الفصل الثاني: ما ورد في النهي عن بيع العربان
١٢٨ - (١) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُربان".
رواه مالك١ عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به. ومن طريق مالك رواه أبو داود٢، وابن ماجه٣، وأحمد٤، وابن عدي٥، والبيهقي٦، والبغوي٧.
وفي إسناد مالك مبهم. وقد اختلفت الروايات في تعيينه على الأوجه التالية:
أولاً: أنه عبد الله بن لهيعة:
فقد رواه البيهقي٨، وابن عبد البر٩ بإسنادهما عن ابن وهب عن مالك عن ابن لهيعة عن عمرو به.
стр. 352
قال ابن عبد البر: "المعروف فيه: ابن وهب عن ابن لهيعة". وقال في موضع آخر: "هو في موطأ ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب". قال: "وقد قيل إن مالكاً أخذه عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب ".
والذي يظهر لي أن هذا القول الأخير الذي حكاه ابن عبد البر ضعيف، وذلك أن ابن وهب هو ممن روى عن مالك هذا الحديث، فلا يمكن أن يكون هو الذي حدث مالكاً به. وأما كون ابن وهب قد رواه عن ابن لهيعة، فالجواب عنه أن ابن وهب سمع الحديث من مالك عن ابن لهيعة، وسمعه من ابن لهيعة بدون واسطة. والله أعلم.
وقد تابع مالكاً وابن وهب في الرواية عن ابن لهيعة، قتيبة بن سعيد فيما رواه ابن عدي١، ومن طريقه البيهقي٢.
وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه٣ وأنه ضعيف.
وفي هذا الإسناد علة أخرى، وهي الانقطاع بين ابن لهيعة وعمرو بن شعيب. فقد قال أبو حاتم: "لم يسمع ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب شيئاً"٤. وقال أبو داود: "إنما سمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب ثلاثة أشياء أو أربعة"٥.
стр. 353
وممن كان يرى أن ابن لهيعة لم يسمع من عمرو بن شعيب ابنُ وهب١.
وعبد الله بن لهيعة مدلِّس٢، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرّح فيه بالسماع٣.
ثانياً: أنه عبد الله بن عامر الأسلمي:
فقد رواه ابن ماجه٤، والبيهقي٥ كلاهما من طريق حبيب بن أبي حبيب عن عبد الله بن عامر الأسلمي به.
وعند البيهقي وقع ذكر مالك بين حبيب وعبد الله بن عامر.
وكذلك فقد ذكر الدارقطني أن حبيب بن أبي حبيب يرويه عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي٦.
وأيّاً كان فإن حبيب بن أبي حبيب وهو المصري كاتب مالك متكلّم فيه. فقال فيه أحمد: ليس بثقة. وقال أيضاً: كان يكذب. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال: أحاديثه كلها موضوعة. وقال أيضاً:
стр. 354
عامة حديثه موضوع المتن مقلوب الإسناد ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيِّن في الكذب. وقال أبو داود: كان من أكذب الناس. وقال: كان يضع الحديث. وقال النسائي: متروك، أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره١.
فمما تقدم يتبين أن هذه الطريق لا عبرة بها. والله أعلم.
ثالثاً: أنه عمرو بن الحارث:
فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الدارقطني في غرائب مالك، والخطيب البغدادي رويا الحديث بإسنادهما عن الهيثم بن اليمان عن مالك عن عمرو بن الحارث عن عمرو ابن شعيب به٢.
ونقل عن الدارقطني قوله: "تفرد به الهيثم بن اليمان عن مالك عن عمرو بن الحارث، وقد رواه حبيب عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي، وقيل: عن ابن لهيعة، وهو في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب"٣.
والهيثم بن اليمان قال فيه أبو حاتم: صالح صدوق. وضعفه الأزدي٤.
هذه هي الأوجه التي وقفت عليها في المبهم الواقع في إسناد مالك. وأقواها هو الوجه الأول، وهو أنه ابن لهيعة، ولذا قال ابن عدي: "يقال إن مالكاً سمع هذا الحديث من ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، ولم يسمّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور"٥.
стр. 355
فمما سبق يتبين أن الحديث في الموطأ ضعيف؛ لأن فيه راوياً مبهماً، وأصح ما جاء في هذا المبهم بين مالك وعمرو بن شعيب أنه ابن لهيعة وهو ضعيف، ولم يسمعه من عمرو بن شعيب. والله أعلم.
وقد جاء هذا الحديث من غير طريق مالك، فقد رواه البيهقي١، وابن عبد البر٢ كلاهما من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري أبي موسى عن عاصم بن عبد العزيز عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب به.
وعاصم بن عبد العزيز، والحارث بن أبي ذباب تقدم الكلام فيهما٣. وأن عاصماً ضعيف، والحارث صدوق يهم.
وكذلك فإن في إسناد البيهقي محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، كذبه إبراهيم الأصبهاني. وقال ابن عدي: له أشياء أُنكرت عليه من الأحاديث، وكان مدلِّساً يدلِّس على ألوان، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب٤.
وقال الدارقطني: "مختلط مدلس يكتب عن بعض أصحابه ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة، وهو كثير الخطأ".
ووثقه الخطيب وغيره. وقال ابن طاهر: كان لا يكذب، ولكن يحمله الشره على أن يقول حدثنا. وقال الإسماعيلي: لا أتهمه، ولكنه خبيث التدليس ومصحّف أيضاً٥.
стр. 356
وقد تابعه محمد بن موسى الأثط كما عند ابن عبد البر، ولم أجد لمحمد بن موسى هذا ترجمة. والله أعلم.
والمشهور في هذا الباب حديث مالك، وقد سبق أن فيه راوٍ مبهمًا، وأصح ما قيل فيه أنه ابن لهيعة، وهو ضعيف ولم يسمع هذا الحديث من عمرو بن شعيب. والله أعلم.
стр. 357
دلالة الأحاديث السابقة:
بيع العربان، ويقال: عُرْبون، وعَرَبون١، وهو ما فسره به مالك حيث قال: "وذلك فيما نرى - والله أعلم - أن يشتري العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أُعطيك ديناراً أو درهماً أو أكثر من ذلك أو أقل على أنِّي إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك"٢.
وقد قال بالنهي عن بيع العربان أبو حنيفة٣، والشافعي٤، ومالك٥ وغيرهم، ورجحه ابن قدامة من الحنابلة٦.
وذلك لما في هذا البيع من بيع القمار والغرر والمخاطرة، وأكل المال بغير عوضٍ ولا هبة، وذلك باطل٧.
والممنوع عندهم هو أن يأخذ صاحب السلعة ما جعله المشتري عرباناً لها إذا ترك الشراء لها، وأما إذا أراد شراءها فحسب هذا العربان من ثمن السلعة، فهذا لا خلاف بينهم في جوازه٨.
стр. 358
وأما أحمد فلا يرى بأساً في بيع العربان١؛ لضعف الحديث الوارد في النهي عنه كما تقدم بيانه. واستدل بقصة عمر ﵁، والتي رواها عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ مولى عمر "أن نافع بن عبد الحارث اشترى داراً للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن عمر لم يرض فأربعمائة لصفوان". وقد سبق تخريج هذا الحديث٢.
وقد قال بهذا القول أيضاً في إجازة بيع العربان مجاهد وابن سيرين وغيرهما٣.
ومما يؤيد هذا القول أن البائع قد يتضرر بحبس السلعة إذا لم يشترها المشتري، فالثمن الذي قدمه المشتري عرباناً يكون عوضاً عن الضرر الذي لحق البائع من الحبس. والله أعلم.
ومن أسباب الخلاف في هذه المسألة بين الجمهور وأحمد، أن أحمد يجيز البيع بشرطٍ واحدٍ، والجمهور يمنعون منه كما سبق في الفصل السابق. والله أعلم.
стр. 359
الفصل الثالث: ما ورد في النهي عن بيعتين في بيعة
١٢٩ - (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة".
رواه الترمذي١، والنسائي٢، وأحمد٣، وابن الجارود٤، وابن حبان٥، والبيهقي٦، كلهم من طرقٍ عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عنه به.
قال الترمذي: "حديث حسنٌ غريبٌ".
ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه ابن معين: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرّةً عن أبي سلمة بالشيء من روايته ثم يحدث به مرةً أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
وقال مرّة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه وهو شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرّةً: ثقة. وقال يعقوب بن
стр. 360
شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به١. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق له أوهام"٢.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد حسن، وله شواهد تؤيده من حديث ابن عمرو وابن عمر ﵄ وغيرهما مما ذكر في هذا الفصل. فيكون الحديث بها صحيحاً لغيره. والله أعلم.
وروى الحديث أبو داود٣، وابن حبان٤، والحاكم٥، والبيهقي٦، كلهم من طرقٍ عن يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو بالإسناد السابق، إلا أنه بلفظ: "من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا". ومعنى أوكسهما: أنقصهما٧.
وقد خالف يحيى بن زكريا غيره في متن هذا الحديث، فإنه رواه عبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء٨. وذكر البيهقي٩ أنه تابعهم أيضاً إسماعيل بن جعفر، والدراوردي، ومعاذ بن معاذ. فهؤلاء كلهم خالفوا يحيى بن زكريا في
стр. 361
متن الحديث. ولذلك حكم المنذري١ والخطابي٢ على روايتهم بأنها هي المشهور. والله أعلم.
والذي يظهر لي أن ما رواه يحيى بن زكريا زيادة من ثقة لا تعارض غيرها، فينبغي قبولها، والله أعلم.
١٣٠ - (٢) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مطل الغنيّ ظلم، وإذا أُحلت على مليءٍ فاتبعه، ولا تبع بيعتين في بيعة".
رواه الترمذي٣، وابن ماجه٤ - مختصراً -، وأحمد٥، وابن الجارود٦، والطحاوي٧ - مختصراً -، والبيهقي٨، وابن عبد البر٩، كلهم من طرقٍ عن هشيم عن يونس بن عبيد عن نافع عنه به.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وعند أحمد ومن بعده تصريح هشيم بالسماع من يونس لهذا الحديث.
стр. 362
وأُعل هذا الحديث بالانقطاع بين يونس بن عبيد ونافع.
قال البوصيري: "هذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع"١، ثم ذكر قول أحمد وابن معين وأبي حاتم في إثبات الانقطاع بينهما، وسوف يأتي ذكر أقوالهم.
وقد أثبت هذا الانقطاع جمعٌ من العلماء، منهم: يحيى بن معين٢، وأحمد بن حنبل٣، وأبو حاتم٤، وأبو داود٥.
وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فقال: "ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد عن ابن نافع عن أبيه حديثاً"٦.
وأما أبو زرعة فقال: "أتوهم أن في حديثه شيئاً يدل على أنه سمع منه"٧.
فهؤلاء الأئمة منهم من صرّح بالانقطاع بين يونس ونافع، ومنهم من لم يجزم أو توقف.
وجاء في روايةٍ للطحاوي٨ تصريح يونس بن عبيد بالسماع من نافع حيث قال: "أخبرنا نافع"، وبهذه الرواية احتج الطحاوي على سماع
стр. 363
يونس من نافع، وحمل قول ابن معين في الحكم بالانقطاع بينهما على أنه خاصٌّ في جزءٍ من الحديث، وهو قوله: "مطل الغني ظلم"، وأما باقي الحديث فسماع. وقد ذكر الطحاوي عن شيخه إبراهيم بن أبي داود وهو ثقة١، أنه قال: قال لي يحيى بن معين في حديث يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر ﵄ "مطل الغني ظلم" قال يحيى: قد سمعته من هشيم، ولم يسمعه يونس من نافع. قال لنا ابن أبي داود: قلت ليحيى: لم يسمع يونس من نافع شيئاً؟ قال: بلى. ولكن هذا الحديث خاصة لم يسمعه يونس من نافع"٢.
وهذه الرواية عن ابن معين التي ساقها الطحاوي غايتها أن تكون قولاً لابن معين يثبت فيه سماع يونس من نافع، ولكن يبقى أن أحمد وأبا حاتم والبخاري وأبا داود كلهم نفوا سماعه منه، وهؤلاء من جهابذة أهل الفن. فقولهم مقدَّم على قول ابن معين وحده، كيف وابن معين قد اختلفت الرواية عنه في ذلك.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف لانقطاعه، إلا أن النهي عن بيع بيعتين في بيعة ثابت من حديث أبي هريرة ﵁ السابق٣، فيكون حسناً لغيره. والله أعلم.
стр. 364
١٣١ - (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة واحدة".
ورد هذا الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً وموقوفاً -:
الطريق الأولى: شريك عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه به مرفوعاً:
رواه أحمد١، والبزار٢، والشاشي٣، وابن عبد البر٤، كلهم من هذا الطريق.
وعند أحمد: قال سماك: "الرجل يبيع فيقول: هو بنَساءٍ بكذا وكذا، وهو بنقدٍ بكذا وكذا".
أما سماك بن حرب، فقال فيه ابن معين: ثقة. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وتكلم الثوري والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم في حديثه عن عكرمة خاصة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وهو كما قال أحمد. وقال النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء٥.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق"، وقال: "روايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخرة فكان ربما تلقّن"٦.
стр. 365
وأما شريك النخعي القاضي، فقد وثقه ابن معين وابن سعد. وقالا: كان يغلط. وقال أبو زرعة: كان كثير الخطأ صاحب حديث، وهو يغلط أحياناً. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال صالح جزرة: صدوق، ولما ولي القضاء اضطرب حفظه١.
وقد جعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق يخطئ كثيراً، وقد تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة"٢.
وكل من روى عنه هذا الحديث لم يذكر أنه سمع منه قبل الاختلاط.
وقد تابعه سعيد بن سماك بن حرب كما عند الطبراني في الأوسط٣ بلفظ: "لا تحل صفقتان في صفقة". إلا أن سعيداً هذا قال فيه أبو حاتم: "متروك الحديث"٤.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وسوف يأتي أنه منكر أيضاً، لأن المعروف في هذا الحديث أنه موقوف.
الطريق الثانية: شعبة عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه به موقوفاً:
رواه أحمد٥، والشاشي٦، وابن حبان٧، كلهم من هذا الطريق.
стр. 366
ولفظه عند أحمد: "لا تصلح سفقتان١ في سفقة"، وإن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه".
الطريق الثالثة: سفيان الثوري عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه به موقوفاً.
رواه ابن أبي شيبة٢، والبزار٣، وابن خزيمة٤، وابن حبان٥، والعقيلي٦، والطبراني في الكبير٧، كلهم من هذا الطريق.
ولفظ البزار: أن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يصلح صفقتان في صفقة". قال: "وأمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء".
ورواه عبد الرزاق٨ عن سفيان الثوري وإسرائيل عن سماكٍ به موقوفاً أيضاً، ولفظه: "الصفقتان في الصفقة رباً". وتابع عبد الرزاق عن إسرائيل وكيع بن الجراح كما عند محمد بن نصر المروزي٩.
стр. 367
الطريق الرابعة: أبو الأحوص عن سماك عن أبي عبيدة أو عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه موقوفاً:
رواه ابن أبي شيبة١، ومحمد بن نصر٢ من هذا الطريق. وقد تقدم أن سماكاً إنما يروي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.
وأبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم، ثقة متقن٣.
فهؤلاء أربعة من الثقات قد خالفوا شريكاً، وهم: شعبة، وسفيان الثوري، وإسرائيل، وأبو الأحوص، كلهم رووه عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه موقوفاً. وهؤلاء يقدمون على شريك لأنهم أحفظ وأضبط. وكذلك فقد نص يعقوب بن شيبة على أن رواية سفيان، وشعبة عن سماك كانت قبل اختلاطه٤.
فعلى هذا فإن المعروف في هذا الحديث هو الوقف، وأما الرفع فمنكر. وهذا الموقوف إسناده ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه إلا أحاديث يسيرة كما سيأتي إن شاء الله٥. والله أعلم.
стр. 368
١٣٢ - (٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صومين، وعن صلاتين، وعن لباسين، وعن مطعمين، وعن نكاحين، وعن بيعتين. فأما اليومان: فيوم الفطر ويوم الأضحى، وأما الصلاتان: فصلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس، وصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما اللباسان: فأن يحتبي في ثوبٍ واحدٍ ولا يكون بين عورته وبين السماء شيء فتدعى تلك الصماء، وأما المطعمان: فأن يأكل بشماله ويمينه صحيحة، ويأكل متكئاً، وأما البيعتان فيقول الرجل: تبيع لي وأبيع لك، وأما النكاحان فنكاح البغي، ونكاح على الخالة، والعمة".
رواه الطبراني في الكبير١، عن الحسين بن إسحاق التستري عن أبي المعافى محمد بن وهب الحرَّاني عن محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه به.
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"٢.
ومحمد بن سلمة هو الحراني، وهو ثقة٣.
وأبو عبد الرحيم هو خالد بن أبي يزيد الأموي مولاهم، وهو ثقة٤.
وزيد بن أبي أُنيسة ثقة له أفراد٥.
وأبو إسحاق هو السبيعي، ثقة إلا أنه مدلِّس٦، ولم يصرح بالسماع في هذا الإسناد.
стр. 369
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف لتدليس أبي إسحاق السبيعي. وكذلك فإن شيخ الطبراني في هذا الحديث وهو الحسين بن إسحاق التستري لم أقف على من وثقه، وقد خالفه النسائي، فقد روى في سننه الكبرى هذا الحديث١ عن محمد بن وهب الحراني عن محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم حدثني عبد الوهاب المكي عن أبي إسحاق به، وفيه النهي عن اللبستين فقط.
فعلى هذا فإن النسائي قد خالف الحسين بن إسحاق التستري في إسناده ومتنه. أما المخالفة في الإسناد، فإن في إسناد النسائي عبد الوهاب المكي بدلاً من زيد بن أبي أنيسة. وهذا الخلاف لا يضر؛ لكون زيد بن أبي أنيسة وعبد الوهاب بن بخت المكي كلاهما ثقة، إلا أنه مما يؤخذ على الحسين بن إسحاق لمخالفته للنسائي، وهو إمام حافظ. وأما المخالفة في المتن فإن في المتن الذي ساقه الحسين بن إسحاق زيادة على ما ذكر النسائي.
ويبقى أن في الإسناد عنعنة أبي إسحاق أيضاً. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٥) حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في بعض ألفاظه، وقد تقدم٢.
стр. 370
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيعتين في بيعة.
والذي يترجح في تفسيره أن يقول أحد المتبايعين للآخر: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها - والتي سوف يأتي الكلام فيها في فصلٍ مستقل إن شاء الله -، فإن هذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا. ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان في البيع١.
وأما تفسير سماك للبيعتين في بيعة - والذي سبق ذكره عند حديث ابن مسعود ﵁ وهو: "أن يبيع الرجل فيقول: هو بنَساءٍ كذا وكذا، وهو بنقدٍ بكذا وكذا"، أي ويتفرقا من غير تعيين أحد الثمنين، فقد ضعّف ابن القيم هذا التفسير وقال: "لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين"٢.
ومن العلماء من فسَّر البيعتين في بيعة بأن يقول الرجل مثلاً: بعتك هذا العبد بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير٣.
ويتطرَّق إلى هذا التعريف الاعتراض السابق بأن الربا لا يدخل في هذه الصورة، والرسول ﷺ قال - كما سبق -: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
стр. 371
وهناك تفسيرات أخرى للبيعتين في بيعة ذكرها ابن عبد البر١ وغيره. إلا أنها لا تخلو من اعتراض. والمشهور في تفسيره ما تقدم، والتفسير الأول هو الراجح.
ولا يعني أن الصور الأخرى التي ذكرت في تفسير الحديث أنها جائزة، بل قد تكون محرمة نتيجة لجهالة الثمن أو الغرر أو غير ذلك، ولكن الكلام هنا هو معرفة المراد بالبيعتين في بيعة التي نُهي عنها. والله أعلم.
стр. 372
المجلد الثاني
الباب الخامس: الأحاديث الواردة في النهي عن البيوع الربوية
الفصل الأول: ما ورد في النهي عن الربا والتحذير منه
...
الفصل الأول: ما ورد في النهي عن الربا والتحذير منه١
١٣٣ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
رواه البخاري٢، ومسلم٣، وأبو داود٤، والنسائي٥، كلهم من طرقٍ عن سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عنه به.
وأبو الغيث اسمه سالم مولى ابن مطيع كما قال أبو داود عقب إخراجه للحديث.
стр. 373
ورواه البزار١، وابن أبي حاتم٢ كلاهما من طريق أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ به. إلا أنه ذكر الانقلاب في الأعراب بعد هجرته بدلاً من السحر.
وعمر بن أبي سلمة ضعفه شعبة، وابن معين. وقال ابن معين في رواية: ليس به بأس. وقال ابن المديني: ليس بذاك. وقال أحمد: هو صالح ثقة إن شاء الله. وقال البخاري: "صدوق إلا أنه يخالف في بعض حديثه"٣. وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: "صدوق يخطئ"٤. فهو على هذا صالح للمتابعة. وقد جاء نحو هذا الحديث عن غير واحدٍ من الصحابة٥. والله أعلم.
وقوله: (الموبقات) هي الذنوب المهلكات٦.
١٣٤ - (٢) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرضٍ مقدَّسةٍ، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ وعلى وسط النهر رجلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجرٍ في فيه فردَّه حيث كان، فجعل
стр. 374
لما جاء ليخرج رمى في فيه بحجرٍ فيرجع كما كان. فقلت: ما هذا؟ قال: الذي رأيته في النهر آكل الربا".
رواه البخاري بهذا اللفظ١. وهو قطعة من حديثٍ طويل رواه البخاري في مواضع من صحيحه٢. وقد رواه بطوله أيضاً النسائي في الكبرى٣، وأحمد٤، ورواه مختصراً - وليس فيه محل الشاهد - مسلم٥، والترمذي٦، كلهم من طرقٍ عن أبي رجاء العطاردي عنه به.
قال ابن هبيرة: إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة، لأن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر، وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئاً، وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه يمحقه٧. والله أعلم.
١٣٥ - (٣) عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله. قال - أي مغيرة -: قلت: وكاتبه وشاهديه؟ قال - أي إبراهيم النخعي -: إنما نحدِّث ما سمعنا".
стр. 375
رواه مسلم١ واللفظ له، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، كلهم من طرقٍ عنه به.
وزاد أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه: "وكاتبه".
وزادوا أيضاً - عدا النسائي -: "وشاهديه".
وهذه الزيادة جاءت من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وقد اختلف في سماعه منه. فنفى ابن معين في رواية سماعه منه، وأثبته في رواية، وكذلك أثبته أبو حاتم والثوري وغيرهما. وتوسَّط ابن المديني، فأثبت سماعه منه في حديثين فقط - ليس منهما هذا الحديث -٧، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلِّسين٨ الذين يشترط تصريحهم بالسماع. فعلى هذا فلا يقبل من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه إلا ما صرح فيه بالسماع. وقد تتبع الحافظ ذلك فذكر أنها أربعة أحاديث فقط أحدها موقوف٩.
وقد توبع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وذلك فيما رواه النسائي١٠، وابن أبي شيبة١١، وأحمد١٢، كلهم من طرقٍ عن الحارث الأعور عن
стр. 376
ابن مسعود ﵁ به. والحارث الأعور تقدم الكلام فيه١، وأن في حديثه ضعفًا.
فعلى هذا فهو صالح للمتابعة. فتكون هذه الزيادة من هذين الطريقين وكذلك بشاهدها وهو حديث جابر ﵁ تكون حسنة.
وروى هذا الحديث ابن خزيمة٢، والحاكم٣ كلاهما من طريق يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁ به. ويحيى بن عيسى الرملي ضعفه ابن معين. وقال أحمد: ما أقرب حديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي٤.
وقد خالفه سفيان الثوري كما عند أحمد٥، ووكيع عند ابن أبي شيبة٦، وشعبة عند أحمد٧ والنسائي٨، فإنهم كلهم رووه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث الأعور عن ابن مسعود ﵁. وهو المحفوظ من حديث الأعمش لاتفاق هؤلاء الأئمة عليه. وسوف يأتي مزيد من الحديث عن طريق الحارث الأعور هذه عند الكلام على حديث علي رضي الله عنه٩ والله أعلم.
стр. 377
١٣٦ - (٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم سواء".
رواه مسلم١ واللفظ له، وأحمد٢، وأبو يعلى٣، كلهم من طرقٍ عن هشيم عن أبي الزبير عنه به.
ورواه البزار٤، والترمذي٥ - مختصراً - من طريق مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي عن جابر بن عبد الله وعن الحارث عن علي ﵃ – به.
ولفظ البزار: عن النبي ﷺ "أنه لعن عشرة: آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والواشمة والموشومة ومانع الصدقة والمحل والمحلل له".
وقد أعل الترمذي هذا الإسناد بمجالد بن سعيد. ومجالد قد تكلم فيه. فقد ضعفه القطان، وابن سعد، وابن معين. وقال أحمد: ليس بشيء، يرفع حديثاً كثيراً لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس. وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي٦.
وجعله ابن حجر في هذه المرتبة أيضاً، وزاد: "وقد تغيَّر في آخر عمره"٧.
стр. 378
وسوف يأتي في حديث عليّ رضي الله عنه١ أن المحفوظ في حديث الشعبي هو أنه عن الحارث الأعور عن علي ﵁ والله أعلم.
١٣٧ - (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه ومانع الصدقة، وكان ينهى عن النوح".
رواه النسائي٢ واللفظ له، وعبد الرزاق٣، وأحمد٤، والبزار٥. ورواه أبو داود٦ وابن ماجه٧ - مختصراً - وليس فيه محل الشاهد - كلهم من طرقٍ عن الشعبي عن الحارث الأعور عنه به.
وقد رواه عن الشعبي جماعة فذكروه عن الحارث عن علي رضي الله عنه٨. وقد سبق عند ذكر حديث ابن مسعود ﵁ في هذا الفصل أن الأعمش رواه عن عبد الله بن مُرَّة عن الحارث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً بنحوه. ولعل هذا الاضطراب ناتج من الحارث الأعور فإنه ضعيف كما تقدم. ولعل المحفوظ من حديثه هو أنه عن ابن مسعود ﵁ لمتابعة غيره له في الرواية عن ابن مسعود ﵁، وأما حديثه عن علي ﵁ فلم يتابع عليه. والله أعلم.
стр. 379
١٣٨ - (٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الربا ثلاثة وسبعون باباً".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، والبزار٢ كلاهما من طريق عمرو بن علي الفلاَّس عن ابن أبي عدي عن شعبة عن زُبيد عن إبراهيم عن مسروق عنه به.
وزاد البزار: "والشرك مثل ذلك".
وظاهر هذا الإسناد الصحة، فإن رواته كلهم ثقات، ولذا صححه البوصيري٣. إلا أنه قد اختلف على زبيد، فرواه عبد الرزاق٤، وعبد الرحمن بن مهدي٥ كلاهما عن الثوري عن زبيد به موقوفاً من قول ابن مسعود ﵁ بنحو لفظ البزار. ورواه النضر بن شميل عن شعبة عن زبيدٍ به موقوفاً أيضاً٦.
ورواه أيضاً عبد الرزاق٧، وابن أبي شيبة٨، كلاهما من طريق الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود ﵁ قوله. ولفظ عبد الرزاق: "الربا بضعة وسبعون باباً، أهونها كمن أتى أُمَّه في الإسلام". ولفظ ابن أبي شيبة نحو لفظ البزار. وهذا الإسناد صحيح أيضاً.
стр. 380
ورواه عبد الرزاق١ أيضاً عن معمر عن عطاء الخراساني عن رجلٍ عن ابن مسعود قوله بنحوه. وفي إسناده مبهم.
فعلى هذا فإن المحفوظ في هذا الحديث الوقف. وأما رواية ابن أبي عدي عن شعبة والتي فيها الرفع فشاذة.
وقد روى هذا الحديث الحاكم٢ بإسناده عن محمد بن غالب تمتام عن عمرو بن علي الفلاس به بلفظ ابن ماجه، وزاد: "أيسرها مثل أن ينكح الرجل أُمَّه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وقد رواه البيهقي من طريق الحاكم ثم قال: "هذا إسناد صحيح والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهماً، وكأنه دخل لبعض رواته إسنادٌ في إسناد"٣.
وإسناد ومتن الحاكم فيه ملاحظتان:
الأولى: وهي ما سبق من أن المحفوظ عن ابن مسعود ﵁ في هذا الحديث الوقف.
الثانية: وهي التي أشار إليها البيهقي وهي نكارة المتن. فقد خالف محمد بن غالب ابن ماجه والبزار في زيادته التي زادها وهو ليس ممن يحتمل تفرده إذا خالف.
стр. 381
فإن محمد بن غالب هذا وثقه الدارقطني وقال: وهم في أحاديث. وقال ابن المنادي: كتب عنه الناس ثم رغب أكثرهم عنه لخصالٍ شنيعةٍ في الحديث وغيره. ووثقه ابن حبان١.
والاحتمال الذي ذكره البيهقي وهو أن يكون دخل لبعض رواته إسنادٌ في إسناد يشهد له ما ذكره الدارقطني في شأن محمد بن غالب، فإنه ذكر له نحو ما وقع له في هذا الحديث من إدخال إسناد حديثٍ في متن حديثٍ آخر٢.
ويشهد لهذا أيضاً أن البيهقي٣ روى بإسناده عن محمد بن غالب تمتام حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، وهو بالمتن الذي ساقه الحاكم. فهذا يؤيد أن محمد بن غالب دخل عليه متن حديث أبي هريرة ﵁ في إسناد حديثه عن ابن مسعود ﵁.
فمما سبق يتبين أن هذا المتن الذي ساقه الحاكم منكرٌ مرفوعاً. وقد سبق أن متنه ثابت عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً كما عند عبد الرزاق وغيره، والله أعلم.
وقد جاء لحديث ابن مسعود ﵁ شواهد منها:
أولاً: حديث أبي هريرة ﵁:
رواه ابن ماجه٤، والبيهقي في الشعب٥، كلاهما من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عنه به. ولفظ ابن ماجه: "الربا سبعون حوباً، أيسرها أن ينكح الرجل أُمّه".
стр. 382
وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السِّندي المدني، ضعفه يحيى بن سعيد، وابن سعد، وأبو داود، والنسائي. وقال أحمد: حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به. وقال ابن معين: كان أُمِّيّاً ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صالح لين الحديث محله الصدق. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن المديني: كان ضعيفاً ضعيفاً، وكان يحدث عن محمد بن قيس، وعن محمد بن كعب بأحاديث صالحة، وكان يحدث عن نافع، وعن المقبري بأحاديث منكرة١.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "ضعيف، سنَّ واختلط"٢.
وحديثه هذا عن المقبري لم يتابعه عليه أحدٌ ممن يعتبر به، وهو شاهد لقول ابن المديني السابق فيه.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. وممن ضعفه البوصيري٣.
وقد توبع أبو معشر متابعة قاصرةً، إلا أن هذه المتابعة ضعيفة جداً، فقد رواه ابن أبي شيبة٤ بإسناده عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عنه به. فقال: "عن جده" بدلاً "عن أبيه". وعبد الله بن سعيد المقبري تركه أحمد، والفلاس، والدارقطني. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة٥.
стр. 383
وقد جاء الحديث من وجهٍ آخر أيضاً. فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير١، والعقيلي٢، والبيهقي٣ كلهم من طريق عبد الله بن زياد عن عكرمة بن عمار عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ به بنحوه مرفوعاً.
وعبد الله بن زياد منكر الحديث كما قال البخاري. إلا أنه قد تابعه النضر بن محمد - وهو ثقة٤ - كما عند ابن الجارود٥ والبغوي٦ بإسنادٍ صحيحٍ عنه.
وتابعهما أيضاً عفيف بن سالم الموصلي - وهو صدوق٧ - كما عند ابن عدي٨ والبيهقي٩.
وخالفهم أحمد بن إسحاق الحضرمي، فقد رواه العقيلي١٠ بإسناده عنه عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام ﵁ موقوفاً عليه.
وأحمد بن إسحاق الحضرمي ثقة١١.
стр. 384
ورواه عبد الرزاق١ موقوفاً أيضاً على عبد الله بن سلام ﵁ وذلك من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: "الربا اثنان وسبعون حوباً، أصغرها حوباً كمن أتى أُمَّه في الإسلام، ودرهم من الربا أشدُّ من بضعٍ وثلاثين زنية"٢.
وعطاء الخراساني وإن لم يسمع من عبد الله بن سلام رضي الله عنه٣ إلا أنه يؤيد أن الحديث من قول عبد الله بن سلام ﵁ من هذا الطريق، وهذا الذي رجحه الإمام البخاري٤.
ولعلّ الاضطراب الواقع في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ ناشئ من اضطراب عكرمة بن عمار في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، فإنه كان يضطرب في حديثه٥.
وقد ذكر أبو حاتم أن الأوزاعي روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباسٍ قوله. قال أبو حاتم: هذا أشبه٦. ويحيى لم يسمع أحداً من الصحابة٧ فهو منقطع.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف أيضاً. والله أعلم.
стр. 385
ثانياً: حديث البراء بن عازب ﵁ مرفوعاً:
رواه الطبراني في الأوسط١ من طريق معاوية بن هشام عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه به. ولفظه: "الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل إتيان الرجل أُمَّه، وأربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا عمر بن راشد، ولا رواه عن عمر بن راشد إلا معاوية بن هشام، ولا يروى عن البراء إلا بهذا الإسناد".
وقد تابع معاوية بن هشام عبد الرزاق٢، إلا أنه رواه عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن رجلٍ من الأنصار عن النبي ﷺ بنحوه.
ورواه محمد بن يوسف الفريابي عن عمر بن راشد عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن البراء به بمثله مرفوعاً. رواه ابن أبي حاتم٣، ثم نقل عن أبيه أنه قال: "هو مرسل، ولم يدرك يحيى ولا إسحاق البراء بن عازب ﵁". وعلى قول أبي حاتم يكون هذا الإسناد معضلاً.
ويظهر لي أن هذا الاضطراب في الإسناد هو من قبل عمر بن راشد، فإنه كان ضعيفاً، ولا سيما في حديثه عن يحيى بن أبي كثير. فقد قال فيه أحمد: حدث عن يحيى ابن أبي كثير بأحاديث مناكير. وقال البخاري: حديثه عن يحيى مضطرب٤.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد منكر. والله أعلم.
стр. 386
ثالثاً: حديث أنس ﵁:
رواه ابن الجوزي١ بإسناده عن طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عنه به. ولفظه: "الربا سبعون باباً، أهون بابٍ منه الذي يأتي أمَّه في الإسلام وهو يعرفها، وإن من أربى الربا خرق المرء عرض أخيه، وخرق عرض أخيه أن يقول فيه ما يكره من مساويه، والبهتان أن يقول فيه ما ليس فيه".
وطلحة بن زيد هو أبو مسكين القرشي. اتهمه بالوضع ابن المديني، وأحمد، وأبو داود. وقال البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال النسائي أيضاً: "ثنا أبو فروة - محمد بن يزيد - عن أبيه عن طلحة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بأحاديث مناكير"٢.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذا الإسناد لشدة ضعفه. والله أعلم.
رابعاً: حديث عائشة ﵂:
رواه أبو نعيم٣ ومن طريقه ابن الجوزي٤ من طريق سوار بن مصعب عن ليث وخلف بن حوشب عن مجاهدٍ عنها به.
وسوار بن مصعب هو الهمداني أبو عبد الله الكوفي. قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس بثقة. وقال النسائي وغيره: متروك٥.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذا الإسناد أيضاً لشدة ضعفه. والله أعلم.
стр. 387
هذه هي الشواهد التي وقفت عليها في هذا الحديث. وتبين لي أن الحديث لا يصح مرفوعاً من جهة الإسناد، وإنما صحّ موقوفاً عن ابن مسعود ﵁. والله أعلم.
وقد أعلّه ابن الجوزي أيضاً من جهة نكارة المتن، فقال: "واعلم أن مما يرد صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمةٍ لا تتعدى ارتكاب نهيٍ. فلا وجه لصحة هذا"١.
١٣٩ - (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تُرى من خارج بطونهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا".
رواه ابن ماجه٢ واللفظ له، وأحمد٣، وأبو القاسم الأصبهاني٤، كلهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عنه به.
وعلي بن زيد بن جدعان تقدم٥ أنه ضعيف.
وأبو الصلت قال فيه الذهبي: لا يعرف٦. وقال ابن حجر: مجهول٧.
стр. 388
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وأيضاً فإن حديث الإسراء الطويل خرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس ﵁ وغيره. ولم يذكر فيه ما جاء في هذا الحديث.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف. وممن ضعفه البوصيري١. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٨) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٢.
стр. 389
الفصل الثاني: ما ورد في الربا في الذهب والفضة والبر والشعير والملح والتمر
١٤٠ - (١) عن مالك بن أوسٍ: أنه التمس صرفاً بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا، حتى اصطرف منِّي، فأخذ الذهب يقلِّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالورِق١ رباً إلاّ هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء".
أخرجه مالك٢ عن ابن شهاب به وهذا لفظه، ومن طريقه أخرجه البخاري٣، وأبو داود٤، والشافعي٥، وعبد الرزاق٦، وأحمد٧، وابن حبان٨، والبغوي٩.
стр. 390
وأخرجه أيضاً البخاري١، ومسلم٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، والشافعي٦، وعبد الرزاق٧، والحميدي٨، وابن أبي شيبة٩، وأحمد١٠، والدارمي١١، والبزار١٢، وابن الجارود١٣، وابن حبان١٤، والبيهقي١٥، كلهم من طرقٍ عن ابن شهاب الزهري به.
وقال الحميدي: قال سفيان: وهذا أصحُّ حديثٍ روي عن النبي ﷺ في هذا - يعني في الصرف -.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
قوله: "التمس صرفاً" الصَّرف: هو بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب. وفي تسميته صرفاً قولان: