← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7267

الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها

سليمان بن صالح الثنيان

Полный текст (707 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ذهب طاوس وقتادة وابن عقيل من الحنابلة١ والظاهرية٢ إلى القول بأن الربا مقصور على الأصناف الستة الواردة في الحديث، وخالفهم جمهور العلماء، فقالوا بأن هناك غير هذه الأصناف الستة مما يحرم فيه الربا. واختلفوا في العلة الموجودة في هذه الأصناف الستة والتي من أجلها حرم الربا فيها حتى يقاس عليها غيرها مما فيه نفس العلة. فعند الحنفية أن علة الربا في الأشياء الأربعة المنصوص عليها من غير الذهب والفضة هي الكيل مع الجنس. وفي الذهب والفضة الوزن مع الجنس. فلا تتحقق العلة إلا باجتماع الوصفين، وهما: القدر والجنس٣. وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة٤. وأما عند المالكية فعلّة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية، وفي الأصناف الأربعة الأخرى كونها مطعومة مدخرة مقتاتة. ولم يشترط بعضهم الاقتيات٥. وأما عند الشافعية فعلّة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية أيضاً. وأما الأصناف الأربعة فالقديم من قول الشافعي أن العلة فيها هي كونها مطعوم جنسٍ مكيلاً أو موزوناً. وفي الجديد أن على الربا فيها هي الطعم مطلقاً٦. وأما عند الحنابلة فسبق أن المشهور من المذهب هو كقول أبي حنيفة. وفي رواية كمذهب الشافعي في الجديد٧. وفي رواية أخرى كمذهب الشافعي في القديم٨، وهي اختيار ابن قدامة٩.

стр. 492

ويظهر لي والله أعلم أن الأحاديث قد جاء في بعضها ذكر الذهب والفضة، وجاء في بعضها الآخر ذكر الدينار والدرهم، فإذا كان ذهبًا مصوغًا، أو تبرًا، فهو من جنس الذهب، وكذلك الفضة المصوغة حليًا، أو تبرًا، فإنها من جنس الفضة فالعلة فيها كونها ذهبًا أو فضة١، وأما الدينار والدرهم فالعلة فيهما كونهما أثمانًا؛ لأن هذا المعنى هو الذي يجري التعامل فيهما لأجله؛ فعلى هذا فالعلة فيهما متعدية في كل ما تعارف الناس عليه في أنه

стр. 493

ثمن للأشياء؛ كالأوراق النقدية في هذا الزمان. أما الأصناف الأربعة الباقية، فكون العلة فيها الكيل أو الوزن مع كونه مطعوماً هو الأقرب من هذه الأقوال وبه تجتمع الأدلة. واشترط ابن القيم أيضًا أن يكون مقتاتًا؛ كما هو قول المالكية١. وقد قال سعيد بن المسيب: "لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو مما يكال أو يوزن، مما يؤكل أو يشرب"٢. والله أعلم. ويستفاد أيضًا من حديث فضالة بن عبيد ﵁ المتقدم النهي عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما، أو معهما شيء غير الذهب؛ سدًا لذريعة الربا، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح واقع؛ كبيع مائة درهم في كيس بمائتين؛ جعلاً للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهما٣. ويقاس عليه بيع كل ربوي بجنسه، معهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، وهي المسألة المشهورة عند الفقهاء بمسألة (مد عجوة ودرهم) . وقد ذهب الشافعية٤ والحنابلة٥ في المشهور عندهم إلى تحريم هذه الصورة، وذهب الحنفية٦ إلى الجواز إذا كان الربوي المفرد أكثر من الربوي الذي معه غيره، وهذا القول رواية عن أحمد٧.

стр. 494

وذهب مالك١، وأحمد٢ في رواية عنه إلى أن الربوي المخلوط إذا كان غير مقصود، وإنما دخل الربوي ضمنًا جاز؛ كبيع شاة ذات لبن، بشاة ذات لبن، أو سيف محلى بالذهب بذهب، وقد حدد مالك ذلك بأن لا يكون الربوي أكثر من ثلث ما معه. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول٣.

стр. 495

الفصل الثالث: ما ورد في النهي عن المزابنة والمحاقلة ١٦٢ - (١) عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة"، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً. رواه مالك١ بهذا اللفظ عن نافعٍ عنه به. ومن طريقه أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، والشافعي٥، وأحمد٦، والبيهقي٧. ورواه من غير طريق مالك البخاري٨، ومسلم٩، وأبو داود١٠، والنسائي١١، وابن ماجه١٢، وأحمد١٣، والطحاوي١٤، والبيهقي١٥، كلهم من طرقٍ عن نافعٍ به بنحوه.

стр. 496

وعند أحمد التصريح بأن تفسير المزابنة من نافع مولى ابن عمر. ورجح الحافظ أن التفسير مرفوع إلى النبي ﷺ ، وعلى فرض أنه من قول ابن عمر فالصحابة أعلم بذلك من غيرهم١. وروى الترمذي الحديث بإسناده عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة "٢، فزاد في الإسناد زيد بن ثابت بين النبي ﷺ وابن عمر ﵄. وقد تفرّد بذلك ابن إسحاق وهو مدلِّس وقد عنعن، وقد بيَّن الترمذي أن رواية مالك وغيره عن نافع أصحّ من رواية ابن إسحاق. وأن المحفوظ في حديث زيد بن ثابت هو الرخصة في العرايا، وليس عنده ذكر النهي عن المحاقلة والمزابنة. وروى الشافعي٣، والحميدي٤، وعلي بن الجعد٥، والطحاوي٦ - من طريق الشافعي -، والحاكم٧، كلهم من طرقٍ عن سفيان ثنا عمرو بن دينار سمعت إسماعيل الشيباني يقول: بعت ما في رؤوس نخلي بمائة وسق إن زاد فلهم وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر، فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن هذا إلا أنه أرخص في العرايا". وإسناد هذا الحديث صحيح.

стр. 497

وإسماعيل الشيباني هو إسماعيل بن إبراهيم. قال عنه أبو زرعة: ثقة١. ورواه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي مختصرًا٤، والطحاوي٥، والدارقطني٦، كلهم من طرقٍ عن سالم عن أبيه مرفوعاً، بلفظ: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثَّمر بالتمر". وحديث ابن عمر ﵄ في النهي عن بيع ما لم يبد صلاحه قد رواه أيضًا البخاري٧، ومسلم٨، وأبو داود٩، والنسائي١٠، وابن ماجه١١، كلهم من طرق عنه ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع". وعند مسلم: قيل لابن عمر ﵄: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته. وفي لفظ لمسلم وأبي داود، وهو لفظ الترمذي١٢ عنه ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمبتاع.

стр. 498

فمما تقدم يتبين أن حديث ابن عمر- ﵄ – في النهي عن المزابنة، وعن بيع ما لم يبد صلاحه حديث صحيح، وقد ثبت عنه من طرقٍ. والله أعلم. ١٦٣ - (٢) عن سهل بن أبي حثمة ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخَّص في العريِّة أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رُطباً". رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، والشافعي٥، والحميدي٦، وابن أبي شيبة٧، وأحمد٨، والطحاوي٩، والطبراني في الكبير١٠، والبيهقي١١، كلهم من طرقٍ عن بُشير بن يسار عنه به.

стр. 499

ورواه البخاري١، ومسلم٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والطبراني٧ من هذا الطريق بذكر رافع بن خديج مقروناً بسهل بن أبي حثمة. وسوف يأتي - إن شاء الله - ذكر حديث رافع بن خديج ﵁. وفي روايةٍ لمسلم والطحاوي: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة". وفي روايةٍ لمسلم وأحمد والبيهقي أُبهم سهل بن أبي حثمة. ويبينه الطرق الأخرى للحديث. وفي رواية لمسلم والبيهقي جاء "عن بعض أصحاب النبي ﷺ من أهل دارهم منهم سهل بن أبي حثمة". ١٦٤ - (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة"، والمزابنة اشتراء الثمر في رؤوس النخل، والمحاقلة كراء الأرض.

стр. 500

رواه مالك١ بهذا اللفظ عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عنه به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥، وأبو يعلى٦، والبيهقي٧. وللحديث طريق أخرى، فقد رواه النسائي٨، والدارمي٩، وأحمد١٠، وأبو يعلى١١، كلهم من طرقٍ عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي سعيدٍ به. ومحمد بن عمرو بن علقمة تقدم الكلام فيه١٢، وأنه صدوق له أوهام. وقد توبع عمرو بن علقمة بالطريق الأولى للحديث متابعة قاصرة فيعتضد بها. والله أعلم.

стр. 501

١٦٥ - (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة". رواه البخاري١ وهذا لفظه، وأحمد٢، والطبراني في الكبير٣، والبيهقي٤، كلهم من طرقٍ عن أبي معاوية محمد بن خازم عن سليمان بن أبي سليمان أبي إسحاق الشيباني عن عكرمة مولى ابن عباس عنه به. وزاد أحمد والطبراني والبيهقي: وكان عكرمة يكره بيع القصيل. والقصيل هو ما قطع من الزرع وهو أخضر٥. ١٦٦ - (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة". رواه مسلم٦، والترمذي٧، والنسائي٨، وعبد الرزاق٩، وأحمد١٠، والطحاوي١١، والطبراني في المعجم الصغير١٢، كلهم من طرقٍ عن أبي هريرة ﵁ وهذا لفظهم.

стр. 502

وزاد الطبراني: "والملامسة ونهى عن الشغار". ورواه مسلم١، والنسائي٢، والطحاوي٣، والدارقطني٤ بلفظ: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". ١٦٧ - (٦) عن رافع بن خديج ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجلٌ له أرضٌ فهو يزرعها، ورجلٌ منح أرضاً فهو يزرع ما منح، ورجلٌ استكرى أرضاً بذهب أو فضة". رواه أبو داود٥ وهذا لفظه، والنسائي٦، وابن ماجه٧، وابن أبي شيبة٨، والطبراني٩، كلهم من طرقٍ به. وإسناده صحيح. وللحديث طرق كثيرة وألفاظ مختلفة أعرضت عنها واكتفيت بما سبق؛ لكونها - أي هذه الطرق - ليست في موضوع البيع، وإنما هي من باب

стр. 503

الإجارة والمزارعة، وقد أطال النسائي١ في بيان الاختلاف في طرق وألفاظ هذا الحديث٢. وفي روايةٍ للنسائي جاء فيها بيان أن قوله "إنما يزرع ثلاثة ... " الحديث، من قول سعيد بن المسيب. وقد روى هذا الحديث مسلم٣، ومالك٤، وعبد الرزاق٥، كلهم من طرقٍ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ قال ... " فذكر الحديث. وسعيد بن المسيب قد جاء في الطرق الأخرى للحديث أنه سمع هذا الحديث من رافع بن خديج ﵁. وأما سبب إخراج مسلم له مع إرساله، فالجواب ما ذكره السيوطي حيث قال: "عذره فيه أنه يورده محتجاً بالمسند منه لا بالمرسل، ولم يقتصر عليه للخلاف في تقطيع الحديث على أن المرسل منه تبين اتصاله من وجهٍ آخر"٦. ويعني السيوطي بقوله هذا، أن مسلماً سمع حديثاً مسنداً ومعه هذا المرسل، فذكرهما جميعاً، ومقصوده الحديث المتصل، وأورد المرسل لكونه أراد أداء الحديث كما سمعه، ولم يقتصر على المتصل للخلاف في جواز تقطيع الحديث. والله أعلم.

стр. 504

١٦٨ - (٧) عن زيدٍ أبي عياش أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسّلت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك. وقال سعد: "سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرُّطب، فقال رسول الله ﷺ : "أينقص الرُّطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك". رواه مالك١ وهذا لفظه عن عبد الله بن يزيد به. ومن طريقه أخرجه أبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، والطيالسي٦، وعبد الرزاق٧، وابن أبي شيبة٨، وأحمد٩، والبزار١٠، وأبو يعلى١١، والطحاوي١٢، وابن حبان١٣، والدارقطني١٤، والبيهقي١٥. وقال الترمذي: حسن صحيح.

стр. 505

ورواه النسائي، وعبد الرزاق، والحميدي١، وأحمد٢، والطحاوي٣، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من طرقٍ عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد به بنحو لفظ مالك. ورواه ابن الجارود٤، والطحاوي٥، بإسنادهما عن مالك وأسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيدٍ به. فهؤلاء مالك، وإسماعيل بن أمية، وأسامة بن زيد كلهم اتفقوا على متن الحديث المتقدم. ويؤيد ما رووه ما أخرجه الحاكم٦ - ومن طريقه البيهقي - بإسناده عن الربيع بن سليمان المرادي عن عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عمران بن أبي أنس قال سمعت أبا عياش ... " الحديث بنحو لفظ مالك. فهذه متابعة لعبد الله بن يزيد - في رواية الجماعة عنه -. وخالفهم يحيى بن أبي كثير، وذلك فيما رواه أبو داود٧، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، كلهم من طرقٍ عن يحيى بن أبي كثير أخبرني عبد الله بن يزيد أنَّ أبا عيَّاش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وقاص ﵁

стр. 506

يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر نسيئة". فجعل النهي مقتصراً على بيعه نسيئة. وقد توبع يحيى بن أبي كثير في روايته هذه، وذلك فيما رواه الطحاوي١ عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن عمران بن أبي أنيس أن مولى لبني مخزوم حدثه أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: "نهانا رسول الله ﷺ عن هذا". فهذه متابعة لعبد الله بن يزيد - في رواية يحيى بن أبي كثير عنه -. فاختلف العلماء في الترجيح بين الروايتين، فالطحاوي وابن التركماني٢ وغيرهما من الأحناف يرجِّحون رواية يحيى بن أبي كثير ويجعلون النهي عن بيع الرطب بالتمر إذا كان نسيئة، وهذا هو مذهبهم. وخالفهم آخرون فرجحوا رواية مالك ومن معه، فقال الدارقطني - بعد ذكر رواية يحيى بن أبي كثير -، قال: "خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا "نسيئة"، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس". وذكر البيهقي ترجيحاً آخر لرواية مالك ومن معه، فقال: "العلة المنقولة في هذا الخبر تدل على خطأ هذه اللفظة"٣. ويعني البيهقي بقوله هذا أن

стр. 507

في قول النبي ﷺ : "أينقص الرطب إذا يبس؟ " ما يدل على أن النهي في حالة بيع الرطب بالتمر حالاً لعدم التماثل بينهما؛ لأنه وإن تساويا في الكيل إلا أن الرطب سوف ييبس فيقل كيله، وأما إذا كان النهي إنما هو مقتصر على بيعهما نسيئة لم يعد لهذا التعليل معنى؛ لأن النسيئة محرمة، حتى بين التمر بالتمر المتماثلين، فلا يخشى من نقص أحدهما. وأما الطحاوي وابن التركماني وغيرهما فسبق أنهم يرجحون رواية يحيى بن أبي كثير، وقد أتى الطحاوي على رواية إسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد فضعفهما لما وقع في بعض الأسانيد عنهما من خطأ. وفعل نحو ذلك ابن التركماني وزاد عليه أن ضعف حتى رواية مالك بحجة اختلاف وقع عليه في بعض الأسانيد، وقد خالفه الطحاوي فصحح رواية مالك وعارضها برواية يحيى بن أبي كثير والمتابعة التي جاءت بمعناها، ثم قال عن رواية مالك ومن معه: "فبان بحمد الله ونعمته فساد هذا الحديث في إسناده وفي متنه١ جميعاً"٢. ولكن يظهر أن ما ذكراه فيه نظر؛ لأن الخطأ في بعض الأسانيد المروية في حديثٍ ما لا يعني ضعف الحديث كله، وإلا فإن كثيراً من

стр. 508

الأحاديث الصحيحة وقع فيها نحو ذلك، فالضعيف لا يعل الصحيح. ورواية مالك لهذا الحديث جاءت عن أربعة عشر راوياً كلهم رووه عن مالك ولم يختلفوا عليه، وجاءت رواية واحدة تخالف روايتهم من طريق علي بن عبد الله بن المديني عن أبيه عن مالك عن داود بن الحصين عن عبد الله بن يزيد فذكر الحديث١. فعبد الله بن المديني والد علي بن المديني ضعيف٢، وقد وجه علي بن المديني رواية والده بأنها كانت قبل أن يلقى مالكٌ عبدَ الله بن يزيد ويأخذ منه الحديث بلا واسطة. فهل هذا يعد اختلافاً على مالك ترد به روايته؟ لا شك أن هذا لا يصح. وأما ابن التركماني فقال: "ومالك قد اختلف عليه في سند الحديث ... ". وهذا بعيد من الصواب والله أعلم. فيترجح - والله أعلم - أن رواية مالك ومن تابعه هي المحفوظة، وأن رواية يحيى بن أبي كثير شاذة. وأما المتابعة التي جاءت بمعنى ما رواه يحيى بن أبي كثير، فتقدم أنه قد عارضها بنفس إسنادها رواية تؤيد رواية مالك ومن معه، ولكن ابن التركماني رجح رواية من تابع يحيى بن أبي كثير، وأخذ يضعف الرواية الأخرى مع أن إسنادها صحيح، وأما رواية مخرمة بن بكير عن أبيه فقد قال ابن حجر: "روايته عن أبيه وجادة من كتابه"٣، وروى مسلم أحاديث من هذا الطريق٤. والله أعلم.

стр. 509

والرواية التي تؤيد رواية يحيى بن أبي كثير وقد رواها الطحاوي، إسنادها أيضاً صحيح، والمولى من بني مخزوم هو زيد أبو عياش كما في الطرق الأخرى للحديث، ولكن قال عنها البيهقي: "هذا يخالف رواية الجماعة في غير موضع، فإن كان محفوظاً فهو إذا حديث آخر"١. وهذا الحمل الذي ذكره البيهقي متعيِّن؛ لأن في رواية مالك وغيره أنَّ أبا عياش سأل سعداً عن بيع السلت بالبيضاء، فذكر له سعد أن النبي ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر لعدم التماثل بينهما، فكذلك لا يجوز بين السلت بالبيضاء. وأما في رواية الطحاوي فجاء فيها أن أبا عياش سأل سعداً عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل. والله أعلم. فإذا ترجّح أن المحفوظ في هذا الحديث هو رواية مالك ومن تابعه عن عبد الله بن يزيد عن زيدٍ أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر". ليس فيه نسيئة، فقد أُعلّ هذا الحديث أيضاً بزيدٍ أبي عياش، فقال فيه أبو حنيفة وابن حزم: مجهول٢. والجواب عن هذا ما قاله المنذري حيث قال: "كيف يكون مجهولاً وقد روى عنه اثنان ثقتان عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج بهما مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن، هذا الإمام مالك قد أخرج حديثه في موطئه مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم، والترمذي قد أخرج حديثه وصححه، وصحح حديثه أيضاً الحاكم أبو عبد الله ... "٣ انتهى.

стр. 510

ويضاف إلى ما ذكره المنذري أن الدارقطني قال فيه ثقة، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في الثقات١، وقال بعضهم إنه صحابي لكن هذا مردود كما قال الطحاوي٢. فمما سبق يتبين أن الحديث صحيح من رواية مالك ومن تابعه. وهو يدل على النهي عن بيع الرطب بالتمر. وأما قوله في الحديث: "سئل عن بيع البيضاء بالسلت"، فالبيضاء نوع من البر أبيض اللون وفيه رخاوة يكون ببلاد مصر٣. وأما السُّلت فقال الخطابي: "هو نوع غير البر وهو أدق حباً منه، وقال بعضهم البيضاء هو الرطب من السلت، والأول أعرف إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، وعلته تبين موضع التشبيه من الرطب بالتمر، وإذا كان الرطب منهما جنساً واليابس جنساً آخر لم يصح التشبيه"٤ انتهى كلامه. وقال ابن عبد البر: "البيضاء هي الشعير"٥. ويظهر أنه يرى أن السُّلت نوع غير الشعير، وذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص كان يرى أن البر والشعير والسُّلت نوع واحد لا يجوز التفاضل بينهما. فلذلك حدث بهذا الحديث الذي فيه النهي عن بيع المتماثلين إلا مثلاً بمثل. وقال ابن الأثير عكس ما قال ابن عبد البر، فقال: "إن البيضاء هي الحنطة، والسلت ضرب من الشعير أبيض لا قشر له"٦. والله أعلم.

стр. 511

١٦٩ - (٨) عن عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ سئل عن رطبٍ بتمرٍ، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: لا يباع رطب بيابسٍ". رواه البيهقي١ بإسناده عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عنه به. وهو مرسل، فإن عبد الله بن أبي سلمة هو الماجشون، تابعي، وهو ثقة٢. وإسناده إلى عبد الله بن أبي سلمة صحيح. قال البيهقي: هذا مرسل جيِّد. وهذا المرسل يصلح للاعتبار به في الشواهد. وهو شاهد لما تقدم في النهي عن بيع الرطب بالتمر. والله أعلم. ١٧٠ - (٩) عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يباع الرطب بالتمر الجاف". رواه ابن عدي٣، والدارقطني٤، ومن طريقه ابن الجوزي٥.

стр. 512

وفي إسناده يحيى بن أبي أُنيسة. تقدم الكلام فيه١، وأنه ضعيف جداً. وللحديث طريق أخرى، أخرجها الدارقطني٢ أيضاً بإسناده عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الرطب باليابس". وموسى بن عبيدة، هو الرّبذي، تقدم الكلام فيه وأنه ضعيف جداً٣. فمما سبق يتبين أن هذين الإسنادين ضعيفان ضعفاً شديداً، وذلك لأجل يحيى بن أبي أُنيسة، وموسى بن عبيدة الربذي، وبهما أعل ابن الجوزي٤ الحديث. والله أعلم. ومما ورد في هذا الفصل أيضاً: (١٠) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٥. (١١) حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقد تقدم٦. (١٢) حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم٧.

стр. 513

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم من أحاديث هذا الفصل النهي عن المحاقلة والمزابنة. أما المحاقلة فقد اختلف في معناها، ولكن أشهر ما فسرت به معنيان: أحدهما: اكتراء الأرض بالحنطة وهو ما يسمى بالمزارعة. والثاني: أنه بيع الطعام في سنبله بالبر. وقد سبق أن سعيد بن المسيب فسَّر المحاقلة بهذين المعنيين، وفسّرها جابر بن عبد الله ﵄ بالمعنى الثاني، وهو الذي يهمنا هنا؛ لأنه هو الذي يتعلق بموضوع البيع، وأما الأول فهو من باب الإجارة. وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطةٍ صافيةٍ١. وإنما نهي عنه لعدم تحقق المساواة فيهما وهي شرط في الربويات. وذلك أن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل. والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل٢. وأما المزابنة فهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن وهو الدفع، كأنّ كل واحدٍ من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه٣. ومن المزابنة أيضاً بيع الزبيب بالكرم، وقد ألحق الشافعي وغيره بالتمر والزبيب بيع كل مجهولٍ بمجهولٍ أو معلومٍ من جنسٍ يجري فيه الربا٤.

стр. 514

وعند مالك أن المزابنة بيع كل مجهولٍ بمعلومٍ من صنفه كائناً ما كان سواءً أكان مما يجوز فيه التفاضل أم لا؛ لأن ذلك يصير إلى باب المخاطرة والقمار. وأجاز المالكية بيع المجهول بمثله، وبالمعلوم إن كثر أحدهما كثرة بيّنة إذا كان في غير ما يدخله ربا الفضل١، لعدم وجود المخاطرة والقمار هنا. والله أعلم. وتحريم المزابنة مما لا خلاف فيه بين العلماء٢، وإنما نهي عنها لأن المساواة بين الرطب والتمر ونحوهما شرط، وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص وهو حدسٌ وظن لا يؤمن فيه من التفاوت٣. وقد جاء في بعض الأحاديث التي جاءت في النهي عن المزابنة الرخصة في العرايا، والعريَّة أن يبيع ثمر نخلاتٍ معلومة بعد بدو الصلاح فيها خرصاً بالتمر الموضوع على وجه الأرض كيلاً. وقد استثناها الشرع لحاجة الناس إليها، كما استثنى السلم بالجواز من بيع ما ليس عنده٤. ولا تصح العرايا إلا باعتبار المماثلة، فيخرص النخل، فيقال: ثمرها إذا جف يكون كذا وكذا، فيبيعه بقدره من التمر كيلاً، ويقبض مشتري التمرِ التمرَ، ويخلّي بين مشتري الرطب والنخلة في مجلس العقد يقطعه متى شاء، فإن تفرّقا قبل ذلك كان فاسداً٥.

стр. 515

وتجوز العرايا إذا كان الرطب دون خمسة أوسق كما في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: "أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق"١، فيخرص الرطب كم يكون قدره إذا صار تمرًا، فإذا كان دون خمسة أوسق جاز. وقد اشترط بعض الفقهاء شروطاً أخرى لجواز العرايا لا دليل عليها، والله أعلم. والتفسير السابق للعرايا قال به الشافعي٢، وأحمد٣، وغيرهما من العلماء، وهذا التفسير هو الذي يتوافق مع الأدلة الواردة في الرخصة للعرايا. وأما الإمام مالك فعنده أن المراد بالعرايا أن يهب الرجل لآخر ثمراً على رؤوس الشجر، ثم يبدو للواهب أن يبتاعها من الذي أُعريها، فيحل له أن يشتريها بالدنانير والدراهم، وإن كانت أكثر من خمسة أوسق، ويحل له أيضاً أن يشتريها بالطعام، ولكن لا يجوز فيما هو أكثر من خمسة أوسق٤. وعند أبي حنيفة أن العرايا هي أن يهب الرجل ثمر نخله من بستانه لرجل، ثم يشق على المُعري دخول المعرى له في بستانه كل يومٍ لكون أهله في البستان، ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمراً مجذوذاً بالخرص ليدفع الضرر عن نفسه ولا يكون مخلفاً للوعد، وإنما صار جائزاً لأن الموهوب لم يصر ملكاً للموهوب له ما دام

стр. 516

متصلاً بملك الواهب، فما يعطيه من التمر لا يكون عوضاً عنه، بل هبة مبتدأة، وإنما سمي ذلك بيعاً مجازاً١. وقد تمسك الأحناف بحديث: "التمر بالتمر كيل بكيل"، وما على رؤوس النخل تمر فلا يجوز بيعه بالتمر إلا كيلاً بكيلٍ٢. وفي هذا نظر، فإن الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله ﷺ أولى، والقياس لا يصار إليه مع النص٣. فإذا ترجح قول جمهور العلماء في الرخصة في العرايا، وأن الرطب على رؤوس النخل يباع بمثل خرصه من التمر، فقد قاس عليه بعض العلماء جواز بيع كل ربوي بجنسه على سبيل التحري والخرص عند الحاجة لذلك إذا تعذر الكيل أو الوزن٤ ويستفاد مما تقدم أيضاً أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر مطلقاً، كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو قول جمهور العلماء٥. ووافقهم الحنفية إذا كان البيع نسيئة، وأما إذا كان حالاً فليس بمنهي عنه عندهم٦؛ وذلك أن الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين فيجوز بيعهما ولو متفاضلين إذا كانا يداً بيد، وإما أن يكونا جنساً واحداً فيجوز بيعهما بشرط التماثل وأن يكون يداً بيدٍ، وعلى التقديرين فلا يمنع بيع

стр. 517

أحدهما بالآخر١. وفي هذا نظر؛ لأن الرطب والتمر جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها؛ لأنه لا يعرف التساوي بينهما إلا بعد الجفاف٢. والله أعلم.

стр. 518

الفصل الرابع: ما ورد في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ١٧١ - (١) عن سمرة بن جندب ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". رواه أبو داود١، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والدارمي٧، كلهم من طرقٍ عن قتادة عن الحسن عنه به بهذا اللفظ. قال الترمذي: "حديث سمرة حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره". وقد اختلف في سماع الحسن البصري من سمرة ﵁. فقيل: إن أحاديثه عنه محمولة على السماع، وقد سمع منه كثيراً. وهذا ما نقله الترمذي عن علي بن المديني، وكذلك نقله عن البخاري، وصرَّح به الحاكم في المستدرك.

стр. 519

القول الثاني: أنه لم يسمع منه شيئاً. قاله شعبة، ويحيى القطان، وبهز بن أسد، ويحيى بن معين، وابن حبان، والبرديجي. وبعضهم يذكر أن روايته عنه من كتابٍ، كيحيى القطان والبرديجي. القول الثالث: أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وباقي ما يروي عنه من كتاب. قاله النسائي، ومال إليه الدارقطني، والبيهقي، واختاره البزار، وعبد الحق الإشبيلي في أحكامه، وابن عساكر١. والذي يترجح لي أنه سمع منه في الجملة، إلا أن الحسن موصوفٌ بالتدليس، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرّح فيه بالسماع. قال الذهبي: قال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثيرٍ مما يقول فيه الحسن "عن فلان"، وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لفلانٍ المعيَّن، لأن الحسن معروف بالتدليس، ويدلِّس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك، فإننا وإن ثبتنا سماعه من سمرة، يجوز أن يكون لم يسمع فيه٢ غالب النسخة التي عن سمرة٣. والله أعلم. وبهذا يتبين أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن الحسن لم يصرِّح بالسماع من سمرة ﵁ في هذا الحديث. والله أعلم.

стр. 520

١٧٢ - (٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نسيئاً، ولا بأس به يداً بيدٍ". رواه الترمذي١ واللفظ له، وابن ماجه٢، وعلي بن الجعد٣، وأبو بكر بن أبي شيبة٤، وأحمد٥، والطحاوي٦. كلهم من طرقٍ عن أبي الزبير عنه به. قال الترمذي: حسن صحيح. وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرُس الأسدي، مولاهم المكي، مشهور بالتدليس. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلِّسين٧. ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث، فعلى هذا فإن الحديث بهذا الإسناد ضعيف لتدليس أبي الزبير. والله أعلم. ١٧٣ - (٣) عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".

стр. 521

رواه الترمذي في العلل الكبير١، والطحاوي٢، والعقيلي٣، والطبراني في الكبير٤، وأبو الشيخ الأصبهاني٥، وأبو نعيم الأصبهاني٦، وأبو بكر بن المقرئ٧. كلهم من طرقٍ عن محمد بن دينار الطاحي، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير به. ومحمد بن دينار الأزدي الطاحي البصري، مختلف فيه. فقال فيه ابن معين: ليس به بأس. وقال مرّةً: ضعيف. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو داود: تغيَّر قبل أن يموت. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرّةً: ضعيف. وقال العقيلي: في حديثه وهم. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال مرّةً: متروك. وقال ابن عدي: حسن الحديث وعامة حديثه يتفرد به٨. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق سيء الحفظ، ورمي بالقدر، وتغير قبل موته"٩. قال أبو داود: ذكرت له - أي لأحمد بن حنبل - حديث ابن عمر في الحيوان، فقال: ليس فيه ابن عمر، هو عن زياد بن جبير موقوف١٠.

стр. 522

ولعل الإمام أحمد يقصد بقوله هذا أنه مرسل. بدليل قوله "ليس فيه ابن عمر"، وبدليل ما يأتي عن البخاري. فقد قال الترمذي: سألت محمداً- يعني البخاري - عن هذا الحديث. فقال: إنما يرويه زياد بن جبير عن النبي ﷺ مرسلاً١. وعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال محمد بن دينار الطاحي، ولأن المحفوظ فيه الإرسال كما قال أحمد والبخاري. وقد تقدم٢ لحديث ابن عمر ﵄ طريق آخر، وذلك من طريق أبي جناب الكلبي عن أبيه عن ابن عمر ﵄ ... " الحديث، وفيه: "أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال النبي ﷺ : "لا بأس إذا كان يداً بيد". رواه أحمد٣. وأبو جناب ضعيف مدلِّس. وقد روى الإمام مالك في موطئه عن نافع أن ابن عمر ﵄ "اشترى راحلةً بأربعة أبعرة مضمونةً عليه يوفيها صاحبها بالربذة"٤، وهذا إسناد صحيح. وهذا قد يعل به الحديث المرفوع عن ابن عمر ﵄ في النهي، إلا أن يحمل صنيع ابن عمر ﵄ على اختلاف المنافع كما سيأتي في الدراسة الفقهية. والله أعلم.

стр. 523

١٧٤ - (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". جاء هذا الحديث من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عنه به. وقد اختلف على معمر في وصله وإرساله. أولاً: من رواه عن معمر موصولاً:

стр. 524

ليس بثقة. وقال أيضاً: ليس بشيء. وكان لسفيان ورّاق أفسد حديثه وأدخل فيه ما ليس منه١. فعلى هذا فلا يعتبر بهذه الرواية. والله أعلم. ثانياً: من رواه عن معمر مرسلاً: رواه عن معمر مرسلاً - ممن وقفت عليه - عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ذكر ذلك البيهقي٢. وعبد الأعلى ثقة٣. ثالثاً: من اختلف عليه في وصله وإرساله:

стр. 525

منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً، يأتي عن الثقات بالموضوعات ولا أحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وقال الحاكم: روى عن الفضل وابن عيينة أحاديث موضوعة١. ورواه عن سفيان الثوري مرسلاً محمد بن يوسف الفريابي٢، وهو ثقة، وقيل: يخطأ في حديث سفيان٣. ٢ - رواه عبد الرزاق عن معمر مرسلاً، كذلك رواه ابن الجارود٤ بإسناده عنه. وصرّح البيهقي٥ وابن عبد البر٦ بأن رواية عبد الرزاق مرسلة. إلا أن الحديث في مصنف عبد الرزاق٧ موصول. هذه هي الروايات التي وقفت عليها في هذا الحديث عن معمر. وذكر البيهقي أن علي بن المبارك الهُنائي قد تابع معمراً في الرواية المرسلة عنه٨. وعلي بن المبارك ثقة تكلم في حديثه عن يحيى بن أبي كثير إذا روى عنه أهل الكوفة٩.

стр. 526

وقد رجح الأئمة المتقدمون رواية الإرسال على الوصل. فقد قال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث. فقال: قد روى داود بن عبد الرحمن العطار عن معمر هذا وقال: عن ابن عباس. وقال الناس: عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلاً"١. فظاهر كلام البخاري أن هناك جمعاً من الرواة كلهم يروون هذا الحديث عن معمر مرسلاً. وقال أبو حاتم أيضاً: "الصحيح عن عكرمة أن النبي ﷺ مرسل"٢. ورجح إرساله أيضاً ابن خزيمة٣، والبيهقي٤. فعلى هذا فإن الراجح في هذا الحديث أنه مرسل. والله أعلم. ١٧٥ - (٥) عن جابر بن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند٥، ومن طريقه الخطيب البغدادي٦، بإسناده عن أبي عمر المقري، عن سماك بن حرب به. وأبو عمر المقري قال فيه الهيثمي: "إن كان هو الدوري فقد وثق والحديث صحيح. وإن كان غيره فلم أعرفه"٧.

стр. 527

والصحيح أن أبا عمر المقري هو حفص بن سليمان صاحب عاصم. وقد ذكر الخطيب هذا الحديث في ترجمته وبيّن أنه هو أبو عمر المقري. وحفص بن سليمان هو ابن المغيرة أبو عمر الأسدي البزار. قال فيه أحمد، وابن المديني، ومسلم، وأبو حاتم، والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه١. ولذا قال ابن حجر فيه: متروك الحديث مع إمامته في القراءة٢. فعلى هذا لا يعتبر بهذه الطريق لضعف حفص بن سليمان ضعفاً شديداً. والله أعلم. وقد جاء الحديث من طريق أخرى أضعف منها، وذلك فيما رواه الطبراني في الكبير٣، وابن عدي٤، بإسنادهما عن إبراهيم بن راشد الأدمي ثنا داود بن مهران ثنا محمد بن الفضل بن عطية عن سماكٍ به. وهذا الإسناد فيه محمد بن الفضل بن عطية، قال فيه أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب، وقال ابن معين: ضعيف. وقال مرّة: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال مرّةً: كان كذاباً لم يكن ثقة. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث تُرك حديثه. وقال مسلم والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي مرّةً: كذاب٥.

стр. 528

قال ابن حجر: كذبوه١. وفي الإسناد أيضاً إبراهيم بن راشد الأدمي. قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الخطيب، واتهمه ابن عدي٢. فعلى هذا فإن هذه الطرق لا يقوي بعضها بعضاً. فمما سبق يتبين أن هذا الحديث عن جابر بن سمرة ضعيف جداً، فلا يعتبر به. والله أعلم.

стр. 529

دلالة الأحاديث السابقة: أحاديث هذا الفصل تدل على النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وبه قال أبو حنيفة١. إلا أنه قد سبق أن هذه الأحاديث في جميعها مقال. إلا أن الراجح أنها بمجموعها تصلح للاحتجاج، وقد عارضها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ "أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" ٢، وقلاص جمع قلوص، وهي الناقة الشابة٣.

стр. 530

فهذا الحديث يدل على إباحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وإلى هذا ذهب الشافعي١ وأحمد في الصحيح من مذهبه٢. وقد حكى البخاري هذا المذهب عن ابن عمر، ورافع بن خديج، وابن المسيب، وابن سيرين٣، ورواه مالك٤ عن علي ﵁. ولهذا القول أدلة أخرى غير هذا الحديث، إلا أن هذا الحديث هو أقواها. وأما دعوى النسخ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄-٥، فلا دليل عليها. والله أعلم. وذهب مالك إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بشرط ألا يتحدا في الجنس والمنفعة، فيجوز أن يبتاع البعير بالبعير نسيئة، أما إذا اختلفا في الجنس فيجوز مطلقًا، ويجوز أيضًا إذا اختلفا في المنفعة بيعهما مطلقًا، كما لو باع بعيرًا نجيبًا ببعيرين ليسا كذلك نسيئة، وهذا عند المالكية في الحيوان وغيره، فإنه لا يجوز السلم عندهم في شيئين من جنس واحد إلا متماثلين في العدد والصفة إلا أن تختلف المنفعة، وعندهم أن الشيء في مثله قرض٦.
следующие страницы →