← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7267

الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها

سليمان بن صالح الثنيان

Полный текст (707 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يريد إلى أصحابه بعدما ثبت له ذلك عن النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره"١. وقال ابن عبد البر: "قول الشافعي عندي غَلَطٌ على أصله، لأن حديث ابن عيينة في قوله "صاحبنا" مجمل يحتمل أن يكون أراد رسول الله ﷺ وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون أراد عمر، فلما قال مجاهد عن ابن عمر: "هذا عهد نبينا" فسَّر ما أجمل وردان الرومي، وهذا أصل ما يعتمد عليه الشافعي في الآثار، ولكن الناس لا يسلم منهم أحدٌ من الغلط، وإنما دخلت الداخلة على الناس من قبل التقليد؛ لأنهم إذا تكلم العالم عند من لا ينعم النظر بشيءٍ كتبه وجعله ديناً يردّ به ما خالفه دون أن يعرف الوجه فيه فيقع الخلل، وبالله التوفيق"٢ انتهى. وحكم ابن عبد البر على قول الشافعي بأنه غلط: إن كان يعني به أن قول ابن عمر "هذا عهد نبينا إلينا" صحيح وأن معناه أن ابن عمر سمع هذا من النبي ﷺ . فالجواب عنه أن ابن عمر قد ثبت عنه القول بما كان يقول به ابن عباس في الصرف حتى حدثه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ "ينهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل"، ولو أن ابن عمر سمع فيه من النبي ﷺ شيئاً لم يعدل عنه كما هو معلوم. وقد سبق الكلام في هذا بأطول مما هنا٣.

стр. 457

وإن كان ابن عبد البر يعني بقوله هذا تصحيح رواية: "هذا عهد نبينا إلينا" ولكن بالتوجيه الذي ذكره البيهقي، فَنَعَم. ولعلّ هذا هو مقصود ابن عبد البر ﵀، وبه وجّه ابن التركماني قول ابن عبد البر١. والله أعلم. فمما سبق يتبين أن هذه الطريق صحيحة، وأما قول ابن عمر "هذا عهد نبينا إلينا" فهو مرسل صحابي؛ لأن ابن عمر لم يسمع من النبي ﷺ في ذلك شيئاً، ومرسل الصحابي حجة. قال ابن بشكوال: "الصائغ هو وردان الرومي"٢، ثم روى بإسناده عن الشافعي ثنا سفيان بن عيينة عن وردان الرومي به. وقد تقدّم ذكره. ورواه البيهقي٣، وابن عبد البر٤ أيضاً من طريق الشافعي. وأغرب ابن القيم ﵀ فقال: "لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه، أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف"٥ انتهى. وفيما قاله نظر؛ فهذا ابن عمر ﵄ كما سبق في هذا الحديث نهى عن بيع الذهب المصوغ بأكثر من وزنه، وتقدم عن عبادة بن الصامت ﵁ نحو هذا. والله أعلم.

стр. 458

الطريق الثانية: أبو جناب الكلبي عن أبيه عنه به: رواه أحمد١ من هذا الطريق، ولفظه: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرما، والرما هو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، قال: لا بأس إذا كان يداً بيد". وإسناد أحمد فيه علتان: الأولى: أبو جناب الكلبي، واسمه يحيى بن أبي حية، ضعّفه ابن سعد، والقطان، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. وتكلم في حديثه أيضاً لتدليسه عن الضعفاء٢. قال ابن حجر:: "ضعفوه لكثرة تدليسه"٣. وهو هنا لم يصرِّح بالسماع. العلة الثانية: المخالفة في الرفع والوقف، فإن الأسانيد الصحيحة فيها أن ابن عمر كان يقول بمتن هذا الحديث من قوله لا يبلغ به النبي ﷺ كما رواه أحمد٤، وابن أبي شيبة٥، وغيرهما. وابن عمر أخذ هذا أولاً من أبيه٦، حتى لقيه أبو سعيد فحدَّثه به عن النبي صلى الله عليه وسلم٧.

стр. 459

فعلى هذا فإن المحفوظ في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عمر ﵄، ولكن يمكن أن يجاب عن هذه العلة بأن ابن عمر وإن لم يكن سمعه من النبي ﷺ ، فقد سمعه من أبي سعيد عنه، فيكون مرسل صحابي وهو حجة. والله أعلم. فيبقى أن علة الإسناد هو أبو جناب الكلبي، وقد تقدم أنه ضعيف مدلّس. وأما قوله "يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس ... " الحديث، فهي بهذا الإسناد ضعيفة، إلا أن معناه جاء عن ابن عمر عن النبي ﷺ من غير هذا الطريق أيضاً كما سيأتي - إن شاء الله - في (فصل: النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) . والله أعلم. الطريق الثالثة: عبد المؤمن عنه به: رواه أبو يعلى١ بإسناده عن سكين به. ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، كيلاً بكيل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى". وعبد المؤمن لم يقع منسوباً في هذه الرواية، ولكن لعله ابن أبي شراعة الجلاَّب، فقد قال البخاري٢ وأبو حاتم٣: سمع من ابن عمر ﵄.

стр. 460

وقال البخاري: حديثه في البصريين١، وسكين بصري. وعبد المؤمن بن أبي شراعة قال فيه يحيى القطان: لم يكن به بأس إذا جاءك بشيء تعرفه. وقال يحيى بن معين: ثقة٢. وأما سُكين، فهو ابن عبد العزيز العبدي العطّار البصري، وثقه وكيع، وابن معين، والعجلي. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وضعفه أبو داود والنسائي٣. وخلص فيه ابن حجر إلى أنه: صدوق، يروي عن ضعفاء٤. فعلى هذا فإن هذا الإسناد حسن، إلا أنه كما سبق - غير مرّة - أن ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ ، وإنما سمعه من أبي سعيد الخدري عنه، فهو مرسل صحابي، وهو حجة. والله أعلم. الطريق الرابعة: عطية العوفي عنه به: رواه الحارث بن أبي أسامة٥ عن يحيى بن هاشم السِّمسار ثنا ابن أبي ليلى به. ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، فمن زاد فقد أربى، وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تدعه". ويحيى بن هاشم السِّمسار تقدم الكلام فيه٦، وأنه متروك متّهم.

стр. 461

وأما ابن أبي ليلى، فهو محمد بن عبد الرحمن، تقدم الكلام فيه وأنه صدوق سيئ الحفظ جداً١. وعطية العوفي، تقدم أنه صدوق يخطئ كثيراً٢. وقد روى عبد الرزاق٣، وابن جرير٤، والبيهقي٥ وغيرهم هذا المتن من طرقٍ عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب موقوفاً، وهو الصواب والله أعلم. فعلى هذا فإن هذه الطريق عن ابن عمر عن النبي ﷺ ضعيفة جداً لا يعتبر بها. والله أعلم. الطريق الخامسة: بشر بن حرب عنه به: رواه الطيالسي٦، والطبراني٧ بإسنادهما عن حماد بن زيد به. ولفظ الطيالسي: عن بشر بن حرب قال: سألت ابن عمر عن الصرف: الدرهم بالدرهمين فقال: عين الربا، عين الربا، فلا تقربه، هل سمعت٨ ما قال رسول الله ﷺ : "خذوا المثل بالمثل".

стр. 462

وبشر بن حرب مختلفٌ فيه، فضعَّفه ابن سعد، وابن المديني، وابن معين، وأحمد، والعجلي، وغيرهم. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال ابن عدي: لا أعرف في رواياته حديثاً منكراً وهو عندي لا بأس به١. وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق فيه لين٢. ويظهر لي من الأقوال السابقة لأئمة الجرح والتعديل أنه ضعيف الحديث يصلح للاعتبار. وقد توبع في الطرق السابقة. والله أعلم. هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث ابن عمر هذا، وهو حديث صحيح. والضعف في بعض الطرق لا يمنع الاحتجاج به، وإن كان يسيراً فهو ينجبر بغيره. والله أعلم. ١٥١ - (١٢) عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقايةً من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأساً. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ، ويخبرني عن رأيه. لا أُساكنك بأرضٍ أنت فيها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبيع ذلك إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن".

стр. 463

رواه مالك١ عن زيد بن أسلم به، ومن هذا الطريق أخرجه الشافعي٢، وأحمد٣، والنسائي٤، والبيهقي٥. وقد أُعلَّ هذا الحديث بعلتين: ١ - الانقطاع. ٢ - أن هذه القصة إنما عرضت لمعاوية مع عبادة بن الصامت لا مع أبي الدرداء. أما العلة الأولى، فقد قال ابن عبد البر: ظاهر هذا الحديث الانقطاع، لأن عطاء لا أحفظ له سماعاً من أبي الدرداء، وما أظنه سمع منه شيئاً؛ لأن أبا الدرداء توفي بالشام في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته، ذكر ذلك أبو زرعة عن أبي مسعر عن سعيد بن عبد العزيز. وقال الواقدي: "توفي أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين، ومولد عطاء بن يسار إحدى وعشرين، وقيل: سنة عشرين". قال ابن عبد البر: وقد روى عطاء بن يسار عن رجلٍ من أهل مصر عن أبي الدرداء حديث لهم البشرى، وممكن أن يكون سمع عطاء بن يسار من معاوية، لأن معاوية توفي سنة ستين، وقد سمع عطاء بن يسار من أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة هم أقدم

стр. 464

موتاً من معاوية، ولكنه لم يشهد هذه القصة؛ لأنها كانت في زمن عمر، وتوفي عمر سنة ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين من الهجرة"١ انتهى كلامه. وقد سبق البخاريُّ ابنَ عبد البر في الحكم على رواية عطاء بن يسار عن أبي الدرداء بالانقطاع. فقال: مرسل لا يصح٢. ولما ذكر الذهبي هذا القول عن البخاري عقبه بحديث في إسناده تصريح عطاء بالتحديث عن أبي الدرداء٣. والذهبي صاحب استقراء وإمامة في الرجال، ولكن بالنظر إلى سن عطاء بن يسار المدني عند وفاة أبي الدرداء الذي توفي بالشام فإنه يبعد سماعه منه، ولا سيما أن البخاري قد صرَّح بالانقطاع بينهما. وأما الحديث الذي ذكره الذهبي والذي فيه تصريح عطاء بن يسار بالتحديث عن أبي الدرداء فقد رواه النسائي في الكبرى٤ بإسنادٍ صحيح وليس فيه التصريح بالتحديث، فلعلّ من ذكر صيغة التحديث بين عطاء بن يسار وأبي الدرداء أخطأ في ذلك. والله أعلم.

стр. 465

وأما الاحتمال الذي ذكره ابن عبد البر وهو أن يكون عطاء سمع هذا الحديث من معاوية فضعيف؛ لأن سياق الحديث يبعد فيه هذا الاحتمال. وأما العلة الثانية في الحديث فقد قال ابن عبد البر: "لا أعلم هذ القصة روي أنها عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، ولم يروَ من وجهٍ آخر فيما علمت، وليست محفوظةً إلا لمعاوية مع عبادة بن الصامت"١. ولكن ابن عبد البر في موضعٍ آخر أشار إلى إمكان ثبوتها عن أبي الدرداء كما أنها مشهورة عن عبادة بن الصامت، فقد قال ابن عبد البر: "وممكن أن يكون له مع أبي الدرداء - أي معاوية - مثل هذه القصة أو نحوها"٢. ورجّح الزرقاني هذا الاحتمال حيث قال: "الإسناد الصحيح وإن لم يرد من وجهٍ آخر، فهو من الأفراد الصحيحة، والجمع ممكن، لأنه عرض له ذلك مع عبادة وأبي الدرداء"٣. والذي يظهر لي هو ما ذكره ابن عبد البر أولاً وهو أن المحفوظ في هذه القصة أنها عن عبادة بن الصامت ﵁ ورواية عطاء بن يسار عن أبي الدرداء شاذة، وذلك لورود الطرق الكثيرة التي تثبت أن الواقعة إنما كانت بين عبادة بن الصامت

стр. 466

ومعاوية ﵄، وفي بعض الطرق ذكر فيها قدوم عبادة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه١، وأن عمر أمر معاوية بما حدثه به عبادة بن الصامت ﵁ نظير ما ذكر في حديث أبي الدرداء ﵁، مما يؤيد أن ذكر أبي الدرداء غير محفوظ. وأما قول الزرقاني: "الإسناد الصحيح ... " الخ. فالجواب عنه بما سبق أنه منقطع بين عطاء وأبي الدرداء ﵁. والله أعلم. وقوله: "باع سقايةً من ذهب"، السقاية إناء يشرب فيه٢. ١٥٢ - (١٣) عن أبي الزبير المكي قال: سمعنا أبا أُسيد٣ الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين، قال: فقال أبو أُسيد الساعدي وأغلظ له، فقال له ابن عباس: ما كنت أظنُّ أنّ أحداً يعرف قرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثل هذا يا أبا أُسيد، فقال أبو أُسيد: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بين شيء من ذلك"، فقال عبد الله بن عباس: إن هذا شيءٌ إنما كنت أقوله برأي ولم أسمع فيه شيئاً.

стр. 467

رواه الشاشي١ وهذا لفظه، والطبراني٢، والحاكم٣، وابن عبد البر٤. كلهم من طرقٍ عن عتيق بن يعقوب الزبيري حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن إبراهيم بن طهمان به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وعتيق بن يعقوب شيخ قرشي من أهل المدينة. وفي قول الحاكم نظر، ذلك أن عتيق بن يعقوب لم يرو له مسلم شيئاً، بل لم يرو له أصحاب الكتب الستة. وعتيق بن يعقوب وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات٥. وأما عبد العزيز بن محمد الدراوردي فقد سبق الكلام فيه٦، وأنه صدوق يخطئ. وإبراهيم بن طهمان هو أبو سعيد الخراساني، وثّقه جمهور أئمة الجرح والتعديل إلا من شذَّ٧. قال ابن حجر: ثقة يغرب٨. قال الهيثمي عن هذا الحديث: "إسناده حسن"٩. وهو كما قال ﵀ إلا أن له شواهد تؤيده فيكون بها صحيحاً لغيره. والله أعلم.

стр. 468

وروى الطبراني١ الحديث بإسناده عن طاهر بن خالد بن نزار عن أبيه حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مطر الورَّاق عن عطاء بن أبي رباح فذكر نحو حديث أبي الزبير المكي، إلا أنه ذكر أبا سعيد الخدري بدل أبا أُسيد الساعدي. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مطر الورَّاق إلا إبراهيم بن طهمان". وإسناد الطبراني فيه طاهر بن خالد بن نزار، وثقه الخطيب، وقال الدارقطني: هو وأبوه ثقتان. وقال ابن أبي حاتم: صدوق. وقال ابن عدي: له عن أبيه إفرادات وغرائب٢. وخلص فيه الحافظ الذهبي إلى أنه: صدوق وله مناكير٣. وأيضاً ففي إسناد الطبراني مطر الورّاق وحديثه عن عطاء ضعيف٤. وهو هنا يروي عن عطاء بن أبي رباح. فعلى هذا فإن هذا الإسناد عن أبي سعيد الخدري ضعيف، والمعروف أنه عن أبي أسيد الساعدي ﵁ كما تقدم. والله أعلم.

стр. 469

١٥٣ - (١٤) عن هشام بن عامر ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ نهانا أن نبيع الذهب بالورق نسيئة، وأنبأنا - أو قال: وأخبرنا - أن ذلك هو الربا". رواه أحمد١ واللفظ له، وعلي بن الجعد٢، وأبو بكر بن أبي شيبة٣، وأحمد بن منيع٤، وأبو يعلى٥، وابن جرير٦، والطبراني٧، كلهم من طرقٍ عن أيوب عن أبي قلابة عنه به، وعندهم أن هشام بن عامر ﵁ لمّا قدم البصرة وجدهم يتبايعون الذهب في أعطياتهم فحدَّث بهذا الحديث. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح٨. والإسناد وإن كان رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي إلا أن فيه علةً، وهي الانقطاع، وذلك أن أبا قلابة لم يسمع من هشام بن عامر، قاله ابن المديني٩. فعلى هذا فإن الإسناد ضعيف لانقطاعه، إلا أن الحديث له شواهد كثيرة تؤيده فيها النهي عن بيع الذهب بالورق نسيئة، فيكون الحديث بهذا الإسناد حسناً لشواهده. والله أعلم.

стр. 470

١٥٤ - (١٥) عن أبي رافعٍ قال: كنت أصوغ لأزواج النبي ﷺ ، فحدثنني أنهن لسمعن رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وزناً بوزن، فمن زاد أو استزاد فقد أربى". أخرجه أحمد١، وأبو سعيد بن الأعرابي٢، بإسنادهما عن أبي جعفر عن يحيى البكاء به. قال الهيثمي: رواه أحمد، وفيه يحيى البكاء وهو ضعيف٣. وأبو جعفر هو الرازي، واسمه عيسى بن أبي عيسى. مختلفٌ فيه. فوثقه ابن سعد، وابن معين في بعض الروايات عنه، وعلي بن المديني في رواية، وأبو حاتم، والحاكم وغيرهم. وضعفه ابن معين، وابن المديني، وأحمد في روايةٍ عنهم، وضعفه أيضاً أبو زرعة، والنسائي، وابن حبان وغيرهم٤. وخلص فيه ابن حجر إلى أنه: صدوق سيء الحفظ خصوصاً عن مغيرة٥. ويحيى البكاء هو يحيى بن مسلم، ويقال: ابن سليم، ويقال: ابن أبي خليد الأزدي. وثقه ابن سعد فقط، وضعفه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم٦. وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف٧. وأبو رافع هو نُفيع الصائغ المدني، نزيل البصرة، ثقة ثبت٨.

стр. 471

فمما سبق يتبين أن الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف يحيى البكاء، إلا أنه يرتقي بشواهده فيكون حسنًا لغيره. والله أعلم. ١٥٥ - (١٦) عن شرحبيل بن سعد أن أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر حدثوا أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، عيناً بعين، من زاد أو ازداد فقد أربى". رواه مسدّد١، وأحمد٢، وأبو يعلى٣. كلهم من هذا الطريق. وعندهم أن شرحبيل قال: إن لم أكن سمعته منهم فأدخلني الله النار. وشرحبيل بن سعد تقدم الكلام عليه وأنه ضعيف٤. ولكن أحاديث هؤلاء الصحابة ثابتة عنهم قد سبق ذكرها، فيكون الحديث الذي رواه شرحبيل حسناً لغيره، لأنه قد توبع على حديثه. والله أعلم. ١٥٦ - (١٧) عن أنس بن مالك ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ بتمر الرَّيَّان، فقال: أَنَّى لكم هذا التمر؟ قالوا: كان عندنا تمر بعلاً، فبعناه صاعين بصاعٍ، فقال رسول الله ﷺ : رُدُّوه على صاحبه". رواه البزار٥ وهذا لفظه، والطبراني في الأوسط٦. كلاهما بإسنادهما عن روح بن عبادة حدثنا كثير بن يسار عن ثابت البناني به.

стр. 472

ولفظ الطبراني في آخره قال النبي ﷺ : "ردُّوه على صاحبه، فبيعوه بعين، ثم ابتاعوا التمر". قال البزار: لا نعلم رواه عن ثابت إلا كثير. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا كثير أبو الفضل، تفرد به رَوْح. قال الهيثمي: إسناده حسن١. وكثير بن يسار لم يوثقه غير ابن حبان. وأثنى عليه سعيد بن عامر خيراً. وذكره البخاري في تاريخه وأشار إلى حديثه هذا عن أنس، ولكن لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً٢. وكذلك ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً٣. وقال ابن القطان: حاله غير معروفة٤. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن حاله معروفة، ثم ساق عدداً ممن روى عنه، ولكنه لم يذكر أحداً ممن وثقه غير ابن حبان. والذي يظهر لي هو ما قاله ابن القطان؛ لأن الرواية عن الراوي لا ترفع من جهالة حاله، وإنما إذا روى عن الرواي أكثر من واحد فإنها ترفع جهالة عينه فقط. وهذا الحديث عن أنس لا يعلم رواه عنه غير كثير بن يسار عن ثابت البناني عنه كما سبق في قول البزار والطبراني.

стр. 473

وكثير بن يسار ليس في درجة من يُقبل حديثه إذا انفرد. والذي يظهر أن إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه كثير بن يسار، وهو مجهول كما سبق، إلا أن متن الحديث صحيح ثابت بأحاديث كثيرة مرَّ ذكرها فيما سبق. والله أعلم. ١٥٧ - (١٨) عن أبي الزبير المكِّي قال: سألت جابر بن عبد الله عن الحنطة بالتمر وفضل، يداً بيدٍ، فقال: "قد كنّا على عهد رسول الله ﷺ نشتري الصاع الحنطة بستة آصع من تمرٍ يداً بيدٍ، فإن كان نوعاً واحداً، فلا خير فيه إلا مثلاً بمثل". أخرجه أبو يعلى١ بإسناده عن عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار به. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح٢. وفي قوله نظر، فإن أشعث بن سوار ليس من رجال الصحيح، فالبخاري لم يخرج له في الصحيح، إنما خرج له في الأدب المفرد، ومسلم إنما خرج له في المتابعات٣. وقد تقدّم أن أشعث بن سوار ضعيف٤. وعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف لضعف أشعث بن سوَّار، إلا أنه لا يمنع من الاستشهاد به لكون المعنى الذي يدل عليه صحيح، فقد جاء في أحاديث كثيرة ذكرت في هذا الفصل تدل على إباحة بيع الجنسين المختلفين ولو مع التفاضل إذا كان يداً بيدٍ.

стр. 474

١٥٨ - (١٩) عن أبي رافع قال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلاً بمثلٍ، الزائد والمستزيد في النار". جاء هذا الحديث من طريقين: الطريق الأولى: موسى بن أبي عائشة عن حفص بن أبي حفص عن أبي رافعٍ عنه به: أخرجه البزار١ واللفظ له، والترمذي في العلل الكبير٢. وفي إسنادهما حفص بن أبي حفص، قال فيه البخاري: فيه نظر٣. وقال البزار: روى عنه السُّدِّي وموسى بن أبي عائشة، فقد ارتفعت جهالته٤. وقال الدارقطني: مجهول٥. وذكره ابن حبان في الثقات٦. انتهى. فأما قول البزار في ارتفاع جهالته فالمقصود بها جهالة العين، وأما جهالة الحال فلا، حتى يوثقه معتبر، على أن ابن حبان فرق بين الذي يروى عنه السدي والذي يروي عنه موسى٧. وأما قول الهيثمي: "في إسناد البزار حفص بن أبي حفص، قال الذهبي ليس بالقوي"٨، فغير صحيح؛ لأن قول الذهبي

стр. 475

الذي نقله عنه الهيثمي إنما هو في حفص ابن أبي حفص التميمي السراج الذي يروي عن الحسن البصري١، وأما هذا الذي في إسناد البزار فقد ترجم له الذهبي ترجمة مستقلة، وذكر فيه قول البخاري السابق٢. ووقع للحافظ ابن حجر نحو ما وقع للهيثمي٣، وذلك أنه لمَّا ترجح لحفص بن أبي حفص التميمي، وذكر فيه قول الذهبي، ثم ذكر قول ابن حبان، ذكر بعد ذلك قول الدارقطني السابق. ومعلوم أن الدارقطني إنما قال قوله هذا في غير من ترجم له الحافظ ابن حجر. وأما قول الحافظ ابن حجر بعد أن نقل قول الدارقطني: فما أدري أهو التميمي أو غيره٤. فالجواب عنه أن الدارقطني إنما قال: مجهول بعد أن ذكر حديث موسى بن أبي عائشة عن حفص بن أبي حفص عن أبي رافع عن أبي بكر ﵁ ... "٥ الحديث. ويظهر أن الحافظ ابن حجر ذهب أخيراً إلى أن حفص بن أبي حفص الذي يروي عن أبي رافع ليس هو التميمي، وذلك أنه قال في موضع آخر: "ثم وجدت الخطيب فرق بينهما في المتفق والمفترق ... "٦. والله أعلم.

стр. 476

وممن فرّق أيضاً بين حفص بن أبي حفص التميمي، وحفص بن أبي حفص الذي يروي عنه موسى بن أبي عائشة ويروي عن أبي رافع: البخاري١ وابن أبي حاتم٢. فمما سبق يترجح أن حفص بن أبي حفص الذي يروي عن أبي رافع ليس هو التميمي وإنما هو غيره. وعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال حفص بن أبي حفص، وقال أبو حاتم عن هذا الحديث: حديث منكر٣. وقال الدارقطني: "الحديث غير ثابتٍ عن أبي رافع"٤. الطريق الثانية: محمد بن السائب الكلبي عن أخيه سلمة٥ بن السائب عن أبي رافعٍ به: أخرجه عبد الرزاق٦، وابن أبي شيبة٧، وعبد بن حميد٨، وأبو بكر الأموي المروزي٩، وأبو يعلى الموصلي١٠. كلهم من طرقٍ عن محمد بن السائب الكلبي به. ورواه إسحاق بن

стр. 477

راهويه١ بإسناده عن محمد بن السائب عن أخيه سلمة عن أسامة بن زيد عن أبي رافع به. ومحمد بن السائب الكلبي لا يعتبر به. قال البزار: أجمع أهل العلم بالنقل على ترك حديثه٢. انتهى. وهو متهم بالكذب ورمي بالرفض٣. فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ . ولكن رواه إسحاق بن راهويه٤، والطحاوي٥ بإسنادهما عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، قال: كتب أبو بكر الصديق إلى أمراء الأجناد حين قدم الشام: أما بعد، فإنكم قد هبطتم أرض الربا، فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن، ولا الورق بالورق، إلا وزناً بوزن، ولا الطعام بالطعام، إلا كيلاً بكيل". قال أبو قيس: قرأت كتابه. انتهى. هذا لفظ الطحاوي. قال البوصيري: إسناده صحيح٦. وهذا موقوف على أبي بكر الصديق، وفي إسناده موسى بن عُلَيّ بن رباح، قال فيه ابن سعد، وابن معين، وأحمد٧،

стр. 478

والبخاري١، والعجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. ونقل الساجي أن ابن معين قال فيه: ليس بالقوي٢. وهذا النقل عن ابن معين معارض برواياتٍ أخرى عن ابن معين في توثيقه وهي أكثر. وأما قول ابن عبد البر: ما انفرد به فليس بالقوي٣، فهو معارض بأقوال الأئمة السابقين، وقولهم مقدم. ولذلك فإن قول ابن حجر في موسى بن علي: "صدوق ربما أخطأ"٤، لا يتوافق مع نقله عن أئمة الجرح والتعديل فيه. وحقُّه أن يكون ثقةً. ولذلك فإن قول الذهبي فيه: "ثبت صالح"٥ أولى من قول الحافظ ابن حجر. والله أعلم. فعلى هذا فإن هذا الإسناد إسناد صحيح موقوف على أبي بكر الصديق ﵁. ورواه موقوفاً أيضاً ابن عبد البر. فقد روى بإسناده٦ عن أبي صالح قال: كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى عماله: "ألا يشتروا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا الفضة بالفضة إلا مثلاً

стр. 479

بمثل، ولا الحنطة بالحنطة إلا مثلاً بمثل، ولا الشعير بالشعير إلا مثلاً بمثل، ولا التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل". وإسناد ابن عبد البر رجاله ثقات، إلا أن أبا صالح السَّمّان لم يسمع من أبي بكر الصديق. قال أبو زرعة: "أبو صالح ذكوان عن أبي بكر الصديق ﵁ مرسل"١. ورواه موقوفاً أيضاً مسدد٢، فرواه بإسناده عن ابن سيرين "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر نهوا عن الصرف". وإسناد مسدد رجاله ثقات، إلا أنه مرسل باعتبار روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم٣، ومنقطع باعتبار روايته عن أبي بكر الصديق، فإن محمد بن سيرين لم يدرك أبا بكر رضي الله عنه٤. إلا أنه يشهد له ما تقدم عن أبي بكر. ومما سبق يتبين أن الحديث المروي عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ لا يثبت، وإنما الثابت عن أبي بكر الصديق هو الحديث الموقوف عليه، وأما الرفع فقد صح من غير طريق أبي بكر الصديق ﵁ كما جاء في هذا الفصل. والله أعلم.

стр. 480

١٥٩ - (٢٠) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصطرفها بذهب، ومن كانت له حاجة بذهب، فليصطرفها بالورق، والصرف هاءَ وهاءَ". رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وابن جرير٢، والطبراني٣، والدارقطني٤، والحاكم٥، وأبو بكر بن المقريء٦. كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن محمد بن العباس أبو إسحاق الشافعي عن أبيه محمد بن العباس الشافعي، ثم اختلفوا عليه. فرواه ابن ماجه والطبراني وأبو بكر بن المقرئ عنه عن أبيه عباس بن عثمان بن شافع عن عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده به. ورواه ابن جرير عنه - أي عن محمد بن العباس الشافعي - عن عمر بن محمد بن علي به - بدون ذكر عباس بن عثمان بن شافع -. ورواه الدارقطني والحاكم عنه عن عمر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ به. وعند الحاكم "عمر بن محمد بن زيد" وهو ابن عبد الله بن عمر العدوي. وذكر الحافظ ابن حجر٧ أن عمر بن محمد الوارد في إسناد الدارقطني هو عمر بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب.

стр. 481

وهذا الاضطراب في الإسناد لعل سببه محمد بن العباس الشافعي، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان١، وتسامح فيه الحافظ ابن حجر فقال فيه: "صدوق"٢، وكان على اصطلاحه ينبغي أن يكون مقبولاً. وإسناد ابن ماجه فيه عباس بن عثمان بن شافع لا يعرف حاله٣. وعمر بن محمد بن علي بن أبي طالب مجهول الحال٤. ولذلك حكم عليه البوصيري بالضعف، فقال: "هذا إسناد ضعيف"٥. وأما قول الحاكم عنه: حديث غريب صحيح، ففيه نظر؛ لجهالة محمد بن العباس الشافعي، واضطراب إسناده. ومما سبق يتبين أن الحديث ضعيف بهذا الإسناد لجهالة محمد بن العباس الشافعي، وللاضطراب الواقع في إسناده. ومعنى الحديث ثابت في أحاديث أخرى. والله أعلم. إلا أنه قد ثبت موقوفاً عن علي ﵁ أنه نهى عن الصرف، فقد روى مسدَّد٦ بإسنادٍ صحيح رواته أئمة ثقات عن سعيد بن المسيب "أن علياً وعثمان نهيا عن الصرف". وروى عبد الرزاق٧، والطحاوي٨ أيضاً عن علي ﵁ ما يدل على أنه كان ينهى عن الصرف إلا مثلاً بمثل. والله أعلم.

стр. 482

١٦٠ - (٢١) عن سعيد بن المسيب قال: "لا ربا إلا في ذهبٍ أو فضة، أو مما يكال أو يوزن، بما يؤكل أو يشرب". رواه مالك١، والبيهقي٢ بإسنادهما عن سعيد بن المسيب. ورواه الدارقطني٣ بإسناده عن المبارك بن مجاهد عن مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ . قال الدارقطني: "هذا مرسل، وهم المبارك على مالك برفعه إلى النبي ﷺ ، وإنما هو من قول سعيد بن المسيب، مرسل". وقال عبد الحق الإشبيلي٤ نحو ما قال الدارقطني. قال ابن القطان: "ليست هذه علته، وإنما علته أن المبارك بن مجاهد ضعيف، ومع ضعفه انفرد عن مالك برفعه، والناس رووه عنه موقوفاً"٥. ويظهر أن نتيجة قول ابن القطان هي نتيجة قول الدارقطني وعبد الحق، وذلك أن ترجيحهما كون الحديث من قول سعيد بن المسيب، والحكم على رواية المبارك بالوهم يغني عن بيان حال المبارك. وقد سبق أن الحديث في الموطأ من قول سعيد بن المسيب. وأما المبارك بن مجاهد، فهو أبو الأزهر الخراساني المروزي، ضعفه قتيبة، وأبو أحمد الحاكم، وابن حبان، وذكره ابن الجارود، والدولابي، والعقيلي في الضعفاء، وقال أبو حاتم الرازي: ما أرى بحديثه بأساً٦.

стр. 483

فمما سبق يتبين أن الصواب في هذا الحديث أنه من قول سعيد بن المسيب، وأما رفعه إلى النبي ﷺ فمُنْكَر. ١٦١ - (٢٢) عن عطاء بن أبي رباح قال: جاء بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ إلى ابن عباس فقالوا: نحن أقدم سناً منك وأعلم برسول الله ﷺ منك، أرأيت حين تحل الصرف وقد سمعنا رسول الله ﷺ ينهى عنه ... " فذكر الحديث١ عن أسامة ﵁. رواه إسحاق بن راهويه٢ عن محمد بن بكر أنبا إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصُّفيرا٣ به. ومحمد بن بكر هو ابن عثمان البرساني البصري، قال عنه أحمد: صالح الحديث. وقال ابن معين وأبو داود والعجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ محلّه الصدق. وقال النسائي: ليس بالقوي٤. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه: صدوق قد يخطئ٥. وأما إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيرا، فقد قال عنه ابن مهدي: اضرب على حديثه. وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّة: ليس بالقوي. وكذا قال النسائي. وقال أحمد: منكر الحديث، وذكر له أحمد حديثاً منكراً عن عطاء بن أبي رباح. وقال البخاري: يكتب حديثه.

стр. 484

وقال أبو حاتم: ليس بقويٍ في الحديث وليس حده الترك. وقال ابن حبان: سيء الحفظ رديء الفهم١. وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق كثير الوهم٢. فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لضعف إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصُّفيرا، ولم يتابع على ذكر هؤلاء العدة من الصحابة. قال ابن حجر: "لم يخرجوا هذا السياق عن هذه العدة من الصحابة، وإسماعيل فيه كلام"٣ انتهى. وقال البوصيري٤ نحو قول الحافظ ابن حجر.

стр. 485

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن الربا. والربا لغةً: الزيادة. يقال: ربا الشيء يربو ربواً ورباءً، زاد ونما، وأربيته: نمّيته، وفي التنزيل: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ١. أما في الشرع، فيختلف باختلاف نوعه. ويمكن تقسيم أنواعه إلى قسمين: ١ - ربا الدَّين: وهو أن يقول صاحب الدين للمدين: إما أن تقضي الدين وإما أن تربي، أي تزيد فيه، فيزيد في الدين ويؤخر الأجل. وهذا هو ربا الجاهلية٢. ويدخل فيه ربا القرض٣، ويقصد به اشتراط نفعٍ للمقرض؛ لأنه جعل الزيادة - وهو النفع - في مقابل الدَّين. وإذا كان ما حصل به القرض من الأموال الربوية، فيدخل أيضاً في ربا البيع الذي سوف يأتي؛ لأن القرض من باب الإرفاق والإحسان، فإذا اشترط فيه نفع للمقرض أصبح من باب المعاوضات والبيع. ٢ - ربا البيع: وهو مختص بالأصناف التي يجري فيها الربا، وهو على قسمين:

стр. 486

أ - ربا نسيئة: وهو أن يُشترط أجل في أحد العوضين١. وهذا يكون في بيع كل ربويين سواءً اتفقا في الجنس أو اختلفا. ب - ربا فضل: وهو بيع ما يجري فيه الربا بمثله مع زيادةٍ في أحدهما. ومن التعريف يعلم أن ربا الفضل لا يكون إلا في بيع الجنسين المتفقين من الأموال الربوية. ويزيد بعض العلماء نوعاً آخر من أنواع الربا وهو ربا اليد، ويعنون به تأخير القبض في أحد العوضين، أي أن يفارق أحدهما مجلس العقد قبل التقابض٢. لكن يمكن إرجاع هذا النوع إلى ربا النسيئة، فالمنع من التفرق قبل القبض في الأموال الربوية لئلا يكون سبباً لربا النسيئة، وأيضاً فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر كما يفعل أرباب الحيل، يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمرٍ آخر. والربا محرّم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما في الكتاب فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ

стр. 487

أَثِيمٍ﴾ ١، إلى أن يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٢. وهذا الربا الوارد في هذه الآيات هو ربا الدَّين الذي سبق التعريف به وأنه هو ربا الجاهلية. قال ذلك مجاهد وقتادة وغيرهما٣. وقد قال أبو بكر الجصّاص: "والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادةٍ على مقدار ما استُقرض على ما يتراضون به"٤. وقال نحو ذلك ابن عبد البر٥. وأما ربا البيع فقد بيّنت السنة تحريمه - كما سيأتي -. وأما الأدلة الواردة من السنة على تحريم الربا، فقد سبق ذكر بعضها في هذا الفصل، وفيها التصريح بتحريمه، وأنه من الموبقات المتوعد صاحبها باللعن والعقوبة في الآخرة. وقد قال الإمام مالك: "إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئاً أشرّ من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب"٦. وللربا مضار كثيرة في عدة نواحي، فمن الناحية الأخلاقية فإن المرابي يكون منطبعاً بتأثير الأثرة والبخل والعبودية للمال والتكالب عليه.

стр. 488

وأما من الناحية الاجتماعية فإن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالأثرة ولا يساعد فيه أحدٌ غيره إلا أن يرجو منه فائدة راجعة على نفسه، ويستغل الغني الفقير في ضائقته وفقره، فهذا مجتمع لا يمكن أن يقوم ويظل قائماً على قواعد محكمة، بل يكون متفككاً مشتتاً. ومن أضراره الاقتصادية الكثيرة، أن أصحاب الأموال لا يتجهون إلى استثمار الأموال في المشاريع النافعة التي يستفيد منها أهل البلد؛ لأنه بالربا الحاصل له من القرض الربوي لا يحتاج إلى هذه الاستثمارات، ولأن هؤلاء يبقون أموالهم في موضعٍ واحدٍ يرجون ارتفاع سعر الربا، وهذا يؤثر في وفرة الأعمال واستهلاك البضائع١. إلى غير ذلك من مضاره الكثيرة التي لا ينكرها إلا مكابرٌ مادّي. وقد أجمع العلماء على تحريم ربا الدَّين٢ وربا النسيئة٣. وأما ربا الفضل فقد صحّ الحديث في تحريمه عن النبي ﷺ من طريق تسعةٍ من الصحابة فيما وقفت عليه، وهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وفضالة بن عبيد، وعبادة بن الصامت، وأبو بكرة، ومعمر، وأبو أسيد الساعدي ﵃ أجمعين -. وصحّ موقوفاً عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب ﵄ وقد سبق ذكر ألفاظهم فيما تقدم من أحاديث هذا الفصل.

стр. 489

وخالف في هذا عبد الله بن عمر وابن عباس ﵄ فكانا لا يريان بربا الفضل بأساً، إلا أنه قد صح - كما سبق - عن ابن عمر ﵄ رجوعه عن قوله هذا إلى القول بتحريمه. وأما ابن عباس ﵄ فاختلفت الرواية عنه، وقد سبق أن الراجح عنه هو رجوعه عن قوله بإباحة ربا الفضل أيضاً - والله أعلم -. وعلى كلٍ فإنه كما قال ابن عبد البر: رجع ابن عباس – ﵄ أو لم يرجع فالسنة كافية عن قول كل أحدٍ، ومن خالفها جهلاً بها ردَّ إليها. قال عمر بن الخطاب ﵁: ردُّوا الجهالات إلى السنة١. وذكر بعض العلماء عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ إباحة ربا الفضل أيضاً، وقد سبق أن هذا النقل لا يصح عنهما٢. والله أعلم. وقد جاء في روايةٍ عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يرى إباحة ربا الفضل ثم رجع عن ذلك. رواه البيهقي٣. إلا أن هذه الرواية في إسنادها أبو إسحاق السبيعي وهو مدلّس٤، ولم يصرّح بالسماع. والله أعلم. وأما حديث أسامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة"٥، فظاهره أنه لا بأس بربا الفضل، إلا أن العلماء أجابوا عن حديث أسامة ﵁ هذا بعدة أجوبة منها:

стр. 490

١ - لعل الحديث وارد في جنسين مختلفين لا جنس واحد، وأن أسامة ﵁ لم يدرك أول الحادثة التي ورد فيها الحديث١. ٢ - أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعةٍ من أصحاب النبي ﷺ ، ورواية الجماعة أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ من رواية الواحد. ٣ - أن حديث أسامة مجمل، وحديث غيره مبيَّن. فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه. ٤ - أن حديث أسامة المقصود به حصر الكمال. ٥ - أن حديث أسامة فيه نفي تحريم ربا الفضل بالمفهوم، فيقدم عليه أحاديث الجماعة والتي فيها التحريم؛ لأن دلالتها بالمنطوق. ٦ - ذهب بعضهم إلى أن حديث أسامة في إباحة ربا الفضل منسوخ بأحاديث التحريم، ولذا ذكره بعض من ألف في ناسخ الحديث ومنسوخه، كالحازمي٢ والجعبري٣. وغيرها من الأجوبة٤. هذا فيما يتعلق في حكم الربا. أما ما يجري فيه الربا فالأحاديث التي سبق ذكرها في هذا الفصل لم تعين إلا ستة أصناف مما يجري فيه الربا وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. فهل هناك ما يلحق بهذه المذكورة أم لا؟ فإن كان هناك ما يلحق بها ويقاس عليها فما هي العلة الجامعة بينها؟

стр. 491

ذهب طاوس وقتادة وابن عقيل من الحنابلة١ والظاهرية٢ إلى القول بأن الربا مقصور على الأصناف الستة الواردة في الحديث، وخالفهم جمهور العلماء، فقالوا بأن هناك غير هذه الأصناف الستة مما يحرم فيه الربا. واختلفوا في العلة الموجودة في هذه الأصناف الستة والتي من أجلها حرم الربا فيها حتى يقاس عليها غيرها مما فيه نفس العلة. فعند الحنفية أن علة الربا في الأشياء الأربعة المنصوص عليها من غير الذهب والفضة هي الكيل مع الجنس. وفي الذهب والفضة الوزن مع الجنس. فلا تتحقق العلة إلا باجتماع الوصفين، وهما: القدر والجنس٣. وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة٤. وأما عند المالكية فعلّة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية، وفي الأصناف الأربعة الأخرى كونها مطعومة مدخرة مقتاتة. ولم يشترط بعضهم الاقتيات٥. وأما عند الشافعية فعلّة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية أيضاً. وأما الأصناف الأربعة فالقديم من قول الشافعي أن العلة فيها هي كونها مطعوم جنسٍ مكيلاً أو موزوناً. وفي الجديد أن على الربا فيها هي الطعم مطلقاً٦. وأما عند الحنابلة فسبق أن المشهور من المذهب هو كقول أبي حنيفة. وفي رواية كمذهب الشافعي في الجديد٧. وفي رواية أخرى كمذهب الشافعي في القديم٨، وهي اختيار ابن قدامة٩.

стр. 492

ويظهر لي والله أعلم أن الأحاديث قد جاء في بعضها ذكر الذهب والفضة، وجاء في بعضها الآخر ذكر الدينار والدرهم، فإذا كان ذهبًا مصوغًا، أو تبرًا، فهو من جنس الذهب، وكذلك الفضة المصوغة حليًا، أو تبرًا، فإنها من جنس الفضة فالعلة فيها كونها ذهبًا أو فضة١، وأما الدينار والدرهم فالعلة فيهما كونهما أثمانًا؛ لأن هذا المعنى هو الذي يجري التعامل فيهما لأجله؛ فعلى هذا فالعلة فيهما متعدية في كل ما تعارف الناس عليه في أنه

стр. 493

ثمن للأشياء؛ كالأوراق النقدية في هذا الزمان. أما الأصناف الأربعة الباقية، فكون العلة فيها الكيل أو الوزن مع كونه مطعوماً هو الأقرب من هذه الأقوال وبه تجتمع الأدلة. واشترط ابن القيم أيضًا أن يكون مقتاتًا؛ كما هو قول المالكية١. وقد قال سعيد بن المسيب: "لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو مما يكال أو يوزن، مما يؤكل أو يشرب"٢. والله أعلم. ويستفاد أيضًا من حديث فضالة بن عبيد ﵁ المتقدم النهي عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما، أو معهما شيء غير الذهب؛ سدًا لذريعة الربا، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح واقع؛ كبيع مائة درهم في كيس بمائتين؛ جعلاً للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهما٣. ويقاس عليه بيع كل ربوي بجنسه، معهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، وهي المسألة المشهورة عند الفقهاء بمسألة (مد عجوة ودرهم) . وقد ذهب الشافعية٤ والحنابلة٥ في المشهور عندهم إلى تحريم هذه الصورة، وذهب الحنفية٦ إلى الجواز إذا كان الربوي المفرد أكثر من الربوي الذي معه غيره، وهذا القول رواية عن أحمد٧.

стр. 494

وذهب مالك١، وأحمد٢ في رواية عنه إلى أن الربوي المخلوط إذا كان غير مقصود، وإنما دخل الربوي ضمنًا جاز؛ كبيع شاة ذات لبن، بشاة ذات لبن، أو سيف محلى بالذهب بذهب، وقد حدد مالك ذلك بأن لا يكون الربوي أكثر من ثلث ما معه. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول٣.

стр. 495

الفصل الثالث: ما ورد في النهي عن المزابنة والمحاقلة ١٦٢ - (١) عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة"، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً. رواه مالك١ بهذا اللفظ عن نافعٍ عنه به. ومن طريقه أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، والشافعي٥، وأحمد٦، والبيهقي٧. ورواه من غير طريق مالك البخاري٨، ومسلم٩، وأبو داود١٠، والنسائي١١، وابن ماجه١٢، وأحمد١٣، والطحاوي١٤، والبيهقي١٥، كلهم من طرقٍ عن نافعٍ به بنحوه.
следующие страницы →