ثالثاً: حديث أنس ﵁:
رواه ابن الجوزي١ بإسناده عن طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عنه به. ولفظه: "الربا سبعون باباً، أهون بابٍ منه الذي يأتي أمَّه في الإسلام وهو يعرفها، وإن من أربى الربا خرق المرء عرض أخيه، وخرق عرض أخيه أن يقول فيه ما يكره من مساويه، والبهتان أن يقول فيه ما ليس فيه".
وطلحة بن زيد هو أبو مسكين القرشي. اتهمه بالوضع ابن المديني، وأحمد، وأبو داود. وقال البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال النسائي أيضاً: "ثنا أبو فروة - محمد بن يزيد - عن أبيه عن طلحة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بأحاديث مناكير"٢.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذا الإسناد لشدة ضعفه. والله أعلم.
رابعاً: حديث عائشة ﵂:
رواه أبو نعيم٣ ومن طريقه ابن الجوزي٤ من طريق سوار بن مصعب عن ليث وخلف بن حوشب عن مجاهدٍ عنها به.
وسوار بن مصعب هو الهمداني أبو عبد الله الكوفي. قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس بثقة. وقال النسائي وغيره: متروك٥.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذا الإسناد أيضاً لشدة ضعفه. والله أعلم.
стр. 387
هذه هي الشواهد التي وقفت عليها في هذا الحديث. وتبين لي أن الحديث لا يصح مرفوعاً من جهة الإسناد، وإنما صحّ موقوفاً عن ابن مسعود ﵁. والله أعلم.
وقد أعلّه ابن الجوزي أيضاً من جهة نكارة المتن، فقال: "واعلم أن مما يرد صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمةٍ لا تتعدى ارتكاب نهيٍ. فلا وجه لصحة هذا"١.
١٣٩ - (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تُرى من خارج بطونهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا".
رواه ابن ماجه٢ واللفظ له، وأحمد٣، وأبو القاسم الأصبهاني٤، كلهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عنه به.
وعلي بن زيد بن جدعان تقدم٥ أنه ضعيف.
وأبو الصلت قال فيه الذهبي: لا يعرف٦. وقال ابن حجر: مجهول٧.
стр. 388
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وأيضاً فإن حديث الإسراء الطويل خرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس ﵁ وغيره. ولم يذكر فيه ما جاء في هذا الحديث.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف. وممن ضعفه البوصيري١. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٨) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٢.
стр. 389
الفصل الثاني: ما ورد في الربا في الذهب والفضة والبر والشعير والملح والتمر
١٤٠ - (١) عن مالك بن أوسٍ: أنه التمس صرفاً بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا، حتى اصطرف منِّي، فأخذ الذهب يقلِّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالورِق١ رباً إلاّ هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء".
أخرجه مالك٢ عن ابن شهاب به وهذا لفظه، ومن طريقه أخرجه البخاري٣، وأبو داود٤، والشافعي٥، وعبد الرزاق٦، وأحمد٧، وابن حبان٨، والبغوي٩.
стр. 390
وأخرجه أيضاً البخاري١، ومسلم٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، والشافعي٦، وعبد الرزاق٧، والحميدي٨، وابن أبي شيبة٩، وأحمد١٠، والدارمي١١، والبزار١٢، وابن الجارود١٣، وابن حبان١٤، والبيهقي١٥، كلهم من طرقٍ عن ابن شهاب الزهري به.
وقال الحميدي: قال سفيان: وهذا أصحُّ حديثٍ روي عن النبي ﷺ في هذا - يعني في الصرف -.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
قوله: "التمس صرفاً" الصَّرف: هو بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب. وفي تسميته صرفاً قولان:
стр. 391
أحدهما: لصرفه عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض والبيع نساءً.
والثاني: من صريفهما وهو تصريفهما في الميزان، فإن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة سمي مراطلةً١.
قوله: "فتراوضنا" أي تجاذبنا في البيع والشراء، وهو ما يجري بين المتبايعين من الزيادة والنقصان، كأن كل واحدٍ منهما يروض صاحبه من رياضة الدابة، وقيل: هي المواصفة بالسلعة، وهو أن تصفها وتمدحها عنده٢.
قوله: "فأخذ الذهب يقلبها" قال الحافظ ابن حجر: أي الذهبة، والذهب يذكر ويؤنث، فيقال ذهب وذهبة، أو يحمل على أنه ضمن الذهب معنى العدد المذكور وهو المائة فأنثه لذلك٣.
قوله: "حتى يأتي خازني" جاء في رواية مسلم "ثم ائتنا إذا جاء خادمنا".
قوله: "الغابة" هي موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة٤.
قوله: "إلا هاء وهاء" قال البغوي: أراد يداً بيد، وقال: معناه: هاك وهات، أي: خذ وأعطِ٥.
وهذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ جاء أيضاً من غير طريق مالك بن أوس الحدثاني، وبذلك يعلم أن حديث عمر بن الخطاب لا يمكن
стр. 392
تعليله بأنه لا يعرف عن عمر عن رسول الله ﷺ هذا الكلام مرفوعاً من غير حديث مالك بن أوس عن عمر عنه. وقد ذكر ابن جرير الطبري أن قوماً ربما ضعفوا الحديث بسبب هذا١، ولكن لم يجب ابن جرير عن هذا التعليل، ونحن نجيب عنه بأمرين:
الأول: أن الحديث على احتمال أنه فَرْد، فهو صحيح الإسناد احتج به مالك، وأصحاب الصحيح.
الثاني: أن الحديث لم ينفرد به مالك بن أوس عن عمر بن الخطاب ﵁، بل تابعه غيره عن عمر ﵁، ووقفت من ذلك على طريقين أحدهما صحيح، والآخر مُعَل، وهما:
الطريق الثانية٢: ضمرة بن سعيد المازني عن أبي سعيد الخدري عنه به:
رواه الحميدي٣ قال ثنا سفيان به. قال سفيان بن عيينة: إني لا أحفظ شيئاً فيه - أي من لفظه - إلا أنه نحو مما يحدث الناس عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في "الذهب بالذهب مثلاً بمثلٍ، والورق بالورق مثلاً بمثل".
وهذا إسناد صحيح متصل. وضمرة بن سعيد المازني هو ابن أبي حَنَّة الأنصاري المدني، ثقة٤.
وقد سمع أبو سعيد الخدري هذا الحديث أيضاً من النبي ﷺ بلا واسطة كما سيأتي بيان حديثه - إن شاء الله -.
стр. 393
الطريق الثالثة: عبد الله بن حنين عن عبد الله بن عمر عن أبيه به:
رواه الطحاوي١ بإسناده عن ابن لهيعة عن أبي النضر به. ولفظه: أن رجلاً من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر ﵄: أن ابن عباس ﵄ قال وهو علينا أمير: "من أُعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها"، فقال عبد الله بن عمر ﵄: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، وزناً بوزن، مثلاً بمثل، فمن زاد فهو ربا". وقال ابن عمر: إن كنت في شك فسل أبا سعيد الخدري عن ذلك. فسأله فأخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ".
وهذا الإسناد فيه علتان:
الأولى: ابن لهيعة، وقد سبق٢ أنه ضعيف.
الثانية: أن المحفوظ عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ النهي عن الصرف - موقوفاً -، وذلك من طرقٍ كثيرة ليس فيها الرفع٣. وعبد الله بن عمر ﵄ لم يكن بلغه النهي عن الصرف عن النبي ﷺ ، ولذلك كان يفتي بإباحته كمذهب ابن عباس حتى حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصرف إلا مثلاً بمثل، فرجع عبد الله بن عمر
стр. 394
عن قوله، ولو كان بلغه عن أبيه أن النبي ﷺ نهى عن ذلك لما ذهب إلى إباحته. وقد روى البيهقي١ بإسنادٍ عن نافع قال: "كان ابن عمر يحدث عن عمر في الصرف، ولم يسمع فيه من النبي ﷺ شيئاً".
وقوله: يحدث عن عمر: أي "موقوفاً" كما تقدّم.
وعلى هذا فالمعروف في هذه الطريق الوقف، وأما الرفع فمنكر. والله أعلم.
١٤١ - (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز".
ورد هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ من طرق:
الطريق الأولى: نافع عنه به.
رواه البخاري٢، ومسلم٣ واللفظ المذكور لهما، والترمذي٤، والنسائي٥، ومالك٦، والشافعي٧، وعبد الرزاق٨، وابن أبي
стр. 395
شيبة١، وأحمد٢، وأبو يعلى٣، وابن الجارود٤، وابن حبان٥، كلهم من طرقٍ عن نافع به.
قال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه الطحاوي٦ بإسناده عن ابن أبي روّاد٧ عن نافعٍ عن ابن عمر عن أبي سعيد ... " الحديث بنحوه. فذكر عبد الله بن عمر بين نافع وأبي سعيد.
وقد تابع ابنَ أبي روّاد خصيف بن عبد الرحمن كما عند الطبراني٨.
وخالفهما مالك٩، وعبيد الله بن عمر١٠، وأيوب١١، وابن عون١٢، ويحيى الأنصاري١٣، وغيرهم١٤، كلهم يروونه عن نافع عن أبي سعيد به، وهو المعروف.
стр. 396
ورواية ابن أبي روّاد وخصيف منكرة، وقد كان ابن أبي روّاد يحدث عن نافعٍ بالمناكير١. ورواية خصيف من طريق عتاب بن بشير الجزري عنه. وقد قال أحمد في عتاب هذا: أحاديث عتاب عن خصيف منكرة. وقال ابن عدي: روى عن خصيف نسخة فيها أحاديث أنكرتها٢.
وقد كان نافع مع ابن عمر ﵄ حين حدثه أبو سعيد ﵁ بهذا الحديث، فلعله اشتبه على من رواه عن نافع عن ابن عمر عن أبي سعيد فظنّ أن نافعاً يرويه عن ابن عمر - والله أعلم -.
وأمّا سالم بن عبد الله بن عمر فلم يسمع من أبي سعيد هذا الحديث، وإنما سمعه من أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵃ كما رواه البخاري٣، وقد تفرّد به.
وروى الطحاوي٤ هذا الحديث بإسنادٍ صحيح عن نافع قال: مشى عبد الله بن عمر إلى رافع بن خديج في حديث بلغه عنه في شأن الصرف ... " الحديث بنحو حديث نافع عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو مقلوب. فإن الحديث عن أبي سعيد الخدري كما في الطرق الأخرى عن نافع وابن عمر، وليس عن رافع بن خديج ﵁، والله أعلم.
стр. 397
وقوله: "لا تشفوا" أي لا تفضِّلوا، والشف أيضاً من النقصان، فهو من الأضداد١، وقد جاء في روايةٍ لأحمد٢: "لا تفضِّلوا".
وقوله: "بناجز" أي حاضراً، يقال نجز ينجز نجزاً إذا حصل وحضر، وأنجز وعده إذا أحضره٣.
الطريق الثانية: أبو سلمة بن عبد الرحمن عنه به:
أخرجه البخاري٤، ومسلم٥، والنسائي٦، وابن ماجه٧، والطيالسي٨، وابن أبي شيبة٩، وأحمد١٠، والطحاوي١١، والبيهقي١٢، كلهم من طرقٍ به.
وفي رواية لأحمد١٣ جاء ذكر محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مقروناً بأبي سلمة.
стр. 398
ولفظ البخاري: عن أبي سعيد قال: كنا نرزق تمر الجمع - وهو الخِلط من التمر -، وكنّا نبيع صاعين بصاعٍ، فقال النبي ﷺ : "لا صاعين بصاعٍ، ولا درهمين بدرهم".
وتمر الجَمْع: هو كلُّ لونٍ من النخيل لا يعرف اسمه فهو جمع، وقيل: الجَمْع تمر مختلط من أنواعٍ متفرِّقة، وليس مرغوباً فيه، وما يخلط إلا لرداءته١.
الطريق الثالثة: يحيى بن أبي كثير عن عقبة بن عبد الغفار عنه به.
رواه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، وأحمد٥، كلهم من طرقٍ به.
ولفظ البخاري: عن أبي سعيد قال: جاء بلالٌ إلى النبي ﷺ بتمرٍ برني، فقال له النبي ﷺ : من أين هذا؟ قال بلال: كان عندي تمرٌ رديء، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ عند ذلك: "أوَّه، أوَّه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر ثم اشتر به".
وقوله "أَوَّه" هي كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجُّع٦.
الطريق الرابعة: أبو نضرة عنه به:
عن أبي نضرة قال: "سألت ابن عباسٍ عن الصرف، فقال: أَيداً بيدٍ؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس به. فأخبرت أبا سعيدٍ،
стр. 399
فقلت: إني سألت ابن عباسٍ عن الصرف، فقال: أيداً بيد؟ قلت: نعم. قال فلا بأس به. قال: أَوَ قال ذلك! إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. قال: فوالله لقد جاء بعض فتيان رسول الله ﷺ بتمرٍ فأنكره، فقال: كأنّ هذا ليس من تمر أرضنا؟ قال: كان في تمر أرضنا - أو في تمرنا - العام بعض الشيء، فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة. فقال: أَضعفت، أَربيت، لا تقربنّ هذا، إذا رابك من تمرك شيءٌ فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر".
رواه مسلم١ وهذا لفظه، وأحمد٢، وأبو يعلى٣، والطحاوي٤ - مختصراً -. كلهم من طرقٍ به.
وفي لفظ لمسلم: "هذا الربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذه".
ورواه مسلم والبيهقي٥ عن أبي نضرة قال: "سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأساً ... " الحديث بنحوه. وفي آخره يقول أبو نضرة: فأتيت ابن عمر بعدُ فنهاني، ولم آت ابن عباسٍ، قال: فحدَّثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه".
стр. 400
الطريق الخامسة: سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة به.
رواه مالك١ عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيدٍ به، ومن طريق مالك أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤.
ولفظ مالك: عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمرٍ جنيب، فقال رسول الله ﷺ : "أكلُّ تمر خيبر هكذا"؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً". وزاد البخاري ومسلم: "وكذلك الميزان".
والجنيب، نوع جيِّد من أنواع التمر٥.
ومن غير طريق مالك أخرجه أيضاً البخاري٦، ومسلم٧، والدارمي٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠، كلهم من طرقٍ عن
стр. 401
عبد المجيد بن سهيل به. ولفظهم نحو لفظ مالك، وقد وقع عندهم تسمية الرجل الذي استعمله النبي ﷺ على خيبر بأنه أخو بني عدي الأنصاري، وعند الدارقطني: "سواد بن غزية أخو بني عدي الأنصاري".
وقيل إن الرجل هو مالك بن صعصعة، وذلك لما رواه الخطيب بإسناده عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ كان يبعثه إلى تمر خيبر يستوفيه، فأتاه مالك بتمرٍ طيب، فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذا التمر يا مالك"؟ قال: استطبته لك، الصاع بالصاعين، قال: "لا تعودنَّ لذلك، الصاع بالصاع، والدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم" ١. وفي إسناد الخطيب فليح بن سليمان، وقد تقدم الكلام فيه وأنه: صدوق كثير الخطأ٢.
قال الحافظ ابن حجر: لعلها قصة أخرى٣.
وروى الحديث من هذه الطريق أيضاً، النسائي٤، وأبو داود الطيالسي٥، وأحمد٦، وأبو يعلى٧، والطحاوي٨، وابن حبان٩، كلهم من طرقٍ عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن
стр. 402
أبي سعيد الخدري وحده. ولفظ أحمد: أن رسول الله ﷺ أُتي بتمرٍ ريَّان وكان تمر نبي الله ﷺ تمراً بعلاً فيه يبس، فقال: أنّى لكم هذا التمر؟ فقالوا هذا تمرٌ ابتعنا صاعاً بصاعين من تمرنا. فقال النبي ﷺ : "لا يصلح ذلك، ولكن بع تمرك ثم ابتع حاجتك".
والبَعْل: هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقي سماءٍ ولا غيرها١.
ورواه الدارقطني٢ أيضاً بإسناده عن محمد بن إسماعيل الجعفري عن عبد الله بن سلمة٣ بن أسلم عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة به. ولم يذكر لفظه.
وهذا الإسناد لا يعتبر به؛ فإن محمد بن إسماعيل الجعفري قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث يتكلمون فيه. وقال أبو نعيم: متروك٤.
وأما عبد الله بن سلمة بن أسلم فقد ضعفه الدارقطني وغيره، وقال أبو نعيم: متروك٥. وأما سلمة بن أسلم فلم أعرفه. والله أعلم.
ومما تقدم من الروايات تبين أن جميعها تلتقي في سعيد بن المسيب، وذلك من رواية عبد المجيد بن سهيل وقتادة عنه.
стр. 403
ورواه البخاري تعليقاً١ عن الدراوردي عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة به. ووصله الدارقطني٢ وابن عبد البر٣.
قال ابن عبد البر: لا نعرفه بهذا الإسناد هكذا إلا من حديث الدراوردي٤.
والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد، وَثَّقه مالك وابن معين، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث يغلط. وقال أحمد: كان معروفاً بالطلب وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهم. وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر.
وقال أبو زرعة: سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان يخطئ٥.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ٦.
ويظهر لي أنه أخطأ في هذا الحديث، وذلك أن غيره من الرواة ومنهم مالك رووه عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن
стр. 404
المسيب، فمخالفة الدراوردي تعتبر شذوذاً لما سبق من حاله، فلعله انقلب عليه سعيد بن المسيب إلى أبي صالح كما ينقلب عليه عبد الله بن عمر إلى عبيد الله بن عمر، وعبد المجيد بن سهيل لم يكن بالواسع في الرواية حتى يقال حدث عن كليهما١. والله أعلم.
الطريق السادسة: أبو المتوكل الناجي عنه به:
رواه مسلم٢، والنسائي٣، والطيالسي٤، وأحمد٥، وعبد بن حميد٦، وأبو يعلى٧، وابن الجارود٨، كلهم من هذه الطريق.
ولفظ مسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
وأبو المتوكل هو علي بن داود، ويقال: ابن دؤاد البصري٩.
стр. 405
الطريق السابعة: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه به:
رواه مسلم١، والطيالسي٢، وأحمد٣، والطحاوي٤، كلهم من هذه الطريق.
ولفظ مسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل سواءً بسواءٍ".
وقد تابع سهيل بن أبي صالح على هذا الحديث عبد العزيز بن رُفيع. رواه الطبراني٥.
الطريق الثامنة: عمرو بن دينار عن أبي صالح عنه به٦:
رواه البخاري٧ بإسناده عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار به موقوفاً، ولفظه: عن أبي سعيد قال: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم" وفيه محاورة أبي سعيد لابن عباس، واحتجاج ابن عباس بحديث أسامة: "لا ربا إلا في النسيئة".
ورواه مسلم٨ عن محمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن عبَّاد المكي، وابن أبي عمر كلهم عن سفيان عن عمرو بن دينار به
стр. 406
موقوفاً، ورواه ابن ماجه١ عن محمد بن الصبّاح الجَرْجرائي عن سفيان به موقوفاً أيضاً، ورواه أحمد٢ عن سفيان به موقوفاً أيضاً.
بينما رواه الحميدي٣ عن سفيان به مرفوعاً، ولفظه: "الدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار، مثلاً بمثل، ليس بينهما فضل"، وذكر محاورة أبي سعيد لابن عباس في ذلك.
وتابع الحميدي على رفع الحديث عبد الرزاق٤ ومحمد بن مسلم الطائفي٥، ورواه أيضاً عبد الرزاق٦ عن معمر عن عمرو بن دينار به مرفوعاً.
وهناك من الرواة عن عمرو بن دينار من روى الحديث من غير ذكرٍ لأبي سعيد الخدري فيه٧، وإنما ذكر قول ابن عباس
стр. 407
عن أسامة مرفوعاً: "لا ربا إلا في النسيئة". وهذا يؤكد أن الحديث وقع فيه اختصار من بعض الرواة، فإنّ أصل الحديث أن أبا صالح السَّمَّان سأل أبا سعيد الخدري عن الصرف، فنهاه عنه وقال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم "، ثم ذكر أبو صالح قول ابن عباس، فقال له أبو سعيد إنه لقيه فاحتج ابن عباس بحديث أسامة: "لا ربا إلا في النسيئة"، فاحتج عليه أبو سعيد بما سمع من النبي ﷺ ، فبعض الرواة ذكر الحديث تاماً، ومنهم من ذكر الجزء الموقوف منه على أبي سعيد وحديث أسامة، ومنهم من اقتصر على حديث أسامة. فعلى هذا لا تعارض بين هذه الروايات ولا اضطراب. والله أعلم.
الطريق التاسعة: عن أبي الجوزاء عن ابن عباس عن أبي سعيدٍ به:
رواه ابن ماجه١، وأحمد٢، والطبراني٣، وابن شاهين٤، والبيهقي٥، وابن عبد البر٦. كلهم من طرقٍ عن أبي الجوزاء به.
ولفظ ابن ماجه: عن أبي الجوزاء قال: سمعته يأمر بالصرف - يعني ابن عباس - ويحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك، فلقيته بمكة فقلت: إنه بلغني أنك رجعت؟ قال: نعم،
стр. 408
إنما كان ذلك رأياً مني، وهذا أبو سعيد يحدث عن رسول الله ﷺ "أنه نهى عن الصرف".
وأبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله الرَّبَعي البصري، وهو ثقة١.
وإسناد هذا الحديث صحيح، وفيه التصريح برجوع ابن عباس عن قوله بإباحة ربا الفضل.
الطريق العاشرة: عبد الرحمن بن أبي نُعم عن أبي سعيد به:
رواه أبو يعلى٢، والطبراني في الكبير٣، وابن عبد البر٤. كلهم من طرقٍ عن مغيرة بن مِقسم به، ولفظ أبي يعلى: "جاء أبو سعيد الخدري إلى رجلٍ فقال له: أقرأت ما لم نقرأ؟ وصحبت ما لم نصحب؟ فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا". قال سمعته بعد يقول: اللهم إني أتوب إليك مما كنت أفتي به الناس في الصرف. وعند الطبراني أن الرجل الذي كلّمه أبو سعيد هو ابن عباس ﵁.
وإسناد هذه الطريق حسن، فإن عبد الرحمن بن أبي نُعم ضعفه ابن معين، ووثقه ابن سعد، والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات٥، وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق٦.
стр. 409
والمغيرة بن مقسم ثقة، ولكنه يدلس١، ولكن لم يذكر أنه يدلّس إلا عن إبراهيم النخعي٢، ومنهم من ينفي ذلك عنه.
الطريق الحادية عشرة: مجاهد عنه به:
رواه أحمد٣، والطبراني٤، والخطيب البغدادي٥، كلهم من طرقٍ عن خُصيف به، ولفظ أحمد: عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ مرّتين على المنبر يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة وزناً بوزنٍ".
وخُصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري، ضعَّفه يحيى القطان، وأحمد، والنسائي، وابن خزيمة، ووثقه ابن معين والفسوي٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق سيء الحفظ خلط بآخرة٧.
وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع، ذلك أن مجاهداً لم يسمع من أبي سعيد رضي الله عنه٨.
فعلى هذا فإن هذه الطريق ضعيفة لما سبق من حال خصيف بن عبد الرحمن، وأيضاً لانقطاعه، إلا أنها مع ضعفها فهي صالحة للاعتبار. والله أعلم.
стр. 410
الطريق الثانية عشرة: عطاء بن يسار عنه به:
رواه مالك١ مرسلاً ووصله الطحاوي٢، ورواه ابن أبي شيبة٣، وأبو يعلى٤. كلهم من هذا الطريق.
وفي رواية أبي يعلى جاء ذكر أبي سلمة بن عبد الرحمن مقروناً بعطاء بن يسار.
ولفظ مالك: "التمر بالتمر مثلاً بمثل" فقيل له: إن عاملك على خيبر يأخذ الصاع بالصاعين. فقال رسول الله ﷺ : "ادعوه لي" فدُعي له، فقال ﷺ : "أتأخذ الصاع بالصاعين"؟ فقال: يا رسول الله، لا يبيعوني الجنيب بالجمع صاعاً بصاع، فقال له رسول الله ﷺ : "بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً".
الطريق الثالثة عشرة: عبد الملك بن ميسرة عن أبي صالح عنه به:
رواه الطبراني٥ بإسناده عن أبي خالد الدَّالاني عن عبد الملك به، ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى" فقيل: يا رسول الله، فإن صاحب تمرك يشتري صاعاً بصاعين، فأرسل إليه فقال:
стр. 411
يا رسول الله، تمري كذا وكذا، فلا يأخذوه إلا أن أزيدهم، فقال النبي ﷺ : "لا تفعل".
وفي إسناد الطبراني أبو خالد الدَّالاني. قال فيه ابن معين والنسائي: ليس به بأس. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ فاحش الوهم١.
ولذا جعله ابن حجر في مرتبة: صدوق يخطئ كثيراً٢.
وهذه الطريق مع ضعفها فهي صالحة للاعتبار.
الطريق الرابعة عشرة: عطية العوفي عنه به:
رواه محمد بن الحسن٣، وعلي بن الجعد٤، والطبراني٥، كلهم من هذا الطريق، ولفظ محمد بن الحسن نحو لفظ أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيدٍ ﵁، وقد سبق في الطريق السادسة من هذا الحديث.
وعطية العوفي تقدم الكلام فيه٦، وأنه صدوق يخطئ كثيراً.
وهذه الطريق مع ضعفها فهي صالحة للاعتبار.
стр. 412
الطريق الخامسة عشرة: حيان بن عبيد الله عن أبي مجلز عن أبي سعيد ﵁:
رواه محمد بن نصر المروزي١، وابن عدي٢، والحاكم٣، والبيهقي٤، وابن حزم٥. كلهم من هذا الطريق.
ولفظ ابن عدي: عن حيّان بن عبيد الله أبو زهير قال: سئل أبو مجلز لاحق بن حميد عن الصرف وأنا أشاهد، فقال: "كان ابن عباس يقول زماناً من عمره لا بأس بما كان منه يداً بيدٍ، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، حتى لقيه أبو سعيد الخدري فقال له: يا ابن عباس، ألا تتقي الله حتى متى تؤكِّل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يومٍ وهو عند زوجته أم سلمة: "إني أشتهي تمر عجوةٍ"، وأنها بعثت بصاعين من تمرٍ إلى رجلٍ من الأنصار فأتاها بصاعٍ واحدٍ بدل الصاعين، فقدمته إلى النبي ﷺ ، فلمّا رآه أعجبه، تناول تمرةً ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا"؟ قالت: بعثنا من تمرنا بصاعين إلى منزل فلان فأتينا بدل الصاعين بهذا الصاع الواحد، فألقى التمر من يده ثم قال: "ردّوه فلا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، عين بعين، مثل بمثلٍ،
стр. 413
فمن زاد فهو رباً" - ثم قال - "كل ما يكال أو يوزن فكذلك أيضاً"، قال: فقال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيد عني الجنة، فإنك ذكرتني أمراً كنت نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه. فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي".
قال ابن عدي: وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس تفرَّد به حيّان.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.
وتعقّبه الذهبي فقال: حيَّان فيه ضعف وليس بالحجة١.
وحيَّان بن عبيد الله قال فيه البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البيهقي: تكلموا فيه. وقال ابن حزم: مجهول٢. وقال البزار: مشهور ليس به بأس٣. وتقدم قول الذهبي فيه: فيه ضعف ليس بالحجة.
وأما قول ابن حزم: "مجهول" فقد قال ابن حجر: "لم يصب"٤، وذلك لما تقدم من كلام الأئمة فيه، فليس بمجهول.
стр. 414
ومما يؤيد أن حيّان لم يضبط هذا الحديث أنه لم يتابع عليه كما قال ابن عدي، وأيضاً فقد روى نحو هذا الحديث عن عبد الله بن بريدة بن حصيب عن أبيه١، ولم يتابع عليه أيضاً٢. ولعلّ هذا من اختلاطه الذي حكاه عنه الصَّلت كما سبق.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وأما أصل الحديث فهو محفوظ من طرقٍ أخرى سبق ذكرها.
وأعله ابن حزم بالانقطاع بين أبي مجلز ومن فوقه، حيث قال: "لم يسمعه لا من أبي سعيد ولا من ابن عباس"٣. ولم يذكر دليلاً على ذلك.
وأعله أيضاً بأن ما ذكر فيه من رجوع ابن عباس مخالف لما حكاه عنه سعيد بن جبير في أنه لم يرجع عن قوله في الصرف حتى مات٤.
والجواب عن هذا أن رجوع ابن عباس ﵁ ثابت عن غير واحدٍ، وقد سبق قول أبي الصهباء أن ابن عباس كان يكره الصرف بعد أن حدثه أبو سعيد الخدري ﵁ بنهي النبي ﷺ عنه إلا مثلاً بمثل.
وسبق أيضاً ذكر خبر أبي الجوزاء عنه - وهو خبر صحيح كما سبق - وفيه التصريح برجوع ابن عباس ﵁.
стр. 415
وروى أيضاً إسحاق بن راهويه بإسناده عن ابن أبي مليكة أنه قال: "سمعت ابن عباس قبل موته بثلاثٍ يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من الصرف"١. ورجاله ثقات ما عدا سالم بن أبي حفصة وهو صدوق٢.
الطريق السادسة عشرة: بكر بن عبد الله المزني عنه به:
رواه الطبراني٣ بإسناده عن سالم بن عبد الله أبي غياث العتكي به. وذكر محاورة أبي سعيد لابن عباس ﵁ في الصَّرف، واحتجاج أبي سعيد بحديث النبي ﷺ : "الذهب بالذهب وزناً بوزن، مثلاً بمثل، تبره وعينه، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ... ". وفي آخره ذكر رجوع ابن عباس حيث قال: "إني أستغفر الله وأتوب إليه، إن رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب وزناً بوزن ... " الحديث.
وفي إسناد الطبراني سالم بن عبد الله أبو غياث العتكي البصري، قال عنه أحمد: لا شيء. وقال مرّةً: ضعيف٤. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ٥.
стр. 416
فعلى هذا فإن هذه الطريق ضعيفة، لضعف سالم أبو غياث العتكي، إلا أن الجزء المرفوع من الحديث له من المتابعات والشواهد ما يؤيده، وقد سبقت. والله أعلم.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، والخلاصة فيه أنه حديث صحيح مشهور عنه، ولا يقدح فيه الضعف في بعض الطرق. والله أعلم.
١٤٢ - (٣) عن بلال بن رباح ﵁ قال: كان عندي تمرٌ فبعته في السوق بأجود منه بنصف كيله، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال: "ما رأيت اليوم تمراً أجود منه، من أين هذا يا بلال"؟ فحدثته بما صنعت، فقال: "انطلق فردّه على صاحبه وخذ تمرك بعه بحنطة أو شعير ثم اشتر به من هذا التمر"، ففعلت، فقال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلاً بمثل، والحنطة بالحنطة مثلاً بمثل، والشعير بالشعير، مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، والذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن، فما كان من فضلٍ فهو ربا"١.
جاء هذا الحديث عن بلال ﵁ من طرق:
стр. 417
الطريق الأولى: سعيد بن المسيب عنه به:
رواه إسحاق بن راهويه١، والبزار٢ باللفظ المذكور، وأبو يعلى٣، والشاشي٤، والطبراني٥. كلهم من طرقٍ عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن أبي حمزة به.
وفي هذا الإسناد أبو حمزة وهو ميمون القصَّاب. قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: متروك الحديث. وقال البخاري: ضعيف ذاهب الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه. وقال الدارقطني: ضعيف جداً٦. وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف٧.
ويظهر لي حسب ما تقدم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أن أكثر الأئمة على أن حديثه في مرتبة الضعيف ضعفاً شديداً، فلا يعتبر به. والله أعلم.
وسعيد بن المسيب لم يسمع من بلال، فهو منقطع٨.
ومما يبيّن ضعف أبي حمزة القصَّاب، أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرَّة عن سعيد بن المسيب عن بلال، ورواه مرَّة
стр. 418
عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن بلال١، فذكر عمر بن الخطاب بين سعيد وبلال.
قال الدارقطني: أبو حمزة مضطرب الحديث، والاضطراب في الإسناد من قبله٢.
فعلى هذا فإن هذه الطريق لا يعتبر بها لحال أبي حمزة القصّاب. والله أعلم.
والمحفوظ في هذه الطريق هو عن سعيد بن المسيب قال: "كان عند بلال تمر فتغيَّر ... "٣ الحديث مرسلاً.
الطريق الثانية: مسروق عنه به:
رواه الدارمي٤، والترمذي في العلل الكبير٥، والبزار٦، وأبو يعلى٧، والطحاوي٨، والطبراني٩، وابن عبد البر١٠. ولفظه نحو اللفظ السابق. كلهم من طرقٍ عن إسرائيل عن أبي إسحاق به.
وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا إسحاق وهو السبيعي مدلِّس١١، ولم يصرِّح بالسماع في شيء من طرق الحديث،
стр. 419
ومسروق هو ابن الأجدع، وقد ذكر ابن المديني الصحابة الذين لقيهم مسروق١، ولم يذكر منهم بلالاً ﵁ فيكون الإسناد منقطعاً بين مسروق وبلال - والله أعلم -.
وله علّة أُخرى وهي أن المحفوظ في هذه الطريق الإرسال، فقد قال الترمذي: سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: إنما يُروى هذا عن مسروق عن النبي ﷺ مرسلاً٢.
الطريق الثالثة: أبو دهقانة عن ابن عمر ﵁ عن بلال ﵁ به:
رواه الطبراني في الكبير٣، وأبو نعيم الأصبهاني٤ بإسنادهما عن فضيل به.
رواه هكذا عن فضيل الوليدُ بن القاسم الهمداني٥، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه٦. بنحو اللفظ السابق.
وخالفهما ابن نمير٧، ووكيع٨، ويعلى بن عبيد٩، فرووه عن فضيل بن غزوان عن أبي دهقانة عن ابن عمر ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ ضيف فقال لبلال ... " الحديث. فجعلوه
стр. 420
من مسند ابن عمر ﵄، ورواية هؤلاء أرجح لكثرتهم وضبطهم.
ويشهد لهذا الترجيح أن ابن عمر لم يكن يرى ربا الفضل حتى حدثه أبو سعيد الخدري بنحوٍ مما وقع لبلال في هذا الحديث، فرجع ابن عمر عن قوله. وقد تقدم ذكر هذا في الطريق الرابعة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
فعلى هذا فإن المحفوظ في هذه الطريق أنه عن أبي دهقانة عن ابن عمر "أن النبي ﷺ قال لبلال ... " الحديث.
وأبو دهقانة قد ذكره البخاري١، وابن أبي حاتم٢، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً. وقال العجلي: ثقة٣. وذكره ابن حبان في الثقات٤. ومعلوم من منهجهما - رحمهما الله - التساهل في توثيق المجاهيل٥. إلا أن هذه القصة عن بلال صحيحة من طرقٍ أخرى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقد سبق ذلك، وابن عمر ﵄ وإن لم يكن شهد هذه القصة فقد سمعها من أبي سعيد ﵁ كما سبق، ومرسل الصحابي حجة. والله أعلم.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن بلال ﵁ من روايته، وأما قصة الحديث فهي ثابتة صحيحة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ كما سبق ذكرها.
стр. 421
١٤٣ - (٤) عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين".
جاء هذا الحديث من طريقين:
الطريق الأولى: عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن مالك بن أبي عامرٍ عنه به:
أخرجه مسلم١ باللفظ المذكور، والبزار٢، والبيهقي٣، وابن عبد البر٤. كلهم من هذا الطريق. وهو المعروف.
قال البزار: لا نعلم يروى عن عثمان إلا من حديث مالك بن أبي عامرٍ به.
الطريق الثانية: عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عن أبي سهيل بن مالك بن أبي عامرٍ عن أبيه عنه به:
أخرجه العقيلي٥، وابن عبد البر٦ بإسنادهما عن عاصم بن عبد العزيز به.
ولفظ العقيلي: "لا تبيعوا الذهب إلا مثلاً بمثل".
وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي، تقدّم٧ أنه ضعيف.
стр. 422
وقد انفرد هنا بالرواية عن أبي سهيل ولم يتابع عليه، ولذا قال العقيلي: ليس له من حديث أبي سهيلٍ أصل١.
فهذا الإسناد يعتبر منكراً. والله أعلم.
١٤٤ - (٥) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما".
جاء هذا الحديث من خمسة طرقٍ هي:
الطريق الأولى: موسى بن أبي تميم عن سعيد بن يسار عنه به:
رواه مالك٢، ومن طريقه أخرجه مسلم٣، والنسائي٤، والشافعي٥، وأحمد٦، والطحاوي٧.
وأخرجه مسلم٨، وأحمد٩، والطحاوي١٠ بنحو هذا اللفظ من هذا الطريق عن غير مالك.
стр. 423
الطريق الثانية: فضيل بن غزوان عن عبد الرحمن بن أبي نُعم عنه به:
أخرجه مسلم١، والنسائي٢، وابن ماجه٣، وأحمد٤. ولفظ مسلم: "الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو رباً". ونحوه لفظ النسائي.
وزاد أحمد: "ولا تباع ثمرة حتى يبدو صلاحها". ولفظ ابن ماجه: "الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، والشعير بالشعير، والحنطة بالحنطة، مثلاً بمثل".
وهذه الزيادات صحيحة الإسناد.
الطريق الثالثة: فضيل بن غزوان عن أبي زرعة عنه به:
رواه مسلم٥، والنسائي٦، كلاهما من هذا الطريق، ولفظه عندهم: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل يداً بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
стр. 424
الطريق الرابعة: فضيل بن غزوان عن أبي حازم الأشجعي عنه به:
رواه ابن أبي شيبة١، ولفظه: "الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، يداً بيدٍ، كيلاً بكيلٍ، وزناً بوزنٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
وإسناد هذه الطريق صحيح، فأبو حازم الأشجعي، واسمه سلمان؛ ثقة٢.
الطريق الخامسة: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه به:
رواه الطبراني في الأوسط٣ بإسناده عن سعيد بن منصور عن فليح بن سليمان به. ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، لا تستفضلوا بعضها على بعض ". وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن فليح إلا سعيد".
وقد أعلّ أبو حاتم هذه الطريق بأن المحفوظ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي سعيد الخدري٤، وكذلك رواه أيضاً عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي سعيد. قال أبو حاتم: وهذا الصحيح "عن أبي سعيد"، وقال مرّة: هذا أشبه وأصح٥.
وقد سبق ذكر هذه الطريق في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ولعلّ الخطأ في هذا الإسناد من فليح بن سليمان، فإنه كثير الخطأ٦.
стр. 425
فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يصح عن أبي هريرة، والمحفوظ في هذا الإسناد أنه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي سعيد. والله أعلم.
فمما سبق من الطرق يتبين أن هذا الحديث عن أبي هريرة صحيح، وذلك بأكثر من طريق. والضعف في بعض الطرق لا يقدح في صحته. والله أعلم.
ولأبي هريرة ﵁ في هذا الباب حديث آخر سبق ذكره في الطريق الخامسة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
١٤٥ - (٦) عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵃ عن الصَّرف، فكلُّ واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ مني، فكلاهما يقول: "نهى النبي ﷺ عن بيع الذهب بالورق ديناً".
رواه البخاري١ وهذا لفظه، ومسلم٢، والنسائي٣، وعبد الرزاق٤، وأحمد٥، والطحاوي٦، والدارقطني٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن أبي المنهال به.