتي٥.
(١٤) حديث أبي هريرة ﵄، وسوف يأتي٦.
(١٥) حديث علي بن أبي طالب ﵁، وسوف يأتي٧.
стр. 343
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع ما لم يبد صلاحه سواءً أكان ثمراً أم حبوباً أم زرعاً؛ لأنها لا يؤمن من هلاكها بورود العاهة عليها لصغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري بمقابلة ما دفع من الثمن شيء١. وبهذا قال مالك٢، والشافعي٣، وأحمد٤.
وبهذا قال أبو حنيفة أيضاً فيما إذا شرط المشتري على البائع التبقية والترك إلى صلاح الثمرة ونحوها٥. وأما إذا أطلق في العقد ولم يشترط الترك فقال أبو حنيفة يجوز إذا كان المبيع يصلح أن يكون علفاً للدواب، ويؤمر المشتري بالقطع حالاً٦.
وخالفه الجمهور فمنعوا هذه الصورة؛ لأن إطلاق العقد يقتضي التبقية والترك، لأن العرف في القبض يجري مجرى الشرط، والعرف في الثمار أن تؤخذ وقت الجذاذ، فصار المطلق كالمشروط تركه٧، وعلى هذا القول عموم الأحاديث التي تقدم ذكرها.
وهناك حالة اتفق العلماء على جواز بيع ما لم يبد صلاحه فيها، وذلك فيما إذا شرط البائع على المشتري القطع حالاً، فيكون علفاً
стр. 344
للدواب ونحو ذلك؛ لأن العلة التي من أجلها نهي عن بيع ما لم يبد صلاحه منتفية هنا١.
والمراد ببدو الصلاح يختلف باختلاف المبيع، فبدو الصلاح في التمر هو باللون كما تقدم في حديث أنس ﵁: "حتى يحمار أو يصفار"، وفي العنب الأسود حتى يسود، وكذلك فهذه العلامة هي في كل ما يتغير لونه عند صلاحه، فصلاحه يكون بتغير لونه. وإن كان العنب أبيض، فصلاحه بتموهه وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفر لونه.
وإن كان مما لا يتلون كالتفاح ونحوه فبأن يحلو ويطيب، وإن كان بطيخاً ونحوه فبأن يبدو فيه النضح.
وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل طيباً صغاراً وكباراً كالقثاء والخيار ونحوه، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة٢.
وليعلم أن بدو الصلاح في بعض ثمرة النخلة أو الشجرة صلاح لجميعها. قال ابن قدامة في هذا: لا أعلم فيه اختلافاً٣.
وإذا بدا الصلاح في بعض ثمر الحائط جاز بيع الكل مطلقاً إذا اتفق الجنس، فأما إذا اختلف الجنس فلا بد من مراعاة بدو الصلاح في كل جنس منها٤. والله أعلم.
стр. 345
الباب الرابع: الأحاديث الواردة في النهي عن الشروط في البيع
الفصل الأول: ما ورد في النهي عن الشروط في البيع، وعن بيع وسلف
...
الفصل الأول: ما ورد في النهي عن الشروط في البيع وعن بيع وسلف
١٢٧ - (١) عن عائشة ﵂ قالت: جاءت بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عامٍ أوقيَّة فأعينيني. فقلت: إن أحبَّ أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤكِ لي فعلتُ. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا ذلك عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأَبوا إلاّ أن يكون الولاءُ لهم. فسمع النبيُّ ﷺ ، فأخبرت عائشة النبي ﷺ ، فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنّما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أمَّا بعد، ما بال رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحقُّ، وشرط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤،
стр. 346
والنسائي١، وابن ماجه٢، ومالك٣، وأحمد٤، كلهم من طرقٍ عنها به.
وقوله ﷺ : "خذيها واشترطي لهم الولاء"، تكلم في ثبوت هذه الجملة الشافعي٥، وابن عبد البر٦، وغيرهما٧. وقالوا: إنه قد تفرد بها هشام بن عروة عن أبيه ولم يتابع عليها.
وفي هذا التعليل نظر، فإنه قد قيل: إن عبد الرحمن بن نمر تابع هشاماً على هذا، فرواه عن الزهري عن عروة عنها٨.
وعبد الرحمن بن نمر - بفتح النون وكسر الميم٩ - اليحصبي، ضعفه ابن معين في الزهري. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن عدي: هو من جملة من يكتب حديثه في الضعفاء. ووثقه الذهلي وغيره. وقال أبو داود: ليس به بأس١٠. وجعله ابن حجر في مرتبة: "ثقة"١١. والذي يظهر أنه صدوق. والله أعلم.
стр. 347
وعلى فرض أن هشام بن عروة تفرد بالجملة السابقة، فهشام ثقة حافظ١، ولم يخالف في هذه الجملة حتى ينكر عليه ما روى. والله أعلم.
وإنما أذن النبي ﷺ لعائشة ﵂ أن تشترط لهم الولاء مع فساده تنبيهاً على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء. ويقوي هذا ما جاء في بعض الروايات: "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤا"، وقيل: الأمر في قوله: "واشترطي لهم الولاء" للتهديد لهم كيف يشترطون ما لا يباح لهم، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢، وقيل: إن قوله: "اشترطي لهم الولاء" بمعنى "اشترطي عليهم"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٣. وقيل: غير ذلك٤.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية المعنى الأول٥. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٢) حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقد تقدم٦.
(٣) حديث حكيم بن حزام ﵁ في بعض ألفاظه، وقد تقدم٧.
(٤) حديث عتاب بن أسيد ﵁، وقد تقدم٨.
(٥) حديث يعلى بن أمية ﵁، وقد تقدم٩.
стр. 348
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم، النهي عن الشروط الفاسدة في البيع، وكذلك يستفاد من حديث عبد الله بن عمرو النهي عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيع.
فأما النهي عن بيعٍ وسلف فهو أن يجمع في عقدٍ واحدٍ بين بيع وقرض، مثل أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا العبد بخمسين ديناراً على أن تسلفني ألف درهم أو العكس. وإنما نهي عنه لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن فيدخل الثمن في حد الجهالة١. وأيضاً فإنه إنما أقرضه مائةً إلى سنة ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك٢. وكل قرض جرّ نفعاً - أي مشروطاً - فهو ربا٣.
والمقصود بالنهي عن بيعٍ وسلف هو ما إذا كان أحدهما مشروطاً على الآخر٤. والله أعلم.
стр. 349
وأما النهي عن شرطين في بيع، فالذي يظهر في معناه هو ما ذكره ابن القيم١ من أن المراد بهذا النهي هو النهي عن بيعتين في بيعة - والذي سوف يأتي بيانه إن شاء الله تعالى -.
ويشهد لهذا أن بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو ﵄ جاء بدل قوله: "ولا شرطان في بيع"، قوله: "نهى عن بيعتين في بيعة"، والله أعلم.
وقد أخذ أحمد في المشهور من مذهبه بظاهر هذا الحديث، فأجاز الشرط الواحد ونهى عن الشرطين، فقال مثلاً: إذا اشترى منه طعاماً وشرط حمله صح البيع، وإن شرط مع الحمل الطحن فسد البيع٢.
وعند أحمد رواية أخرى اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يصح أن يجمع شرطين فأكثر في البيع٣. وبهذا قال مالك٤، وابن سيرين، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان٥ وغيرهم. وهذا القول هو الذي تشهد له الأدلة من اعتبار الشروط في البيع وغيره إذا كانت لا تنافي الشرع، وليس هناك من الأدلة ما يصح في النهي عنه، وقد تقدم أن رواية "نهى عن بيع وشرط" لا تصح، وأن رواية "نهى عن شرطين في بيع" المراد بها النهي عن بيعتين في بيعة. والله أعلم.
стр. 350
وعند أبي حنيفة١، والشافعي٢ أن الشرط لا يصح في البيع، فلو اشترى زرعاً مثلاً وشرط الحصاد فيبطل البيع، وقد تقدم أنه لا دليل صريح صحيح على هذا القول. والله أعلم.
وليعلم أن ما سبق من الكلام في الشروط عند الفقهاء هو ما إذا كان الشرط ليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته وليس منافياً لمقتضى العقد، وإنما يكون فيه مصلحة لأحد المتعاقدين.
فأما إذا كان الشرط من مقتضى العقد، كأن يشترط الحلول وسلامة المبيع من العيوب ونحو ذلك، أو يشترط ما فيه مصلحة للعقد، كأن يشترط البائع رهناً، أو المشتري أجلاً ونحو ذلك، فمثل هذه الشروط يجوز اشتراطها باتفاق الفقهاء.
وقد اتفق العلماء على أن الشرط إذا كان منافياً لمقتضى العقد، كأن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع أو لا يهبه أو لا يعتقه، أو كان في الشرط غرر، كاشتراط الحمل في الحيوان، فهذا لا يجوز٣، أو يشترط الولاء على العبد إذا باعه فأُعتق، كما في حديث عائشة ﵂. وأما البيع فقد اختلفوا في جوازه وعدمه. والله أعلم.
стр. 351
الفصل الثاني: ما ورد في النهي عن بيع العربان
١٢٨ - (١) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُربان".
رواه مالك١ عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به. ومن طريق مالك رواه أبو داود٢، وابن ماجه٣، وأحمد٤، وابن عدي٥، والبيهقي٦، والبغوي٧.
وفي إسناد مالك مبهم. وقد اختلفت الروايات في تعيينه على الأوجه التالية:
أولاً: أنه عبد الله بن لهيعة:
فقد رواه البيهقي٨، وابن عبد البر٩ بإسنادهما عن ابن وهب عن مالك عن ابن لهيعة عن عمرو به.
стр. 352
قال ابن عبد البر: "المعروف فيه: ابن وهب عن ابن لهيعة". وقال في موضع آخر: "هو في موطأ ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب". قال: "وقد قيل إن مالكاً أخذه عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب ".
والذي يظهر لي أن هذا القول الأخير الذي حكاه ابن عبد البر ضعيف، وذلك أن ابن وهب هو ممن روى عن مالك هذا الحديث، فلا يمكن أن يكون هو الذي حدث مالكاً به. وأما كون ابن وهب قد رواه عن ابن لهيعة، فالجواب عنه أن ابن وهب سمع الحديث من مالك عن ابن لهيعة، وسمعه من ابن لهيعة بدون واسطة. والله أعلم.
وقد تابع مالكاً وابن وهب في الرواية عن ابن لهيعة، قتيبة بن سعيد فيما رواه ابن عدي١، ومن طريقه البيهقي٢.
وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه٣ وأنه ضعيف.
وفي هذا الإسناد علة أخرى، وهي الانقطاع بين ابن لهيعة وعمرو بن شعيب. فقد قال أبو حاتم: "لم يسمع ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب شيئاً"٤. وقال أبو داود: "إنما سمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب ثلاثة أشياء أو أربعة"٥.
стр. 353
وممن كان يرى أن ابن لهيعة لم يسمع من عمرو بن شعيب ابنُ وهب١.
وعبد الله بن لهيعة مدلِّس٢، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرّح فيه بالسماع٣.
ثانياً: أنه عبد الله بن عامر الأسلمي:
فقد رواه ابن ماجه٤، والبيهقي٥ كلاهما من طريق حبيب بن أبي حبيب عن عبد الله بن عامر الأسلمي به.
وعند البيهقي وقع ذكر مالك بين حبيب وعبد الله بن عامر.
وكذلك فقد ذكر الدارقطني أن حبيب بن أبي حبيب يرويه عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي٦.
وأيّاً كان فإن حبيب بن أبي حبيب وهو المصري كاتب مالك متكلّم فيه. فقال فيه أحمد: ليس بثقة. وقال أيضاً: كان يكذب. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال: أحاديثه كلها موضوعة. وقال أيضاً:
стр. 354
عامة حديثه موضوع المتن مقلوب الإسناد ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيِّن في الكذب. وقال أبو داود: كان من أكذب الناس. وقال: كان يضع الحديث. وقال النسائي: متروك، أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره١.
فمما تقدم يتبين أن هذه الطريق لا عبرة بها. والله أعلم.
ثالثاً: أنه عمرو بن الحارث:
فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الدارقطني في غرائب مالك، والخطيب البغدادي رويا الحديث بإسنادهما عن الهيثم بن اليمان عن مالك عن عمرو بن الحارث عن عمرو ابن شعيب به٢.
ونقل عن الدارقطني قوله: "تفرد به الهيثم بن اليمان عن مالك عن عمرو بن الحارث، وقد رواه حبيب عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي، وقيل: عن ابن لهيعة، وهو في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب"٣.
والهيثم بن اليمان قال فيه أبو حاتم: صالح صدوق. وضعفه الأزدي٤.
هذه هي الأوجه التي وقفت عليها في المبهم الواقع في إسناد مالك. وأقواها هو الوجه الأول، وهو أنه ابن لهيعة، ولذا قال ابن عدي: "يقال إن مالكاً سمع هذا الحديث من ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، ولم يسمّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور"٥.
стр. 355
فمما سبق يتبين أن الحديث في الموطأ ضعيف؛ لأن فيه راوياً مبهماً، وأصح ما جاء في هذا المبهم بين مالك وعمرو بن شعيب أنه ابن لهيعة وهو ضعيف، ولم يسمعه من عمرو بن شعيب. والله أعلم.
وقد جاء هذا الحديث من غير طريق مالك، فقد رواه البيهقي١، وابن عبد البر٢ كلاهما من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري أبي موسى عن عاصم بن عبد العزيز عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب به.
وعاصم بن عبد العزيز، والحارث بن أبي ذباب تقدم الكلام فيهما٣. وأن عاصماً ضعيف، والحارث صدوق يهم.
وكذلك فإن في إسناد البيهقي محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، كذبه إبراهيم الأصبهاني. وقال ابن عدي: له أشياء أُنكرت عليه من الأحاديث، وكان مدلِّساً يدلِّس على ألوان، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب٤.
وقال الدارقطني: "مختلط مدلس يكتب عن بعض أصحابه ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة، وهو كثير الخطأ".
ووثقه الخطيب وغيره. وقال ابن طاهر: كان لا يكذب، ولكن يحمله الشره على أن يقول حدثنا. وقال الإسماعيلي: لا أتهمه، ولكنه خبيث التدليس ومصحّف أيضاً٥.